الموقف الفقهي لعلماء الحلة من القراءات القرآنيّة



Rating  0
Views   96
رياض رحيم ثعبان المنصوري
21/07/2019 15:17:26


الموقف الفقهي لعلماء الحلة من القراءات القرآنيّة



م. د. رياض رحيم ثعبان المنصوريّ
جامعة بابل/ كلية الدراسات القرآنية/ قسم علوم القرآن

Lect. PhD. Reyadh Raheem Thuban Al-Mansoori
College of The Studies of Quran/ University of Babylon
?
المقدمة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، مُنَّزِلِ القرآنِ الكريمِ على صدرِ الصادقِ الأمينِ، ومرسل نبيِّ الرحمةِ محمّدٍ خاتمِ الرسلِ والنبيين، صلى اللهُ عليه وعلى آله أجمعين، ورضوانُ اللهِ تعالى على مُتَّبِعِهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
النصُّ القرآنيُّ أهمُّ نصٍّ على وجهِ الأرضِ، وأقدس نصّ توارثه المسلمون، فهو خاتم الكتب السماوية الذي تعهد الرب الجليل بصيانته وحفظه من أيادي التحريف والتزييف، وهو المعجزة الخالدة التي تحدّت البشريّة على مرِّ العصور والقرون، فلم يستطع أحد مجاراته. ولا شكَّ في أنّ اختلافَ قراءاتِهِ وأداء كلماتِهِ له أهميةٌ كبيرةٌ اكتسبَها من أهميةِ النصِّ.
وجدير بالذكر أنّ الاختلاف لا يقتصر على الألفاظ، بل يمتدّ ليَشملَ عدد آيات السورة الواحدة، ونجد هذا يردّ بكثرة عند الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في كتابه (التبيان في تفسير القرآن) ( )، وقال ابن إدريس عن سورة البقرة: ((وهي مئتان وستٌ وثمانون آية في الكوفي، وسبع بصري، وخمس مدني))( )، قصد عدد آياتها في مصحف الكوفة، ومصحف البصرة، ومصحف المدينة.
ووجود قراءات قرآنية مختلفة الألفاظ من الأمور التي أقرّ بها علماء العامة والخاصة، وسُطِّرت في ذلك المصنفات والمؤلفات، وتباينت المواقف منها بين مؤيد ومعارض، وذهب قوم إلى أنّها محاولة للتحريف، وذهب غيرهم إلى أنّ القراءات كلها متواترة ومصدرها الوحي، وذهب المعتدلون إلى أنها اختلافات لهجية وما شابهها، وقد عُرف عن علماء الإماميّة –وعلماء الحلة جزء منهم- قلة العناية والاهتمام بالقراءات القرآنية ناهيك عن سبر أغوارها، والغوص في أعماقها، وفي هذا البحث سيتضح أنّ ما عُرف عنهم لا يخلو من مبالغة، أنا لا أنكر هنا أنّ كتب القراءات التي وصلت إلينا كان لعلماء العامة فيها النصيب الأكبر، ولكن هذا لا يعني انتفاء العناية لدى علماء الإماميّة.
ويتضح الموقف الفقهي من القراءات القرآنية في ثلاثة جوانب ستكون محاور البحث، وهي :
الجانب الأول: الموقف الفقهي العام من القراءات القرآنية، وتواترها.
والجانب الثاني: أثرها في استنباط الحكم الفقهي عند علماء الحلة.
والجانب الثالث: حكم القراءة بها عند الصلاة.
ولا يخفى على القارئ الفطن حجم الصعوبات والعقبات التي تقف بوجه من يتصدى لدراسة القراءات القرآنية، ولا سيما أني حاولتُ في عملي هذا أنْ أُبيِّنَ الموقفَ الفقهي دون سواه من المواقف، وهو عمل ليس باليسير، وتكتنفُهُ مصاعبُ جمَّةُ، منها: لم تصل إلينا كتب للحليين القدامى تختص بالقراءات القرآنية( )، وقد امتنع عددٌ من العلماء الحليينِ عن الخوض في هذا الموضوع، ولم أجد عند علماء الحلة حديثًا عن الجانب الفقهي للقراءات القرآنية سوى ما وجدته عند: ابن إدريس الحلي (ت 598 هـ)، وعلي بن طاووس (ت 664 هـ)، والعلامة الحلي (ت 726 هـ)، والمقداد السيوري (ت 826 هـ)، ويُزاد على هذا أنّ قراءة القرآن من الأعمال االمندوبة لا الواجبة، لذلك تخلو كتبُ الفقهِ من بيانِها وبيانِ أحكامِها عدا ما يخصُّ قراءةَ السور في الصلاةِ.
وعلى الرغم من هذه المصاعبِ مَنَّ اللهُ عليَّ بأن أكملتُ هذا العمل فاستوى على سُوْقِهِ، راجياً أن يجعلهُ مما يُعجبُ الزُّراع، فإن كان هذا حاله فهو بفضل الله ومنته، وإنْ قصرتُ فيه فهو من عندي.
?
تعريف القراءات القرآنية
قبل الإبحار في غمار هذا الموضوع ومحاولة الغوص في غوره من أجل فتح صدفاته واستخراج مكنوناتها لا بدّ من بيان موجز لمفهوم القراءات وتعريفها. وقد عُرِّفت القراءات القرآنية تعريفات كثيرة تلتقي في جوانب وتختلف في جوانب أُخر، ويصل اختلافها إلى درجة التناقض أحياناً، وأغلب هذه التعريفات نجدها خارج كتب الإمامية، فضلا عن علماء الحلة، إذ لا نجد تعريفًا للقراءات عند متقدمي علماء الحلة ومتأخريهم.
عرف الزركشي (ت 794 هـ) القراءات القرآنية بقوله: ((القراءات: اختلاف ألفاظ الوحي ... في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها))( )، وظاهر تعريفه أنّه يعد مصدر القراءات الوحي، وهو مصدر القرآن الكريم أيضا. بيدَ أنه قال: ((واعلمْ أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد (صلى الله عليه [وآله] وسلم) للبيان والإعجاز، القراءات: اختلاف ألفاظ الوحي))( )، وهذا ينفي كون القرآن والقراءات حقيقة واحدة، إذ يبدو أنه يرى أن الاختلاف في الحروف وكيفيتها مردُّه إلى الوحي أيضاً، وإنْ غاير لفظُ القراءات لفظَ القرآن، ولم يبيّن ههنا علة اختلاف هذه الألفاظ، وعلة تغايرها.
وعرّفها ابن الجزري (ت 833 هـ) بقوله: (( القراءات: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوّاً لناقله))( )، وعبارة (معزواً لناقله) إذا ما تأملنا فيها نلمح فيها دلالة على أن القراءات تختلف ألفاظها تبعاً للناقل، وهو هنا القارئ أو الراوي الذي يروي القراءة، وقد تُنسب إليه تجوّزًا، فيُقال – على سبيل التمثل – قراءة عاصم، وقراءة نافع.
وعرفها البنا الدمياطي (ت 1117 هـ) بقوله: ((علم يُعرفُ منه اتفاق الناقلين لكتابِ اللهِ تعالى، واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين، والفصل والوصل، وغير ذلك من هيأة النطق والإبدال وغيره، من حيث السماع))( )، ونجد تأثير الناقلين ههنا أكثر وضوحا مما هو عند ابن الجزري. فالمنقول واحد، وهو كتاب الله، ولكنّ الناقلين اختلفوا في وجوه عدّة.
وعرفها الزرقاني (ت 1367 هـ) بقوله: ((مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القرّاء مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيآتها))( )، فعدّ القراءات اختلافًا في نطق القرآن الكريم، ونلمح في تعريفه هذا أن القرآن الكريم والقراءات حقيقة واحدة عنده، ولكن تختلف من قارئ إلى قارئ عند قراءته للقرآن الكريم نفسه.
وعرفها الدكتور عبد الهادي الفضلي بقوله: ((هي النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كما نُطقت أمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقرّها، سواء كان النطق باللفظ المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلاً أو تقريراً، واحداً أم متعدداً)) ( )، ومردّ القراءات عنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفظاً أو تقريراً. وعند تعدد القراءات لا يمكن حملها على هذا الوجه فثمة ألفاظ وصلت قراءاتها إلى عشر قراءات أو أكثر، ولا سيما في عدد من الألفاظ الأعجمية، ويُستبعد أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قرأ بها كلّها، أو أقرّها جميعها.
نفهم من التعريفات المذكورة آنفاً –عدا تعريفَي الزرقانيّ، والدكتور عبد الهادي الفضليّ- أنَّ القرآنَ والقراءاتِ حقيقتان متغايرتان، ويعضد هذا قولُ السيد أبي القاسم الخوئي: ((إنَّ كل واحد من هؤلاء القراء (يعني السبعة) يحتمل فيه الغلط والاشتباه، ولم يرد دليل من العقل ولا من الشرع على وجوب اتباع قارئ منهم بالخصوص، وقد استقل العقل وحكم الشرع بالمنع عن اتباع غير العلم))( ).

أسباب تعدد القراءات
لم يفصّل علماء الحلة القول في أسباب تعدد القراءات القرآنية وعلل اختلاف ألفاظها، وسبب ذلك أنّهم يذهبون إلى ما ذكره أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((إنَّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة)) ( )، وفي هذه الرواية تصريح بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى تعدد القراءات القرآنية واختلاف ألفاظها، فمردّ تعدد القراءات القرآنية إلى اختلاف الرواة، ولاختلاف الرواة أسباب عدّة منها: اختلاف اللهجة، واعتياد اللسان على استعمال دون غيره، ومنها: الاجتهاد، وأخطاء السمع، والوهم، والنسيان. ولكنّ هالة التقديس التي أحاطت بالقراءات القرآنية جعلت عدداً من العلماء – من غير الإمامية - يعدّون هذه القراءات متواترة عن جبرائيل (عليه السلام)، أو عن النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان حريًّا بهم أن يغربلوا هذه القراءات ويمحصوها، ويفتشوا في أسانيدها، ويدرسوها دراسة موضوعية بعيدة عن التعصب بعد تحريرها من هالة القدسية التي أحاطت بها.

?
الموقف الفقهي العام
قد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤالاً مفاده: أتجوز قراءة القرآن بإحدى القراءات القرآنية؟ ونجد الإجابة عن هذا السؤال المفترض عند علماء الحلة، ومضمون جوابهم: يجوز للقارئ أن يقرأ بما هو متداول بين القرّاء من القراءات المشهورة، قال العلامة الحلي: ((يجوز أن يُقرأ بأي قراءة شاء من السبعة؛ لتواترها أجمع، ولا يجوز أن يُقرأ بالشاذ، وإنْ اتصلت رواية؛ لعدم تواترها))( )، فجوّز القراءة بالقراءات السبع المشهورة، وصرّح بعد تواتر الشاذ منها.
وقال أيضًا: ((يجب أن يقرأ بالمتواتر من القراءة وهي السبعة، ولا يجوز أن يقرأ بالشاذ ولا بالعشرة، وأنْ يقرأ بالمتواتر من الآيات، فلا يقرأ بمصحف ابن مسعود، اتصلت به الرواية أو لا، لأن الآحاد ليس بقرآن))( )، فعدّ القراءات السبع متواترة، وقدح بتواتر القراءات الأخر، وخصّ تتمة العشرة بالذكر؛ لشهرتها، وعلو شأنها عند عدد من المسلمين، وهي قراءة خلف ويعقوب، ويزيد بن القعقاع، ومنع القراءة بمصاحف الصحابة والتابعين، وخصّ مصحف ابن مسعود بالذكر، وهذه المصاحف من قبيل أخبار الآحاد في حال اتصال رواتها.
وصرّح ابن طاووس بعدم جواز القراءة بما يخالف رسم المصحف، إذ عارض قول الفراء (ت 207 هـ): ((وقوله: ?? ? ??? [سورة الدخان: 54]، وفي قراءة عبد الله: (وأمددناهم بعيس عين)، والعيساء: البيضاء، والحوراء كذلك)) ( )، فقال ابن طاووس: ((وما أدري كيف ذكر قراءة عبد الله واختلاف اللفظين على خلاف المصحف؟ وكذا يتضمن تأويل القرآن اختلافًا كثيرًا، وكيف احتمل المسلمون تجويز صحة هذا والطعن على لفظ المصحف الشريف؟ ومن هذه الوجهة طعناه)) ( )، فلا يجوز مخالفة رسم المصحف والأنكى من هذا أن هذه القراءة تؤول إلى معنى يخالف معنى النص القرآني.
وعندما منع الزجاج (ت 311 هـ) القراءة بما تحتمله العربية إن لم ترد فيه رواية( ) قال ابن طاووس مؤيدًا له: ((هذا الزجاج قد ذكر المنع من العمل باحتمالات الإعراب في القرآن، واقتصر على ما نُقل بالطرق الصحيحة من جهة صاحب الشريعة، وهذا هو الأحوط في دين الإسلام، وهو خلاف ما قدمناه عن كثير ممّن صنّف تفسير القرآن)) ( )، فثمة مواضع في القرآن الكريم تبيح العربية قراءتها بأكثر من صورة، ولكن لا يجوز الإتيان بما أباحته العربية إنْ لم يعضده سند متين.
وما ذهب إليه ابن طاووس، والعلاّمة الحلي لم يكن اجتهادًا منهما أو أمرًا مبتدعًا، بل هو يمثل موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): ((إنَّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة))( )، وقد تحدثتُ آنفًا عن مضمون هذا الحديث بتفصيل.
ورُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((عن الفُضَيْل بن يَسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ الناس يقولون: إنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا -أعداءُ اللهِ- ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد))( )، وهذا الحديث يؤيد الحديث السابق ويصبّان معًا في موضع واحد، ومنبعهما واحد.
وفيما يخصُّ القراءة التي علينا أنْ نقرأ بها رُوي عن الصادق (عليه السلام): ((عن سُفيان بن السِّمْطِ قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن تنزيل القرآن قال: اقرؤوا كما عُلِّمْتُم)) ( )، والمراد هنا –والله أعلم-: اقرؤوا كما عُلِّمتم من القراءات المشهورة على أيد أناس ثقات حفَّاظ، فليس كل ما يُعلَّم يمكن الاعتداد به.
وقد التزم هذا الخط عددٌ من علماء الإمامية، منهم الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) إذ يقول: (( فاعلم أنّ الظاهر – من مذهب الإمامية: أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء بينهم من القراءات إلا أنّهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء وكرهوا تجريد قراءة مفردة)) ( ).
ويتّضح بعد هذا أنَّ موقف ابن طاووس، والعلامة الحلي يُعدُّ امتدادًا لموقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلماء الإماميّة من قبله.

القراءات القرآنية والأحكام الفقهية
لم يقاطع علماء الفقه الحليون القراءات القرآنية، فقد ولجت عددًا من كتبهم الفقهية، وكان لها حضور متميز عند عدد منهم، إذ استأنسوا بها، وعضدوا الأحكام الفقهية بإيرادها. أنا لا أزعم هنا أنّ علماء الحلة عدّوا القراءات القرآنية مصدرًا من مصادر استنباط الأحكام الفقهية، أو أنهم اتكؤوا عليها في كتبهم الفقهية، بل أقول: إنهم استأنسوا بها عند الاستنباط الفقهي، وذكروها مؤيدةً لعدد من الأحكام الفقهية التي استنبطوها؛ لتكون مؤيدة لصحة الحكم وسلامة استنباطه، وتُزيده استقرارًا في الأذهان والألباب، أو لغرض بيان علة اختلاف الحكم الفقهي في هذه المسألة أو تلك، ولا يخفى على القارئ الفطن مقدار الاختلاف بين مصادر التشريع، ومواضع الاستئناس.
توجد عدد من المواضع التي استأنس فيها المشرِّع الحلي بقراءة قرآنية من أجل تقوية حجته في الاستباط، وكان لابن إدريس، والمقداد السيوريّ النصيب الأوفر في هذا الاستئناس، وقد ورد في مواضع عدة منها:
1. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? [سورة البقرة / 222] قرأ عاصم برواية حفص، وابن كثير، ونافع، وأبو عمر، وابن عامر: (يَطْهُرْنَ)، وقرأ عاصم برواية أبي بكر، وحمزة والكسائي: (يَطَّهَّرْنَ) ( ). وقال ابن إدريس: ((وقوله: ?? ?? بالتخفيف، معناه: ينقطع الدم عنهن، وبالتشديد معناه: يغتسلن في قول الحسن والفراء، وقال مجاهد وطاووس: معنى: يطهرن يوضأنَ وهو مذهبنا. والفرق بين (طَهُرتُ) و(طهّرتُ) أنّ فَعُل لا يتعدى؛ لأنّ ما كان على هذا البناء لا يتعدى وليس كذلك فعّل، ومن قرأ بالتشديد قال: كان أصله (يتطهرن) فأدغم التاء في الطاء.
وعندنا يجوز وطء المرأة إذا انقطع دمها وطهرت وإنْ لم تغتسل إذا غسلت فرجها، وفيه خلاف، فمن قال: لا يجوز وطؤها إلاّ بعد الطهر من الدم والاغتسال، تعلّق بالقراءة بالتشديد، وأنها تقيد بالاغتسال، ومن قال: يجوز، تعلق بالقراءة بالتخفيف، وهو الصحيح.
ويمكن في قراءة التشديد أن تحمل على أنّ المراد به توضّأنَ على ما حكيناه على طاووس وغيره، ومن استعمل قراءة (التشديد) يحتاج أن يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر محذوفاً بأن يقول: تقديره: (حتى يطهرن ويتطهرنَ) على ما قلناه ولا يحتاج إليه)) ( )، ونلاحظ هنا ذكر القراءة القرآنية من أجل بيان الموقف الفقهي، وكلّ قراءة دلّت على حكم فقهي يختلف عن حكم القراءة الأخرى، وإنْ أمكن جمع القراءتين تحت معنى واحد. واختار ابن إدريس القاعدة الفقهيّة الّتي تنسجم مع النص القرآني لا مع القراءة القرآنية. وجدير بالذكر أن كلام ابن إدريس كان قريبًا ممّا ذكره الشيخ الطوسي( ).
وقال المقداد السيوري: (((حَتَّىَ يَطَّهُرْنَ) بالتشديد على قراءة حمزة والكسائي، أي يغتسلنّ، وقرأ الباقون: بالتخفيف، أي: ينقين من الدم)) ( )، وذهب إلى أنّ ((دمّ الحيض من الأحداث الموجبة للغسل؛ لإطلاق الطهارة المتعلقة به))( )، فاستدلّ من ذكر لفظ (يطْهرن) مطلقًا لا مقيّدًا على حكم وجوب الغسل. وذكر مذهب أصحابه إذ قال: ((وأمّا أصحابنا فجمعوا بينهما: قبل الغسل جائز على كراهية، وبعده لا على كراهية))( ).

2. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? [سورة المائدة: 6]، قرأ عاصم برواية حفص، ونافع، وابن عامر، والكسائي (وأرجلَكم) بالنصب، وقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمر، وعاصم برواية أبي بكر (وأرجلِكم) بالجر( ). استأنس ابن إدريس بقراءة جرّ الأرجل إذ قال: ((وقوله: ?? ? ?? [سورة المائدة/ 6] عطف على الرؤوس، فمَن قرأ بالجر ذهب إلى أنه يجب مسحهما كما وجب مسح الرأس، ومن نصبهما ذهب إلى أنه معطوف على موضع الرؤوس؛ لأن موضعهما نصب؛ لوقوع المسح عليها، وإنّما جرّ الرؤوس لدخول الباء الموجبة للتبعيض على ما بيّناه، والقراءتان جميعًا تفيدان المسح على ما نذهب إليه))( )، فالقراءتين عنده تعطيان حكما واحدا وإن اختلفت تفاصيلهما، وهو حكم المسح، وهو ما تعضده قواعد النحو، إذ لا يمكن العطف على الوجوه أو الأيدي مع وجود هذا الفصل بينهما، فمتى ما اجتمع عاملان قريب وبعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله عليه( ).
3. في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? [سورة النساء / 24] ذكر المقداد السيوري ثلاثة أدلة تُؤيد جواز زواج المتعة، وكان الدليل الثالث منها قوله: ((قرأ ابن عباس( )، وابن جبير( )، وأُبي بن كعب( )، وابن مسعود( ) وجماعة كثيرة: ( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهنّ أُجورهن فريضة)، وذلك صريح في إرادة المتعة المذكورة. وقد روى الثعلبي ( ) عن جبير بن أبي ثابت، قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أُبيّ، فرأيت فيه (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى). إن قلتَ: إنّ ذلك وإنْ أثبته هؤلاء فقد أنكره غيرهم على أنه لو ثبت لكان قرآنًا، والقرآن لا يثبت بالآحاد.
قلتُ: الجواب عن الأول: أنّ المثبت يقدَّم على النافي، إذ قد يُخفى على إنسان ما يظهر لغيره، ولأنه فيه صيانة للمسلم الظاهر العدالة عن الكذب. وعن الثاني: أنّه إذا لم يثبت قرآناً فما المانع أن يثبت به الحكم، ونحن نقنع بخبر الواحد في هذه الصورة خصوصاً مع تأكده بإجماع أهل البيت ورواياتهم، والخصم يحتجُّ بأضعف من رواية هؤلاء المعظمين، بل منهم مَن ينسخ به الأحكام الثابتة)) ( )، فقد ثبتت في مصحف أبي – وفقا للرواية المذكورة- عبارة (إلى أجل مسمى). فاستدلَّ المقداد السيوريّ بهذه القراءة وبمصحف أُبي على جواز زواج المتعة؛ ليعضد أدلته الأخرى بما يؤيدها، وهو في تأييده هذا أيد ما هو قطعي لديه بما هو حجة على مخالفيه من منكري جواز زواج المتعة، فهو هنا يلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، أي القراءات القرآنية، فهي حجة عند المنكرين.
4. في قوله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ??? [سورة الجمعة / 9] قال المقداد السيوري: ((اُختُلِفَ في تفسيرِ السعي مع الاتفاق على كون الأمر به للوجوب. قيل: هو الإسراع، والأولى حمله على مطلق الذهاب؛ إذ المُستَحَبُّ المضي على سَكِيْنَةٍ في البَدَنِ ووَقارٍ في النفسِ. وقال الحسن: ليسَ السعي على الأَقْدَامِ، ولكنْ على النِّياتِ. وقرأ ابنُ مسعود (فَامْضُوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ( )، ورُويَ ذلك عن علي (عليه السلام) ( )، والباقر، والصادق (عليهما السلام) ( ). وقال ابنُ مسعود: لو علِمتُ الإسراعَ لأَسْرَعْتُ حتى يقعَ ردائي عنْ كَتفي))( )، فاتفق العلماء على وجوب السعي، واختلفوا في تفسير معناه بين مطلق الذهاب والإسراع، فذكر المقداد السيوري القراءة القرآنية؛ لتؤيد فكرة أنّ المراد مطلق الذهاب لا الإسراع.
ويتضح بعد هذا العرض أن مِن علماء الحلة مَن استأنس بالقراءات القرآنية وعدّها دليلًا يعضد صحة الحكم الشرعي وصواب استنباطه، وإنْ لم يعدّ القراءات القرآنية مصدرًا من مصادر التشريع، ومن اللافت للنظر أنّ هذا الضَّرب من الاستئناس لم أجد له مثيلًا سوى عند ابن إدريس الحليّ في موضعين، والمقداد السيوريّ في ثلاثة مواضع، وقد تحاشى علماء الحلة الآخرون الخوض في مثله، ويبدو أنّ مردّ تحاشيهم هذا إلى كون القراءات القرآنية ليست من مصادر التشريع عندهم.

?
حكم القراءات القرآنية في الصلاة
عند الرجوع إلى كتب الفقه والعبادات كتاب الصلاة باب القراءة، وعند مطالعة الأحكام الشرعية التي تخصُّ القراءة عند الصلاة تمثل أمام أعيننا عناية الفقهاء بضرورة صحة قراءة السور القرآنية، ومراعاة الدقة في الجوانب: الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وتأكيدهم على ضرورة تجنب اللحن بنوعيه: الجلي والخفي. وعلى الرغم من عناية الفقهاء بما تقدم ذكره وتفصيلهم القول فيه إلا أنّنا لا نجد في كلامهم غير النزر القليل مما يختص بالقراءات القرآنية، بل نجد أنَّ أغلب علماء الحلة قد اهتموا بصحة قراءة السور القرآنية اهتماما شديدا من دون أن يتحدثوا البتة عن القراءات القرآنية فيها، وخير مثال على ذلك المحقق الحلي (ت 676 هـ) إذ أكّد على وجوب صحة القراءة وبيان أحكامها في الصلاة في صفحات عدّة من كتابَيه: (المعتبر في شرح المختصر) ( ), و(شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) ( ) ولم يتحدث عن أحكام القراءات القرآنية فيها البتة.
ولم أجد ما تتوق إليه نفسي من حديث عن أحكام القراءات في الصلاة عند علماء الحلة – المتقدمين والمتأخرين منهم- سوى ما ذكره ابن إدريس والعلامة الحلي، قال ابن إدريس الحلي: ((غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وأنّ الإنسان مخيّر بأي قراءة شاء قرأ، وكِرهوا تجويد قراءة بعينها، بل أجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القراء، ولم يبلغوا بذلك حدَّ التحريم والحظر))( )، فجوّز القراءة بما هو متداول بين القراء معروف بينهم.
وتحدث العلامة الحلي عن أحكام القراءة في الصلاة في مواضع عدة، ومنها: ((يجوز أن يُقرأ بأي قراءة شاء من القراءات السبع، ولا يجوز أنْ يُقرأ بغيرها، وإنْ اتصلت رواية)) ( ) ، فقصر القراءة في الصلاة على القراءات السبع دون غيرها من القراءات، وهذا ما أكده في كتابه (منتهى المطلب في تحقيق المذهب)، إذ قال: ((يجوز أن يُقرأ بأي قراءة شاء من السبعة ؛ لتواترها أجمع، ولا يجوز أن يُقرأ بالشاذ، وإنْ اتصلت رواية؛ لعدم تواترها)) ( ). فعدّ السبعة فقط متواترة، وما عداها ليس بمتواتر، فهو من أخبار الآحاد وإنْ اتّصل سنده، وهذا يخالف ما ذهب إليه غير الإمامية الذين بينتُ موقفهم بإيجاز فيما سلف.
وفضّل العلامة الحلي قراءة عاصم برواية أبي بكر، وقراءة أبي عمرو ابن العلاء على سواهما من القراءات، إذ قال: ((وأحبُّ القراءات إليَّ ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عيّاش، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، فإنهما أولى من قراءة حمزة، والكسائي؛ لِما فيهما من الإدغام، والإمالة، وزيادة المد، وذلك كله تكلّف، ولو قرأ به صحّتْ صلاتُهُ بلا خلاف)) ( )، ونجد أنه خص القراءتين المفضلتين بالتفضيل على قراءتي حمزة والكسائي، وبيّن علة موقفه هذا، إذ جنح نحو القراءة التي ابتعد صاحبها عن التكلف في الإدغام والإمالة والمد، ولم يحُلْ ذلك دون تجويز القراءة بقراءتي حمزة والكسائيّ في الصلاة.
وقال في كتابه (تحرير الأحكام الشرعية): ((يجب أنْ يُقرأ بالمتواتر، فلو قرأ بمصحف ابن مسعود بَطُلتْ صلاته)) ( )، ومن الواضح الجلي ههنا أنّه يعد مصاحف الصحابة من أخبار الآحاد التي لا يمكن الركون إليها باطمئنان، بل هو يصرح بعدم تواتر مصحف ابن مسعود في كتابه (منتهى المطلب في تحقيق المذهب)، إذ يقول: ((يُقرأ بما نُقِلَ متواتراً في المصحف الذي يقرأ به الناس أجمع، ولا يُعوّل على ما يوجد في مصحف ابن مسعود؛ لأنّ القرآن بالتواتر، ومصحف ابن مسعود لم يثبت متواتراً، ولو قرأ به بَطُلت صلاته خلافاً لبعض الجمهور)) ( )، وقد يعجب القارئ من موقف العلامة هذا، بيد أنّ هذا العجب سرعان ما يزول عند الاطلاع على هذه الرواية التي تعضد بقوة موقف العلامة الحلي، إذ رُوي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((إنْ كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، فقال ربيعة: ضال؟ فقال: نعم ضال))( ).
وجدير بالذكر أنّ موقف مشهوري علماء الإماميّة المعاصرين امتداد لموقف ابن إدريس والعلامة الحليّ، قال السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره): ((وأمّا بالنظر إلى ما ثبت قطعيًّا من تقرير المعصومين (عليهم السلام) شيعتهم على القراءة بأيّة واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم فلا شكّ في كفاية كل واحدة منها، فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، ولم يرد عنهم أنّهم ردعوا عن بعضها، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر، ولا أقلّ من نقله بالآحاد، بل ورد عنهم (عليه السلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم: (اقرأ كما يقرأ الناس) ، (اقرؤوا كما عُلِّمتم) ... وصفوة القول: أنه يجوز القراءة في الصلاة بكلّ قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت (عليه السلام))) ( )، فكل قراءة عُرفت في زمان أئمة أهل البيت –سواء أكانت من السبعة أم من غيرها- يجوز القراءة بها في الصلاة.
قال السيد علي السيستاني (أدام الله ظله): ((الأنسب أن تكون القراءة على طبق المتعارف من القراءات السبع، وتكفي القراءة على النهج العربي، وإن كانت مخالفة لها في حركة بنية أو إعراب، نعم لا يجوز التعدي عن القراءات التي كانت متداولة في عصر الأئمة (عليهم السلام) فيما يتعلق بالحروف والكلمات)) ( )، فرسم خطين لا يجوز الحياد عنهما، وهما خط القراء السبعة، وخط القراءات المشهورة في زمن المعصوم (عليه السلام).

نتائج البحث
بعد هذا التطواف والجولة الممتعة بين كتب علماء الحلة ومؤلفات نحاريرها وسدنة علومها توصّلتُ إلى مجموعة من النتائج، لعلّ أهمها:
1. تبيّن أن علماء الحلة لم يضعوا تعريفًا للقراءات القرآنية على الرغم من ورودها في مؤلفاتهم وتحدثهم عنها.
2. أثبت الباحث قلة الحديث عن القراءات القرآنية عند علماء الحلة، ناهيك عن قلة التأليف، فقد قلّ حديثهم عنها في كتب العلوم الأخرى كالتفسير والفقه، ويبدو أنّ مردّ هذه القلة إلى وضوح الرؤية، وتكامل الصورة عندهم، فالقرآن واحد نزل من عند الواحد، ثم اختلف الرواة؛ لأسباب عدة، أهمها اختلاف اللهجات، واعتياد اللسان على استعمال يصعب تغييره، وتُزاد عليه أسباب أخر كالوهم، والنسيان وأخطاء، السمع، والاجتهاد اللغوي على حساب النص القرآنيّ، أمّا غير الإماميّة فقد كثرت آراؤهم، واضطربت أقوالهم ممّا أكثر المؤلفات عندهم، فكلٌّ يدلو دلوه ويبيّن رأيه، وقد حالت هالة القدسية التي أحاطت بالقراءات القرآنية عندهم دون تمحيص أسانيدها، والنظر إليها نظرة موضوعيّة؛ غرضها التفريق بين سليمها وسقيمها، أمّا معايير القراءة الصحيحة فهي ممّا لم يُؤخذ به، فهي تُكتب في كتبهم من دون أن تدخل حيز التطبيق الحقيقي.
3. أثبت الباحث أن القراءات القرآنية ليست مصدرًا من مصادر الاستنباط الفقهي عند علماء الحلة، ولكنّهم استأنسوا بها في كتبهم الفقهيّة؛ لتعضد حكمًا فقهيًّا، أو تُزيد أدلّة إثباته عددًا، أو لبيان علة اختلاف الآراء الفقهية في المسألة المعنيّة، وهم بهذا لم يحيدوا عن منهج أهل البيت (عليهم السلام). وكانت مواضع الاستئناس عندهم قليلة، فلم ترد سوى مرتين عند ابن إدريس، وثلاث مرات عند المقداد السيوري.
4. على الرغم من عناية فقهاء الحلة بأهميّة صحة القراءة عند الصلاة، ووجوب الدقة فيها، وضرورة تجنب اللحن الجلي والخفي بَيدَ أنّ حديثهم عن القراءات القرآنية فيها كان نزرًا قليلًا، ومن بين عشرات الكتب الفقهيّة لعلماء الحلة لم أجد حديثًا عن حكم القراءات القرآنية في الصلاة عند غير ابن إدريس والعلامة الحليّ. فقد جوّز ابن إدريس القراءة في الصلاة بما هو متداول بين القراّء معروف بينهم، وجوّز العلامة الحلي القراءة بالقراءات السبع، ورأيهما يُعدُّ امتدادًا لآراء أئمة أهل البيت (عليهم السلام).


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   موقف، فقهي، قراءات، قرآن، الحلة