انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية

الاكتفاء عن الحرف في سورة الشعراء

    لتحميل الملف من هنا
Views  169
Rating  0
 حسن غازي عكروك السعدي 9/29/2021 8:11:18 PM
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

الاكتفاء عن الحرف في سورة الشعراء
إعداد:1- أ.د. حسن غازي السعدي – جامعة بابل/كلية الدراسات القرآنية
2- ضحى صادق رسول المحنا – طالبة ماجستير – جامعة بابل/ كلية الدراسات القرآنية
hasansaady@ymail.com

الملخّص 
يُكتفى عن الحرف في التعبير القرآني في موضع، ويُذكر في موضعٍ ثانٍ، وما هذا الأسلوب إلّا دلالة على أن الذي يتحكم في ذكر الحرف وعدم ذكره هو سياق الكلام، ودلالة الجملة، والمعنى البلاغي. و لا يجوز الاكتفاء بالقول بأنْ يُقال إنَّ حذف الحرف في موضع كذا لجواز ذكره و حذفه في مثل هذه المواضع ، و لا أنْ يُقال إنّه من باب الإيجاز فقط دون ذكر الدلالة المُتحصّلة من هذا الاكتفاء ، لذا تناولنا في الدراسة الاكتفاء عن الحرف في سورة الشعراء و بيان أسراره و دلالاته في ضوء التقسيم على ما ورد في السورة من اكتفاء حرفيّ خصّ كلًّا من 1- الاكتفاء عن الحروف الأحادية . 2- الاكتفاء عن الحروف الثنائية. سبقهما مدخلٌ عن الحرف و تعريفه في اللغة و الاصطلاح .
مدخل:
تناول اللغويون والنحويون الحرف بالدراسة وبينوا أنَّ الحروف تنقسم إلى حروف مبانٍ و حروف معانٍ، و منها المختصّ و غير المختصّ، كما أنَّ منها المهمل و منها المستعمل، و من ناحية الهيئة قسِّمت الحروف الى حروف أحادية، وحروف ثنائية، وحروف ثلاثية، وحروف رباعية( )، كما بيّنوا ما يُحدثه الحرف في الكلمة من معنى و بناء و إيقاع ، و لِما يُضفيه على الجملة من إيحاء، و ما يتركهُ حذف الحرف أو إثباته من تغيير في معنى الكلمة خصوصا، والجملة عموماً .
كما تناول أرباب التجويد و القراءات القرآنية الحرف بالدراسة، فقسّموا الحروف بحسب المستوى الصوتي الى حروف مهموسة ، و حروف مجهورة و حروف الاطباق و الانفتاح و الحروف الرخوة و الشديدة و حروف الاستعلاء و الاستفال، فضلا عن تقسيمها بحسب مخارجها الى حروف حلقية و حروف ذلقية و حروف شفوية ...الخ .
و ما سيُدرس في هذا البحث هو الاكتفاء عن الحرف و ما أسماه النحويون حذف الحرف، و ما أحدثه هذا الاكتفاء من إثراء في الدلالة و أنّه ليس من باب الاختصار أو الحذف في شيء، إذ إنَّ عدم ذكر الحرف قد استدعاه سياق الكلام و دلالة الجملة .
فقد ورد في التعبير القرآني اكتفاء عن حرف عطف أو حرف جر أو حرف نداء أو غيرها من الحروف؛ لعلَّةٍ بلاغية بيانية، كما ان الاكتفاء يكون بوجود القرائن السياقية و الدلالية.
يبين ابن جني أنَّ الحذفَ لا يكون إلّا عن دليل و إلّا كان تعمية و تعقيداً و مجانبةً للبيان و الفصاحة( ) .
الحرف في اللغة:
تكاد تُجمع المعاجم العربية على ان دلالة الحرف في اللغة تعني طرف الشيء وجانبهُ وحدُّهُ، قال الخليل: (( الحرفُ منَ السفينةِ جانبُ شقّها ))( )، والحرف هو حدُّ الشيء وناحيتهُ وجانبهُ( ) .
و(( الحاء والراء والفاء ثلاثة أصول: حدُّ الشيء والعدول عنهُ، وتقديرُ الشيء))( ) و حرفُ الشيء (( طرفهُ وشفيرهُ ومن ذلك حرف الجبل وهو أعلاهُ المحدد ))( ) و((حرفا الرأس شقاه ))( ) و (( الحرف : الطرف والجانب ))( ).
والحرف الناقة الصُلبة تُشبَّه بحرف الجبل، قال ذو الرمة:

جُماليةٌ حرفٌ سِنادٌ يشُلّها وظيفٌ أزجُّ الخطوِ ريَّانُ سَهْوقُ( )

و قيل هي الناقة الضامر( )، و قد كان الأصمعي يقول: ((الحرف: الناقة المهزولة))( )، و((الحرف هو الوجه، تقول: هو على حرفٍ من أمره: أي على طريقةٍ واحدةٍ ))( ) قال تعالى: ((ومن الناسِ مَنْ يعبد الله على حرفٍ)) (الحج : 11)، أي طرف واحد و جانبٍ واحد في الدين لا يدخل فيه على الثبات( ) .
و قد جاء (التحريف) بمعنى (التغيير) في القرآن الكريم، قال تعالى: (( يُحرِّفونَ الكَلِمَ عن مواضِعه)) (المائدة : 13) و التحرُّف: الميل إلى جهة دون أخرى. قال تعالى : (( إلّا مُتحرِّفاً لقتال)) (الانفال: 16)، أي (( إلّا مائلاً لأجل القتال لا مائلاً لأجل الهزيمة، فإن ذلك معدود من مكايد الحرب؛ لأنه قد يكون لضيق المجال فلا يتمكن من الجولان فينحرف للمكان المتسع ليتمكن من القتال ))( )، مما سبق يتبين أنَّ حدَّ الحرف في اللغة طرفُ الشيء و حدُّه و جهتهُ .
الحرف في الاصطلاح :
يقول سيبويه: (( فالكَلِم : اسمٌ و فعلٌ و حرفٌ جاء لمعنى ليس باسمٍ و لا فعلٍ ...، و أمّا ما جاء لمعنى و ليس باسمٍ و لا فعلٍ فنحو: ثمَّ ،و سوف ، و واو القسم ،و لام الإضافة ، و نحوها))( )،فالحرف عند سيبويه هو ما جاء لمعنى في غيره و ليس في ذاته مثل الاسم و الفعل.
وقال السيرافي عند شرحه لتعريف الحرف: (( إنْ سأل سائلٌ فقال: لِمَ قال و حرفٌ جاءَ لمعنى و قد علمنا أنَّ الاسماءَ و الافعال جئْنَ لمعانٍ ؟ قيل له : إنما أراد و حرفٌ جاء لمعنى في الاسم و الفعل ))( ).
أمّا المبرّد فيقول في حدّ الحرف: (( هو ما كان موصلاً الفعل إلى الاسم، أو عاطفاً، أو تابعاً ،لتحدث به المعرفة، أو كان عاملا ))( )، فالحرف عند المبرّد هو ما يتعدى به الفعل اللازم الى المفعول، أو ما كان عاطفاً، أو ما له معنى بالإسناد الى غيره، أو ما كان عاملاً مثل حروف النفي و الجزم .
و رأي ابن يعيش لا يتعدى هذين الرأيين في حد الحرف في ضوء شرحه للمفصل فيقول: ((و قولنا : دلت على معنى في غيرها يعني الكلمة المقصود بها الحرف، فقد ميز الحرف عن الاسم و الفعل، إذ معنى الاسم و الفعل في أنفسهما، و معنى الحرف في غيره ))( ).
ويقول ابن مالك في حدّ الحرف:((و الحرف كلمة لا تقبل إسناداً وضعياً بنفسها و لا بنظير ، و أطلق الإسناد؛ بأن المُراد نفي قبول الحرف له من طرفيه؛لأنَّ الحرف لا يسند و لا يسند إليه ، أعني: إسناداً وضعياً، و لمّا كان من الأسماء ما يشارك الحرف في كونه لا يُسند و لا يسند إليه كالأسماء الملازمة للنداء احتيج إلى زيادة توجه ما لم يوجه بدونها فقيل: لا بنفسها و لا بنظير؛ ذلك أنَّ الحرف لا يقبل الإسناد الوضعي بنفسه و لا بنظير))( ).
أما ابن هشام فيقول في حد الحرف: (( و يُعرف الحرف بأنه لا يحسن فيه شيء من العلامات التسع : كهل ، و في ، و لم))( ) .
و يُقصد بالعلامات التسع : علامات الاسم الخمس و هي :( الجر ، و التنوين ، و النداء، و(ال) التعريف ، و الإسناد)، و علامات الفعل الأربعة و هي : ( تاء الفاعل ، وتاء التأنيث الساكنة، و ياء المخاطبة، ونون التوكيد بنوعيها) .
و يقول المرادي في حديثه عن الحرف: (( و قد حُدَّ الحرفُ بحدودٍ كثيرةٍ، من أحسنها قول بعضهم: الحرف كلمة تدل على معنى في غيرها فقط ))( ) .
أما في تسمية الحرف بهذا الاسم فقد اختلف النحاة في تسمية الحرف حرفاً، فمنهم من قال بأنه طرفٌ في الكلام، و منهم من قال بأنّه فضلةٌ( ) .
و قد ذكر الزجاجي سبب تسمية الحرف حرفاً فقال: (( و سمّي حرفاً ؛ لأنه حدٌّ بين الاسم و الفعل، و رباطاً لهما، و الحرف حد الشيء، فكأنه لربطه بين هذين، كالحروف التي تلي ما هو متصل بهما ))( ).
و قد عرّف المحدثون الحرف بأنه: (( كلمة لا تدل على معنى في نفسها ، وإنما تدل على معنى في غيرها دلالة خالية من الزمن))( )، و منهم من رأى أنّ ((للحرف معنى يدل عليه ))( ).
إن النحويين قد حددوا مفهوم الحرف بما يتوافق ومجال دراستهم النحوية، و نظـروا إليه بوصفهِ رابطة تربط بين عناصر التركيب، فلم يدرسوه بوصفهِ عنصرًا مستقلًّا عن الـسياق أو التركيـب اللغوي، ولكن بتطور الدراسات اللغوية والنحوية، تطورَ مفهوم الحرف .
و مع هـذا فقـد أشـار القدماء إلى أنَّ الحرف قد يحمل معنى في نفسه، منهم ابن فارس (395هـ) بقوله: ((إنَّ الحرف ما أفاد معنى ليس في اسم ولا فعل ))( ) .
و يمكن أنْ نقول أنَّ من الحروف ما له دلالة مطلقة و تحدد هذه الدلالة باقترانه بفعل معين أو اسم معين مثل حروف النفي والجزم وحرف التمني والترجي، و منها ما ليس له معنى إلا باقترانه باسم أو فعل مثل حروف المباني .
و نظرًا لعدم الاكتفاء عن حروف المباني في سورة الشعراء، فقد اقتصرتْ دراستنا على ما يخُصُّ حروف المعاني في السّورة .
المبحث الاول
الاكتفاء عن الحروف الأحادية
الحروف الأحادية و هي الحروف التي يتكون مبناها من حرف واحد، و يسميها المالقي (702هـ) الحروف المفردة، و هي عنده ثلاثة عشر حرفًا( ).
و يقول المرادي (749هـ) في باب الحروف الأحادية: ((هو أربعة عشر حرفًا: الهمزة، والباء، والتاء، والسين، والشين، والفاء، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو، والألف، والياء، ويجمعها قولك: بكشف سألتمونيها، ولم يذكر بعضهم الشين، فعدها ثلاثة عشر))( ) .
وقال السيوطي (911هـ): ((الحروف الأحادية في العربية أربعة عشر حرفًا، وقيل ثلاثة عشر))( ) .
وتنقسم الحروف الاحادية إلى حروف عاملة مثل (الباء ، اللام الجارة، والناصبة، والجازمة، وواو القسم، والكاف) .
وغير العاملة مثل همزة الاستفهام. ف((الحرف قسمان: عامل، وغير عامل. فالعامل هو ما أثّر فيما دخل عليه رفعًا، أو نصبًا، أو جرًا، أو جزمًا. وغير العامل بخلافه ويسمَّى المهمل))( ).

1- الاكتفاء عن الحروف الأحادية العاملة:
جاء في سورة الشعراء مجموعة من الآيات الكريمة وقد اكتفى فيها التعبير القرآني عن ذكر بعض الحروف؛ لأسباب تتعلق بالسياق، وتتعلق بدلالة المفردة ضمن سياق الجملة خاصة، والسورة عامة ومما وردَ من ذلك :

أ‌- الاكتفاء عن الباء:
قالَ تعالى على لسان موسى (عليه السلام) : ((فَائْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي اسْرَائِيلَ)) ( الشعراء : 16- 17 ) ، قال البغوي: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( أن أرسل ) أي : بأنْ أرسل (معنا بني إسرائيل) إلى فلسطين، ولا تستعبدهم( ) .
وجملة (أن أرسل معنا بني اسرائيل) جملة تفسيرية لما تضمنته لفظة (رسول) من الرسالة التي هي في معنى القول ( ) .
وقال الواحدي: (( معناه : بأنْ ، فحذف الجار ))( ) .
وللنحويّين في حذف الباء- باعتبارها إحدى حروف الجر- آراءُ فقالوا : إنَّ حذف الباء يطَّرد مع ( أنَّ وأنْ )( ) .
و قد نقل أبو حيان في البحر المحيط الإجماع على حذف حرف الجر في هذا الموضع على القياس وذلك بقوله: ((و جاز حذف حرف الجر مع أنَّ قياسًا مطردًا، و اختلفوا بعد ذلك في الحرف هل موضع أنَّ ومعمولها جرٌ ام نصب))( ) .
و قالوا في الحذف غير القياسي، ان مواضعه مختلفة، فقد يحذف حرف الجر لفهم المعنى، و قد نص على ذلك أبو حيان بقوله: ((وقد يجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى))( ).
و قد تحذف مع الافعال، وأكثر ما يكون هذا الحذف في الأفعال اللازمة التي تتعدى بحرف جر، وكذلك الأفعال المتعدية إلى أكثر من مفعول، يقول ابن هشام (761هـ): ((و حكم اللازم أنْ يتعدى بالجار كـ"عجبت منه" و"مررت به" و"غضبت عليه"))( ) .
ما يعنينا في هذا الكلام هو أنَّ ما قدره المفسرون من حذف ، و ما أوّله النحويون وما وضعوه من قواعد للجملة . قد اعتمدوا فيه على آراء النحويين ، وما قعّدوه من قواعد . وكلام الله لا تحدده القواعد النحوية و من يتعاطى التعبير القرآني يجب أنْ يكون على دراية في تنزيله و السياقات الحافّة بالنَّصِّ القرآني. يقول الزمخشري: ((و مَن لم يتقِ الله في تنزيله فاجترأ على تعاطي تأويله، و هو غير معرب، فقد ركبَ عمياء، و خبط خبط عشواء، و قال ما هو تقوُّلٌ، و افتراء، و هراء، و كلام الله منه بَراء))( ).
كما (( لا ينبغي أن يُفسَّرَ كلام الله بغير ما يحتمله، و لا أن يزاد فيه بل يكون الشرح طبق المشروح من غير زيادة عليه، و لا نقص منه))( ) فلا يمكن القول بحذف الباء في هذه الآية، بقدر ما هو اكتفاءٌ عن ذكرها .
والذي استوجب عدم ذكر الباء - فيما نرى - هو أن مضمون الرسالة ليست فقط اطلاق بني اسرائيل، وإنَّ ذكر الباء يحدد رسالة موسى وهارون (عليهما السلام) بالإطلاق فقط وهذا ما لا يريد التعبير القرآني إيصاله، فكان التعبير مُصيباً في نقل المعنى المُراد من الآية مع عدم ذكر الباء . كما أنه من باب التوسع في المعنى ((فإذا أراد التخصيص ذكر الحرف وإذا أراد كل الاحتمالات للتوسع في المعنى يُحذف))( ) .
فلم يُحذف حرف الباء اعتباطاً، أو انه حُذف لأن حذفه مُطّرد مع (أنْ) فليس للقاعدة النحوية سلطة على المتكلّم، وقد اكتفى التعبير القرآني بعدم ذكر الباء؛ لإفادة المعنى المقصود، وهو عدم تخصيص إرسال موسى ( عليه السلام) بإطلاق سراح بني اسرائيل – والله تعالى اعلم- .




ب ـــ الاكتفاء عن لام التعليل :
اللام العاملة على ثلاثة أقسام: الأول: اللام الجارّة، والثاني: اللام الناصبة، والثالث: اللام الجازمة( )، وللّام مجموعة معانٍ، و قد ذكر الزجاج في كتابه اللّامات ما يُقارب أربعين معنى للّام، ومن هذه المعاني ( التعليل ).
و لام التعليل تختلف عن لام السببية؛ فثمة فرق بين السبب والعلة أشار إليه ابن جنّي الى أنَّ العلة عندهم غير السبب، فالعلة موجبة بمعنى إنَّها إنْ تحقّقت، و وُجدت فهي مُفضية حتماً إلى معلول، لكن السبب يختلف عن ذلك ،فهو وإن كان علّة، إلّا أنهُ علّة مُجوِّزة، وليست موجبة( )(( فظهر بهذا الفرق بين العلة والسبب، وأن ما كان موجباً يُسمّى علّة، وما كان مجوّزا يُسمّى سبباً)) ولهذا قُلنا لام التعليل.
و قد قال النحويون إنَّ اللامَ الجارة تُحذف قياسياً مع ( أنْ ، أنَّ ) و على غير القياس في غير هذا الموضع، و قد ورَد الاكتفاء عن لام التعليل في قوله تعالى على لسان السحرة بعد أن آمنوا بموسى (عليه السلام) : ((إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ )) ( الشعراء : 51)، جاء في تفسير الآية : (( يقولون : لا نخاف من عذابك شيئاً،؛ لأنّا نرجع به الى ربنا، و لا نخاف الرجوع لأنّا نطمع أنْ يغفر لنا ربُّنا خطايانا؛ بسبب كوننا أوّل المؤمنين بموسى و هارون رسولَي ربنا))( ) .
و قال الزجاج: بفتح (أن) أي: لأن كنّا أول المؤمنين( ) .
و جاء في تفسير الآلوسي )(أي: لأنْ كُنّا أولَّ المؤمنين تعليل ثان لنفي الضير، ولم يعطف؛ إيذانا بأنه مما يستقل بالعِلّيّة، وقيل: إن عدم العطف لتعلق التعليل بالمعلل الأول مع تعليله، وجوز أن يكون تعليلا للعلة، والأول أظهر، أي: لا ضير علينا في ذلك إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا لكوننا أول المؤمنين، والطمع إما على بابه كما استظهره أبو حيان لعدم الوجوب على الله عزَّ و جلَّ، و إمّا بمعنى التيقن كما قيل به في قول إبراهيم - عليه السلام -: (و الذي أطمع أنْ يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) ))( ) .
و أغلب التفاسير تقول إنَّ هناك لامًا محذوفة، وتقدير الكلام (لأنْ كُنّا أول المسلمين)، و قد اتبعوا النحويين في تقدير هذه اللام متناسين السياق، والمعنى الآخر الذي أفادته الجملة القرآنية بعدم ذكر اللام .
إنّ اللام تفيد التوكيد فيما اتصلت به و ذكرها لا يُناسب فعل الطمع الذي قاله السحرة، فلو ذُكرت اللام لكان هناك خللٌ في المعنى، فعدم ذكرِ الّلام كان هو الأنسب مع سياق الكلام في إبراز المعنى المُراد، فاللام متعلق ذكرها وعدم ذكرها بالفعل ( نطمع ) ودلالته في عدم التأكد من المغفرة ، فلو ذُكرت اللام لكان المعنى (أنّ سبب الغفران لأنّا أول المؤمنين)، كما أن وجود اللّام يحصر الغفران في كونهم أول المؤمنين، و يُحتّم على الله الغفران، و هذا غير مناسب لدلالة النَّصِّ ؛ لأنهم يطمعون أنْ يغفرَ الله لهم – أوّلًا- لأنه غفور، و ليس لأجل إيمانهم؛ فالمغفرة تحصل بسبب كرم الباري – عزَّ و جلَّ- أولًا، و مَن ثمَّ بسبب إيمانهم، و لو وضِعت اللام لاقتصر طمعهُم بالمغفرة على سبب إيمانهم وحده .
فلا يمكن أنْ نقول بالحذف و التقدير في هذا المقام لأنا نُقوِّل النَّصَّ ما لا يُريدُه فنقع في الكفر من حيث لا نعلم، فوضع كل تعبير في مكانه الصحيح هو اسلوب القرآن المُعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا مِن خلفه .

2- الاكتفاء عن الحروف الأحادية غير العاملة :
ورد في سورة الشعراء أيضا الاكتفاء عن ذكر الحروف الاحادية غير العاملة، و التي كان في الاكتفاء عنها معانٍ قصدها التعبير القرآني لملائمة السياق اللغوي، والسياق المقامي للآية من ذلك الاكتفاء:

أ-الاكتفاء عن همزة الاستفهام:
و أمّا حذف الهمزة فتحذف الهمزة التي للاستفهام، دون الهمزة التي تكون للنداء. و قد أجاز حذفها الزجاج و قال: إنَّ حذفها في الكلام جائز فصيح( ) .
تُحذف همزة التي الاستفهام حذفًا مطردًا قبل (أم) المتصلة عند جماعة من العلماء يقول المرادي: ((والمختار أنَّ حذفها مطّردٌ إذا كان بعدها (أم) المتصلة لكثرته نظمًا ونثرًا))( ) .
و يرى المالقي جواز حذفها إذا فُهم المعنى ودلَّ على حذفها دليل، و لم يذكر وجود (أم) المعادلة المتصلة في جملة الاستفهام شرطًا لحذفها في حين كانت شواهده كلها من الشواهد التي حذفت منها همزة الاستفهام بوجود (أم) المعادلة في الكلام( ) .

و أجاز ابن هشام حذفها سواء تقدمت الهمزة على (أم) المعادلة أو لم تتقدم، و نُقل عن الاخفش أنّه كان يقيس حذفَها في الاختيار عند أمن اللبس( ).

و هذا ما نقله أبو حيان عن الاخفش و الفرّاء( )، و ذكر ابن النحاس (338هـ) إنه لا يجوز حذفها إلا أنْ يكون في الكلام (أم) فيجوز حذفها في الشعر ،و يقول: ((لا أعلم بين النحويين في هذا اختلاف، إلا شيئًا قاله الفراء . قال يجوز حذفُ ألف الاستفهام في أفعال الشك ، و حكي: ترى زيدًا منطلقًا بمعنى (أترى) وكان عليُّ بنُ سليمان يقول في مثل هذا إنّما أخذه من ألفاظ العامة))( ).
و هذا الذي سقناهُ يمثل آراء مَن قالوا بالحذف وفق القاعدة النحوية وما قالوه من حذف نحن لا نراه كذلك بل هو اكتفاء عن الذكر ؛ لأسباب تتعلق بالدلالة العامة للنص والدلالة الخاصة للجملة القرآنية .

و قد ورد الاكتفاء عن همزة الاستفهام في قوله تعالى: (( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبـــَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ))(الشعراء: 22)
قال أبو حيان في تفسير قوله تعالى:(( و َتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبـــَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) (الشعراء:22) إذ قال: ((قال الاخفش والفراء: قبل الواو همزة استفهام يراد به الإنكار، وحذفت لدلالة المعنى عليها، ورده النحاس بأنها لا تحذف؛ لأنها حرف يحدث معها معنى إلا إنْ كان في الكلام (أم) لا خلاف في ذلك إلا شيء قاله الفراء: من أنّه يجوز حذفها مع أفعال الشك وحكى: (ترى زيدًا منطلقًا) بمعنى (ألا ترى)، وكان الاخفش الأصغر يقول أخذه من ألفاظ العامة))( ) .
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: وقيل: هو من موسى (عليه السلام) على جهة الإنكار أي: أَتمُنُّ عليَّ. و قيل: فيه تقدير استفهام أي: أَوَ تلك نعمة؟ قاله الاخفش، والفراء أيضًا، وأنكره النحاس وغيره، و قال الفراء: ومن قال إنها إنكار قال: معناها أو تلك نعمة؟ على طريق الاستفهام كقوله:((هَذَا رَبِّي)) (الانعام:76 ) . قلت: ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم وجود (أم) خلاف قول النحاس( ) .
فالجملة في هذه الآية استفهامية مسوقة للإنكار( )، واثبات الهمزة يوجب اعتراف موسى بنعمة فرعون التي انتفت بتعبيد بني اسرائيل، فبسبب سياستك القمعية مع قومي آل بي المآل الى بيتك وإلّا لتربيت في حجر أمّي، وهذا ما اراد قوله موسى ( عليه السلام) لفرعون، وفي اختلاف الدلالة بين الذكر وعدمه بَونٌ شاسع في المعنى الذي ساقته الآية المباركة .
و يكثرُ الاستفهامُ من دون ذكر أداة الاستفهام (الهمزة) لغاية ما كما ورد هنا في هذه الآية على لسان فرعون ((قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) (الشعراء:49) ، يقول محمد أبو زهرة: ((إذا جعلنا همزة استفهام في القول، وإذا لم يكن استفهام يكون ذكر الإيمان قبل الإذن منه هو الاستنكار، كأنه ملك قلوبهم وأجسادهم، وخواطرهم ونوازع نفوسهم))( ) فهو ((لم يقل آمنتم به، إنما عدَّه استسلاما له قبل إذنه، على طريقة المناورات التي يدبرها صاحبها وهو مالك لإرادته، عارف بهدفه، مقدر لعاقبته، ولم يشعر قلبه بتلك اللمسة التي مست قلوبهم، ومتى كان للطغاة قلوب تشعر بمثل هذه اللمسات الوضيئة؟ ثم سارع في اتهامهم لتبرير ذلك الانقلاب الخطير: "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وهي تهمة عجيبة لا تفسير لها إلا أن بعض هؤلاء السحرة - وهم من الكهنة - كانوا يتولون تربية موسى في قصر فرعون أيام أن تبناه، أو كان يختلف إليهم في المعابد، فارتكن فرعون إلى هذه الصلة البعيدة، وقلب الأمر فبدلا من أن يقول: إنه لتلميذكم قال: إنه لكبيركم، ليزيد الأمر ضخامة وتهويلا في أعين الجماهير!))( )
فلم يذكر الهمزة و اكتفى بالفعل (آمنتم) لأنه ليس في مقام السؤال لهم بل هو في مقام التقرير والاستنكار عليهم لإيمانهم بموسى (عليه السلام) .
ب-الاكتفاء عن التاء:
ورد الاكتفاء عن التاء في قوله تعالى: ((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)) (الشعراء: 221-222) ، و أصل تنزَّلُ : تتنزل ، فحذف إحدى التاءين( .
قال الشوكاني: (( قال هل أنبئكم على من تنزل الشياطين أي : على من تتنزل، فحذف إحدى التاءين))( ).
و قال البغوي: (( ( تنزّل ) أي : تتنزَّل ) ))( ) .
و يرى الدكتور فاضل السامرائي أنّ القرآن (( يحذف من الفعل للدلالة على انَّ الحدث أقلّ ممّا لم يحذف منه و إنَّ زمنه أقصر و نحو ذلك فهو يقتطع من الفعل للدلالة على الاقتطاع من الحدث أو يحذف منه في مقام الايجاز والاختصار بخلاف مقام الاطالة والتفصيل ))( ) و من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (القدر:4) وقوله (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) (الشعراء :221- 223) فقال في هذه الآيات (تَنَزَّلُ) في حين قال: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت :30) .
فقال في آيتي القدر والشعراء (تَنَزَّلُ) بحذف احد التاءين ، و قال في سورة فصلت : (تتنزل) من دون حذف وذلك و الله أعلم أنَّ التنزّل في آية فصّلت أكثر مما في الآيتين الاخريين ذلك أنَّ المقصود بها: إنّ الملائكة تنزَّل على المؤمنين عند الموت لتبشرهم بالجنة و هذا يحدث على مدار السنة، و في كل لحظة؛ ففي كل لحظة يموت مؤمن مستقيم فتتنزل لتبشره بالجنة، فأعطى الفعل كلّ صيغته ولم يحذف منه شيئا واما ما ورد في سورة الشعراء فإن التّنزّل فيها أقل؛ لأنّ الشياطين لا تتنزل على كل الكفرة وانما تتنزل على الكهنة او على قسم منهم وهم الموصوفون بقوله (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ) ولا شك أن هؤلاء ليسوا كثيرا في الناس وهم ليسوا بكثرة الاولين ولا شطرهم بل هم قلة فاقتطع من الحدث فقال: (تنزل) بحذف أحد التاءين في سورة القدر فإنّ تنزل الملائكة إنّما هو في ليلة واحدة في العام وهي ليلة القدر فهو أقل من التنزل الذي يحدث باستمرار على من يحضره الموت فاقتطع من الحدث( ) .
و هذا الذي ذكره الدكتور السامرائي هو عين الاكتفاء الذي نقصده في البحث، فأي تغيير في المبنى يستدعي تغييرًا في المعنى فعدم ذكر التاء مع الفعل في هذا الموضع هو ما استدعته دلالة الفعل، فتنزل الشياطين إنما يكون على فئة معينة من الكفرة وهم الكهنة الذين يُضللون الناس ((وإنما كان الكاهن اثيماَ لأنه يضم الى كذبه تضليل الناس بتمويه إنّه لا يقول إلا صدقاً))( ) .


المبحث الثاني
الاكتفاء عن الحروف الثنائية:
الحروف الثنائية هي الحروف التي تتكون بنيتها من حرفين، وهي أيضاً تنقسم إلى حروف عاملة، وحروف غير عاملة، وسنتناول في هذا المبحث ما ورد من اكتفاء عن الحروف الثنائية حسب ما وجدناه في سورة الشعراء .
1- الاكتفاء عن حرف النداء ( يا ):
وهي آخر أحرف النِّداء في التّرتيب الهجائي، إلا أنَّها أصلٌ في بابها وذلك؛ لانفرادها بخصائص مكّنتها من أن تكون أمّ باب النّداء( )
و هي من حروف النداء التي يُنادى بها جميع مراتب النداء( ) ( القريب، و البعيد، والمتوسط )، ولأنه كثير الاستعمال قالوا: انّه هو المحذوف في المواضع التي يحذف منها حرف النداء( ) يقول ابن إياز: ((القرآن المجيد مع كثرة النداء فيه لم يأت فيه نداء بغير (يا) ))( ) .
وأجاز النحويون حذف حرف النداء نحو: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} (يوسف:29) ، {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ} ( الرحمن:55)، {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} (الدخان:18) .
و ليس الحذف في هذا الأسلوب بالظاهرة المطردة استعمالا فالّنحاة اشترطوا لذلك شروطا كادت أن تقضي على مجموع الشواهد التي أقرّت بوجود الحذف في اسلوب النداء يقول الدكتور تمام حسان ((لا ينبغي لنا أنْ نفهم أنَّ الحذف على معنى أنَّ عنصرًا كان موجودًا في الكلام ثُم حُذف بعد وجوده، ولكن المعنى الذي يفهم من كلمة الحذف ينبغي أن يكون هو الفارق بين مقررات النّظام اللغوي وبين مطالب السياق الكلامي الاستعمالي))( )، فمراعاة السياق الذي ورد فيه عدم ذكر الياء يجب أن يكون من أولويات الأحكام المُطلقة في البحث عن ظاهرة معينة .
و قد وردَ الاكتفاء عن ياء النداء في سورة الشعراء في لفظة(ربِّ) مضافة إلى ياء المتكلم و قد اكتُفيَ عن ذكر الياء المُضافة، كما في قوله تعالى على لسان موسى (عليه السلام): ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) (الشعراء:12)، وقوله تعالى على لسان نبيه ابراهيم (عليه السلام): ((رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) (الشعراء:83)، و قوله تعالى على لسان نوح (عليه السلام): ((قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ)) (الشعراء:117)، و قوله تعالى على لسان لوط (عليه السلام): ((رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)) ( الشعراء:169) .
إنَّ اسلوب الاكتفاء عن حرف النداء في هذه السورة ورد أغلبه في دعاء الانبياء، و لم يَرد في غير ذلك حتى يمكننا المقارنة بين الاساليب المختلفة .
نلاحظ أنه قد اكتُفي عن ذكر أداة النداء (يا) في قول الانبياء لنكت بلاغية، ودلالية منها :
مقام القرب الالهي بين الرب والنبي قد استدعى عدم ذكر الياء كما أنّ في النداء تنبيهًا يُنزّهُ عنه الباري عزَّ و جلَّ فهو ليس به حاجة الى التنبيه، فضلاً عن أن دلالة الافعال التي تعلق بها النداء تُنبئ عن عدم وجود وقت كافٍ لذكر الياء، فلكي تتلاءم دلالة الفعل مع المقام استدعى ذلك عدم ذكر ياء النداء حتى يجري السياق في الآية على أتم وجه .

2ـــ الاكتفاء عن (قد):
و هو حرف مختصٌّ بالفعل، ويدخل على المضارع بشرط أنْ يكون متصرفًا و أمّا معناه فقيل إنّه حرف توقع و قيل حرف تقريب، أو حرف تحقيق( ) بحسب الجمل الداخلة عليها، و جملة ما ذكر النحويون لـ(قد) خمسةُ معانٍ( ) .

و أمّا حذفه فقد ذكر ابن هشام أنه تحذف في المضارع الواقع حالاً على مذهب البصريين، و في الماضي الواقع خبرًا لـ(كان) على مذهب الكوفيين، و في الماضي المتصرف المسبوق باللام المزحلقة، والواقع خبرًا لـ(إِنَّ) على قول بعض البصريين وفي الماضي المثبت المقترن بلام جواب القسم( )
و أبو حيان يذهب في هذه المسألة مذهبٌ بصري إذ إنّه يرى أنَّ حذفه على ما قاله البصريون جائز في فصيح الكلام( ) .
جاء الاكتفاء عن الحرف الثنائي ( قَد ) في قوله تعالى على لسان فرعون ((قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ )) ( الشعراء:18) وكأنّه قال ( و قد لبثت فينا من عمرك سنين) جاء في تفسير هذه الآية ((هل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟ أن تأتي اليوم لتخالف ما نحن عليه من ديانة؟ ولتخرج على الملك الذي نشأت في بيته، وتدعو إلى إله غيره؟!
و ما بالك – و قد لبثت فينا من عمرك سنين - لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم; و لم تخطرنا بمقدمات هذا الأمر العظيم؟!))( ) .
إنّ عدم ذكر ( قد ) في الآية له مدلول يخالف مدلول الآية في حال ذكرها، لأن (قد) تقرّب دلالة الماضي إلى الحال، إذ إن الاكتفاء عن الذكر أمر تفرضه دلالة الجملة القرآنية وسياقها العام وسياقها المقامي، وبنية الكلام المنطوقة أبلغ من بنية الكلام المتروكة، فارادة الماضي هي المبتغاة من الذكر إذ إن فرعون أراد أن يذكر موسى ( عليه السلام ) بأنه هو الذي رباه حينما كان صغيراً ونشأ بينهم في داره ((أنت الذي ربيناك و أنت وليد و لبثت فينا من عمرك سنين عديدة نعرفك باسمك و نعتك و لم ننس شيئا من أحوالك فمن أين لك هذه الرسالة و أنت من نعرفك و لا نجهل أصلك؟))( )، فإرادة الماضي قد أفادها الفعل وحده فلا يحتاج الى تقدير (قد).
وكذلك قوله تعالى على لسان قوم نوح: ((قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)) (الشعراء:111)
جاء في تفسير الآية: (( أي لا نؤمن لك وقد اتبعك الأرذلون فجملة ( و اتَّبعَكَ ) حالية))( ) و: ((والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها "قد" في : واتبعك . ))( )
و قد استغنى عن ذِكرِ (قد) اكتفاءً بالفعل الماضي إذ ان الماضي عند كثير من النحويين لا يصح ان يكون حالا الا إذا لزمته (قد) لأنها تُقرّبُه من الماضي إلى الحال( ) .
و قد أجاز الكوفيون، وأبو الحسن الأخفش مجيء الجملة الفعلية الحالية من دون إضمار(قد) وهو ألْيَق بالتعبير القرآني وأنسب من تقدير الحذف، فهو يُعطي معنىً مُغاير فيما لو ذُكِرت (قد)
و هذه حجة من حجج قوم نوح (عليه السلام) التي ساقوها لتبرير عدم إيمانهم بدعوتـه وهـي أن أتباعه والمؤمنين به هم الأقل جاهًا و مالًا، حيث قالوا له: كيف نؤمن بك وقـد اتبعـك أراذلنـا فنتساوى معهم( ) .


النتائج
بعد الانتهاء من البحث نذكر أهم نتائجه ؛ و هي:
- قوله تعالى: (فَائتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي اسْرَائِيلَ) الذي استوجب عدم ذكر الباء في (أنْ أرسل) - فيما نرى - هو أن مضمون الرسالة ليس فقط إطلاق بني اسرائيل، وإنَّ ذكر الباء يحدّد رسالة موسى وهارون (عليهما السلام) بالإطلاق فقط وهذا مالا يريد التعبير القرآني إيصاله.
- قوله تعالى: ((إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ )) فلو ذُكرت اللام قبل (أنْ كُنّا) لكان المعنى (أنّ سبب الغفران لأنّا أوّل المؤمنين)، كما أنّ وجود اللّام يحصر الغفران في كونهم أولّ المؤمنين، ويُحتّم على الله الغفران، وهذا غير مناسب لدلالة النَّصِّ؛ لأنهم يطمعون أن يغفرَ الله لهم – أوّلًا- لأنه غفور، وليس لأجل إيمانهم؛ فالمغفرة تحصل بسبب كرم الباري – عزَّ و جلَّ- أولًا، ومن ثمَّ بسبب إيمانهم، ولو وضِعت اللام لاقتصر طمعهُم بالمغفرة على سبب إيمانهم وحده .
- هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) فعدم ذكر التاء مع الفعل في هذا الموضع هو ما استدعته دلالة الفعل، فتنزل الشياطين إنما يكون على فئة معينة من الكفرة وهم الكهنة الذين يُضللون الناس.
- اكتُفي عن ذكر أداة النداء (يا) في قول الانبياء في أكثر من آية في السورة لنكت بلاغية، ودلالية منها :مقام القرب الالهي بين الرب والنبي قد استدعى عدم ذكر الياء كما أنّ في النداء تنبيهًا يُنزّهُ عنه الباري عزَّ و جلَّ فهو ليس به حاجة الى التنبيه، فضلاً عن أن دلالة الافعال التي تعلق بها النداء تُنبئ عن عدم وجود وقت كافٍ لذكر الياء، فلكي تتلائم دلالة الفعل مع المقام استدعى ذلك عدم ذكر ياء النداء حتى يجري السياق في الآية على أتم وجه
- قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) اكتفى عن ذكر (قد) قبل الفعل (لبثت) ، و ذلك أنّ مجيء الجملة الفعلية الحالية من دون إضمار(قد) وهو ألْيَق بالتعبير القرآني وأنسب من تقدير الحذف، فهو يُعطي معنىً مُغاير فيما لو ذُكِرت (قد)



المصادر و المراجع
- القرآن الكريم .
- الأشباه والنظائر في النحو: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت911هـ) ، المحقق: عبد الإله نبهان - غازي مختار طليمات - إبراهيم محمد عبد الله - أحمد مختار الشري ،(ط. مجمع اللغة بدمشق ، الناشر: مجمع اللغة العربية بدمشق : 1407 - 1987
- الاقتراح في أصول النحو: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) ،ضبطه وعلق عليه: عبد الحكيم عطية ،راجعه وقدم له: علاء الدين عطية،الناشر: دار البيروتي، دمشق ،الطبعة: الثانية، 1427 هـ - 2006 م .
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .
- الإيضاح في علوم البلاغة، المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق (المتوفى: 739هـ)، المحقق: محمد عبد المنعم خفاجي،ط3، الناشر: دار الجيل – بيروت
- بلاغة الكلمة في التعبير القرآني : فاضل السامرائي ، ط2 ، القاهرة ، 2006م .
- التأويل النحوي في القرآن الكريم: د. أحمد عبد الفتاح الحموز، ط1، مكتبة الرشيد، الرياض- المملكة العربية السعودية، 1404ه 2001م .
- التَّفْسِيرُ البَسِيْط: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ)، ط1، الناشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.، 1430 هـ .
- تفسير التحرير والتنوير، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984.
- التفسير الكبير المسمى بـ: البحر المحيط: أبو حيان الاندلسي, دار احياء التراث العربي, بيروت – لبنان .
- تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل): أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: 710هـ)، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، راجعه وقدم له: محيي الدين ديب مستو، ط1، الناشر: دار الكلم الطيب، بيروت، ، 1419 هـ - 1998 م .
- تهذيب اللغة: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) ،المحقق: محمد عوض مرعب الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت ،الطبعة: الأولى، 2001م
- الجامع لأحكام القرآن ،تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، 1384هـ - 1964م .
- جمهرة اللغة : محمد عبد الحسن الأزدي البصري ( 321 ه) ، مؤسسة الحلبي ، القاهرة – مصر.
- الجنى الداني في حروف المعاني: الحسن بن القاسم المرادي،تحقيق: د. فخر الدين قباوة، و الأستاذ محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية ، لبنان، 1413ه .
- الجنى الداني في حروف المعاني: الحسن بن القاسم المرادي،تحقيق: د. فخر الدين قباوة،و الأستاذ محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية ، لبنان، 1413ه .
- حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، المؤلف: أبو العرفان محمد بن علي الصبان الشافعي (المتوفى: 1206هـ)، ط1، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت-لبنان، 1417 هـ -1997م .
- الحلل في شرح أبيات الجمل : أبو محمد عبد الله بن محمد ابن السيد البطلميوسي-521 ه ، تحقيق : يحيى مراد ، ط/ 1 ، دار الكتب العلمية –بيروت ، 2002 م .
- الخصائص، المؤلف: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)، ط4، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- رصف المباني في شرح حروف المعاني: للإمام أحمد بن عبد النور المالقي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، مطبوعات مجمع اللغة العربية- دمشق .
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270هـ)، المحقق: علي عبد الباري عطية، ط1، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، 1415 هـ .
- زهرة التفاسير: محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: 1394هـ)، دار النشر: دار الفكر العربي .
- شرح التسهيل لابن مالك , تح .د. عبد الرحمن السيد , هجر للطباعة ,1410هـ-1990 م .
- شرح المفصل للزمخشري: يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)، قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب، ط1، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 1422 هـ - 2001 م .
- الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، ط1، الناشر: محمد علي بيضون، 1418هـ-1997م.
- فتح القدير: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ) ،الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت ،الطبعة: الأولى - 1414 هـ .
- في ظلال القرآن: سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385هـ)، ط17، الناشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة، 1412 هـ .
- القاموس المحيط: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ) ،تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة ،بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي ،الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان الطبعة: الثامنة، 1426 هـ - 2005 م.
- كتاب العين ، تح د. مهدي المخزومي ، د. ابراهيم السامرائي ، دار الرشيد ، الجمهورية العراقية ، 1981م .
- الكتاب: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه (المتوفى: 180هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، ط3، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة ، 1408 هـ - 1988 .
- لسان العرب: محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى، الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، ط3، الناشر: دار صادر – بيروت، 1414 هـ .
- اللغة العربية معناها ومبناها : د. تمام حسان، دار الثقافة، المغرب، (د . ط)، 1994م .
- المحكم والمحيط الأعظم: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ت: 458هـ] ،المحقق: عبد الحميد هنداوي ،الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت ،الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770هـ) ،الناشر: المكتبة العلمية – بيروت.
- معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي: محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)، المحقق : عبد الرزاق المهدي، ط1، الناشر : دار إحياء التراث العربي –بيروت، 1420 هـ .
- معاني القرآن وإعرابه: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: 311هـ) ،المحقق: عبد الجليل عبده شلبي ،الناشر: عالم الكتب – بيروت ،الطبعة: الأولى 1408 هـ - 1988 م
- معجم مقاييس اللغة، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ - 1979م.
- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)، المحقق: د. مازن المبارك / محمد علي حمد الله، ط6، الناشر: دار الفكر – دمشق، 1985 .
- المفصل في صنعة الإعراب، أبو القاسم محمود بن عمر ، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)،دراسة وتحقيق: الدكتور فخر صالح قدارة،ط1، الناشر دار عمار للنشر والتوزيع، عمان ، 2004م .
- المقتضب: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد (المتوفى: 285هـ)، المحقق: محمد عبد الخالق عضيمة.، الناشر: عالم الكتب. – بيروت .
- من الظواهر النحوية للحروف المستخدمة في القرآن الكريم ، اطروحة دكتوراه، صباح عبد الله محمد، السعودية،1989م .
- النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة: عباس حسن ، ط3، دار المعارف، مصر(د ت ) .


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الحذف ، الاكتفاء، سورة الشعراء

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :