لفظة ( أئمة ) في القراءات القرآنية



Rating  0
Views   77
رياض رحيم ثعبان المنصوري
21/07/2019 16:16:52

لفظة ( أئمة ) في القراءات القرآنية
المقدمة
?
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الرسل والنبيين، وعلى آل بيته الأطهار الميامين, ورضوان الله تعالى على متَّبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد ...
فإنّ القرآن الكريم يُعدّ أوثق نص توارثه المسلمون, وتعهدوه بالدراسة والبحث، ولم يحظ كتاب على وجه الأرض بالعناية التي حظي بها القرآن الكريم، ولم تقتصر هذه العناية على المسلمين وحدهم، بل تعدتهم إلى غيرهم نظرًا لأهميته الكبرى وإعجازه الّذي بهر العقول، و?متلك الألباب السليمة. وقد تعددت فنونه وعلومه ومن هذه العلوم علم القراءات, وتمثل القراءات القرآنيّة ميدانًا رحبًا، ومنبعًا عذبًا للدراسات اللغوية، فهي ذخيرة لغويّة غزيرة العطاء طالما أغنت الدرس اللغوي بمعين ثرّ لا ينضب.
واللغة العربية مدينة بالكثير من أُصولها وقواعدها للقرآن الكريم وقراءاته, ولا سيما أنّ نشأة علوم العربية ?رتبطت ?رتباطًا وثيقًا بالقرآن الكريم، وطريقة قراءة نصوصه ونطقها نطقًا صحيحًا سليمًا، وقد مَنّ الله عزّ وجلّ عليّ بأن وقع اختياري على بحث ضم بين طياته حديثاً لا يخلو من فائدة عن لفظة (أئمة) وما فيها من قراءات قرآنية، وقام الباحث بمحاولة جادة للوصول إلى القراءة التي هي أولى من غيرها بالاتباع، إذ وردت هذه اللفظة بهمزتين في القرآن الكريم، وقُرئت بهمزة واحدة وتسهيل الثانية ، وقد تحامل عدد كبير من العلماء على قراءة تحقيق الهمزتين، وضعَّفها عدد منهم، وردَّها غيرهم، ولم يجوّزها إلاَّ النَّزر القليل من العلماء، وبعد البحث والتفتيش توصل الباحث إلى أَوْلى القراءتين بالاتباع، وعضد ما توصل إليه بأدلة مقنعة بعد أن عرض مواطن ورود اللفظة في القرآن الكريم، ثم بيَّن مواقف أصحاب كتب التفسير والقراءات من قراءات هذه اللفظة، ووقف بعدها على جذور مواقفهم هذه عن طريق الرجوع إلى كتب اللغة، وناقش هذه الآراء في نقاط توخى فيها الدقة والإيجاز غير المخل، وبيّن بعدها أهمَّ النتائج التي توصل إليها.
وفي الختام أرجو أن يكون عملي هذا ممّا يُنظر إليه بعين الرضا والاستحسان، فإنْ كان هذا حاله فهو بفضل الله عزّ وجلّ، وإن قصّرت فيه أو أخفقت فهو من عندي، وعذري أنّي بشر أخطئ وأصيب ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? [سورة الرعد: 17].

لفظة ( أئمة ) في القرآن الكريم وقراءاته
وردت لفظة ( أئمة ) في القرآن الكريم في خمسة مواضع ، وذلك في :
1. في قوله تعالى: ٹ?ٹ??? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [سورة التوبة: 12].
2. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? [سورة الأنبياء: 73].
3. في قوله تعالى: ??? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? [سورة القصص: 5].
4. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? [سورة القصص: 41].
5. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? [سورة السجدة: 24].
وجميعها وردت في القرآن الكريم بتحقيق الهمزتين، ولكن القرّاء السبعة اختلفوا في قراءة هذه الكلمة، فقرأ ابن كثير (ت 120 هـ)، وأبو عمرو (ت 154 هـ)، ونافع (ت 169 هـ) برواية (أَيْمَة)، ورُوي عن نافع (أَيِمَّة) و (أَئِمَّة) و (ءَايمَّة)، وقرأ عاصم (ت 127 هـ)، وحمزة (ت 156 هـ)، والكسائي (ت 189 هـ)، وابن عامر (ت 118 هـ) (أَئِمَّة) بهمزتين( ). وقيل: الياء في قراءة من خفف مكسورة بكسرة خفيفية( )، وقيل: إنّ ابن كثير، وأبا عمرو ومَن معهما لم يقرؤوا بالياء، وإنما بهمزة بين بين( ).
?
موقف علماء التفسير والقراءات من قراءة ( أئمة )
تحامل البصريون على قراءة تحقيق الهمزتين أشد التحامل، ومنع عدد منهم القراءة بها، وهذا عرض موجز لمواقف عدد من العلماء من هذه القراءة :
قال الزجاج (ت 311 هـ): ((أكثر البصريين لا يجيزون (أئمة) بهمزتين، وابن أبي إسحاق وحده يجيز اجتماع همزتين، وسيبويه والخليل وجميع البصريين –إلاَّ ابن أبي إسحاق– يقولون: أيمة –بهمزة وياء– وإذا كان الهمزتان في كلمة واحدة لم يجيزوا إلاَّ إبدال الثانية في نحو: أيمة وآدم، ومَن قرأ أئمة لزمه أن يقول في (آدم): أَأْدم؛ لأنه أفعل من الأدْمَة، وأئمة أفعلة، ولا ينبغي أن تُقرأ إلاَّ أيمة؛ لأنّ مَن حقق الهمزة فيما يجوز فيه تخفيف الهمز أجاز التخفيف، فكذلك هو يجيز التخفيف في أيمة، فتصير قراءة أيمة إجماعاً))( )، فهو لا يجيز قراءة تحقيق الهمزتين.
وقال النحاس (ت 338 هـ): ((فأكثر النحويين يذهب إلى أنَّ هذا لحن لا يجوز؛ لأنّه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، وزعم أبو إسحاق أنه جائز على بعد))( )، فعدَّه لحناً عند أكثر النحويين، ونسب إلى أبي إسحاق الزجاج أنَّه يجيز هذه القراءة على بعد، ونص الزجاج المذكور آنفاً ينفي ما نسبه النحاس.
وقال أبو علي الفارسي (ت 377 هـ): ((فالقول فيه: إنَّ تحقيق الهمزتين فيها ليس بالوجه، ومما يُضعف الهمزتين أنَّه لا نعلم أحدًا حكى التحقيق فيهما في آدم، وآزر، وآخر، ونحو هذا. فكذلك ينبغي في القياس أن يكون (أيمة)))( )، فعد تحقيق الهمزتين خروجاً عن القياس. وتابع ابنُ جني (ت 392 هـ) شيخَه أبا علي الفارسي إذ عد القراءة بتحقيق الهمزتين قراءة شاذة( ).
وقال القرطبي (ت 671 هـ): ((وقرأ حمزة (أَئِمَّةَ)، وأكثرُ النحويين يذهب إلى أنَّ هذا لحن؛ لأنّه جمعَ بين همزتينِ في كلمةٍ واحدَةٍ))( )، وموقفه هذا قريب من موقف النحاس.
وقال أبو السعود (ت 982 هـ): ((وقُرئ (أئمة) بتحقيق الهمزتين على الأصل، والأفصحُ إخراج الثانية بين بين))( )، فلم يمنع قراءة تحقيق الهمزتين، ولكنّه عدَّ تسهيل الثانية أفصح.
وقال الشوكاني (ت 1250 هـ): ((وقرأَ حمزةُ: (أَئِمَةَ)، وأكثرُ النحوِيِّينَ يذهبُ إلى أنَّ هذا لحنٌ؛ لأنَّ فِيهِ الجمعَ بينَ همزتَينِ في كلمة واحدَةٍ))( )، فنقل تلحين النحويين لمن يجمع بين همزتين في كلمة واحدة.
عند تتبع النصوص المذكورة آنفاً نجد أن أصحابها لم يرتضوا قراءة تحقيق الهمزتين، ووقفوا بين رافض ومُضعِّف، ولمعرفة سبب مواقفهم هذه لا بد من التعريج على موقف علماء اللغة من تحقيق الهمزتين في كلمة واحدة، ففي كتب اللغة نجد جذور هذه الآراء والمواقف المتشددة.

مواقف علماء اللغة من تحقيق الهمزتين في كلمة واحدة
قبل الحديث عن موقف علماء اللغة من تحقيق الهمزتين لا بدّ من وقفة سريعة عند صوت الهمزة، وخصائص هذا الصوت. يتصف صوت الهمزة بالثقل، وبصعوبة النطق به، فهو يحتاج من الجهد ما يفوق ما يحتاج إليه أيُّ صوت آخر من الأصوات اللغوية العربية، ولذلك اختصَّت الهمزة بأحكام التخفيف التي تتخذ أشكالاً عدة تهدف جميعها إلى الاقتصاد في الجهد المبذول عند النطق، يقول سيبويه (ت 180 هـ): ((واعلم أنَّ الهمزة إنَّما فَعَلَ بها هذا من لم يخففها؛ لأنه بَعُدَ مخرجها، ولأنَّها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد، وهي أبعد الحروف مخرجًا، فثقل عليهم ذلك؛ لأنَّه كالتهوُّع))( )، فلم يكتف بوصف صعوبة النطق بها بل علل ذلك، وبيّن أسبابه، وقال ابن جني: ((لأنّها حرف سفل في الحلق، وبَعُدَ عن الحروف، وحصل طرفًا، فكان النطق به تكلّفًا))( )، فعد تطرّف صوت الهمزة وبُعدَ مخرجه علةً لثقله.
ولم يقتصر وصف صوت الهمزة بالثقل، وتعليل ذلك على القدماء وحدهم، بل تابعهم في هذا المحدثون الذين جاءت تعليلاتهم أكثر وضوحاً ودقة، يقول الدكتور إبراهيم أنيس –على سبيل التمثيل–: ((ولا شك أنَّ انحباس الهواء عند المزمار انحباساً تاماً ثم انفراج المزمار فجأة عملية تحتاج إلى جهد عضلي قد يزيد على ما يحتاج إليه أي صوت آخر، ممّا يجعلنا نعد الهمزة أشق الأصوات، وممّا جعل للهمزة أحكاماً مختلفة))( )، فوصف خروج هذا الصوت وصفاً دقيقاً، وبيَّن علّة ثقله.
وبسبب صعوبة النطق بهذا الصوت وثقله ((مالت كل اللهجات السامية إلى التخلص منها في النطق))( )، ولم يقتصر التخلص من الهمز على اللغات السامية الرئيسة، بل نجد آثاره في عدد من اللهجات العربية، ولا سيما الحضرية منها( )، فنجد أهل الحجاز وأهل المدينة والأنصار يميلون إلى التخلص من الهمز فضلاً عن القبائل (غاضرة، وهذيل، وقريش، وكنانة، وسعد بن بكر)، في حين مالت إلى الهمز القبائل (تميم، وتيم الرباب، وغني، وعكل، وأسد، وعقيل، وقيس، وبنو سلامة من أسد)( ). ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أنّ اللغة العربية النموذجية جاءت بالهمزة( ). وباختلاف اللهجات العربية اختلف القراء في قراءة الألفاظ المهموزة، إذ نجد قارئًا يهمز وآخر يتخلص من الهمزة.
بيَّنت آنفاً ثقل صوت الهمزة، وصعوبة النطق به؛ لذا لجأ العرب إلى تخفيفه، لا سيما الحضر منهم، فما بالك إذا ما اجتمعت همزتان؟ من المؤكد أن الثقل عندئذ أكثر، والمشقة أكبر، وقد اختلفت القبائل العربية في طريقة تعاملها مع هذا الجهد المضاعف، والصعوبة المتكررة، فظهرت أحكام عدة للتخفيف، يقول سيبويه: ((فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتُحقّقا))( )، فعدّ تحقيق الهمزتين خروجًا عن كلام العرب، وقال بخصوص اجتماع همزتين في كلمة واحدة: ((واعلم أنَّ الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة لم يكن بُدٌّ من بدل الآخرة))( )، فإبدال الثانية أمر لا مفر منه –بحسب مذهب سيبويه– ولا يجوز سواه، وقد تابعه جمهور البصريين في موقفه هذا( ).
تُخفف الهمزة الثانية من الهمزتين المتحركتين المجتمعتين في كلمة بإبدالها نصف صامت، ولم ترد من صورها سوى ثلاث حالات هي:( )
أ . الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ، فتُبدل ياءً، نحو: أَيِمَّة أصلها أَئِمَّة.
ب . الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، فتُبدل واواً، نحو: أُوَيْدِم، أصلها أُأَيدم (تصغير آدم).
جـ . الأولى مفتوحة والثانية مضمومة فتبدل واواً، نحو: أَوُمَّ أصلها أَؤُمَّ.
وما تبقى من حالات تبادل أنواع الحركات ومواقعها هي من قبيل التمرينات الافتراضية( ). الذي يهمّنا ههنا الحالة الأولى، أعني عندما تكون الهمزة الأولى مفتوحة والثانية مكسورة.
?
مناقشة آراء المفسرين واللغويين
يذهب الباحث إلى جواز الجمع بين الهمزتين ههنا، بل إلى تفضيل قراءة (أئمَّة) على قراءة (أيمة) مستدلاً بعدد من الأدلة، وهي:
1. هذه المسألة خلافية بين البصريين والكوفيين كما نفهم من النصوص السابقة، ويعضد هذا أن الكسائي رأس المدرسة الكوفية قرأ (أئمة) بتحقيق الهمزتين فضلاً عن عاصم وحمزة (قراء الكوفة). بل إنَّ البصريين أنفسهم لم يستقر رأيهم على رفض اجتماع الهمزتين. فهناك من يوجب إبدال الهمزة الثانية من الهمزتين المتحركتين، وهناك من يوجب جعل الثانية همزة بين بين، حملاً على حكم الهمزة المفردة. ونجد بينهم من يجوز الجمع بين الهمزتين وتحقيقهما، وهو ابن أبي إسحاق الحضرمي( )، وأجاز الأخفش (أئمة) بتحقيق الهمزتين، ولم يعترض على تحقيقهما، ولم يعقب عليه( ). وابن أبي إسحاق والأخفش من أعمدة المدرسة البصرية، وقد وافقهما العكبري وابن الحاجب( ).
2. يؤيد السماع ما ذهبت إليه مدرسة الكوفة، إذ سُمع عن العرب: أئمة، ودرائئ في دريئ، وخطائئ في خطيئة( ). وثمة استعمالات لهجية في همزتي (أئمة) ونحوها ممَّا تحركت فيه الهمزتان، وهي: أئمة بتحقيق الهمزتين معًا، وأائمة بالفصل بينهما بألف، وأيمة بجعل الثانية همزة بين بين؛ لأنّها متحركة بعد متحرك، فتعامل معاملة الهمزة المفردة، وأايمة بالفصل بين الهمزة الأولى وهمزة بين بين بألف( ).
3. لهذه الكلمة خصوصية، إذ إنّ أصلها (أَأْمِمَة) بهمزة مفتوحة بعدها همزة ساكنة، وذكر العلماء طريقتين لتحولها إلى (أيمَّة) لا ثالثة لهما، وهما( ):
أ . تقتضي قواعد التخفيف أن يحل صوت الألف محل الهمزة الثانية، وتسكن الميم الأولى وتدغم في الميم الثانية. وتتحول الألف إلى ياء. وهذا الرأي مردود؛ لأنّه عاجز عن تفسير أمور عدة، منها حذف حركة الميم الأولى، إذ لا يجوز نقلها إلى صوت الألف، وحذفها يؤدي إلى التقاء الألف بالميم الساكنة ؛ وهذا ممَّا لا تميل إليه العربية، فضلاً عن عدم وجود تفسير سليم لقلب الألف ياءً؛ لذلك فإنَّ تحقيقها أولى.
ب . أن يكون الإعلال أسبق من الإدغام، وأنَّ الذي حدث نقل الحركة من الميم أولاً لأجل الإدغام، فصارت الهمزة الثانية مكسورة ثم أُبدلت ياءً؛ لكونها همزة مكسورة بعد همزة مفتوحة، وفي هذا نظر أيضًا, لأنَّ من ذهب إلى أنَّ الإعلال سابق للتخفيف استدل بهذه اللفظة فقط، ولم تسعفه اللغة بسواها. ويزاد على ذلك أنَّ ما ينتج عن هذا ياء مكسورة بعدها ميم ساكنة، والياء المكسور ثقيلة، يقول الفراء: ((ويقولون: هذه أُجوه حسان بالهمز؛ وذلك لأنّ ضمة الواو ثقيلة، كما كان كسر الياء ثقيلاً))( )، ويقول ابن مجاهد: ((فإذا خُلفت المكسورة بياء مكسورة كانت أثقل من الهمزة، ولم يكونوا ليفروا من ثقيل إلى ما هو أثقل منه ... وإنْ امتحنت ذلك وجدته كذلك))( )، فهل يفر المرء من ثقيل إلى ما هو أثقل؟ ، إذ تبدل الواو المضمومة والياء المكسورة همزة في عدد من المواضع، وتسكين هذه الياء يؤدي إلى التقائها بالميم الساكنة، زيادة على قول أبي علي الفارسي: ما ذُكر ((من أنَّ نافعًا، وابن كثير، وأبا عمرو قرؤوا بهمز الألف، وبعدها ياء ساكنة غير مستقيم؛ لأنّ الياء التي بعد ألف أَفْعِلَة متحركة بالكسر، فكيف تكون ساكنة؟))( ).
وبهذا يتبين ضعف الطريقتين، ناهيك عن أنَّ الطريقتين المذكورتين تفسران تحول (أئمة) إلى (أيِمَّة) بتشديد الميم، والمروي عن القراء (أيمَة) بميم غير مشددة.
ولم أجد مراعاة لخصوصية هذه اللفظة في غير هذا النص الذي ينقله الطبرسي إذ قال: ((قال علي بن عيسى: إنما جاز اجتماع الهمزتين هنا؛ لئلا يجتمع على الكلمة تغييران: الإدغام والقلب، مع خفة التحقيق؛ لأجل ما بعده من السكون، وعلى هذا تقول هذا أَءَمُّ من هذا، بهمزتين. قال: وإنمّا قُلبت الهمزة من (أئمة) دون حركة ما قبلها؛ لأنّ الحركة إنما نُقلت من الميم إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة، فلو ذهبت بقلبها على ما قبلها لكنت مناقضاً للغرض فيها))( )، فكان متفردًا في مراعاته لخصوصية هذه الكلمة، وأفلح إلى حدٍّ ما في إعطاء تفسيرات جيدة لتحول (أئمة) إلى (أيِمَّة) بالتشديد، ولم يفسر القراءة بميم واحدة.
4. لاجتماع الهمزتين وجه من القياس ذكره أبو علي الفارسيّ، ((ووجهه من القياس، أن يقول الهمزة حرف من حروف الحلق، كالعين وغيرها، وقد جُمع بينها في نحو: لعّاعة، وكعِّ، وكعَّة، والفهَّة، وكذلك في غير هذه الحروف، فكما جاء أن اجتماع العينين كذلك، يجوز اجتماع الهمزتين))( ). بل نقل السيرافي عن أبي زيد أكثر من هذا إذ قال: ((وكان أبو زيد يُجيز إدغام الهمزة في الهمزة، ويحكي ذلك عن العرب، ويقول: اقرآية، يجعلها كسائر الحروف))( ).
5. وردت لفظة أئمة في عدد من المعجمات العربية المعتبرة، إذ ذكر أصحابها أنَّ جمع إمام: أئمة( ).
6. الذوق اللغوي يميل –عادة- إلى لفظة (أَئِمَّة) على حساب (أَيِمّة)، بدليل أننا اليوم نستعمل اللفظ الأول وتركنا استعمال اللفظ الثاني في لغتنا الفصيحة، وعد الدكتور أحمد مختار عمر لفظة (أيمة) فصيحة مهملة( )، فما كانت لتموت لولا كون العرب إلى (أئمة) أميل، وهم بها أأنس، وذوقهم فيها أرغب.
7. قراءة تحقيق الهمزتين التي تحامل عليها البصريون قراءة أربعة من السبعة، ورُويت عن الخامس. أمَّا ابن كثير، وأبو عمرو ومن معهما فثمة خلاف في وصف قراءتهما، إذ نُسبت إليهما القراءة بهمزة بين بين، والقراءة بالياء الخالصة ساكنة مرة ومكسورة بكسرة خفيفة مرة أخرى، ولم تثبت لهم إحدى القراءتين، بل نجد الزمخشري يرفض رفضاً قاطعاً أن يُنسب إليهما قراءة الياء الخالصة، إذ يقول: ((فإن قلتَ: كيف لفظ أئمة؟ قلتُ: همزة بعدها همزة بين بين: أي بين مخرج الهمزة والياء، وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة عند البصريين، وأمَّا التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن تكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرّف))( )، وقال الرضي الاستراباذي: ((ولم يجيء في القراءة قلب الهمزة الثانية في أئمة ياءً صريحة ))( )، أمَّا القراءة بهمزة بين بين فهي أقل رواية عنهم، كما يتضح في بداية المسألة، وبذلك لم تثبت عن السبعة وغيرهم من القراء سوى قراءة (أئمة).
وبهذا تتجلى بوضوح أفضلية قراءة (أئمة) على قراءة (أيمة) ونحوها مما خُففت فيه ثاني الهمزتين، فالتحقيق أولى، وبالتحقيق نحن اليوم نقرأ في المشرق العربي الذي شاع فيه المصحف الذي يراعي في رسمه قراءة عاصم برواية حفص، وما كان لهذه القراءة أن تشيع لولا موافقة رسم المصحف الإمام، دقة اختيار المفردات فيها فضلاً عن كونها القراءة التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، والذي أخذها بدوره عن الإمام علي ( عليه السلام )، وأخذها أمير المؤمنين بدوره عن النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم )، فهي أوثق القراءات سندًا، وأصحها متنا.
?
نتائج البحث
بعد الخوض في قراءات لفظة (أئمة)، ومحاولة سبر أسرارها، وتتبع آراء علماء التفسير والقراءات واللغة فيها، وبعد هذه السفرة الممتعة بين صفحات كتب التفسير والقراءات، وبعد هذه الجولة المثمرة في كتب اللغة، وما لازم كل هذا من إعمال الفكر، و?ستحضار الذهن، وإنعام النظر وقف الباحث على مجموعة من النتائج لعلّ أهمها:
1. تبيّن حجم الخطأ الكبير الذي وقع فيه من ردَّ قراءة تحقيق الهمزتين أو ضعّفها، وبيّن الباحث مستدلاً بأدلة مقنعة أنّ قراءة التحقيق أولى قراءات هذه الكلمة وأفضلها، وأوثقها سندا، وأصحّها متنا.
2. سلط الباحث الضوء على موقف البصريين الذين أفلحوا إلى حدٍّ كبير في وضع قواعد تخفيف الهمزة المفردة، بيدَ أنَّهم أخفقوا في وضع قواعد تخفيف الهمزتين المجتمعتين في كلمة، ولا سيما أنَّهم عدّوه تخفيفًا واجبًا، بعد أن سيطرت على أذهانهم فكرة أن الهمزة الواحدة تخفف جوازاً؛ لأنَّها ثقيلة، واجتماع الهمزتين أثقل وأشقّ؛ لذا ينبغي أن تخفف إحداهما وجوبًا، متجاهلين اللهجات الفصيحة، والقراءات المتواترة عن قرّاء ثقات، إذ ورد تحقيقهما معًا في ما لا يمكن ردّه أو تأويله، وجرّهم هذا الحكم إلى تفضيل المفضول على الأفضل. أما الكوفيون فلم تصل إلينا عنهم قواعد واضحة المعالم، بيد أنّ قراءات قرّاء الكوفة تُوحي عمومًا بصحة مذهبهم في هذا الشأن.
3. قراءة عاصم برواية حفص تمثل القراءة المثلى من جهة الهمز والتخفيف، وتمثل المنهج المعتدل الذي لا يبالغ في تخفيف الهمز أو في همز غير المهموز، أمَّا سواه من القراء السبعة فلم يبلغوا منزلته، وهذا ما أشار إليه المستشرق الألماني برجستراسر( ). ويمكن التأكد من صحة هذا عن طريق الاطلاع على سمات قراءة كل قارئ من القراء السبعة .

وصف الــ Tags لهذا الموضوع   اجتماع، همزتين، كلمة، أئمة، قراءات