انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

بسم الله الرحمن الرحيم
ظَوَاهِرُ صَوْتِيَّةٌ فَرِيْدَةٌ في القُرْآنِ الكَرِيْمِ
إعداد: م.د. رياض رحيم المنصوري ، و أ.م.د. حسن غازي السعدي
كلية الدراسات القرآنية / جامعة بابل
مَدْخَلٌ :
اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ ، وَ الصَّلاةُ وَ السَّلامُ عَلى خاتَمِ الأنْبياء ِ و المُرْسَلِيْنَ و عَلى آلِه و صَحْبِهِ الطَّيْبِيْنَ الطَّاهِرِيْنَ .
و بَعْدُ
فإنَّ في اللُّغَةِ العربيَّةِ ظَواهِرَ صَوْتِيَّةً عِدَّةً مِثْلَ الإمَالَةِ و الإشْمَامِ و الرَّوْمِ و الاخْتِلاسِ و تَسْهِيْل الهَمزِ ، و غَيْرِها ، إلّا أنَّ عَدَدًا من هَذِهِ الظَّواهِرِ لَم تأتِ إلّا مَرَّةً وَاحِدَةً و فِي مَوْضِعٍ واحِدٍ مُخَالِفةً بِذلكَ جَمِيْعَ المَواضِعَ الأُخْرَى الَّتي وَرَدَتْ فِيها ؛ فالإمَالَة مَثَلًا لَم تَرِدْ في القُرآنِ الكَريمِ إلّا في لَفْظة (مجراها) في سُوْرَة هود ، و الإشْمَامُ لَمْ يَرِدْ إلّا في لَفْظَةٍ واحِدةٍ و هيَ (تأمَنّا) في سُوْرَةِ يُوسف ، و تَسْهِيْلُ الهَمْزِ في لَفْظَةِ (أأعْجَمِيّ) في سُوْرَة فُصّلت ، و إشباعُ حَرَكَةِ الصِّلةِ في (فيهِ مُهانًا) في سُوْرَة الفُرقان، و اختلاسُ حركةِ هاءِ الكِنايةِ في (يرْضَهُ لكم) في سُوْرَة الزُّمَر ، و ضَمُّ هاءِ الصِّلة الَّتي حقُّها الكَسْرُ مع الفِعْلِ (أنسانيهُ) في سُوْرَة الكَهْفِ ، و مع حَرْفِ الجرِّ (عليهُ) في سُوْرَة –الفتح. تلكَ الفرائدُ تسْتَدعي الوَقفةَ و التأمُّلَ و التَّفَكُّرَ عن سَبَبِ وُرُوْدِها في تلكَ المَواضِعِ بالتَّحْدِيْدِ و عدَمِ اطِّرادِها في بَقِيَّةِ المَواضِعِ الَّتي تُشْبِهُهَا ، ممَّا حَدا بِنا أنْ نَسْتجليَ ذلكَ السِّرَ و نَقِفَ على السَّبَبِ الموجِبِ و نَعْرَفَ – ما أَمْكَنَنا – الحِكْمَةَ المَقْصُودةَ ، فضْلًا عن مَعْرِفَةِ المُسَوِّغِ في الاسْتعمالِ اللُّغَويِّ ، و منَ اللهِ التَّوفيقُ.
و فِيما يَأْتي عَرْضٌ لتلكَ الظَّواهِرِ الفَريدةِ :
1- الإمَالَة
و هي أنْ تَنحوَ بنُطقِ الألفِ نحوَ الياءِ ، و علامتُها شكلُ مَعِينٍ مَرْسومٌ تَحْتَ الألِفِ المُمالةِ، و ذلكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: چ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? چ (1)، وردت لفظة (مَجْرَاهَا) بإمالةِ الألفِ، و ترقيق الراءِ ، و لَم تُمَلْ الألفُ في القرآنِ الكريمِ في غيرِ هذا الموضِعِ على الرَّغْمِ مِن كَثْرَةِ وُرُوْدِ الألِفاتِ.
لَم يضَعْ سيبويهُ حدًّا للإمالةِ على الرَّغم من أنَّه ذكرها في أبوابٍ عدَّةٍ (2) ، و قالَ المبرِّدُ في تعريفِها: (( و هو أنْ تنحوَ بالألفِ نَحْوَ الياءِ و لا يكونُ ذلكَ إلاَّ لعلِّةٍ تَدعو إليه)) (3) ، و يَبدو أنَّه قَصَدَ إشرابَ الألِفِ شيئًا من صَوتِ الياء ِ، و لَم يتحدَّثْ عن تَقريبِ الفَتْحَةِ منَ الكَسْرَة على الرَّغمِ مِن أنَّ سيبويهَ تحدَّثَ عن هذا الضَّربِ من الإمَالَةِ(4)، و ذكَرَ ابنُ السَّرَّاجِ أنَّ (( مَعنى الإمَالَةِ أنْ تُميلَ الألفَ نحوَ الياءِ، و الفَتْحَةَ نحوَ الكَسْرَةِ )) (5)،و أفْرَدَ لهذا الضَّربِ من الإمَالَةِ بابًا (6)، و كانَ تعريفُ ابنِ يعيش أكثرَ تفصيلاً في وصفِ الإمَالَةِ, إذْ قالَ ((الإمَالَةُ في العربيَّةِ عدولٌ بالألف عنِ اسْتوائِهِ، و جنوحٌ به إلى الياءِ فيصيرُ مخرجُهُ بينَ مَخرجِ الألفِ المُفَخَّمةِ و بينَ مخرجِ الياءِ ، و بحسبِ قُربِ ذلكَ الموضعِ منَ الْياءِ تَكونُ شِدَّةُ الإمَالَةِ، و بِحسبِ بُعْدِهِ تكونُ خِفَّتُها، و التَّفخيمُ هو الأصلُ، والإمَالَةُ طارئةٌ، و الَّذي يَدُلُّ أنَّ التَّفخيمَ هو الأصلُ أنَّه يجوزُ تفخيمُ كلِّ مُمالٍ،و لا تجوزُ إمالةُ كلِّ مُفخَّمٍ،و أيضًا فإنَّ التَّفخيمَ لا يحتاجُ إلى سَبَبٍ،و الإمَالَةُ تحتاجُ إلى سَبَبٍ))(7)، و على الرَّغمِ مِن تَفصيلِه هذا لَم يتحدَّثْ عن إمالةِ الفَتْحَةِ نحوَ الكَسْرَة، و نفهمُ مِن هذا النَّصِّ أنَّ الإمَالَةَ على ضَربَينِ:إمالةٌ شديدةٌ، و إمالةٌ خفيفةٌ، و أنَّ التَّفخيمَ أصلٌ و الإمَالَة فرعٌ. و جديرٌ بالذِّكر أنَّ الإمَالَةَ تختصُّ بالأسماءِ و الأفعال، و لا تدخُلُ الحروفَ(8).
وللإمالةِ مَواضعُ عِدَّةٌ، منها أن تَقَعَ الألفُ طَرَفًا رابِعةً فصاعِدًا، نحو مَغْزى، و مَلهى، و مُسْتقصى (9)، و مثلُها كلمةُ (مَجْرى)، و يُزاد على هذا أنَّ هذهِ الألفَ أصلُها ياءٌ، و ألفُ (جرى) يُمكِنُ أنْ تُمالَ أيضاً؛ إذْ إنَّ منْ مواضِعِ الإمَالَةِ وقوعُ الألفِ في آخِرِ الكلمةِ الثُّلاثيَّةِ، و هي منقلبةٌ عن ياءٍ في الاسمِ و الفعلِ، نحوَ: هَدَى، و رَمى، و سَعى، أو منقلبةٌ عن واوٍ في الفعلِ فقطْ، نَحْوَ: غَزَا، و دَعَا(10).
و ثَمَّةَ أمورٌ تمنَعُ الإمَالَةَ منها صَوتُ الرَّاءِ مَفْتوحًا أو مَضْمومًا، (( و الرَّاءُ إذا تكلَّمتَ بها خرَجَتْ كأنَّها مضاعَفةٌ، و الوَقْفُ يُزيدُها إيضاحًا، فلمَّا كانتِ الرَّاءُ كذلكَ قالوا: هذا راشِدٌ، و هذا فِراشٌ، فلمْ يُميلوا؛ لأنَّهم كأنَّهم تكلَّموا بِراءَيْنِ مَفتوحَتَينِ، فلمَّا كانتْ كذلكَ قَوِيَتْ على نَصْبِ الألفاتِ، و صارَتْ بِمنزلةِ القافِ))(11)، فصِفةُ التَّكْرارِ في صوتِ الرَّاءِ جعلَتْهُ يمنعُ الإمَالَة عندَما يكونُ مفتوحًا أو مَضمومًا، و هي الصِّفَةُ نفسُها الَّتي جعلَتْ صَوتَ الرَّاءِ يُقَوِّي الإمَالَةَ عندَما يكونُ مَكسوراً؛ لأنَّه في حُكمِ صَوتَينِ مَكسورينِ، بلْ قَد يَتغلَّبُ تأثيرُ صَوتِ الرَّاءِ المكسورِ على تأثيرِ أصواتِ الاستعلاءِ، فيُمالُ نحوَ: قارِب، و غارِم، و طارِد على الرَّغمِ مِن وُجودِ أصواتِ الاستعلاءِ قبلَ الألفِ(12).
و لا تَطَّرِدُ إمالةُ الألفِ عندَ العَرَبِ كلِّهم، فالإمَالَةُ سِمةٌ لَهجيَّةٌ تَتَّصِفُ بها لَهجاتُ قومٍ، و يَنتَفِي وُجودُها عِندَ قومٍ آخَرِيْنَ، و لا يتَّفِقُ العربُ الَّذينَ يُمِيلونَ على مَذهبٍ واحدٍ في الإمَالَةِ (( و اعْلَمْ أنَّه ليسَ كلُّ مَنْ أمالَ الألفاتِ وافقَ غيرَهُ مِنَ العربِ مِمَّنْ يُميلُ، و لكنَّه قَد يُخالفُ كلُّ واحدٍ من الفريقينِ صاحبَه، فيَنصِبُ بعضَ ما يُميلُ صاحبُه، و يُميلُ بعضَ ما يَنصبُ صاحبُه، و كذلكَ مَن كانَ النَّصبُ مِن لُغتِه لا يوافِقُ غيرَه مِمَّنْ يَنصبُ، و لكنَّ أمرَهُ و أمرَ صاحبِهِ كأمْرِ الأوّلَيْنِ في الكسرِ، فإذا رأيتَ عربيًّا كذلكَ فلا تُرَيَنَّه خَلَّطَ في لغتِه، و لكنَّ هذا مِن أمرِهم ))(13)، فالإمَالَةُ لا تَنتهجُ مَنهجًا واحدًا عندَ جميعِ مَن يُميلونَ، و الفتحُ كذلكَ.
يَتَّضِحُ مِمَّا تقدَّمَ أنَّ الإمَالَةَ صِفةٌ لَهجيَّةٌ تَجنحُ إليها قبائلُ معيَّنةٌ، و ثمَّةَ أمورٌ تَدعو إلى الإمَالَةِ، في حين تُوجدُ أمورٌ أُخَرُ تَمنَعُ الإمَالَةَ، و نَلْحَظُ في كلمةِ (مَجْراها) أنَّ الألفَ رابعةٌ، و هذا يَدعو إلى الإمَالَةِ عِندَ مَن يُميلُ، و ثمَّةَ أمرٌ آخرُ يَرفُضُ الإمَالَةَ ههُنا، و هو ورودُ الرَّاءِ قبلَ الألفِ مُباشرةً.
و الَّذي يَعنِينا هنا الإجابةُ عِن سؤالٍ مفادِهِ ما الَّذي جعلَ الألفَ في هذه اللفظةَ تُمالُ على خلافِ غيرِها من الألفاتِ، و على الرَّغمٍ مِن وجودِ صوتِ الرَّاءِ قبلَها – و هو ممَّا يُضَعِّفُ الإمَالَةَ؟
لِلإجابَةِ عَن هذا السُّؤالِ لابدّ مِن عرضِ الصُّورةِ الَّتي رسَمها القرآنُ كاملةً، قالَ تَعالى:چ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? چ (14)،ففورانُ التَّنُّورِ كانَ مصحوبًا بتَفَجُّرِ عيونِ الأرضِ، و سُقوطِ أمطارٍ غزيرةٍ، فارتفعَ الماءُ بِسرعةٍ مُذهلةٍ، يَدُلُّ على هذا قولُه تعالى: چ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? چ (15)،و قالَ أبو حيَّانِ الأندلسيُّ: ((رُوِيَ أنَّ السَّماءَ أمْطرَتْ جميعَها حتَّى لَم يَكُنْ في الهواءِ جانبٌ إِلَّا أُمطِر، و تَفجَّرتِ الأرضُ كلُّها بالنَّبعِ ، و هذا معنى التقاءِ الماءِ))(16) ، و هذا المطرُ الغزيرُ كانَ مَدعاةً للسُّؤالِ عن إمكانِ جَرَيانِ السَّفينةِ، و لابدّ مِن أنَّ هذه الأحوالَ المُتسارِعةَ جميعَها كانتْ مسبوقةً بِخَوْفٍ و وَجَلٍ أصابَ النَّاسَ،فأراَد النَّبيُّ نوحٌ أنْ يدعوَهم إلى السَّفينةِ دعوةً مصحوبةً بِطَمأنةٍ، و وعدٍ بالأمانِ و السَّلامةِ، فقالَ لهم: چ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? چ يؤيِّدُ هذا ختمُ الفاصلةِ القرآنيَّةِ بعبارةِ چ ? ? ? ? چ فهو وعدٌ بالمغفرةِ و الرَّحمةِ في آنٍ واحدٍ،فهُم كانوا خائفينَ، و مَرَدُّ خوفِهم إلى هذهِ الصُّورةِ الَّتي تُذهِلُ الجميعَ، و مِنَ المؤكَّدِ أنَّ خوفَهم مِن عدمِ جَرَيانِ السَّفينةِ يَفوقُ خوفَهم مِن عدمِ رُسُوِّها، فأمالَ الألفَ؛لِتُرقَّقَ الرَّاءُ قبلَها،و هذا التَّرْقيقُ باعثٌ على الاطمئنانِ،فتَرْقيقُ اللَّفظةِ يُرادُ منه ترقيقُ طريقةِ حُدوثِ مَعناها، فأرادَ النَّبيُّ نوحٌ (عليه السَّلامُ) أنْ يُخبِرَهم بِصورةٍ غيرِ مُباشرةٍ عن يُسْرِ جَريانِ السَّفينةِ،و هو هَمُّهم الشَّاغِلُ، أمَّا الرُّسُوُّ فلَم يَرِدْ على بالِ أحدٍ مِنهم،و لا سيَّما أنَّها كانتْ تَجري في أمواجٍ عاليةٍ بَلَغَ علوُّها علوَّ الجِبالِ، قالَ تعالى: چ ? ? ? ں ں ? چ، و لكنَّ ارتفاعَ هذهِ الأمواجِ لَم يقِفْ حائِلًا أمامَ جريانِها اليَسِيرِ الآمِنِ، قالَ تعالى:چ ? ? ? ڈ ڈ ژ ژ ڑ چ (17) و اللهُ أعلَمُ بالمُرادِ. و ممَّا يَسَّرَ إمالةَ الألفِ مع (مجراها) و تَفخيمها مع (مَرْساها) أنَّ أصلَ الألفِ في أُوْلى الكلمتَينِ ياءٌ، و أصلها في الثَّانية واوٌ ، و الإمالةُ تكونُ مع الياءِ لا مع الواوِ.

2- الإشْمَام
و هوَ أنْ تُشِمَّ النُّوْنَ السَّاكنةَ الضَّمَّةَ ،و علامتُهُ شكلُ مَعِيْنٍ مَرسومٌ فوقَ الكلمةِ بينَ الميمِ و النُّونِ في قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ (18).
معلومٌ أنّ القرآنَ الكريمَ جاءَ بالإتمامِ و الإفصاحِ و إعطاءِ الحركةِ حقَّها عندَ النُّطقِ ، و هوَ ما حدَثَ في المواضِعِ الأُخْرى، و لكنْ ما الَّذي دعا إلى الإشْمَامِ ههُنا فقطْ مِن دونِ سائرِ مواضِعِ القرآنِ الكريمِ؟
للإجابةِ عَن هذا السُّؤالِ نَقولُ :تُقصَّرُ الصَّوائتُ القصيرةُ و ذلك بأنْ تُقلَّلَ مُدَّةُ النُّطقِ بها، فيقصُرُ زمنُها، و يدخلُ معَه تجوُّزاً ما تَختفي فيه الحركةُ من النُّطقِ مع بقاءِ ما يدلُّ عليها من حركةِ الشَّفتَينِ، يقولُ سيبويهُ: (( فأمَّا المرفوعُ و المضمومُ فإنَّه يُوقَفُ عندَه على أربعةِ أوجهٍ: بالإشْمَامِ، و بغيرِ الإشْمَامِ كما تقفُ عندَ المجزومِ و السَّاكنِ، و بأنْ ترومَ التَّحريكَ، و بالتَّضعيفِ))(19)، و قصَدَ بعبارةِ (غير الإشْمَام) إعطاءَ الحركةِ حقَّها، و الَّذي يَهُمُّنا في نصِّ سيبويهِ حالةُ الإشْمَامِ،و الإشْمَامُ ممَّا تَختصُّ به الضَّمَّةُ دونَ الفَتْحَةِ و الكَسْرَةِ، يقولُ سيبويهُ: (( و أمَّا ما كانَ في موضعِ نصبٍ أو جرِّ فإنَّكَ تَرومُ فيه الحركةَ، و تُضاعفُ، و تَفعلُ فيه ما تفعَلُ بالمجزومِ على كلِّ حالٍ، و هو أكثرُ في كلامِهم، و أمَّا الإشْمَامُ فليسَ إليه سبيلٌ. و إنَّما كانَ ذا في الرَّفعِ؛ لأنَّ الضَّمَّةَ مِن الواوِ، فأنتَ تَقدِرُ أنْ تَضَعَ لسانَكَ في أيِّ مَوضعٍ من الحُرُوفِ شِئتَ ثُمَّ تَضُمُّ شَفَتَيْكَ؛ لأنَّ ضَمَّكَ شَفَتَيكَ كَتَحْرِيْكِكَ بَعْضَ جَسَدِكَ، و إشْمامكَ في الرَّفع للرُّؤيةِ، و ليسَ بِصوتٍ لِلأُذُنِ, ألا ترَى أنَّك لو قلتَ: هذا معن، فأشممتَ كانتْ عندَ الأعمى بِمنزلتِها إذا لم تُشْمِمْ )) (20)، و قال أبو عمرٍو الدَّانيُّ: (( و أمَّا المُشَمُّ من الحروفِ في حالِ الَوصلِ أو الوقفِ فَحَقُّهُ أنْ يُخلَصَ سكونُ الحرفِ، ثمَّ يُومي بالعضوِ – و هما الشَّفتانِ– إلى حركتِه؛ لِيَدُلَّ بذلكَ علَيها مِن غيرِ صَوتٍ خارجٍ إلى اللَّفظِ ، و إنَّما هو تَهْيِئةٌ بالعضوِ لا غير؛ لِيُعلَمَ بالتَّهيئةِ أنَّه يُرادُ المُهيَّأ له، و لا يعرفُ ذلكَ الأعمى، لأنَّه لِرؤيةِ العينِ. و يختصُّ به من الحركاتِ الرَّفعُ و الضَّمُّ))(21)، فالإشْمَامُ مِمّا يُرى بالعينِ و لا يُسمَعُ بالأذنِ، و علامتُه في النُّطقِ استدارةُ الشَّفَتَينِ.
فالإتمامُ و الإشْمَامُ من مذاهِبِ العربِ و إنْ كانَ الإتمامُ هو الأصلُ و الأكثرُ انتِشاراً، و ما جاءَ على الأصلِ فلا يُسألُ عن علَّةِ مجيئِه، و إنَّما يُسألُ عن علَّةِ ما خالفَ الأصلَ.
و يبدو لنا أنَّ الَّذي دعا إلى الإشْمَامِ في هذا الموضعِ دونَ سِواهُ هو أنَّ الكلامَ هنا بلسانِ أخوةِ يوسفَ (عليه السَّلامُ)، و قد بيَّتوا أمرًا عظيمًا، و همُّوا هنا بِخداعِ والِدهم، و منَ المؤكَّدِ أنَّهم في أثناءِ كلامِهم هذا كانوا في حالةٍ نفسيَّةٍ مُرْبِكَةٍ ، و في حالةِ اضطرابٍ و تَلَعْثُّمٍ، و معلومٌ للجميعِ أنَّ الإنسانَ عندَ ارتباكِه يَضطربُ كلامُه، و يبتلعُ عددًا من أصواتِ الكلمةِ، و الكلمةُ هنا أخطرُ ما في الجملةِ، فهُم يُريدونَ مِن أبيهم أنْ يأمَنَهم على يُوسفَ (عليه السُّلامُ)، و يعلَمونَ جيِّدًا أنَّهم لَيسوا بأهلٍ للائتمانِ، فأدَّى الاضطرابُ و الارتباكُ إلى ضياعِ جزءٍ من الحركةِ، و إدغامِ النُّونِ في النُّونِ،و يُزادُ على هذا أنَّ الإشْمَامَ يُعامَلُ مُعاملةَ السُّكونِ، ممَّا يؤدِّي إلى نَقصِ عددِ المقاطعِ الصَّوتيَّةِ للجملةِ ، و ذلكَ بِتَحوِّلِ المقطعينِ القصيرَينِ المفتوحَينِ إلى مقطعٍ واحدٍ طويلٍ مُغلقٍ ، و على النَّحو الآتي
لا تأمنُنا / ل ــــًــــــ ت ـــــــَــــ ء م ــــــَ ن ـــــُـــــ ن ــــــًـــــ /
لا تأمنّا / ل ــــًــــــ ت ـــــــَــــ ء م ــــــَ ن ن ــــــًـــــ /
و نقصانُ عددِ المقاطعِ، والإدغامُ ، و ذهابُ الحركةِ كلُّها تُناسِبُ الارتباكَ و الاضطرابَ النَّفسيَّ الَّذي عانى منه أخوةُ يوسفَ (عليه السَّلامُ).

3- تَسْهِيْلُ الهَمْز
و هوَ النُّطقُ بالهمزةِ بينَ النُّطقِ بها و بينَ النُّطقِ بالألف ، و علامتُه شكلُ دائرةٍ صغيرةٍ مَرسومٌ فوقَ الهمزةِ المُسَهَّلةِ،و ذلكَ نحو قوله تعالى:چ ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?چ(22) ورَدتْ لفظةُ (أَأَعْجَميّ) بتَسْهِيْل الهمزةِ الثَّانيةِ،بِجعلِها همزةَ بينَ بَينَ(23)،في حين وردتِ المواضعُ الأُخْرى الَّتي اجتمعتْ فيها همزتان ِأُولاهما همزةُ استفهامٍ بتحقيقِ الهمزتَينِ ،و هذا ما نلاحِظُه بِوُضوحٍ في النُّصوصِ الآتيةِ : چ ?چ (24) ، و چ ?? چ ، و چ?چ (25)،و چ ?چ (26) ، و چ ? چ،و چ ? چ ، و چ ک چ ،و چ ہ چ،و چ ٹ چ) (27) ، و چ پ چ (28)، و چ ? چ، و چ ? چ، و چ ? چ، 1و چ ? چ،و چ ? چ (29).
يَتَّصِفُ صوتُ الهمزةِ بالثِّقلِ، و بِصُعوبةِ النُّطقِ بهِ، فهو يَحتاجُ من الجُهْدِ ما يَفُوْقُ الجُهْدَ المَبذولَ مع أيِّ صَوْتٍ آخَرَ من الأصواتِ العربيَّةِ، و لذلكَ جَرَتْ على الهمزةِ أحكامُ التَّخْفيفِ الَّتي تتَّخِذُ أشْكالاً عِدَّةً تَهدِفُ إلى الاقْتصادِ في الجُهدِ المَبذولِ عندَ النُّطقِ، يَقولُ سيبويهُ: (( و اعْلمْ أنَّ الهمزةَ إنَّما فَعَلَ بِها هذا مَنْ لَم يُخَفِّفْها؛ لأنَّه بَعُدَ مَخرجُها، و لأنَّها نَبْرَةٌ في الصَّدْرِ تَخرُجُ باجْتهادٍ،و هي أبعدُ الحُروفِ مَخرَجًا، فَثقُلَ علَيهم ذلكَ؛ لأنَّه كالتَّهَوُّعِ ))(30)، فلمْ يَكْتَفِ سيبويهُ بِوَصفِ صُعوبةِ النُّطقِ بالهمزةِ، بَل علَّلَ ذلكَ، و بيَّنَ أسبابَه، و علَّلَ ابنُ جِنِّيّ ثِقَلَ الهمزةِ بِقولِه: (( لأنَّها حرفٌ سَفلٌ في الحَلْقِ، و بَعُدَ عن الحروفِ، و حصَلَ طَرَفًا، فكانَ النُّطقُ به تَكلُّفًا ))(31)، و لَم يَبتعدْ عمَّا ذكَرَه سيبويهُ. و تَحقيقُ الهَمْزَةِ و تَخْفِيْفُها سِماتٌ لَهَجِيَّةٌ فنَجِدُ أهلَ الحِجازِ و أهْلَ المَدينةِ و الأنصارَ يَمِيلونَ إلى التَّخلُّصِ من الهَمزِ فضْلًا عن القبائلِ( غاضرةَ،و هُذَيلَ، و قُريشَ، و كِنانةَ، و سعدِ بنِ بكرٍ)، في حين مالَتْ إلى الهَمزِ القبائلُ (تميمُ، و تيمُ الرَّبابِ، و غَنيُّ، و عكلُ، و أسدُ، و عقيل، و قيس، و بنو سلامة من أسد ) (32).
ومن المؤكَّدِ أنَّ دخولَ همزةِ الاستفهامِ على كَلمةٍ تَبْتدئُ بهمزةِ قطعٍ يَزِيدُ منَ الثِّقَلِ، و يُضاعِفُ المَشَقَّةَ؛ بِسببِ تَكرارِ الهَمْزَةِ، و مَعروفٌ أنَّ هَمْزَة الاسْتفهامِ مُلازِمةٌ لِلفَتحِ؛ لِذا تخضعُ أحكامُ التَّخفيفِ ههُنا لِحركةِ الهَمْزَةِ الثَّانيةِ الَّتي يَجِبُ أنْ تكونَ مُتحرِّكةً؛ لأنَّها في بِدايةِ الكلمةِ، و يَتَّخذُ التَّخْفيفُ طرائقَ لَهَجِيَّةً عِدَّةً، بَيدَ أنَّ الأكثرَ شُهرةً مِنها ما يأتي:(33)
أ‌. إذا كانتِ الهَمْزَةُ الثَّانيةُ مفتوحةً، يَحِلُّ مَحلَّها صوتُ الألفِ، نحوَ:أَأَنْتَ تَصيرُ: آنْتَ .
ب‌. إذا كانتِ الهَمْزَةُ الثَّانيةُ مكسُوْرَةً أو مضمومةً جُعِلتْ هَمْزَةَ بينَ بينَ، نحوَ: أَإِيْمانكم، و أَأُمُّك.
و لكنْ ((مِنَ العَربِ ناسٌ يُدخِلونَ بينَ ألفِ الاستفهامِ و بينَ الهَمْزَةِ ألفًا إذا الْتَقَتا ... فهؤلاءِ أهلُ التَّحقيقِ، و أمَّا أهلُ الحِجازِ فمِنهم مَنْ يَقولُ: آأنَّك،و آأنْتَ،و هي الَّتي يختارُ أبو عمرٍو، و ذلكَ لأنَّهم يُخفِّفونَ الهَمْزَةَ كما يُخفِّفُ بنو تميم في اجتماعِ الهَمزتَينِ، فكرِهوا التقاءَ الهَمْزَةِ و الَّذي هو بينَ بينَ،فأدْخَلوا الألفَ كما أدخلَتْه بنو تَميم في التَّحقيقِ،و منْهم مَنْ يقولُ: إنَّ بني تَميم الّذِين يُدْخِلونَ بَينَ الهَمْزَةِ و ألفِ الاسْتفهامِ ألفًا، و أمَّا الَّذِينَ لا يُخَفِّفونَ الهَمْزَةَ فيحقِّقونَهما جَميعًا و لا يُدخلون بَينَهما ألِفًا))(34)، نَفْهَمُ مِمَّا تقدَّمَ أنَّ تَحْقيقَ الهَمزتَينِ أو تَخْفيفَ إحداهُما ما هي إلا سِماتٌ لَهَجِيَّةٌ، و اسْتعمالاتٌ لُغَوِيَّة قَبَليَّة، و هيَ مِمّا سَمَحتْ به العَربيَّةُ و أجازَتْهُ.
و السُّؤالُ الَّذي تَنْبغي الإجابةُ عَنه الآن:ما الَّذي دعا إلى تَسْهِيْلِ الهَمْزَةِ الثَّانِيةِ في مَوضعٍ واحِدٍ فقطْ على عَكسِ المَواضِعِ الأُخْرى الَّتي تحقَّقَتْ فيها الهَمْزتانِ؟ عِندَ التَّأمُّلِ في الكَلِماتِ (أَأَنْتم، و أَأَسْلمتم، و أَأَقْررتم،و أَأَنْت،و أَأَلِد، و أَأَرْباب، و أَأَسْجدُ، و أَأَشْكر، و أئِنَّكم، و أَأَنْذرتهم،و أَأَتَّخذ، و أَؤُنْزل، و أَؤُلْقي، و أَأَشْفقتم، و أَأَمِنْتُم)، و عَقْدِ مُوازنَةٍ بَينَها و بَينِ لَفْظةِ (أَأَعْجَميّ) يَتَّضِحُ أنّ الأخيرةَ اخْتَصَّتْ بِوُرُوْدِ صَوْتٍ حَلْقِيٍّ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، و هذا ما لَمْ نَجِدْ له نَظِيراً في الكَلِماتِ الأُخْرى.
فَقدِ اجْتَمَعَتْ هَهُنا ثَلاثَةُ أصْواتٍ حَلْقِيَّةٍ، و هِيَ: هَمْزَةُ الاسْتفهامِ، و هَمْزَةُ الكَلِمَةِ، و صَوْتُ العَيْنِ، و أصْواتُ الحَلْقِ ثَقِيلَةٌ، و مِمَّا يَزِيدُ من الثِّقَلِ وُرودُ صَوتِ الجِيمِ بَعدَها ، و هوَ صَوتٌ مُركَّبٌ، فهوَ يَنْتُجُ عِنِ ارْتفاعِ مُقَدَّمَةِ اللِّسانِ تُجاهَ مُؤَخَّرِةِ اللَّثَّةِ و مُقَدَّمَةِ الحِنِكِ، و يَتِمُّ الانْفصالُ بِبُطْءٍ مِمَّا يَنتُجُ عَنهُ احْتِكاكُ الهَواءِ المَارِّ بالأعْضاءِ المُتَباعِدَةِ نِسْبِيًّا(35)، و هذا الانْغِلاقُ التَّامُّ الَّذِي يَعْقَبُهُ انْفِراجٌ جُزْئِيٌّ لا يَخلو مِنَ الثِّقَلِ و المَشَقَّةِ الَّتي تُزادُ على مَشَقَّةِ اجْتِماعِ هَمْزَتَينِ مَتْلُوَّتَينِ بِصَوتٍ حَلْقِيٍّ.









4- الاِخْتِلاس
و هُوَ نُقْصانُ مَدِّ الحَرَكَةِ لِهاء الكِنايةِ ، و لا عَلامةَ لهُ لأنَّ العَلَامَةَ تُوْضَعُ لِمُقابِلهِ و هوَ مَدُّ حَرَكَةِ هاءِ الكِنايةِ ، و ذلكَ في قولِهِ تَعَالى: چ چ چ چ چ ? ?? ? ? ? ?? ? ? ڈ ڈژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ? ? ?? ? ? ? ? چ (36)، وَرَدَتْ الهاءُ في (يَرْضَهُ) مُتَحَرِّكةً مَسْبوقَةً بِضادٍّ مُتَحرِّكةٍ، و مَتْلُوَّةً بِلامٍ مُتَحرِّكةٍ، و وُقُوعُها بينَ مُتَحرِّكينِ يَقتَضي مَدَّ الصِّلةِ الصُّغْرى، و ذلكَ بإشْباعِ الضَّمَّةِ و جَعْلها واوًا(37)، و لكِنَّ هذا المَدَّ لَم يَتَحقَّقْ في هذا المَوضعِ على خِلافِ ما ورَدَ في المواضِعِ الأُخْرى كُلِّها.
و قدْ علَّلَ ابنُ خالويه (ت 370 هـ) عدَمَ المَدِّ ههُنا بِقولِهِ: ((و الحُجَّةُ لِمَنِ اخْتَلَسَ: أنَّ الأصلَ عندَه: (يرضاه لكم) فلمَّا حُذِفتِ الألِفُ لِلجَزمِ بَقِيَتِ الْهاءُ علَى الْحَرَكَةِ الَّتي كانَتْ علَيها قبْلَ حَذْفِ الألفِ و أنْشدَ:
له زجلٌ كأنّه صَوْتُ حادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ))(38).
و قَرِيبٌ مِنه ما ذكَرَهُ أبو عَليٍّ الفارسِيُّ (ت 377 هـ) إذ قالَ: ((و وَجْهُ قَولِ مَنْ قالَ: يَرضَهُ فَحَرَّكَ الهاءَ و لَم يُلْحِقِ الواوَ أنّ الألفَ المَحذوفةَ لِلجزمِ لَيسَ يَلْزَمُ حذفُها، فإذا لَم يلزَمْ حذفُها لأنَّ الكلمةَ إذا نُصِبَتْ أو رُفِعَتْ عادتِ الألفُ فَصارَتِ الألفُ في حُكْمِ الثَّبَاتِ، وإذا ثَبتَ الألفُ كانَ الأحسنُ أنْ لا تَلحَقَ الواوُ، كَقولِه: چ? ?? چ(39) ، و چ ? ? چ (40)، و ذلكَ أنَّ الهاءَ خَفِيَّةٌ،فلَو ألحقْتَها الواوَ و قَبلَها ألفٌ أشبهَ الجَمعَ بينَ السَّاكنَينِ.))(41)، و رفَضَ أنْ تكونَ من بابِ إجْراءِ الوَصلِ مُجرَى الوَقفِ.
و قالَ أبو زُرْعَةَ (ت في حدود 400 هـ): ((وَ قَرَأَ ابْنُ عَامر وَنَافِعٌ وَحَمْزَة و عَاصِم (يَرضهُ) من غيرِ إشباعٍ اكتَفوا بالضَّمَّة لِأَنَّهَا تُنْبي عَن الْوَاو))(42)
وقال الفخرُ الرازيُّ (ت 606 هـ): ((قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ أَشْبَعَ الْهَاءَ حَتَّى أَلْحَقَ بِهَا وَاوًا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ مُتَحَرِّكٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ (ضَرَبَهُ) وَ (لَهُ)، فَكَمَا أَنَّ هَذَا مُشْبَعٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَذَلِكَ (يَرْضَهُ)، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّكَ الْهَاءَ وَلَمْ يُلْحِقِ الْوَاوَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ (يَرْضَاهُ) وَالْأَلِفُ الْمَحْذُوفَةُ لِلْجَزْمِ لَيْسَ يَلْزَمُ حَذْفُهَا فَكَانَتْ كَالْبَاقِيَةِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْأَلْفِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْوَاوِ فكذا هاهنا)) (43)
وقال ابنُ مالكٍ(ت 672 هـ): ((مَنِ اخْتَلَسَ اسْتَصحَبَ ما كانَ لِلهاءِ قبْلَ أنْ يَحْذِفَ الألفَ لأنَّ حذفَها عارِضٌ، و العارِضُ لا يُعْتَدُّ به غالبًا.))(44)
و قالَ السَّمينُ الحَلَبِيُّ (ت 756 هـ): ((و السِّرُّ فِيهِ أنَّ الهاءَ الَّتي لِلكِنايةِ مَتَى سَبَقَها مُتَحرِّكٌ فالفَصيحُ فيها الإشْباعُ نحوَ: إنَّهُ، و بِهِ، و لَهُ، و إنْ سَبَقها ساكِنٌ فالأشْهَرُ الاخْتِلاسُ،و سَواءً كانَ ذلكَ السَّاكِنُ صَحيحًا أو مُعْتلاًّ نحوَ: فيْهِ و مِنْهُ، و بَعضُهم يُفَرِّقُ بينَ المُعْتلِّ و الصَّحيحِ،و قدْ أتْقَنتُ ذلكَ في أوَّلِ الكتابِ،إذا عُلمَ ذلكَ فنقولُ:هذهِ الكلماتُ المشارُ إليها إنْ نَظَرْنا إلى اللَّفظ فقد وَقَعتْ بعدَ مُتحرِّكٍ فحَقُّها أَنْ تُشْبَعَ حَركتُها مَوْصُولةً بالياءِ أو الواوِ، و إنْ سَكَنَتْ فلِما تقدَّم من إجراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوَقف، وإنْ نظَرْنا إلى الأصلِ فقد سَبَقَها ساكِنٌ و هو حَرفُ العلَّةِ المَحذوفُ للجزمِ، فلذلكَ جازَ الاخْتلاسُ، و هذا أصلٌ نافِعٌ يَطَّرِدُ معكَ عندَ قُربِك في هذا الكتابِ مِن هذه الكلماتِ)) (45)
و قال ابنُ عادل الدمشقيُّ (ت 775 هـ) كعادتَه في مُتابعَةِ أقوالِ السَّمينِ الحلبيِّ: ((و اعْلَم أنَّ هذه الهاءَ متى جاءتْ بعدَ فعلٍ مَجزومٍ،أو أمرٍ مُعتلِّ الآخِر، جَرَى فيها هذه الأوجُهُ الثَّلاثةُ أعْني السُّكونَ و الإشباعَ و الاختلاسَ... و ليسَ فيهِ أنَّ الهاءَ الَّتي للْكِنايةِ متَى سَبَقَها مُتحرَّك فالفَصيحُ فيها الإشباعُ، نَحْوَ (إنَّهُ، لَهُ، بِهِ)، و إنْ سبقَها ساكنٌ، فالأشهرُ الاختلاسُ - سواءً كانَ ذلكَ السَّاكنُ صَحيحًا أو معتلًّا - نحْو فِيْهِ، مِنْهُ و بعضُهم يُفرِّقُ بينَ المُعتلِّ و الصَّحيحِ و قدْ تَقَدَّمَ ذلكَ أوَّلَ الكتابِ.
إذا عُلِمَ ذلكَ فنَقولُ: هذهِ الكلماتُ - المُشارُ إلَيها - إنْ نظرْنا إلى اللَّفظِ فقدْ وقَعتْ بعدَ مُتَحرِّكٍ، فَحَقُّها أنْ تُشبَعَ حَركتُها مَوصولةً بالياءِ، أو الواوِ، و إنْ سَكَنَتْ فلِما تقدَّمَ مِن إجراءِ الوَصلِ مُجرَى الوَقفِ. و إنْ نظرْنا إلى الأصلِ فقَد سبقَها ساكنٌ – و هو حَرْفُ العلَّةِ المحذوفِ للجَزمِ - فلِذلكَ جازَ الاخْتلاسُ)) (46)
كُلُّ ما سَبَقَ من تأويلاتٍ و تفْسيراتٍ إنَّما كانَ لِتبْيِينِ المُسَوِّغِ في اللُّغةِ ، أمَّا المُسّوِّغُ المَعْنويُّ و المَقْصَدُ الدَّلاليّ فهو -و اللهُ أعلمُ- أنَّ مدَّ الصِّلةِ لَم يَرِدْ هنا حتَّى يُشيرَ إلى فَوريَّة رِضا الله عن شُكرِ عِبادِهِ چ ? ? ڈ ڈژ چ ، فالّذي يَشكرُ اللهَ يُجازَى بالرِّضا الإلهيِّ السَّريعِ.
5- الإشْبَاع
و هُوَ مَدُّ الصِّلة لهاءِ الكِناية في موضعٍ لا تُشْبَعُ فيه ، و علامتُهُ رسمُ ياءٍ صغيرة بعدَ الهاءِ المُشْبَعةِ في لفظةِ (فيه)، و ذلكَ في قولِه تَعالى: چ ٹ ? ? ? ? ? ? ?چ(47) مُدَّتْ حَرَكَةُ الهاءِ في (فيه)، و هذا يُخالِفُ ما ورَدَ في المواضِعِ الأخْرى كُلِّها، إذ تَقْتَضي أحْكامُ التِّلاوة ِو التَّجويدِ أنْ تُمَدَّ حركةُ هاءِ الكِنايةِ في حالةِ وُقوعِها بَينَ مُتحرِّكَينِ(48)، و هي هنا مَسبوقةٌ بياءٍ ساكِنةٍ – بِحَسَبِ مَذهبِ القُدماءِ - ،و تَقتضي قواعدُ أحكامِ التِّلاوةِ أنْ لا تُمَدَّ في مِثلِ هذا الموضعِ، و هي لَمْ تُمَدَّ في الحالاتِ المُناظِرةِ عدا ما ورَدَ ههُنا، و قدْ وردَ لفظُ (فيه) في القرآنِ الكريمِ (120) مرةً لَم تُمَدَّ فيها عدا ما وردَ في هذا الموضعِ.
((و المَدُّ في هذا البابِ هو عِبارةٌ عَن زِيادةِ مَطٍّ في حَرفِ المَدِّ على المَدِّ الطَّبِيعيِّ، و هوَ الَّذي لا يقومُ ذاتُ حَرفِ المَدِّ بِدونِه، و القِصرُ: عبارةٌ عن تَرْكِ تلكَ الزِّيادةِ و إبْقاءِ المَدِّ الطَّبيعيِّ على حالِهِ ))(49)، فمعلومٌ أنَّ الصَّوائتَ في العَرَبيَّةِ (( لِكُلٍّ منْها مِقدارٌ مُحدَّدٌ مِنَ الطُّولِ، كما أنَّ لِكُلِّ صَوتٍ من الأصواتِ الجامدةِ مِقدارًا من الطُّولِ أيضًا،و لا يَتَحقَّقُ ذاتُ الصَّوتِ إلّا بعدَ أنْ يَستوفيَ حظَّهُ منَ الطُّولِ، و يَبدو أنَّ الأصواتَ الذَّائبةَ أكثرَ تَعرُّضًا للزِّيادةِ و النُّقصانِ في زَمنِ النُّطقِ من الأصواتِ الجامدةِ؛ لأنَّ طبيعةَ نُطقِها تَحتَمِلُ ذلكَ، حيثُ يُمكنُ للنَّاطقِ أنْ يَمُدَّ صوتَهُ بالأصواتِ الذَّائبةِ ما أسْعَفَهُ النَّفَسُ))(50)، و يحدثُ هذا المَدُّ بِسببِ تأثيرِ الأصواتِ المُجاورِةِ. و لِهذهِ المدودِ أحكامٌ تَحكِمُها، و قواعدُ تَضْبِطُها، و أنواعٌ تَجمَعُها، و مَقادِيرُ مَعروفةٌ لا تَخرُجُ عَنها و لا تَحيدُ؛ لأنَّ الخُرُوجَ عَنها يُعدُّ لَحْنًا خَفِيًّا، و هذهِ الأمورُ كلُّها يَجِدُها القارِئُ مَنصوصًا عليها في كُتُبِ أحْكامِ التَّجويدِ و التَّرتيلِ(51)، فَضْلاً عن كتبِ القِراءاتِ القرآنيَّةِ(52)، و لا تَخلو منْها كُتُبُ اللُّغَةِ، و إنْ كانتْ مَبثوثةً فيها، و غيرَ مُبوَّبةٍ(53).
و المَدُّ و عدمُ المَدِّ في مثلِ هذا المَوضعِ سِماتٌ لَهَجِيَّة، فَثَمَّةَ قبائِلُ تَمُدُّ، و أُخْرى لا تَمُدُّ-، قِيل: إنَّ حَفْصًا هرَبَ مِن أنْ تَتبعَ حركةُ الهاءِ حركةَ الميمِ بإشباعِ الكَسْرَةِ؛ إذْ لولا الإشباعُ لَصارتْ حركةُ الهاءِ الضَّمَّ إتْباعًا لِحركةِ الميمِ(54). و هذا كلامٌ فيهِ نَظَرٌ، إذْ ورَدَتْ كلمةُ (فيه) مَتْلُوَّةً بصامتٍ تَتْبعُهُ ضَمَّةٌ في مواضِعَ عِدَّةٍ مِنها: قوله تعالى: چ پپ ? چ ،و چ ? ? چ ،و چ ?? ? چ ،و چ چ ?? چ ،و چ ? ? چ ،و چ ? ? چ ،و چ ? ? چ ، (55) ، و قدْ ورَدتْ مَتلُوَّةً بميمٍ مَضمومةٍ في أَربعةِ مَواضِعَ، و ذلكَ في قولِهِ تَعالى:چ ? ?چ(56) ،و چ ? ?چ،وچ ? ? چ (57). و نُلاحِظُ أنَّ الكَسْرَةَ لمْ تُشبَعْ في هذه المواضِعِ كُلِّها، مِمَّا يُبْطِلُ هذا الرأيَ.
قالَ الشَّيخُ على اللهِ أبو الوفا: السَّبَبُ فى مدِّ الهاء: أنَّها تَحمِلُ صِفاتِ الضَّعْفِ مِن: همسٍ و رَخاوةٍ و اسْتِفالٍ، و انفِتاحٍ و إصماتٍ، و خَفاءٍ. فَقَوِيَتْ بالصِّلَةِ مَخافَةَ خَفائِها(58).
و يَبْدو أنَّ الَّذي دَعا إلى المَدِّ هَهُنا غَرَضٌ دَلاليٌّ لَطيفٌ، فعِندَ عَقْدِ المَوازَنَةِ بَينَ هذا الموضِعِ و المَواضِعِ الأُخْرَى الَّتي ورَدَ فيها لَفْظُ (فيه) نَجِدُ أنَّ هذا المَوضِعَ تَفَرَّدَ بِدَلالَتِهِ على امْتِدادٍ في الزَّمَنِ لَمْ نَألَفْهُ في المَواضِعِ الأُخْرَى، إذْ يَبْدو أنَّ المُرادَ مِنَ المَدِّ ههُنا الدَّلالةُ على امْتِدادِ زَمنِ خُلُودِ هؤلاءِ في نارِ جَهنَّمَ، و ذلكَ لِعِظَمِ ذَنْبِهِمْ و كَثْرَةِ خَطاياهُم، دَلَّ عَلى هذا النَّصُّ القرآنيُّ إذْ قالَ تَعَالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? چ (59)، و اسْتُثْنِيَ مِنْهُمُ التَّائِبُ فِي قَولِه تَعالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? چ (60). و يَعْضُدُ ما ذَهَبَ إليه الباحثانِ قولُ الأستاذِ عطية قابل نصر: ((و ذلكَ تَشْنِيعًا بِحالِ العاصِي)) (61) ، و المُرادُ بالتَّشْنيعِ و ما ذَكَرَهُ الباحثانِ يَصُبَّانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.

6- ضَمُّ هاءِ الكِنَايَة
و قدْ ورَدَ ذلكَ في مَوضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ؛ أحدِهِما معَ فِعْلٍ،و الآخَرِ مع حَرْفِ جَرٍّ
أـ مع الفعل
في قولِه تَعالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?? ? ? ? ? ? چ (62) هاءُ (أنْسانِيْهُ) مَسبوقةٌ بياءٍ، و هذا يَقتضِي كَسْرَ حَرَكَةِ الهاءِ، و لكِنَّها ورَدَتْ ههُنا مَضْمومةً على خِلافِ القاعِدَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
ب- مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ
في قولِهِ تَعالى: چ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? چ (63)
هاءُ الكِنايَةِ إذا سُبِقتْ بِكَسْرَةٍ أو ياءٍ ساكِنَةٍ كُسِرَتْ؛ مِثْل: بِهِ ، بِكُتُبِهِ ،إليْهِ ،بِكتابَيْهِ ،إلّا أنَّها وَرَدَتْ في هذَيْنِ المَوْضِعَيْنَ مَضْمُوْمَةً و الّذي سَوَّغَ ذلكَ كَوْنُ الْياءِ في (أنْسانِيْهُ) أصْلُها مَفْتُوْحَةٌ، فالأصْلُ : (أنْسانِيَ) و لحِقَتْهُ الهاءُ، و كَوْنُ الياءِ في (عليْهُ) أصْلُها أَلِفٌ ، فالأصلُ: (على) و لَحِقَتْهُ الهاءُ ، قالَ ابنُ عادِلٍ : ((و مَا أنْسَانيهُ)) قرَأَ حفصٌ بِضَمِّ الهاءِ، و كَذا في قولِه: ((عَلَيْهُ الله)) في سورة الفتح [آية: 10] ، قِيْلَ: لأنَّ الياءَ هُنا أصلُها الفَتْحُ، و الهَاءُ بعدَ الفَتْحَةِ مَضْمومةٌ، فنُظِرَ هُنا إلى الأصْلِ، و أمَّا في سُوْرَةِ الفَتْحِ؛ فَلِأنَّ الياءَ عارضِةٌ؛ إذْ أصْلُها الألفُ، و الهاءُ بَعْدَ الْأَلِفِ مَضْمُوْمَةٌ، فَنُظِرَ إلى الأصْلِ أيْضًا.)) (64)
و فيما يَخُصُّ (أنسانيْهُ) فإنَّ السَّفرَ الّذي قامَ بهِ موسى (عليهِ السَّلامُ) بِصُحْبَةِ فَتَاهُ،و قِيْلَ:إنَّ فتاهُ يُوشعُ بْنُ نونٍ و هوَ ابنُ أخْتِ موسى مِن سِبْطِ يُوسف(65)،غَرَضُهُ أنْ يَلْتَقِيَ موسى بالخَضِر (عليهما السلام)، و كانَتْ عَلامَةُ إيجادِهِ فُقْدانَ الحُوْتِ، فالخَضِرُ (عليه السَّلامُ) موجودٌ في المكانِ الَّذي سَوفَ يَفْقِدانِ فِيه حُوتَهُما(66)؛ لِذا فإنَّ لِمَوضِعِ فُقْدانِ الحُوتِ أهَمِّيَّةً كَبِيرةً عِندَهُما، و هوَ عِمادُ رِحْلَتِهِما. يَعْضُدُ هذا قولُهُ تَعالى: چ ? ? ? ? ?? چ چ چ چ ? چ (67).
و نِسْيانُ الحُوتِ و تَجاوُزُ مَوْضِعِ فُقْدانِهِ أمْرٌ ثَقِيلٌ جِدًّا عَلَيهِما، و يَبْدو – و اللهُ أعْلَمُ- أنَّ ثِقَلَ النِّسْيانِ و مَشَقَّتَهُ يُناسِبُها أثْقَلُ الحَرَكاتِ و أشَقُّها نُطْقًا و هيَ الضَّمَّةُ ، و لاسيَّما إذا عَرَفْنا أنَّ مُوسى لِقَيَ النَّصَبَ بَعْدَ تَجاوُزِهِ مَوضِعَ فُقْدانِ الحُوْتِ، إذْ سارَ ما بَقِيَ مِن يَوْمِهِما، و لَيلَتِهِما كاملةً،و ما تَذَكَّراهُ إلَّا في اليَوْمِ التَّالي،و لَولا النِّسْيانُ لَمَا بَلَغَا النَّصَبَ(68)،قالَ تَعَالى:چ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? چ (69). و ثَمَّةَ سَبَبٌ آخَرُ ذكَرَهُ الباقوليُّ إذْ قالَ: ((قراءَةُ حَفْصٍ فِي سُوْرَةِ الكَهْفِ: چ ٹ ٹ ٹ ? ? ?? چ بِضَمِّ الهاءِ مِن (أنْسانيه). لَمَّا رأَى أنَّ الهاءَ المُتَّصِلَ بـ (أذْكُرَهُ) و هوَ في صِلَةِ (أنْ) الَّذي صارَ بَدَلاً مِنَ الْهاءِ، وَفَّقَ بَينَ الحَرَكَتَيْنِ في الهاءِ))(70)، فَهُوَ يَرَى أنَّ الغَرَضَ مِنْ ضَمِّ حَرَكَةِ الهاءِ في (أنْسانيه) المُوافَقَةُ بَيْنَ حَرَكَتِها و حَرَكَةِ الهاءِ في (أذْكرَهُ) و لا سِيَّما أنَّ ما يَعودُ عَلَيهِ الضَّميرُ فيهما واحِدٌ،و هُوَ الحُوتُ بِدَليلِ قولِهِ تَعالى: ?فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ?. و قيلَ (أنْ أذكره) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الهاءِ في أنْسانيهُ، و المُرادُ ما أنسانيَ ذِكْرَهُ(71)،و الضَّمُّ بَعْدَ الكَسْرَةِ أو الياءِ لَهْجَةُ أهْلِ الحِجازِ، يَقولُ سيبويهُ: ((فالهاءُ تُكْسَرُ إذا كانَ قَبلَها ياءٌ أو كَسرةٌ؛ لأنَّها خَفِيّةٌ كَما أنَّ الياءَ خِفِيَّةٌ؛ و هيَ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ كَما أنَّ الياءَ مِن حُرُوفِ الزِّيادةِ؛ و هيَ مِن مَوْضِعِ الألفِ و هيَ أشْبَهُ الحُرُوْفِ بالياءِ. فكَما أمالوا الألفَ في مَواضِعَ اسْتخفافًا كَذلكَ كَسَرُوا هذهِ الهاءَ، و قَلَبُوا الواوَ ياءً، لأنَّهُ لا تَثْبُتُ واوٌ ساكِنةٌ و قَبْلَها كَسْرةٌ. فالكَسْرَةُ هَهُنا كالإمَالَةِ في الألفِ لِكسرةِ ما قبلَها و ما بعدَها نحوَ: كلابٍ و عابدٍ . و ذلكَ قولُكَ : مَرَرْتُ بِهِي قبلُ ، و لَدَيْهِي مالٌ، و مررْتُ بدارِهِي قبلُ. و أهلُ الحجازِ يَقولونَ: مَرَرتُ بِهُو قبلُ، و لدَيْهُو مالٌ، و يقولونَ: " فَخَسَفْنا بِهُو و بدارِهُو الأرضَ ))(72).
قالَ ابنُ خالويه:((فالحُجَّةُ لِمَنْ ضَمَّ:أنَّهُ أتَى بِلَفْظِ الهاءِ على أصْلِ ما وَجَبَ لَها))(73)
و قال أبو زرعة: ((قَرَأَ حَفْصٌ عَن عَاصِم {وَ مَا أنسانيهُ} بِضَمِّ الْهَاءِ على أصلِ الْكَلِمَةِ و أصْلُها الضَّمُّ وَإنَّمَا عدَلَ عَن كَسْرِ الْهَاءِ إِلَى الضَّمِّ لمَّا رأَى الكَسَرَاتِ مِن {أنسانيه} وَ كَانَتِ الْهَاءُ أَصْلهَا الضَّمُّ رَأَى الْعُدُولَ إِلَى الضَّمِّ ليَكُونَ أخفَّ على اللِّسَانِ من الِاسْتِمْرَارِ على الكَسَرَاتِ))(74)
قيلَ في سَبَبِ ضَمِّ هاءِ (عليهُ) : هو على لُغَةِ الحِجازيِّينَ في ضَمِّ هاءِ الغائِبِ مُطْلقًا، فيقولونَ: ضَرَبْتِهُ، ومررت بِهُ، ونظرتُ إليْهُ(75).
و قِيلَ: تَوَسُّلًّا بِذلكَ إلى تَفْخيمِ لامِ لَفظِ الْجلالةِ (76) ، إذْ إنَّ لَفْظَ الْجَلالةِ إذا سُبِقَ بِكَسْرٍ يُرقَّقُ و إذا سُبِقَ بِضَمٍّ أو فتحٍ يُفَخَّم .
و إذا دقَّقنا التَّأمُّلَ في الآيةِ چ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? چ تَتَحَدَّثُ الآيةُ الكَريمةُ عن عَهْدِ البَيْعَة و أهمِّيتِهِ و مَنْزِلَتِهِ عندَ اللهِ فالَّذي يُبايِعُ الرَّسولَ إنّما يُبايعُ اللهَ لِذا فإنَّ السِّرَّ الكامِنَ في ضَمِّ الهاءِ في (عليهُ) الَّذي يؤدِّي إلى تَفْخيمِ لَفْظِ الجَلالةِ هوَ لِتَعْظيمِ شأنِ عَهْدِ البَيعةِ و شَأنِ الإيفاءِ بِهِ ، لاسَيَّما أنَّهُ عَهْدٌ مع اللهِ.






مصادر البحث و مراجعه
? القرآن المجيد .
? الأصول في النحو , أبو بكر محمد بن سهل بن السراج النحويّ البغداديّ (ت 316 هـ), تحقيق: د . عبد الحسين الفتليّ , ط4 , مؤسسة الرسالة , بيروت – لبنان , 1420 هـ - 1999م.
? إعراب القرآن المنسوب خطأً للزجاج , أبو الحسن علي بن الحسين الملقب بجامع العلوم الباقوليّ (ت543هـ)(77),تحـ :إبراهيم الأبياريّ,وزارة الثقافة والإرشاد القومي–المؤسسة المصريّة العامة,القاهرة ، ج1 1382 هـ - 1963 م , ج2 1383 هـ - 1964 م .
? بحر العلوم ( تفسير السمرقندي )، أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي (ت 375 هـ)، تحقيق: د. محمد مطرجي، دار الفكر، بيروت – لبنان، ( د . ت ).
? البحر المحيط في التفسير , محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسيّ الغرناطيّ (ت 745 هـ), إعداد مكتب البحوث والدراسات , بعناية صدقي محمد جميل , وزهير جعيد , دار الفكر , 1412هـ - 1992م .
? تجويد القرآن الكريم من منظور علم الأصوات الحديث، د. عبد الغفار حامد هلال، ط1, مكتبة الآداب، القاهرة – مصر، 1428هـ - 2007م.
? التحديد في الإتقان والتجويد، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر، أبو عمرو الداني (ت 444 هـ)، تحقيق: د. غانم قدوري الحمد، ط1, مكتبة دار الأنبار، بغداد – العراق، 1407هـ - 1988م.
? تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت:982هـ)،الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
? تفسير الجلالين، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (ت 864هـ)، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ)، دار الحديث، القاهرة – مصر، ط1، (د . ت).
? التفسير المظهري: المظهري، محمد ثناء الله ،المحقق: غلام نبي التونسي، الناشر: مكتبة الرشدية – الباكستان ،الطبعة: 1412 هـ
? التمهيد في علم التجويد، شمس الدين أبو الخير بن الجزري محمد بن يوسف (ت 833 هـ)، تحقيق: د. علي حسين البواب، ط1, مكتبة المعارف، الرياض – السعودية، 1405هـ - 1985م.
? التيسير في القراءات السبع, أبو عمرو عثمان بن سعيد الدانيّ, عُني بتصحيحه أوتويرتزل, ط1, مكتبة الثقافية الدينيّة, القاهرة – مصر، 1426هـ - 2005م.
? الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (ت 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة – مصر، ط2، 1384هـ - 1964 م.
? الجديد في علم التجويد، الحاج مصطفى المؤذن الصراف الكربلائي، ط4, مكتبة العلامة ابن فهد الحلي، كربلاء – العراق، 1425هـ - 2004م.
? جمال البيان في تجويد القرآن، محمد حسن آل طعمة، ط1, مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، 1426هـ - 2006م.
? الجمل في النحو:أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت:170هـ)،المحقق:د.فخرالدين قباوة،الطبعة: الخامسة، 1416هـ 1995م
? الحجة في القراءات السبع ، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان، تحقيق: د.عبد العال سالم مكرم ، ط1, عالم الكتب ، القاهرة – مصر، 1428هـ - 2007م.
? حجة القراءات, أبو زُرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجله (ت في حدود 400 هـ), تحقيق: سعيد الأفغانيّ, ط5, مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان, 1422هـ - 2001م.
? الحجة للقراء السبعة، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (ت 377هـ)، تحقيق: بدر الدين قهوجي، وبشير جويجابي، راجعه ودققه: عبد العزيز رباح، وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق – بيروت، ط2، 1413 هـ - 1993م.
? الخصائص، أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، تقديم: د. عبد الحكيم راضي، ط5, الهيأة المصرية العامة للكتاب, القاهرة – مصر، 2011م.
? الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، د. غانم قدوري الحمد، ط1, مطبعة الخلود، بغداد – العراق، 1406هـ - 1986م.
? دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (ت 471هـ)، دراسة وتحقيق: (الفاتحة والبقرة) وَليد بِن أحمد بن صَالِح الحُسَيْن، (وشاركه في بقية الأجزاء): إياد عبد اللطيف القيسي، مجلة الحكمة، بريطانيا، ط1، الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
? الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (ت 756هـ)، تحقيق: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق – سوريا، (د . ت).
? روح البيان، إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء (ت 1127هـ)، دار الفكر، بيروت – لبنان، (د . ت).
? سر صناعة الإعراب ، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل ، أحمد رشدي شحاتة عامر، ط1, دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان، 1421هـ - 2000م .
? السبعة في القراءات ، أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت 324 هـ)، تحقيق : د. شوقي ضيف، ط4, دار المعارف ، القاهرة – مصر، 1430هـ - 2010م.
? شرح تَسْهِيْل الفوائد، محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (ت 672هـ)، تحقيق: د. عبد الرحمن السيد، ود. محمد بدوي المختون، هجر للطباعة والنشر، ط1، 1410هـ - 1990م.
? شرح شافية ابن الحاجب، رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي النحوي (ت 686 هـ), تحقيق: محمد نور الحسن, ومحمد الزفزاف, ومحمد محيي الدين عبد الحميد, دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط1, (د . ت).
? شرح المفصل, موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحويّ (ت 643 هـ), وضع فهارسه د. عبد الحسين المبارك، عالم الكتب، بيروت - لبنان، (د . ت).
? علم الأصوات، د. كمال بشر، دار غريب ، القاهرة – مصر ، 1421هـ - 2000م.
? غاية المريد في علم التجويد، عطية قابل نصر، القاهرة، ط7، (د . ت).
? القراءات القرآنية في كتب معاني القرآن قراءة في التوجيه الصوتي، د. جواد كاظم عناد، ط1, الانتشار العربي، بيروت – لبنان، 1431هـ - 2011م.
? قطوف من ثمار العربية, أ. د. أسعد محمد علي النجار, إسراء أمين البياتي, ط1، دار الصادق, بابل – العراق, 2013م.
? القول السديد في علم التجويد: على الله بن علي أبو الوفا ،الناشر: دار الوفاء – المنصورة ،الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.
? كتاب سيبويه, أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت 180 هـ) , تحقيق: د. عبد السلام محمد هارون, ط4, مطبعة المدنيّ, القاهرة, 1425هـ - 2004م.
? الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها, أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسيّ, تحقيق : د. محيي الدين رمضان, مطبعة مجمع اللُّغَة العربية بدمشق، دمشق – سوريا ، 1394 هـ - 1974م.
? اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت 775هـ)، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1419 هـ -1998م.
? اللهجات العربية في التراث، د. أحمد علم الدين الجندي، الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس، 1399هـ - 1978م.
? مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت 606هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط3، 1420 هـ.
? المقتضب, أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (ت 285 هـ)، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة, مطبعة الأهرام التجاريّة, القاهرة – مصر، ط3, 1415هـ - 1994م.
? النشر في القراءات العشر, أبو الخير محمد بن محمد الدمشقيّ الشهير ب?بن الجزريّ, تقديم: علي محمد الضباع, خرّج آياته الشيخ زكريا عميرات, ط3, دار الكتب العلميّة, بيروت – لبنان، 1427هـ - 2006م.
? همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت:911هـ)، المحقق: عبد الحميد هنداوي، الناشر: المكتبة التوفيقية - مصر
? الوسيط في تفسير القرآن المجيد، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت 468هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، ود. أحمد محمد صيرة، ود. أحمد عبد الغني الجمل، ود. عبد الرحمن عويس، قدمه وقرظه: د. عبد الحي الفرماوي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1415 هـ - 1994 م.


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • لغة عربية/ الأصوات

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :