انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

أثرُ الاحتمالِ النحويّ في توجيه المعنى القرآنيّ في تفسير الدُّرّ المصونِ
آياتُ الجهادِ اختيارًا
م. د. عماد فاضل عبد
كلية العلوم الإسلامية – جامعة بابل
The influence of grammatical probability in directing the Qur anic meaning in Al-Durr Al-masun - The verses of jihad as a model
Imad Fadhil Abed Dr.
College of Islamic Sciences - University of Babylon
imadfadhil@gmail.com
الملخص
لا يخفى ما تشتمل عليه تفاسير القرآن الكريم من كثرة الاحتمالات النحويّة، التي تستتبع تعددًا في الوجوه الدلاليّة، ولا شكّ أنّ فهم النصّ القرآني، والوقوف على دلالته المرادة متوقف على التدبّر في هذه الاحتمالات.
ولأنّ تفسير الدر المصون للسمين الحلبي (ت756ه) من التفاسير التي اهتمت كثيرًا بعرض الوجوه النحويّة سواء للمفردة أو للتركيب، جاء هذا البحث محاولة للوقوف على الاحتمالات النحويّة التي يسوقها السمين الحلبي في مدونته، وأثرها في استجلاء الدلالة الأقوى وصولًا إلى المعنى الظاهري للنصّ المبارك، كلّ ذلك في ظل آيات الجهاد المباركة.
الكلمات المفتاحية: الدر المصون، الاحتمال، الأرجح، المرجوح
Abstract
It is clear that the interpretations of the Qur an include many grammatical possibilities, and these possibilities have multiple connotations that can converge or diverge, and understand the Koranic text, and knowledge of its significance depends on an understanding of these grammatical possibilities to reach the strongest sense.
Because of the interpretation of the Al-Durr Al-masun Al-Samin Al-Halabi (d.756 AH) of the interpretations that were very interested in the presentation of the grammatical faces of the individual or the text, this research was an attempt to find out the meanings of the grammatical possibilities presented by the Fatimil Halabi in his book to know the meaning of the Qur anic text.
key words: Al-Durr Al-masun, possibility, most likely, rejected



المقدمة:
لا يخفى ما تشتمل عليه تفاسير القرآن الكريم من كثرة الاحتمالات النحويّة، فلا تكاد تخلو آية من آيات الكتاب الكريم من ذلك التعدد، ولاشكّ في أنّ تعدد هذه الاحتمالات يستتبعه تعدد في الوجوه الدّلاليّة التي قد تتقارب لتصل إلى حدٍّ قريبٍ من التماثُل، أو تتباعد فتصل إلى حدِّ التضادّ.
ولمّا كانت الغاية من تنزيل القرآن الكريم تدبّر آياته، والوقوف على معانيه، والاهتداء بهديه، والسير على نهجه، كما قال تعالى: ?كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ?[ص: 29]، وقال تعالى: ?اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ? [الأعراف من الآية: 3]، كان الكشف عن مراده تبارك وتعالى ممّا يحتاج إلى دقةٍ وإنعامِ نظر في تلك الاحتمالات وتحليلها وتوجيهها وصولًا إلى الاحتمال الأرجح الكاشف عن المعنى الظاهريّ لمراده جلّ وعلا.
أمّا كتاب (الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون) للسمين الحلبي (ت756ه) فإنّه يمثل موسوعة إعرابيّة ضمّت في أنحائها تحليلات نحويّة ومباحثات لغويّة كثيرة ومتنوعة، تقوم على أساس تعدد الاحتمالات النحويّة، وتعدد الوجوه الإعرابيّة في النصوص القرآنيّة، مع بيان أدلّة المعربين ومناقشتها إن تأييدًا وإن رفضًا وإن تسويغًا، من هنا وقع الاختيار عليه.
وهذا البحث محاولة لتتبع الاحتمالات النحوية التي يسوقها السمين الحلبي، والتأمّل في دلالاتها، ومحاولة الترجيح بينها، في ضوء القواعد النحويّة، على أن تكون آيات الجهاد محلّ التطبيق والإجراء.
ومن أجل سبك المادة المبحوثة التي لها مسيس بعنوان البحث، شرعت برسم خطة البحث لتكون في أربعة مطالب بعد التمهيد، وعلى النحو الآتي:
التمهيد، والاحتمال النحويّ في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف، وفي العوامل، وفي إعراب الجمل، ومن القمين بالذكر أنّ المباحثات النحويّة التي سنتناوشها في تلكم المطالب ستكون متفاوتة، وهو أمر بدهيّ إذ إنّ طبيعة المسائل النحويّة ومناقشتها تخضع لحجم المادة العلميّة داخل المطالب المروم عرضها.
التمهيد: الاحتمال النحويّ مقاربة تأصيليّة
الاحتمال لغةً:
الاحتمال مصدر للفعل الثلاثي المزيد بحرفين، وجذره اللغويّ (حمل)، وقد ذكر ابن فارس (ت395ه) معنى واحدًا لاستعمالاته في اللغة فقال: ((الحاء والميم واللام أصلٌ واحدٌ يدلّ على إقلال الشيء، يقال: حَمَلْتُ الشيءَ أحْمِلُهُ حَمْلًا))( ). ويقال: ((حَمَلْتُ الشيءَ على ظَهْرِي أحْمِلُهُ حَمْلًا ومنه قوله تعالى: ?مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا?))( )، فالنهوض بالشيء وقبول الأمر الصّعب أمرٌ واحدٌ أو كما ذكر ابن فارس أصلٌ واحدٌ، إلّا أنَّه مستلزم للمشقة وإلى هذا أشار الخليل (ت175ه) فقال: ((تحاملتُ في الشيء إذا تكلّفتُه على مشَقّةٍ))( )، ومنه أيضًا قولهم: ((احْتَمَلَ الرجل إذا غَضِبَ ويكون بمعنى حَلُمَ، قال الأصمعي في الغضب غَضِبَ فلان حتى احْتَمَلَ))( ). وقال ابن سيده (ت458ه): ((حَمَلَ الشَّيْءَ يَحْمِلُه حَمْلًا وحُمْلانًا، فَهُوَ مَحْمولٌ وحَمِيلٌ، واحتَملَه. وَقَول النَّابِغَة:
فحمَلْتُ بَرَّةَ واحتَملْتَ فَجارِ
عبّر عن البَرَّة بالحمل، وعن الفجرة بالاحْتِمَالِ، حَمْلُ البَرَّة إضافة إلى احْتِمَال الفجرة أَمر يسير ومستصغر. ومثله قول الله عزّ اسمه: ?لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ?))( )، وفي النصّ إشارة إلى دلالة المبالغة في الاحتمال.
ويفهم من النصوص المتقدّمة أنَّ الجامع المشترك لها هو الجهد والمشقة.
الاحتمال اصطلاحًا:
أمّا في الاصطلاح فالاحتمال ((ما لا يكون تصور طرفيه كافيًا بل يتردد الذهن في النسبة بينهما ويراد به الإمكان الذهني))( )، بمعنى عدم القطع بصحة طرفٍ دون آخر. واستشهد ابن منظور (ت711ه) على مثل هذا بقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) لابن عباس، فقال: ((وفي حديث علي: لا تُنَاظِرْهُمْ بِالقُرْآنِ فإنَّ القُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ، أي يُحْمَلُ عليه كُلُّ تأويل فَيَحْتَمِلُهُ، وذو وُجُوه أي ذُو مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ))( ). ومعنى هذا أنَّ احتمل تفيد معنى الاستيعاب وأنَّ كلام الله يستوعب ويتضمن وجوهًا عدّة في التفسير( ).
ويمكن أن تكون المناسبة بين المعنى اللغويّ والاصطلاحيّ سعة آفاق البحث عند الناظر المتأمل في تركيب النصّ اللغويّ؛ نتيجة تعدد وجوه الدلالة لذلك النصّ.
سبب نشوء الاحتمال النحويّ في النص القرآني
إنَّ نشوء الدّلالة الاحتماليّة في النصّ القرآنيّ يمكن إرجاعه إلى سببين رئيسين:
الأول: طبيعة الخطاب القرآنيّ نفسه وكونه صادرًا من الكمال اللامتناهي، ومن ثمَّ تكون الإحاطة بمراميه أمرًا متعذرًا إلّا على الراسخين في العلم، إذ أودعت ألفاظه من المعاني ما لا يعلمها إلّا مبدعها، و((لو أعطي العبد بكلّ حرف من القرآن ألف فهم، لم يبلغ نهاية ما أودعه في آية من كتابه؛ لأنّه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أنّه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه))( )، مثال على هذا قوله تعالى: ?وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ? [البقرة من الآية: 212]، فعلى الرغم من كونه كلامًا بيّنًا، إلّا أنَه تبارك وتعالى قد أودع كلماته ما شاء من المعاني، فلو قيل: إنّ معنى الآية المباركة أنّه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه، كان كلامًا صحيحًا، إذ الأرزاق على هذا تكون على وَفْقِ مشيئته وحكمته لا على أساس استحقاق العبد، ولو قيل: إنَّه يرزق من يشاء بلا خوف النفاذ، كان كلامًا صحيحًا، وهو تنبيه على سعة خزائنه وبسط يده، ولو قيل: إنّه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب كان صحيحًا، وفيه من التسلية والتلويح للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرًا، ولو قيل: إنّه يرزق رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر أو حساب كان صحيحًا، وكان بمثابة وعد للصالحين بمضاعفة الأجر أضعافًا كثيرة لا يحصرها العدّ( ).
وهذا لا يتعارض مع ما أمر به القرآن الكريم من التدبّر في آياته، قوله تعالى: ?أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها? [محمد: 24]، وقوله تعالى في الآية (29) من سورة ص المتقدّمة، فالمتدبرون يتفاوتون في إمكاناتهم وقدراتهم فيصيبون المعنى حينًا ويقاربونه آخر وربّما يبتعدون أو يخطئون في بعض الأحيان( ) فكلّ يفهم بمقدار ما يفتح الله عليه.
والآخر: أنّ النصّ القرآنيّ نصٌ لغويّ يعرض له ما يعرض لأيّ نصٍ لغويّ آخر في تعدد الفهم( )، وهذا يخضع لعوامل عدّة من أهمها:
الأول: غياب الحركة الإعرابيّة عن المفردة إمّا لأنّها مبنيّة فتلزم حالًا واحدة، أو معربة إعرابًا تقديريًا كالمقصور ونحوه، ممّا يفتح المجال أمام تعدد الدّلالة النحويّة الاحتماليّة، فمن ذلك قوله تعالى: ?وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا? [الفرقان: 63]، ففي إعراب (الذين) وجهان محتملان، الأول: أن يكون هو الخبر، والثاني: أن يكون نعتًا والخبر قوله تعالى: ?أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ? [الفرقان من الآية: 75]( ).
الثاني: صلاحيّة موقع المفردة أو التركيب لأكثر من وظيفة إعرابية باسترفاد السياق المقاليّ الذي تعيش فيه المفردة أو التركيب، فمثال الدّلالة الاحتماليّة في موقع المفردة قوله تعالى: ?وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا? [المرسلات: 1]، فـ (عُرفًا) تحتمل أن تكون مفعولًا له، أو يكون نصبها على الحال( ). وأمّا الاحتمال في موقع التركيب فمنه قوله تعالى: ?اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا? [الرعد من الآية: 2]، إذ يحتمل قوله تعالى: (ترونها) أن يكون كلامًا مستأنفًا، أو يكون صفة للعَمَد( ).
الثالث: الخلاف النحويّ: وهو من العوامل المهمة التي أسهمت في تعدد الاحتمالات وكثرة التوجيهات، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الأصول التي وضعها النحويون والقواعد التي قعّدوها لم تكن جميعها محل اتفاق بل وقع الخلاف فيها بينهم. ولعل خير مثال على ذلك قوله تعالى: ?ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا? [مريم: 69]، فقد أوصل الخلاف النحوي وجوه الدّلالة النحويّة المحتملة لـ (أيّ) في هذه الآية إلى ستة أوجه.
الرابع: الخلاف العقائدي: إنّ مراعاة العقائد الحقّة في توجيه النصّ القرآنيّ ليس عيبًا، فهو عاصم في كثير من الأحيان من الانحراف عن مراد الله سبحانه وتعالى( ). إلّا أنّ العيب هو أن يُفْرَض على النصّ القرآنيّ اتّجاه مذهبيّ محدد ومن ثمّ محاولة فَهْمِ النصّ في إطار ذلك الاتجاه( )، ومن الآيات التي كان الخلاف العقائديّ ذا سُهمة في تعدد الدّلالة الاحتماليّة فيها قوله تعالى: ?وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ? [القصص: 68]، فقد ذكروا( ) في تفسيرها أوجهًا عدّة لا تخلو أن تكون دواعيها مذهبيّة فهي تحاكي مسألة القضاء والقدر التي هي محلّ خلاف بين المسلمين، وكلّ فرقة تحاول توجيه دلالة الآية لتطابق ما تؤمن به من عقائد، فيرى الأشاعرة أنّ الإنسان مسيّرًا، في حين يرى المعتزلة أنّه مخير، بينما يرى الإمامية أنّه أمرٌ بين أمرين( ).
وبعد هذا المقدّم، بدا للبحث أنّ يستظهر مجموعةً من الاحتمالات النحوية التي لها أثر في توجيه النصّ القرآنيّ ممّا عنّ للسمين الحلبي في مدونته القيمة (الدرّ المصون).
المطلب الأول: الاحتمال في الاسماء
أولًا: الاحتمال في المرفوعات
(1) الاحتمال في المبتدأ والخبر
قوله تعالى: ?وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ? [البقرة: 191]
احتمل السمين الحلبي في توجيه قوله تعالى: (كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين) وجهين إعرابيين( ):
الأول: أن يكونَ (كذلك) خبرًا مقدمًا، و(جزاءٌ) مبتدأ مؤخرًا، والمعنى: جزاءُ الكافرين مثلُ ذلك الجزاءِ وهو القتلُ.
الثاني: أنّ الكاف في محلّ رفع بالابتداء، و(جزاءُ الكافرين) خبره، والمعنى على هذا: مثل ذلك الجزاء جزاؤهم، هذا عند من يرى أن الكاف اسم مطلقًا، وهو مذهب الأخفش (ت315ه).
إنّ المتأمل في دلالة الاحتمالين المتقدمين، يجد أنّ تقديم الخبر في الاحتمال الأول فيه ملحظ بلاغيّ هو الدّلالة على الاهتمام والتهويل، إذ هو محل عناية المتكلّم، وقد أشار سيبويه (ت180ه) إلى ذلك، بقوله: ((كأنّهم إنّما يقدّمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم))( )، وعليه فالآية المباركة قدّمت ما هي به أعنى وهو القتل.
أمّا الاحتمال الثاني فهو قائم على الإخبار بأنّ مثل ذلك الجزاء أي القتل هو جزاء الكافرين، وهذا وإن صحّ من جهة الصنعة النحويّة إلّا أنّه ممّا يحتاج إلى تأويل وتقدير، وإبعاد النصّ القرآني عن ذلك أولى، بل يجب ما وجد سبيل لذلك( ).
من هنا كان الاحتمال الأول أرجح، لما تقدّم من الابتعاد عن التأويل والتقدير، ولاشتمال التقديم على معنى التهويل وهو ما ناسب سياق الآية المباركة، زد على ذلك ذهاب أغلب المفسرين إلى هذا الترجيح( ). وربما كان في تقديم السمين الحلبي لهذا الاحتمال إشارة منه إلى ترجيحه له.
(2) الاحتمال في الخبر
ومنه قوله تعالى: ?أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? [التوبة: 13].
لا خلاف في أنّ لفظ الجلالةُ في قوله: (فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ) مبتدأ، إلّا أنّ الخلاف وقع في تحديد خبر المبتدأ، فجاءت الاحتمالات في ذلك على النحو الآتي( ):
الأول: أنّ (أَحَقُّ) هو الخبر و(أَنْ تَخْشَوْهُ) في محلّ رفع بدل من لفظ الجلالة، والمفضّل عليه محذوف، والمعنى على هذا: فخشية الله أحقّ من خشيتهم.
الثاني: أنّ (أَحَقُّ) خبرٌ مقدمٌ و(أَنْ تَخْشَوْهُ) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لفظ الجلالة.
الثالث: أنّ (أَحَقُّ) مبتدأ ثان و(أَنْ تَخْشَوْهُ) خبره، والجملة أيضًا خبر لفظ الجلالة.
الرابع: أن (أَنْ تَخْشَوْهُ) في محلّ نصب، أو جرّ بعد إسقاط حرف الخفض، والتقدير: فالله أحقّ بأن تخشوه.
لو أنعمنا النظر في معاني الاحتمالات التي ساقها السمين الحلبيّ نجد أنّ الاحتمال الأول ممّا يحتاج إلى تأويل وتقدير لمحذوف يكون هو المفضول، وعدم التقدير أولى كما مرّ.
ولا يختلف الحال مع الاحتمال الرابع إذ هو على تقدير حرف الخفض، ومن ثمّ حذفه ليكون المصدر المؤول منصوبًا على نزع الخافض، وفي هذا التوجيه تكلّف واضح، وخلاف لظاهر النصّ الذي هو حجة، وعليه يعدّ هذا الاحتمال مرجوحًا.
أمّا الاحتمال الثالث، فهو وإن خلا من التقدير ويمكن توجيه النصّ المبارك في ضوئه، على أساس أنّ الأصل أن يتقدّم المبتدأ على الخبر( )، إلّا أنّه مفضول بالاحتمال الثاني؛ إذ المعنى فيه يكون مجرد إخبار، إمّا الثاني فيزيد على ذلك بجعل بؤرة الاهتمام والعناية في الجملة لفظة (أحقّ) من خلال تقديمها، لا سيما وأنّ الكلام موجه للمسلمين أنفسهم، ومن ثمّ فهم بحاجة إلى ما هو أكثر من الإخبار، إذ المفترض أنّ مضمون الخبر معلوم لديهم، وعليه يكون الاحتمال الثاني هو الأرجح، وأنّ التقديم جاء لإفادة التخصيص.
(3) الاحتمال في خبر إنَّ
قوله تعالى: ?ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ? [النحل: 110].
في خبر (إنَّ) الأولى ثلاثة احتمالات وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنّه قوله: (لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، و(إِنَّ رَبَّكَ) الثانية واسمها تأكيد للأولى واسمها، فكأنّه قيل: ثم إنّ ربّك إنّ ربّك لغفور رحيم.
الثاني: أنّ الخبر هو نفس الجار بعدها كما تقول: إنّ زيدًا لك، أي: هو لك لا عليك بمعنى هو ناصرهم لا خاذلهم.
الثالث: أنّ خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، يعني أنّه محذوف لفظًا لدلالة ما بعده عليه.
الناظر الباصر في دلالات الاحتمالات المتقدمة يلحظ أنّ الاحتمال الثاني بجعل الجار والمجرور هو الخبر، ممّا يحتاج إلى تأويل يخالف ظاهر النصّ ومن ثمّ يمكن الاستغناء عنه.
أمّا الاحتمال الثالث وهو استغناء الأولى عن الخبر بخبر الثانية فمعناه إلغاء حكم الأولى وجعله للثانية، وإلى هذا أشار أبو حيان (ت745ه) بقوله: ((وهذا ليس بجيّد؛ لأنّه ألغى حكم الأولى وجعل الحكم للثانية))( )، وحمل القرآن على الوجوه غير الجيدة أمر مرجوح.
من هنا يمكن ترجيح الاحتمال الأول على أساس أنّ (إِنَّ رَبَّكَ) الثانية تكرار للأولى، وإنّما جيء بها لطول الفصل بين (إِنَّ رَبَّكَ) الأولى وخبرها (لَغَفُورٌ)، على أنّها (الثانية) أفادت التوكيد اللفظيّ( ), فجاءت منسجمة في سياقها مع سياق الآيات السابقة لها من جهة وجود التوكيد فيها، غاية ما في الأمر أنّ التوكيد في الآيات السابقة بضمير الفصل (هم) وفي هذه الآية بالتكرار اللفظ.
(5) الاحتمال بين المبتدأ والبدل
قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? [البقرة: 218].
في قوله تعالى: (أُولَئِكَ) احتمالان إعرابيان، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أن يكون مبتدأ، و(يَرْجُونَ) خبره.
الثاني: أن يكون بدلًا من (الَّذِينَ)، و(يَرْجُونَ) خبره.
أمّا دلالة الاحتمال الثاني فمعناه أنّ (الَّذِينَ) الثانية ليست مقصودة؛ لأنّها مبدل منه وإنّما جيء بها تمهيدًا وتوطئة لذكر البدل (أُولَئِكَ)، لأنّ البدل ((هو الذي يعتمد بالحديث، وإنّما يذكر الأول لنحو من التوطئة وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد))( ).
وهذا ممّا لا إشكال فيه سوى أنّه مرجوح بما هو أقوى منه، ومن ثمّ ينبغي حمل النصّ القرآني على الوجه الإعرابيّ الأقوى( ).
وأمّا الاحتمال الأول بجعل جملة (أُولَئِكَ يَرْجُونَ) جملة مستقلة فهو مما يضفي قوة للمعنى مكمنه دلالة هذه الجملة الإسمية على زيادة وصف للذين آمنوا والذين هاجروا من جهة، وكون التكرار في الاسم الموصول ــــ بلحاظ كونه مقصودًا لنفسه ــــ مما يفيد تعظيم الهجرة والجهاد فكأنّهما مستقلان في تحقيق الرجاء من جهة أخرى( ).
من هنا كان ترجيح الاحتمال الأول أولى، وقد أشار إليه السمين الحلبي بقوله: والأول أحسن( ).
(4) الاحتمال بين الاسم الموصول واسم الشرط
قوله تعالى: ?مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ? [العنكبوت: 5].
تترجح (مَنْ) في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ) بين احتمالين، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أن تكون شرطية.
الثاني: أن تكون موصولة، والفاء: لشبهها بالشرطية.
أمّا الاحتمال الأول وهو كونها شرطية، فإمّا أن يكون قوله: (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) جواب الشرط وهو ما رفضه السمين الحلبي بقوله: ((والظاهر أنّ هذا ليس بجواب؛ لأنّ أجل الله آتٍ لا محالة من غير تقييد بشرط))( )، وقد أدرك الزمخشري (ت538ه) ذلك فتأول فيه قائلًا: ((فإن قلت أجل الله لآتٍ كيف وقع جوابًا للشرط؟ قلت: إذا علم أنّ لقاء الله عنيت به تلك الحال المحتملة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت، فكأنّه قال: من كان يرجو لقاء الله فإنّ لقاء الله لآتٍ؛ لأنّ الأجل واقع فيه))( )، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من تكلّف أحسب أن لا ضرورة له.
وإمّا أن يكون الجواب مقدّرًا، وهذا ما اختاره بعض المفسرين فذهبوا إلى أنّ الجواب محذوف على تقدير: من كان يرجو لقاء الله, فليبادر بالعمل الصالح الذي يحقق رجاءه( )، وهذا التقدير ممّا يمكن الاستغناء عنه.
إلى هنا ظهر لنا أنّ الاحتمال الثاني هو الأرجح؛ لحفاظه على ظاهر النصّ بخلوه من التقدير والتأويل.


ثانيًا: الاحتمال في الأفعال
ومنه قوله تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ? [البقرة: 193].
يتردد الفعل (يَكُونَ) في قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) بين احتمالين هما( ):
الأول: أن يكونَ تامًا، وقوله (لله) متعلق به.
الثاني: أن يكونَ ناقصًا وخبره (لله)، أو متعلّق بمحذوف الخبر، أي: كائنًا لله.
أمّا كونه تامًا فهذا يعني أنّ معناها يوجد أو يقع، قال سيبويه: ((قد يكون لكان موضع آخر يقتصر على الفاعل فيه، تقول: قد كان عبد الله، أي قد خُلق، وقد كان الأمر أي وقع الأمر))( ), وعلى هذا يكون الفعل (يَكُونَ) دالًّا على الحدث والزمن، ومعنى الجملة في الآية المباركة هو: ويقع الدين لله، ولا أحسب أنّ الفعل (يقع) سدّ مسد كان ذلك أنّ (يَكُونَ) تطوي الزمن، بخلاف الفعل (يقع)( ).
وأمّا كونه ناقصًا فهو ظاهر التبادر، وعليه فلا يُنصرف إلى غيره؛ لظهوره وكونه أكثر انسجامًا مع السياق، من هنا شجّع البحث ترجيح الاحتمال الثاني.
ومثله قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ? [الأنفال: 65]، إذ يحتمل في الفعل (يَكُنْ) في الآية الشريفة وفي الموضعين وجهان( ):
الأول: أن يكون تامًا و(مِنْكُمْ) إمّا حال من عشرون؛ لأنّها في الأصل صفة لها، وإمّا متعلق بالفعل نفسه لكونه تامًا.
الثاني: أن يكون ناقصًا، فيكون (مِنْكُمْ) خبره، وعشرون اسمه.
أمّا الاحتمال الأول بعدّ الفعل (يَكُنْ) تامًا فيكون عشرون فاعله، ومنكم حال منه لتقدّمها عليه، إذ هو في الأصل صفة، والصفة إذا تقدّمت نُصبت على الحالية( )، والمعنى على هذا: إن وجد أو إن حصل منكم، قد تقدّم أنّ الفعل الذي تأتي كان التامة على معناه يكون قاصرًا في دلالته عن دلالة كان، إذ فيها إلماح لطوي الزمن.
وأمّا الثاني فعلى أنّها ناقصة وقد تقدّم اسمها على خبرها للعناية والاهتمام.
والذي عَنّ للبحث أنّ الاحتمال الأول هو الأرجح لسببين؛ أحدهما: أنّ كان تطوي الزمن، ومضمون الآية الشريفة، أعني أن يوجد أشخاص مؤمنون صابرون مستقرّون ثابتون تجاه العدو، يقابل كل واحد منهم عشرين من الأعداء، فهذا يقتضي زمنًا أطول.
والسبب الآخر: هو أنّ هذا الاحتمال يحافظ على ظاهر النصّ من دون الحاجة إلى تقديم وتأخير، والقول بالترتيب مقدّم على القول بالتقديم والتأخير إذ هو الأصل( ).
ثالثًا: الاحتمال في الحروف:
(1) في (حتّى)
قوله تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ? [البقرة: 193]، ذهب السمين الحلبي إلى أنّ (حَتّى) في الآية المباركة تحتمل معنيين وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أن تكون بمعنى (كي).
الثاني: أن تكونَ بمعنى إلى، وأن مضمرة بعدها في الحالين.
وردت (حَتّى) في القرآن الكريم على قسمين: الأول: ما تكون فيه جارة غائية، وذلك في حالتين؛ أحدهما أن يأتي بعدها اسم أو مصدر، فتكون عندئذ بمعنى (إلى)، والأخرى: أن يأتي بعدها فعل مضارع منصوب بـ (أن) المقدرة وجوبًا، فيكون معناها (إلى أن).
أمّا القسم الثاني فهي الابتدائية غير العاملة مع بقاء الغاية، وذلك إذا جاء بعدها جملة مبدوءة بفعل ماض أو جملة شرطية( ).
ولو تأمّلنا (حَتّى) في الآية الشريفة وجدناها من القسم الأول، أي الجارة، وهو ما ذكرة السمين الحلبي، فعلى الاحتمال الأول يكون المعنى قاتلوهم كي لا تكون فتنة، وعلى الثاني يكون المعنى قاتلوهم إلى أن تزول الفتنة، وفي الحق أنّ الآية الشريفة تقبل كلا المعنيين على حدّ سواء، أو أنّ الفارق بينهما لا يكاد يبين، إلّا أنّنا نميل إلى كون حتّى تعليلية بدليل قوله تعالى في ذيل الآية فإن انتهوا فلا عدوان إلّا على الظالمين، وقد استظهر السمين الحلبي ذلك( )، وكذا فعل محي الدين الدرويش( ).


(2) في (مِن)
قوله تعالى: ?وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? [آل عمران: 121]، (مِنْ) في قوله: (مِنْ أَهْلِكَ) فيها وجهان، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنّها لابتداء الغاية أي: من بين أهلك.
الثاني: أنّها بمعنى مع أي: مع أهلك.
(مِنْ) حرف يجرّ الاسم الظاهر والمضمر، ويؤدي معانيَ عدّة، بحسب السّياقات التي يرد فيها، فيأتي لابتداء الغاية، ويعدّ هذا المعنى أصل معانيه. كذلك يأتي للتبعيض والتبيين والسببيّة والبدليّة والتفضيل، ويأتي ــــ أيضًا ــــ متضمنًا لمعاني حروف أخرى، كالظرفية والاستعلاء والتجاوز ويأتي زائدًا لإفادة التوكيد( )، ولم أجد في حدود اطلاعي على كتب معاني الحروف أنّ (من) تأتي بمعنى (مع).
من هنا كان الاحتمال الثاني مرجوحًا، وقد أشار السمين الحلبي نفسله إلى ذلك حين ذكر أنّ الاحتمال الأول هو الظاهر، وإنّ الثاني لا يساعده لا لفظ ولا معنى( ).
(3) في (أم)
قوله تعالى: ?وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ? [آل عمران: 141 ــــ 142]، (أم) في الآية الشريفة لها أكثر من معنى محتمل، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنها منقطعةٌ مقدَّرة بـ (بل) وهمزة الاستفهام، ويكون معناه الإنكار.
الثاني: أنّها بمعنى الهمزة وحدها، ومعناه: التوبيخ والإنكار، أو استفهام معناه النهي.
الثالث: أنّها متصلة على أنّها عديلة همزة تتقدّر من معنى ما تقدّم.
(أمْ): حرف عطف مبني على السكون، لا محلّ له من الإعراب، وهي إمّا متصلة وذلك إن كان ما بعدها متصلًا بما قبله، وإمّا منقطعة إن فُقد الاتصال بين سابقها ولاحقها( ).
أمّا احتمالاتها في الآية الزاكية، فيلحظ المتأمّل في سياق الآيتين أنّ الكلام بعد (أم) انتقال من غرض إلى آخر، وعليه فاحتمال كونها منقطعة أظهر، من هنا كان الاحتمال الثالث مرجوحًا لما تقدّم ولأنّه يستلزم تأويل وتقدير لسنا مضطرين له.
بقي الكلام في الاحتمالين الأول والثاني، أمّا الثاني وهو أنّها تقدّر بمعنى الهمزة وحدها، فذلك ممّا لم أجد ــــ في حدود اطلاعي على كتب النحو ــــ من قال به، بل الكلام والخلاف وقع في كون معناها (بل) فقط أم (بل) والهمزة( )، نعم ذكر الرمّاني (ت384ه) أنّها ((عديلة لألف الاستفهام، وهي معها بمنزلة أي))( ).
والذي لا خلاف فيه أن تقديرها خاضع للسياق، ولمّا كان سياق الآية المباركة بعد (أم) ممّا يستلزم استفهامًا، فإنّ الاحتمال الأول يكون هو الأرجح، على أنّ الاستفهام انكاريّ توبيخيّ، وهو ما استظهره السمين الحلبي، وقال به جلّ المفسرين( ).
(4) في الفاء
قوله تعالى: ?فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا? [النساء: 84]، الفاء في قوله: (فَقَاتِلْ) تحتمل وجوهًا عدّة، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنّها عاطفة، وفي المعطوف عليه أكثر من احتمال:
1- أن تكون معطوفة على قوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ)[النساء/74].
2- أن تكون معطوفة على قوله: (فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ)[النساء/76].
3- أن تكون معطوفة على قوله: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ)[النساء/75].
4- أن تكون معطوفة على قوله: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء/74].
الثاني: أنّها جوابُ شرط مقدر، أي: إن أردت فقاتل.
الفاء المفردة حرف من حروف المعاني المهملة( )، تأتي في الكلام على أنواع لتؤدي وظيفة دلاليّة معينة، منها العطف، والاستئناف والربط، والسببيّة، وإن أفصحت عن وجود شرط محذوف أو مقدّر سمّيت الفصيحة، على أنّ لكلّ منهما سياقاتها الخاصّة، وقد تأتي لتوكيد المعنى مع جواز الاستغناء عنها في الإعراب فيسميها بعضهم زائدة، وآخرون مؤكّدة( ).
أمّا فيما يتعلّق بالاحتمال الثاني فهو ممّا يستلزم تقدير يمكن الاستغناء عنه بظاهر النصّ، إذ لا يجوز العدول عن ظاهر النصّ إلّا بدليل يوجب ذلك( )، وهو مفقود في هذا الاحتمال.
وأمّا الاحتمال الأول فالمتأمّل في الأوجه التي ذكرها السمين الحلبي يجدها مقبولة جميعها في ضوء السياق العام، وإن كان قد ارتضى أولها بقوله: ((وأول هذه الأقوال هو الأظهر))( ), والذي يبدو أنّ سبب اختاره هذا الوجه هو تطابق اللفظين في الآيتين الزاكيتين (74، 84)، فكلاهما بلفظ واحد تقريبًا، خلاف للاحتمالات الأخرى، وإلّا كان العطف على الأقرب هو الأولى.
(5) في (لو)
قوله تعالى: ?وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا? [النساء: 89]، (لو) قوله: (لَوْ تَكْفُرُونَ) يجوزُ فيها وجهان، وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أن تكونَ مصدريّة تقدّر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدر في محل المفعول لـ (ودّوا)، وحينئذ فلا جواب لها، والتقدير: وَدّوا كفركم.
والثاني: أنّها على بابها من كونها حرفًا لما كان سيقع لوقوع غيره، ويكون مفعول (ودّ) محذوفًا، وجواب لو أيضًا محذوف، لدلالة المعنى عليهما، والتقدير: وَدّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسُرّوا بذلك.
(لو): من الأدوات التي كثر الخلاف حولها بسبب تعدد دلالاتها ووظائفها وتنوع السّياقات التي ترد فيها، إذ تأتي في الكلام ــــ غالبًا ــــ على أربعة أقسام: (الامتناعيّة، وغير الشرطيّة، والمصدريّة، والتي للتمني)( )، أمّا جوابها فهو إمّا أن يكون مضارعًا منفيًّا بـ (لم)، أو ماضيًا مثبتًا، وإمّا منفيًّا بـ (ما)، والغالب في المثبت دخول اللام عليه( )، وكثيرًا ما يحذف لأغراض بلاغيّة( ).
أمّا الاحتمال الثاني فهو ممّا يستلزم تقديًرا وتأويلًا يمكن الإعراض عنه بالتمسك بظاهر النصّ، لاسيما وأنّ السياق لا يشجّع عليه كثيرًا، وبذلك كان مرجوحًا.
وأمّا الأول، فيبدو أنّه الأرجح لابتعاده عن التقدير، والظاهر أنّ السمين الحلبي مال إليه بعد أن قدّمه على الاحتمال الآخر.
(6) في (أل)
قوله تعالى: ?فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ? [التوبة: 5]، في (أل) الأشهر وجهان محتملان هما( ):
الأول: أن تكون للعهد، والمرادُ بهذه الأشهر الأشهر المتقدمة في قوله: (فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)، والعربُ إذا ذكرت نكرة، ثم أرادت ذكرها ثانيًا، أتت بمضمره أو بلفظه معرَّفًا بأل، ولا يجوز أن نَصفه حينئذٍ بصفة تشعر بالمغايرة ومنه هذه الآية فإن الأشهر قد وصِفت بالحرم، وهي صفة مفهومة من فحوى الكلام فلم تقتض المغايرة.
الثاني يجوز أن يُراد بها غير الأشهر المتقدمة فلا تكون أل للعهد.
(أل): حرفان يدخلان على الأسماء والصفات النكرات فينقلانهما من دلالة التنكير إلى دلالة التعريف، وهي على نوعين؛ أحدهما: أن تكون لتعريف العهد، والآخر: لتعريف الجنس( ).
أمّا الاحتمال الأول فالذي يظهر من كلام السمين الحلبي أنّه شجّعه؛ ذلك أنّه أتبعه ببيان مستشرف من كلام العرب، بخلاف الاحتمال الثاني، وفي الحق أنّ الاحتمال الأول يعدّ الأرجح إذ يدخل الكلام في معاني ما قبله، وهو أولى من الخروج عنها( )، لاسيما وأنّ دليل إخراج الكلام عن ذلك مفقود.
(7) في (أن)
قوله تعالى: ?وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ? [التوبة: 86]، تحتمل (أن) في قوله: (أَنْ آمِنُواْ) وجهان( ):
الأول: أنّها تفسيريّة؛ لأنّه قد تقدّمها ما هو بمعنى القول لا حروفه.
الثاني: أنّها مصدريّة على حذف حرف الجر، أي: بأن آمنوا.
المراد من (أن) التفسيريّة هي التي تكون بمعنى (أي)، وهي حرف تفسيريّ مبنيّ على السكون لا محل له من الإعراب، يختصّ بتفسير الجمل، ويقع بين جملتين تتضمن الأولى معنى القول دون حروفه. أمّا المصدريّة فهي التي تدخل على الفعل المضارع فتنصبه وتخلصه للاستقبال( ).
أمّا الاحتمال الثاني فإنّه مرجوح، لاحتياجه إلى تقدير حرف جرّ يكون المصدر المؤول من أن والفعل مجرورًا به، على تقدير: بالإيمان( )، لهذا كان هذا الاحتمال مرجوحًا، بالاحتمال الأول، أي كون أن تفسيريّة لاستيفائها شروط التفسيريّة من جهة، ولعدم احتياجها إلى تقدير من جهة أخرى.
رابعًا: الاحتمال في العامل
(1) في الناصب
قوله تعالى: ?فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ? [التوبة: 81]، الناصب لقوله (خِلاَفَ) في الآية المباركة يحتمل وجوهًا وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر مدلول عليه بقوله: (مَقْعَدِهِمْ)، لأنّه في معنى تخلّفوا، أي: تخلفوا خلاف رسول الله.
الثاني: أنّ (خِلاَفَ) مفعول من أجله، والعامل فيه: إمّا فرحِ، وإمّا مَقْعد، أي: فَرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله حيث مضى هو للجهاد وتَخَلّفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له.
الثالث: أنْ ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله.
أمّا الاحتمال الأول فهو مرجوح بسبب حاجته إلى التقدير، والابتعاد عن ذلك ما وجد له سبيل هو ما سار عليه هذا البحث.
وأمّا الثالث فهو ممّا يحتاج إلى تأوّل (خِلَافَ) بمعنى الظرف (بعد)، وهذا لا دليل عليه، لذا فهو مرجوح أيضًا.
من هنا نحسب أنّ الاحتمال الأرجح هو الأول، لابتعاده عن تكلّف التقدير والتأويل، ويبدو أنّ السمين الحلبي قوّاه بذكر ما يؤيّده من أقوال لمفسرين ونحويين، وبما استدلّ عليه من قراءة قرآنية فقال: ((وإليه ذهب الطبري والزجّاج ومؤرِّج، ويؤيد ذلك قراءةُ منْ قرأ (خُلْف) بضم الخاء وسكون اللام))( ).


(2) الاحتمال في الخافض
قوله تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة: 217]، يحتمل في الجارّ لـ (قِتَالٍ) في الآية الشريفة ثلاثة أوجه( ):
الأول: أنّها مخفوضة على البدل من (الشَّهْرِ)، بدل الاشتمال؛ إذ القتال واقع فيه فهو مشتمل عليه.
الثاني: أنّها مخفوضة على التكرير، أي تقدير إعادة حرف الجر (عن).
الثالث: أنّها مخفوضة على الجوار.
أمّا الاحتمال الثالث، أي الخفض على الجوار فهو ما لا يقع إلّا في مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يحمل عليه ما وجد عن ذلك مندوحة( )، وحمل التنزيل على الشاذّ والضعيف والنادر مرجوح بل ممنوع( ).
وأمّا الاحتمال الثاني فهو مما يستلزم تقدير حرف الجر (عن) ومن ثمّ فهو مرجوح بما تبناه هذا البحث من الابتعاد عن التقدير والتأويل مادام إلى ذلك سبيل، بعد أن ثبت أنّ ظاهر النصّ حجة لا يجوز العدول عنها إلّا بدليل( ). على أنّ حذف حرف الجر وبقاء عمله ممّا منعه جلّ النحويين( ).
إلى هنا تكشّف لنا أنّ الاحتمال الأول هو الأرجح لحفاظه على ظاهر النصّ، فكأنّ قال: يسألونك عن قتالٍ في الشهر الحرام، والظاهر أنّ السمين الحلبي قد رجّح هذا الوجه، إذ سجّل اعترضه على الخفض بحرف الجرّ المحذوف، وقصر الخفض على الجوار على النعت فقط وليست (قِتَالٍ) في الآية نعتًا( ).


خامسًا: الاحتمال في إعراب الجمل
ومنه قوله تعالى: ?أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ? [التوبة: 19]، يتردد الموقع الإعرابي لجملة (لاَ يَسْتَوُونَ) في الآية المباركة بين الاستئناف والحاليّة( ):
الأول: أنّها مستأنفة، إخبار منه تعالى بعدم تساوي الفريقين.
الثاني: أن يكون حالًا من المفعولين للجَعْل، والتقدير: سوّيْتُم بينهم في حال تفاوتهم.
فيما يتعلّق بالاحتمال الثاني فمن المعلوم أنّ حال الفريقين بيّن في التفاوت من ظاهر النصّ المبارك، ومن ثمّ يكون تكرار ذلك بجعل جملة (لاَ يَسْتَوُونَ) حاليّة على تقدير سوّيْتُم بينهم في حال تفاوتهم يعدّ تحصيلًا للحاصل، من هنا كان هذا الاحتمال مرجوح بحسب البحث.
أمّا الأول بحمل الجملة على الاستئناف فالظاهر هو الأرجح إذ هو إخبار منه تبارك وتعالى بحال الفريقين عنده، وبيان لما يسأل عنه من معنى الإنكار الذي في الاستفهام( )، ولا يخفى أن الاستئناف إنّما يكون بعد تمام معنى ما قبله وهو حاصل في الآية في ضوء الاستفهام الإنكاريّ. ويبدو أنّ السمين الحلبي رجّح هذا الوجه أذ اتبعه بقوله: أظهرهما أنّها مستأنفة( ).
ومنه أيضًا قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ? [الممتحنة: 1]، أذ يتردد الموقع الإعرابي لجملة (تُلْقُونَ) بين أربعة احتمالات وعلى النحو الآتي( ):
الأول: أنّه تفسير لموالاتهم إيّاهم.
الثاني: أنّه استئناف إخبار بذلك فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محلّ من الإعراب.
الثالث: أنّها حال من فاعل (تَتَّخِذوا) أي: لا تتخذوا ملقين المودة.
الرابع: أنّها صفة لـ (أَوْلِيَاءَ).
أمّا الوجهين الثالث والرابع فهما مرجوحان؛ لأنّهما يوهمان جواز اتخاذ أعداء الله وأعدائهم أولياء( ).
وأمّا الثاني فلا اعتراض عليه، فيمكن أن تكون الجملة مستأنف لتمام معنى ما قبلها، ومن ثمّ تكون إخبارًا، إلّا أنّنا نخلص إلى أنّ هذا الاحتمال مرجوح بالأول، وهو أنّ الجملة مستأنفة لتفسير الموالاة، لظهوره وتبادره من دون حاجة لتكلف، نحسب أنّ السمين الحلبي بتقديمه لهذا الاحتمال ربّما يكون مشجعًا له.
الخاتمة
وبعد هاته القراءة الصبور في مباحثات السمين الحلبي النحوية في حدود مدونته الدر المصون، وهو يحاول استجلاء الاحتمالات النحوية في النصّ القرآني ولاسيما آيات الجهاد، نحمد الله (عزّ وجلّ) على الوصول إلى الختام فله الحمد في بدءٍ وفي ختمٍ.
وقد تحققت في ظل هذه المباحثات مجموعة من النتائج، أهمها:
? أكد البحث على أنّ النصّ القرآنيّ نصّ له القدرة المعنويّة اللامحدودة القادرة على الانطباق على الزمان، وموافقة الفطرة، والانسجام مع العقل، والتكيف مع الواقع، ولهذا جاءت تلك النصوص مراعية لحاجات المخاطبين.
? أظهر البحث أنّ تعدد الاحتمالات النحويّ في آيات الجهاد منشؤه صلاحية موقع المفردة أو التركيب لأكثر من وظيفة إعرابية.
? كشف البحث أنّ اصطفاء الوجه النحوي المحتمل عند السمين الحلبي ما كان موافقًا لفظه معناه، بمعنى أنّ الوجه النحويّ الراجح يسانده اللفظ والمعنى.
? أظهر البحث أن مرتكزات ارتضاء الوجه النحويّ المحتمل عند السمين الحلبي استعماله ألفاظًا مثل الأظهر، وأظهرها، وواضح، وأحسن ونحو ذلك، كما أنّه استعمل ألفاظًا للدلالة على ضعف الاحتمال من قبيل وفيه نظر، وهذا لا يساعد عليه لا لفظ ولا معنى.
? بيّن البحث أنّ بعض الوجوه المحتملة التي شجّعها السمين الحلبي كان معتمدًا فيها على استشراف كلاف العرب.
? في ظل الاحتمالات النحوية التي عرضها السمين الحلبي وجنا أنّ اعتمد في تقوية بعض تلك الاحتمالات على القراءات القرآنية.

مصادر البحث
القرآن الكريم
? إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود العماديّ، محمد بن محمد بن مصطفى (ت982ه)، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
? الأصول في النحو أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحويّ، المعروف بابن السراج (ت316ه)، تح: عبد الحسين الفتليّ، مؤسسة الرسالة، بيروت ـــــ لبنان.
? إعراب القرآن الكريم وبيانه، محمد محيي الدين درويش (ت1403ه)، دار الإرشاد للشؤون الجمعيّة ـــــ حمص، ودار ابن كثير ـــــ دمشق، ط4، 1415ه.
? أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاويّ)، أبو سعيد، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاويّ (ت685ه)، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1410ه ـــــ 1990م.
? بحر العلوم، أبو الليث، نصر بن محمد بن أحمد السمرقنديّ (ت373ه)، تح: د. محمود مطرجيّ، دار الفكر، بيروت.
? البحر المحيط في التفسير، أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسيّ (ت745ه)، تح: صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت، 1420ه.
? البرهان في علوم القران، أبو عبد الله، بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشيّ (ت794ه), تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابيّ الحلبيّ وشركائه، ط1، 1376ه ـــــ 1957م.
? التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء، عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ (ت616ه)، تح: علي محمد البجاويّ، عيسى البابي الحلبيّ وشركاه.
? تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد (التحرير والتنوير)، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسيّ (ت1393ه)، الدار التونسيّة للنشر ــــــ تونس، 1984ه.
? تحف العقول في أخبار آل الرسول، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة البحراني (من أعلام القرن الرابع الهجري)، قدّم له وعلّق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـــــ لبنان، ط7، 1423ه ـــــ 2002م.
? التسهيل لعلوم التنزيل، أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبيّ الغرناطيّ (ت741ه)، تح: د. عبد الله الخالديّ، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم ـــــ بيروت، ط1 ـــــ 1416ه.
? التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجانيّ (ت816ه)، ضبطه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلميّة بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1403ه ـــــ1983م.
? تفسير القرآن (تفسير السمعاني)، أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت489ه)، تح: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض ــــ السعودية، ط1، 1418ه ــــ 1997م.
? تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهريّ الهرويّ (ت370ه)، تح: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، ط1، 2001م.
? توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، أبو محمد، بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المراديّ المصريّ المالكيّ (ت749ه)، تح: عبد الرحمن علي سليمان، دار الفكر العربيّ، ط1، 1428ه ـــــ 2008م.
? الجمل في النحو، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت175ه)، تح: د. فخر الدين قباوة، ط5، 1416ه ـــــ 1995م.
? الجنى الداني في حروف المعاني، أبو محمد، بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المراديّ المصريّ المالكيّ (ت749ه)، تح: د. فخر الدين قباوة ومحمد نديم فاضل، دار الكتب العلميّة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1413ه ـــــ 1992م.
? الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبيّ (ت756ه)، تح: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.
? رصف المباني في شرح حروف المعاني، أحمد بن عبد النور المالقيّ (ت702ه)، تح: أحمد محمد الخراط، مجمع اللغة العربيّة بدمشق.
? شرح الأشمونيّ على ألفية ابن مالك، شرح الأشمونيّ على ألفية ابن مالك، أبو الحسن، نور الدين علي بن محمد بن عيسى الأُشْمُونيّ الشافعيّ (ت900ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1419ه ـــــ 1998م.
? شرح الرضيّ على الكافية، رضيّ الدين محمد بن الحسن الاستراباديّ (ت686ه)، تح: يوسف حسن عمر، مؤسسة الصادق، طهران، 1395ه ـــــ 1975م.
? شرح المفصّل، أبو البقاء، موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش الموصليّ (ت643ه)، قدّم له ووضع هوامشه وفهارسه: د. اميل بديع يعقوب، دار الكتب العلميّة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1422ه ـــــ 2001م.
? شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَريّ القاهريّ الشافعيّ (ت889ه)، تح: نواف بن جزاء الحارثيّ، عمادة البحث العلميّ بالجامعة الإسلاميّة، المدينة المنورة، المملكة العربيّة السعوديّة، ط1، 1423ه ـــــ 2004م.
? شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، تح: محمد ابراهيم، دار الكتاب العربي، بغداد، ط1، 1428 ـــــ 2007.
? الصّحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهريّ الفارابيّ (ت393ه)، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت ـــــ لبنان، ط4، 1407ه‍ ـــــ 1987م.
? علوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم، شريعت ـــــ قم، ط5، 1424ه.
? قواعد الترجيح عند المفسرين، حسين بن علي بن حسين الحربيّ، راجعه وقدّم له: الشيخ منّاع بن خليل القطان، دار القاسم، الرياض، ط1، 1417ه ـــــ 1996م.
? الكتاب، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثيّ بالولاء، الملقب سيبويه (ت180ه)، تح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجيّ، القاهرة، ط3، 1408ه ـــــ 1988م.
? كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيديّ البصريّ (ت175ه)، تح: د. مهدي المخزوميّ، د. إبراهيم السامرائيّ، دار ومكتبة الهلال.
? الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم، محمود جار الله الزمخشري (ت538ه)، دار الكتاب العربيّ، بيروت، ط3، 1407ه.
? كفاية المعاني في حروف المعاني، عبد الله الكردي البيتوشيّ، تح: شفيع برهاني، دار اقرأ للطباعة والنشر والتوزيع، سورية ـــــ دمشق، لبنان ـــــ بيروت، ط1، 1426ه ـــــ 2005م.
? لسان العرب، أبو الفضل، محمد بن مكرم بن على، جمال الدين ابن منظور الأنصاريّ الرويفعيّ الإفريقيّ (ت711ه)، دار صادر، بيروت، ط3، 1414ه.
? اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبليّ الدمشقيّ النعمانيّ (ت775ه)، تح: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلميّة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1419ه ـــــ 1998م.
? اللمع في العربية، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت392ه)، تح: فائز فارس، دار الكتب الثقافية، الكويت.
? معاني الحروف للرمانيّ، أبو الحسن، علي بن عيسى الرمانيّ النحويّ (ت384ه)، تح: الشيخ عرفان بن سليم العشا حسّونة الدمشقيّ، المكتبة العصريّة، بيروت، ط1، 1426ه ـــــ 2005م.
? معاني القرآن واعرابه، أبو إسحاق، إبراهيم بن السري بن سهل الزجّاج (ت311ه)، تح: د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1408ه ـــــ 1988م.
? معاني النحو, الدكتور فاضل صالح السامرائيّ، مؤسسة التاريخ العربيّ للطباعة والنشر والتوزيع، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت ـــــ لبنان، ط1, 1428ه ـــــ 2007م.
? معايير القبول والرد لتفسير النص القرآني، د. عبد القادر محمد الحسين، دار الغوثاني ـــــ دمشق، ط1، 1428ه ـــــ 2008م.
? معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ـــــ مفهوم شامل مع تحديد دلالة الأدوات، محمد حسن الشريف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1417ه ـــــ 1996م.
? معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكرياء القزوينيّ الرازيّ (ت395ه)، تح: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1399ه ـــــ 1979م.
? مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، أبو محمد، عبد الله جمال الدين يوسف ابن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاريّ المصريّ (ت761ه)، خرّج آياته وعلّق عليه: أبو عبد الله علي عاشور الجنوبيّ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، 1428ه ـــــ 2008م.
? منهج النقد في التفسير، د. إحسان الأمين، دار الهادي ـــــ بيروت، 1428ه.
? اللباب في علل البناء والإعراب، ، أبو البقاء، عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغداديّ محبّ الدين (ت616ه)، تح: د. عبد الإله النبهان، دار الفكر، دمشق، ط1، 1416ه ـــــ 1995م.
? المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (ت458ه)، تح: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 1421 ه ـــــ 2000م.
? المنهاج في القواعد والإعراب، محمد الأنطاكيّ، انتشارات ناصر خسرو، قم، ط5.
? الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسيّ (ت437ه)، تح: مجموعة رسائل جامعيّة بكليّة الدراسات العليا والبحث العلميّ، جامعة الشارقة، إشراف: د. الشاهد البوشيخيّ، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كليّة الشريعة والدراسات الإسلاميّة، جامعة الشارقة، ط1، 1429ه ـــــ 2008م.
? نتائج الفكر في النحو، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (ت581ه)، دار الكتب العلمية ـــــ بيروت، ط1، 1412ه ـــــ 1992م.
? الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطيّة الأندلسيّ المحاربيّ (ت542ه)، تح: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلميّة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1422ه.
? دواعي احتماليّة الدلالة النحويّة في القرآن الكريم، أطروحة دكتوراه، شعلان عبد علي سلطان، إشراف أ. د. رحيم جبر الحسناويّ، أ. م. د. عامر عمران الخفاجيّ، كليّة التربية جامعة بابل، العراق، 1430ه ـــــ 2009م.
? الاحتمال في الجملة العربية، د. محسن حسين علي (بحث منشور في مجلة بابل، سلسلة (أ)، المجلد التاسع، العدد الأول، 2004م).


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الدر المصون، الاحتمال، الأرجح، المرجوح
مواضيع ذات علاقة

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :