انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

التمهيد :
نبذة من سيرة الامام الحسن العسكري عليه السلام :
هو أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام اجمعين وهو الامام الحادي عشر ،وهو والد المنتظر عجل الله فرجه صاحب السرداب ويعرف بالعسكري، وأبوه علي يعرف أيضاً بهذه النسبة .
وكانت ولادة الحسن (عليه السلام) يوم الخميس في بعض شهور سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل سادس شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . وتوفي يوم الجمعة، وقيل يوم الأربعاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الأول، وقيل جمادى الأولى سنة ستين ومائتين بسر من رأى، ودفن بجانب قبر أبيه، عليهما السلام.
والعسكري - بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها راء - هذه النسبة إلى سر من رأى. ولما بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره قيل لها العسكر ، وإنما نسب الحسن عليه السلام إليها لأن المتوكل أشخص أباه علياً إليها عليه السلام وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، فنسب هو وولده إليها.(1)
وقيل انه ولد في المدينة، وانتقل مع أبيه (الهادي عليه السلام) إلى سامراء (في العراق) وكان اسمها (مدينة العسكر) فقيل له العسكري كأبيه نسبةً إليها. وبويع بالإمامة بعد وفاة أبيه. وكان على سنن سلفه الصالح تقى ونسكاً وعبادة. وتوفي بسامراء. ولما ذاع خبر وفاة الحسن عليه السلام ارتجت سر من رأى (سامراء) وقامت صيحة واحدة وعُطلت الأسواق وغلقت الدكاكين وركب بنو هاشم والقواد والكتاب والقضاة وسائر الناس إلى جنازته ودفن في البيت الّذي دفن به أبوه . (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ظ، وفيات الاعيان ،ابن خلكان ت (681هـ)،ت.ح : احسان عباس ،دار صادر بيروت ،2/94ـ95
(2) ظ، تاريخ بغداد، البغدادي ت(463 ه) ت.ح: بشار معروف ،الناشر :دار الغرب الاسلامي ،الطبعة الاولى 1422 ه ، 8/353
ــ ظ، الاعلام ، الزركلي ت(1396 ه)،الناشر : دار العلم للملايين ،الطبعة الخامسة عشر 2002م، 2/200.
(4)

ويذكر محمد جواد مغنية ت(1400ه) ان ليس للإمام العسكري سوى ابنه محمد بن الحسن المنتظر(عج)، وكان عليه السلام عظيم الخلق كجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في كرمه وسكونه ونبله ، وكان مقدماً على العلماء والرؤساء رغم صغر سنه ،وقد عاصر الامام العسكري ثلاثة من الخلفاء العباسيين آخرهم المعتمد ت(279 ه)،وقد سجن الامام العسكري ووكل به رجلين من الاشرار بقصد إيذائه والتضييق عليه، فأصبحا بمعاشرة الإمام من الصلحاء الأبرار فعندما كان يسألهم سائل عن سبب ذلك فيجيبون بأنه لم يلقوا من صحبته الا خيراً يقضي ايامه بين قائم وساجد وفي نظرته هيبة وجلال يرتعد منها كل من يبصره ، وذلك لأن المؤمن يخشع له كل شيء وتهابه كل القلوب فغلبهم حبه واجتذب قلوبهم ذلك الالق الشريف .(1)
ومن الروايات الدالة على امامته عليه السلام ما روي عن الإمام علي الهادي عليه السلام في النص على إمامة ولده الحسن العسكري روايات كثيرة منها:
روى الشيخ الطوسي ت(460 ه) عن سعد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن سيار بن محمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن العسكري في داره، فمرّ علينا أبو جعفر فقلت له: هذا صاحبنا؟
فقال: "لا، صاحبكم الحسن عليه السلام" .(2)
وذكر سبط ابن الجوزي ت(654 ه)بأن الامام عليه السلام كان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جده ومن جملة مسانيده حديث في الخمر ، ثم ذكر الحديث عن جده أبي الفرج الجوزي ت(597 ه)في كتابه المسمى ب (تحريم الخمر)، ثم ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري عليه السلام وهو يسند الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: اشهد بالله لقد سمعت محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنه قال: سمعت الله يقول:
شارب الخمر كعابد الوثن، وهو حديث صحيح روته العترة الطاهرة وروته جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ، الشيعة في الميزان ،مغنية، دار الشروق بيروت، 49 1ـ250.
(2)ظ، الغيبة ،الطوسي،1/120،بحار الانوار، المجلسي،5/242
(3)ظ، تذكرة الخواص ،الجوزي،1/324،الائمة الاثني عشر، السبحاني،181. (5)


واستشهد الامام الحسن العسكري عليه السلام في اليوم الثامن من شهر ربيع الاول سنة 260 ه وكان له من العمر 28 عاماً .وتشير الدراسات المتواصلة في حياة الامام العسكري عيله السلام انه خلال مدة حياته القصيرة حاولت السلطة العباسية الفتك به قبل ان يولد منذ زمن المعتز (252 ـ 255 ه) لاعتقادهم بأن المولود له هو الامام المهدي الموعود عجل الله له الفرج فأرادوا قطع الامامة من عقبه ،الا ان ارادة الله حالت دون ذلك، ثم حاول المهتدي العباسي تنفيذ هذه السياسة خلال مدة خلافته (255ـ 256ه) الا انه قُتل قبل تنفيذ هذا الامر.
بعد ذلك تولى المعتمد الخلافة (256ـ 279 ه) وقد تعرض الامام في زمانه لشتى انواع التحديات وفي هذه الفترة ولد الامام المهدي (عج) في حالة من الكتمان والإسرار حفظاً على حياة الولي المنتظر ، ثم كانت شهادة الامام العسكري عليه السلام مسموماً على يد الخليفة العباسي المعتمد .(1)
ويقول الطبرسي ت(548 ه)في ذلك :" وذهب كثير من أصحابنا إلى أنه عليه السلام مضى مسموما، وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمة عليهم السلام خرجوا من الدنيا بالشهادة" (2)






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الامام الحسن العسكري سيرة وتاريخ ،علي موسى الكعبي، الناشر شبكة رافد للتنمية الثقافية ،191 ـ194.
(2)إعلام الورى بأعلام الهدى ،الطبرسي، ت. ح: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، 2/131 ـ132 .
(6)
المبحث الاول : اثره في العقائد
المطلب الاول : توطئة عن التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام)
ان القرآن الكريم باعتباره الوحي الالهي والاصل التشريعي المقدس الذي اتفقت كلمة المسلمين على حجيته وتعظيمه والالتزام به والاهتداء بهديه وتدبره وتفسيره والدفاع عنه، وعلى اساس كل ذلك فقد اولى ائمة اهل البيت عليهم السلام اهمية كبيرة بالقرآن الكريم منذ عهد وصي رسول الله امير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه السلام ومن ولده الامام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام الذي ابدى حباً واهتماماً بالغين بكتاب الله تعالى فكان من ائمة التفسير عند المسلمين .
ويحتوي التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) على تفسير سورتي الحمد والبقرة مع استطرادات كثيرة ، وقد طبع في طهران مستقلاً سنة 1268 ه‍ ، واُخرى سنة 1315 ه‍ في حواشي تفسير علي بن إبراهيم القمي ، وطبع في قم محققاً سنة 1409 ه‍ ، بالاعتماد على نسخ أقدمها المؤرخة سنة 886 ه‍.
ووجد البحث من خلال مطالعاته ان هناك ثلاث اقوال في شأن تفسير الامام العسكري عليه السلام ، القول الاول ان هذا التفسير مختلق على الامام العسكري وقد نُسب اليه وهذا ما ذهب اليه السيد الخوئي ت(1413 ه) (قدس).(1)
القول الثاني ان التفسير من تصنيفات الامام العسكري وهو له وهذا ماذهب اليه الحر العاملي ت(1104 ه).(2)
القول الثالث ان التفسير هو مجموعة اخبار واردة عن الامام العسكري منها المقبول ومنها المردود وهذا القول تبناه الشيخ الداوري .(3)
ومما لاريب فيه ان رغم هذا الخلاف الا ان لهذا الموروث قيمة كبيرة بالأخص اذا عرفنا ان الشيخ الصدوق ت(329 ه) قد روى هذا التفسير عن الاستر آبادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)معجم رجال الحديث، الخوئي، الطبعة الخامسة ، 18/163 .
(2)وسائل الشيعة ،الحر العاملي، ت.ح: محمد الحسيني ،مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، الطبعة الثانية 1414 ه،30/187.
(3)اصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، الداوري ،ت.ح: محمد علي صالح ،مطبعة نمونه ،الطبعة الاولى ،الناشر شبكة الفكر ، تاريخ النشر :1416 ه، 1/498.
(8)

وأوصله إلينا فحول العلماء الثقاة المعتمدين حتى أن المحدثين اعتبروا سند التفسير من أعلى الأسانيد، وطعن الطاعنين فيه لا يقدح بصحته ووجوب الأخذ بمروياته مثله مثل غيره من كتب الأخبار المروية عن أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام).(1)
المطلب الثاني : اثره في التوحيد
ففي باب التوحيد لم يدع الإمام (عليه السلام) مناسبة دون أن يوجه أصحابه إلى التوحيد الخالص والتحذير من رواسب الشرك مهما صَغُرت ، وكان الجدل يدور في صفات الله تعالى منذ عهد الامام الباقر (عليه السلام) حتى عهد العسكري (عليه السلام)مسألة الرؤية والتجسيم، وكان الائمة عليهم السلام يتحدثون بلغة القرآن وبمفرادته في العقيدة ، ليقربوا الناس ويوجهوهم إلى الأخذ بالعناوين الكبرى في العقيدة من القرآن الكريم لا من غيره .(2)
مثال ذلك ما ورد عن سهل بن زياد قال:" كتبت إلى أبي محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومأتين: قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد، منهم من يقول: هو جسم ومنهم من يقول:
هو صورة فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطولا على عبدك، فوقع بخطه عليه السلام: سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول ، الله واحد، أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، خالق وليس بمخلوق يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك وليس بجسم ويصور ما يشاء وليس بصورة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير".(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ، تفسير الامام العسكري(عليه السلام)،ت.ح: مدرسة الإمام المهدي قم المقدسة، الطبعة الاولى،1409 ه، قم المقدسة .
(2)ظ، الامام الحسن العسكري سيرة وتاريخ،الكعبي،141ـ142. (9)
(3)الكافي ،الكليني ت(329 ه)، ت.ح: علي الغفاري، الناشر دار الكتب الاسلامية، الطبعة الثالثة (1388)، 1/103 .
ومما جاء في تفسيره عليه السلام لقوله تعالى :{ وَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ}،[البقرة/163]، أي ان الهكم اله واحد لاشريك له ولا نظير ولا عديل وهو الرزاق البارئ المصور وهو الرحمن يرزق المؤمن والكافر والرحيم بعباده المؤمنين .(1)
المطلب الثالث: اثره في النبوة :
يذكر الامام العسكري عليه السلام في تفسيره اهمية النبوة واثباتها بعد التوحيد واقترانها به ويتعرض لبيان معجزات الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم المؤكدة لنبوته ، كما في قوله تعالى :{والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك ...}،[البقرة /4]، والذين يؤمنون بما انزل إليك - يا محمد - وما انزل من قبلك على الأنبياء الماضين، كالتوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم، وسائر كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائه، بأنها حق وصدق من عند رب العالمين، العزيز، الصادق، الحكيم. ويبين في معرض تفسيره في من قصد الرسول الاكرم وهم مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخ، وأبو لبابة بن عبد المنذر وشعبة، فتحدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطالبه مالك بأن ينطق البساط الذي تحتهم ان كان فعلاً هو نبي الله ، فأجابهم الرسول بما في معناه ان الله تعالى يفعل ما يشاء والرسول الاكرم لا يملك الحق في أن يملي عليه سبحانه ما يريد فعله ولا يمكن ان يقترح عليه ما اقترحوه على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبعد ان اكمل كلامه صلى الله عليه وسلم واذا بالله تعالى ينطق البساط فيقول : اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما أبدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا وأشهد أنك - يا محمد - عبده ورسوله، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركون. فاضطرب البساط وارتفع، ونكس مالك بن الصيف وأصحابه عنه حتى وقعوا على رؤوسهم ووجوههم،
ثم أنطق الله تعالى البساط ثانيا فقال: أنا بساط أنطقني الله وأكرمني بالنطق بتوحيده وتمجيده، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله نبيه بأنه سيد أنبيائه، ورسوله إلى خلقه، والقائم بين عباد الله بحقه.(2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ، تفسير الامام العسكري (عليه السلام)،93ـ95.
(2) ظ، تفسير الامام العسكري،573ـ574. (10)
المطلب الرابع : اثره في الامامة
أكد الإمام العسكري (عليه السلام) في الكثير من كلماته على فرض الولاية لأهل البيت (عليهم السلام) وضرورة معرفتهم والتصديق بهم والتمسك بهديهم وأداء حقوقهم التي جعلها الله لهم ، ولولا ذلك لا يستكمل المرء خصال الايمان.
ومن ذلك ما روي من عن الحسن بن ظريف قال : كتبت الى ابي محمد الحسن العسكري اسأله عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام " من كنت مولاه فهذا مولاه "؟ قال : " اراد بذلك ان جعله علماً يُعرف به من حزب الله عند الفرقة "(1)
ومما ورد في تفسيره عليه السلام لقوله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}،[البقرة/6]
{إن الذين كفروا} بالله وبما آمن به المؤمنون بتوحيد الله تعالى، وبنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وبوصيه علي ولي الله ووصي رسول الله، وبالأئمة الطاهرين الطيبين خيار عباده الميامين، القوامين بمصالح خلق الله تعالى.(2)

المطلب الخامس :اثره في المعاد
روى الامام العسكري عليه السلام في قوله تعالى : {مالك يوم الدين} أي قادر على إقامة يوم الدين، وهو يوم الحساب، قادر على تقديمه على وقته، وتأخيره بعد وقته، وهو المالك أيضا في يوم الدين، فهو يقضي بالحق، لا يملك الحكم والقضاء في ذلك اليوم من يظلم ويجور، كما في الدنيا من يملك الاحكام.
قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام (يوم الدين) هو يوم الحساب.(3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة ،الاربلي ، 4/99.
(2)ظ ، تفسير الامام العسكري ،91.
(3)ظ، تفسير الامام العسكري ، 38 .
(11)
المبحث الثاني : منهجه في التشريع
المطلب الاول : اثره في العبادات
اولا: الصلاة
وهي عماد الدين واصل العبادات واول فريضة فرضها الله تعالى على عباده ، وقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها اهتماماً واضحاً واولاها مكانة عظيمة في رواياته واحاديثه ،وقد سار الائمة عليهم السلام على نهج جدهم الاكرم صلى الله عليه وسلم فهم خلفائه من بعده وولاة الامر في شؤون الدين والدنيا ، ومنهم الامام العسكري عليه السلام .
ومثال ذلك ما روي عن ابي هاشم ، قال دخلت على ابي محمد العسكري عليه السلام ، وكان يكتب كتاباً ، فحان وقت الصلاة الاولى ، فوضع الكتاب من يده ، وقام عليه السلام الى الصلاة ...فلما انصرف من الصلاة أخذ القلم بيده وأذن للناس .(1)
ومن ذلك ما اورده الامام عليه السلام في تفسيره عن جده امير المؤمنين علي عليه السلام ،مما ذكره رسول الله من قصة ابي ذر وغنمه عندما وقف يصلي واذا بذئب يقترب للغنم فوسوس له الشيطان ان يترك صلاته ليحفظ غنمه ،فلم يذعن له ابو ذر وآثر صلاته وتوحيد الله تعالى على الدنيا ومتاعها وعندما انقض الذئب على الغنم واذا بأسدٍ يقسمه قسمين ويعيد ما اخذه من الاغنام لأبي ذر وبقي يحرس القطيع حتى فرغ ابو ذر من صلاته واخبره الاسد ان يقص ذلك لرسول الله وفعلا جاء لحضرته واخبره القصة فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى على ايمانه والتزامه بصلاته.(2)
وهناك الكثير من الروايات المأثورة عن الامام العسكري عليه السلام في ما يخص الصلاة ومكانتها العظيمة ، مما يدل على مكانتها العظمى لدى آل بيت الرسول عليهم السلام اجمعين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ ، عيون المعجزات ، حسين بن عبد الوهاب ، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف 1369 ه .
(2)ظ ، تفسير الامام العسكري ، 73ـ 74 .

(13)
ثانياً : الزكاة

هي الركن الثالث من أركان الإسلام، بعد الشهادة وإقام الصلاة وقد ربط الله سبحانه بينها وبين الصلاة في كثير من الآيات، فقال تعالى: ? وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ? [النور: 56].
وقال: ? الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ? [الحج: 41]، وقال: ? وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? [الأحزاب: 33].
فقد جعل الإسلام الزكاة محك الإيمان، وبرهان الإخلاص، وهي فيصل التفرقة بين الإسلام والكفر وبين الإيمان والنفاق، وبين التقوى والفجور.
وفي تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام لقوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}،[البقرة/110] يبين عليه السلام وجوب اخراج الزكاة للمستحقين وعدم جواز اتيانها لغير مستحقيها اذ يقول في ذلك : "(وآتوا الزكاة) مستحقيها، لا تؤتوها كافرا ولا مناصبا ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " المتصدق على أعدائنا كالسارق في حرم الله ".(1)
ويذكر في ثواب اعطاء الزكاة بما اورده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتوا الزكاة من أموالكم المستحقين لها من الفقراء والضعفاء لا تبخسوهم ، ولا تيمموا الخبيث أن تعطوهم، فان من أعطى الزكاة من ماله طيبة بها نفسه، أعطاه الله بكل حبة منها قصرا في الجنة من ذهب وقصرا من فضة، وقصرا من لؤلؤ، وقصرا من زبرجد، وقصرا من زمرد، وقصرا من جوهر، وقصرا من نور رب العالمين.(2)
وهذا يؤكد ضرورة ايتاء الزكاة على الوجه الذي نص عليه القرآن الكريم وبينته السنة الشريفة المتمثلة بأحاديث رسول الله والائمة الاوصياء من بعده .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1)تفسير الامام العسكري ،520 .
(2)ظ ، تفسير الامام العسكري،524 .
(14)
ثالثاً : الصوم
شهر رمضان الذي فضله الله تعالى على سائر الشهور بإنزاله الكتاب العظيم في ليلة القدر من هذا الشهر المبارك ،وتعددت الروايات المبينة لعظمة هذا الشهر ومبينة لكيفية الصيام فيه ، فتناولت السنة الشريفة موضوع الصيام بالأهمية البالغة وتصدت له شارحة ومبينة لكافة التفصيلات الدقيقة المتعلقة به ،ومن ذلك ما ورد عن الامام العسكري عليه السلام حيث يقول :
" إن الله عز وجل ينزل في شهر رمضان من الرحمة ألف ضعف ما ينزل في سائر الشهور، ويحشر شهر رمضان في أحسن صورة، فيقيمه [في القيامة] على قلة لا يخفى وهو عليها على أحد ممن ضمه ذلك المحشر، ثم يأمر، فيخلع عليه من كسوة الجنة وخلعها وأنواع سندسها وثيابها، حتى يصير في العظم بحيث لا ينفذه بصر، ولا يعي علم مقداره اذن ولا يفهم كنهه قلب.
ثم يقال للمنادي من بطنان العرش: ناد! فينادي: يا معشر الخلائق أما تعرفون هذا؟ فيجيب الخلائق يقولون: بلى لبيك داعي ربنا وسعديك، أما إننا لا نعرفه.
ثم يقول منادي ربنا: هذا شهر رمضان ما أكثر من سعد به منكم؟ وما أكثر من شقي به؟ ألا فليأته كل مؤمن له، معظم بطاعة الله فيه، فليأخذ حظه من هذه الخلع فتقاسموها بينكم على قدر طاعتكم الله ، وجدكم .(1)
ومن الروايات المبينة لعلة فرض الصوم ما روي عن حمزة بن محمد ، قال كتبت الى ابي محمد عليه السلام : لمَ فرض الله الصوم ؟فورد الجواب : " ليجد الغني مضض الجوع فيحن على الفقير" (2)
ويرى البحث ان الرواية دلت على ان الصوم يمتاز عن باقي العبادات بأسرار وحكم عظيمة من اهمها ما يشعر به الانسان من رحمة الله بخلقه بما هيأ له من وسائل العيش الرغيد من مأكل ومشرب وانواع النعم التي لا حصر لها، ويشعر بالمقابل بألم الجوع والعطش كي يرأف بالفقراء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الامام العسكري ،665.
(2)من لا يحضره الفقيه ،الشيخ الصدوق ت(381 ه)،ت.ح: علي الغفاري، منشورات جماعة المدرسين ، قم المقدسة ، 2/73.
(15)
رابعاً: الحج
لا تخفى مكانة الحج في الشريعة الاسلامية فهو الفريضة الواجبة على كل مسلم بالغ ٍ تشترط فيه الاستطاعة وقد اجتهد رسول الله واهل بيته عليهم السلام اجمعين ببيان سنن الحج واركانه وتفصيلاته ،وقد ورد عن الامام العسكري عليه السلام ذكره فيمن اوصى ان يحج عنه كل سنة بمال معين فلم يكفِ للحج فيورد رواية على ان من اوصى ان يحج عنه سنين متعددة واوصى لكل سنة بقدر معين ،فقصر ذلك عن اجرة الحج جمع نصيب ثلاث سنين لسنتين.
فروي عن ابراهيم بن مهزيار ، " قال كتبت الى ابي محمد عليه السلام : ان مولاك علي بن مهزيار اوصى ان يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك ،في كل سنة حجة الى عشرين ديناراً، وانه قد انقطع طريق البصرة ، فتضاعف المؤونة على الناس ،فليس يكتفون بعشرين ديناراً ،وكذلك اوصى عدة من مواليك في حججهم ؟فكتب عليه السلام : " يجعل ثلاث حجج في حجتين ان شاء الله ".(1)

ومن ذلك في تفسيره عليه السلام لقوله تعالى : {..فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}،[البقرة/198]
يذكر ما نقله عن امير المؤمنين عليه السلام بقوله :" قال الله عز وجل للحاج: (فإذا أفضتم من عرفات) ومضيتم إلى المزدلفة (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) بآلائه ونعمائه، والصلاة على محمد سيد أنبيائه، وعلى علي سيد أصفيائه، واذكروا الله (كما هديكم) لدينه والايمان برسوله (وإن كنتم من قبله لمن الضالين) عن دينه من قبل أن يهديكم إلى دينه".(2)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)من لا يحضره الفقيه ، الصدوق ،2/ 226.
(2) تفسير الامام العسكري ، 607.
(16)
المطلب الثاني : اثره في المعاملات
للإمام العسكري عليه السلام اثاراً كثيرة في المعاملات كما كان له اثراً في العبادات على انواعها فكلاهما كفتي ميزان الشريعة المقدسة ،وسيذكر البحث بعضاً من هذا المجال :
اولاً: حكمه في البيع
من ذلك ما ورد في ان محمد بن الحسن الصفار الى ابي محمد العسكري عليه السلام في ان رجلاً اشترى من رجلٍ بيتاً بجميع حقوقه وفوقه بيت آخر ، فهل يدخل البيت الاعلى في حقوق البيت الاسفل ؟ فأجاب عليه السلام : " ليس له إلا ما اشتراه باسمه وموضعه إن شاء الله ".(1)
والظاهر من الرواية عدم دخول البيت الاعلى في حقوق البيت الاسفل وبموجب ذلك لا يدخل في البيع .

ثانياً: حكمه في الوديعة
فيما روي عن محمد بن الحسين انه كتب لأبي محمد العسكري عليه السلام :" رجل دفع إلى رجل وديعة وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره، فوضعها الرجل في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره أو أخرجها من ملكه؟ فوقع عليه السلام:
هو ضامن لها إن شاء الله تعالى ".(2)
وتدل الرواية على ثبوت ضمان الوديعة اذا فرط بها المستودع .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)من لا يحضره الفقيه ، الصدوق ، 3/ 242.
(2) من لا يحضره الفقيه ، 3/304.
(17)
ثالثاً : حكمه في الإجارة
يذكر الحر العاملي رواية للإمام العسكري عليه السلام في حكم من آجر نفسه ، " عن محمد بن الحسن الصفار، أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) يقول:
رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف يشارطونه على شئ مسمى أله أن يأخذه منهم أم لا؟ فوقع (عليه السلام) :إذا أجر نفسه بشئ معروف أخذ حقه إن شاء الله." (1)
والبذرقة الخفارة ،وقيل الجماعة التي تتقدم القافلة للحراسة .(2)
وتدل الرواية على ان الخفارة عمل محلل ، ويستحق عليه الخفير الاجرة التي سميت له .
رابعاً : حكمه في الوقف
هناك مسألة في العمل بشرط الواقف يظهر فيها دور الامام العسكري عليه السلام في بيان حكمها وذلك فيما رواه محمد بن يحيى انه : " كتب محمد بن الحسن الصفار - رضي الله عنه - إلى أبى محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) في الوقوف وما روى فيها عن آبائه (عليهم السلام)، فوقع (عليه السلام): الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله تعالى ".(3)
دلت هذه الرواية على وجوب العمل بشرط الواقف ، وعدم تغيير شيء من ذلك ، وان الوقف حسب ما يفقه صاحبه ولا يجوز لأحد تغيير سائر شروطه .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة ، الحر العاملي ، 19/117 .
(2) ظ ، القاموس المحيط ،الفيروز آبادي ت(817 ه)،دار العلم للجميع ، بيروت ـ لبنان .
(3) من لا يحضره الفقيه ، الصدوق ، 4/ 237 .

(18)

المبحث الثالث : دور الامام العسكري (عليه السلام) في رد الشبهات وملاحقة الافكار المنحرفة :
من المعروف ان دور الأئمة (عليهم السلام) هو امتداداً لدور الأنبياء ، ورسالتهم هي تلك الرسالة الخالدة التي بشرت بها كتب السماء ، من الدعوة إلى الله ، والترغيب في ثوابه والترهيب من شديد عقابه ، وسوق الناس إلى اتباع رضوانه وتزكية نفوسهم من الرذائل . وتطهيرها بالحب والإيمان والخلق الفاضل، ثم تعليمهم شرائع دينهم .
وكان من أبرز مسؤوليات الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) قيادة المجتمع المؤمن بما لهذه المسؤولية من علاقة بتطبيق أصول الشريعة المقدسة والقيم السماوية على شؤون الحياة اليومية ،ثم تصوير هذه الاصول في تطبيقات سلوكية عملية لقادة المجتمع ليصبحوا بذلك قدوات وحججاً على الخلق وليقطعوا عنهم حبل المعاذير والتبريرات ، ويشحذوا وليشحنوا عزائمهم بومضات من الإرادة ، ومن هنا لا ينبغي ان نحدد دور الإمام في الحقل السياسي بالمعنى الضيق للكلمة بالرغم من ان السياسة تمثل تقاطع سائر الحقول فالثقافة لها تأثير بين على السياسة وكذلك من الواضح ان التربية والانظمة الاجتماعية والاقتصادية هي التي تصنع السياسة، وهذا يتضمن المعنى العام للسياسة الذي يصنع القوى الفاعلة في المجتمع والتي تؤثر بالتالي في عالم الحكم والتي يقوم بها عادة المصلحون وأصحاب المبادئ التغييرية.(1)
وهذا دور الانبياء والائمة من بعدهم حيث كانوا يقومون بالإصلاح بكل ما أوتوا من قدرة ويصنعون قوة سياسية فاعلة في المجتمع ، وذلك عبر قيادتهم المباشرة للمؤمنين الاصفياء من شيعتهم ،حتى وصل الامر الى الامام الحسن العسكري عليه السلام ، فقد تميزت الاحاديث التي تدور حول القيادة، ان اغلبها كان عن الامام ابي محمد العسكري (عليه السلام) والسبب في ذلك هو تميز عصره ببوادر نضوج الفكر التشريعي واستعداد الحركة الرسالية للوقوف على رجليها وهذه الصفة كانت سائدة على عصر الائمة الاواخر عليهم السلام والحكمة من ذلك تتجلى في تهيئة الفقهاء لزمن الغيبة ، وكان الامام العسكري (عليه السلام) يقوم بأخطر مهمة لا تزال تؤثر في العالم الاسلامي ككل. الا وهي تحديد ملامح القيادة، صلاحياتها، مواصفاتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ ، الإمام العسكري ( عليه السلام ) قدوة و أسوة ، آية الله السيد محمد تقي المدرسي ، مركز الاشعاع للدراسات والبحوث الاسلامية ، الناشر : مكتب آية الله المدرسي ، القطع : رقعى ، الطبعة الخامسة . (20)
ومسؤولياتها، وكافة التفاصيل المتعلقة بها هذا الامر المحوري البالغ الاهمية لأي مجتمع، ليس بالشيء البسيط تربية الناس عليه ومن ثم تدريبهم على تطبيقه، فيجب ان تسبق كل خطوة في هذا الامر حالة من الايمان والوعي.(1)
كان الإمام العسكري (عليه السلام) يتابع بدقة ما يجري على الساحة الفكرية ، فيلاحق الأفكار المنحرفة والشبهات التي تطرح هنا وهناك في مواجهة الفكر الاسلامي الأصيل ، خصوصاً تلك التي تعمد إلى تشويه المعالم الاسلامية على المستوى العقائدي أو الفقهي ، فكان يواجهها بالحجة والاسلوب العلمى والجدل الموضوعي.
من ذلك ما نقله ابن شهر آشوب عن أبي القاسم الكوفي ، أن إسحاق الكندي ، كان فيلسوف العراق في زمانه ، أخذ في تأليف تناقض القرآن ، وشغل نفسه بذلك ، وجلس في منزله منشغلاً به ، فالتقى الامام العسكري (عليه السلام) بأحد طلابه واخبره بكلامٍ يخاطب به الكندي ، فما ان سمعه حتى تاب من عمله واحرق اوراقه.
والفكرة التي اوصلها الامام عليه السلام لتلميذ الكندي هو ان لغة القرآن الكريم العربية تمتاز بمرونتها واحتمالها عدة وجوه في بعض الاحيان ،وقد يكون المراد الحقيقي للآيات القرآنية غير الظاهر منها فقد يفهم الناس بعض كلماته على انها من الحقيقة لكنها في الاصل وردت من باب المجاز .
وتظهر موضوعية الامام عليه السلام في طرح الرأي وجمالية الاسلوب في عرض القول والتعامل بخلق الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم فيما طلبه (عليه السلام) من تلميذ الكندي أن يتلطّف في مؤانسة استاذه قبل إلقاء الاحتمال ، ووصفه (عليه السلام) بقوله : « إنّه رجل يفهم إذا سمع »
فصار التلميذ إلى الكندي ، وألقى إليه ذلك الاحتمال ، فتفكر في نفسه ، ورأى أن ذلك محتمل في اللغة ، وسائغ في النظر ، فسأل الكندي تلميذه قائلاً :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1)ظ ،التاريخ الاسلامي ،محمد تقي المدرسي ، الناشر: دار المحبين‌، طهران،1/366ـ 368.
(21)

« أقسمت عليك إلا اخبرتني من أين لك هذا ؟ فقال : إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك. فقال : كلا ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ، ولا من بلغ هذه المنزلة ، فعرفني من أين لك هذا ؟ فقال : أمرني به أبو محمد. فقال : الآن جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت. ثم إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه » (1).
ويعرض علي موسى الكعبي دلالات مهمة لهذه الرواية من اهم ما جاء فيها :
1 ـ إن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان يتابع حركة الثقافة في زمانه ، وكان يتحرك على كلّ الاتجاهات المضادة التي تنطلق في مواجهة الاسلام ، فلم يكن خارج نطاق الواقع الثقافي ، وهذا ينطلق من مسؤولية الإمام عن تصحيح المسار الاسلامي في كلّ ما يمكن أن يعرض عليه من الانحرافات.
2 ـ يُستوحى من هذه القصة أنك عندما تريد أن تحاور إنساناً وتجادله ، فلا يكن العنف سبيلك إلى ذلك ، ولا يكن القلب القاسي وسيلتك إلى الانفتاح عليه ، بل حاول أن تتلطف به أولاً وان تؤانسه ثانياً ، حاول أن تربح قلبه قبل أن تخاطب عقله ، لأن أقرب طريق إلى عقل الانسان هو قلبه.
3 ـ إن قول الكندي « لقد علمت انه لا يخرج هذا إلا من أهل هذا البيت » يدلّ على الثقة العلمية العالية التي كان يحملها الفلاسفة والمثقفون في علم أهل البيت (عليهم السلام) ، مما يوحي أنهم كانوا قد بلغوا القمة في العلم حتى خضع الآخرون لعلمهم ، وانحنوا لهذا المستوى الكبير من الثقافة.(2)
ومن خلال رؤية الباحث لما تقدم ذكره يلحظ العبرة من تولية الائمة عليهم السلام لشؤون المسلمين فقد اثبتوا بكل جدارة وحنكة اهليتهم لذلك وكيف لا وهم عِدل القرآن الكريم وحبل الله الممدود من السماء الى الارض ومثل هذا القول لا يُنطق جزافاً وانما بموجب البراهين الساطعة من سيرتهم الجليلة التي يشهد لهم بها المخالفين قبل الموافقين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ظ ،مناقب آل ابي طالب ، ابن شهر آشوب ، ت .ح : د .يوسف البقاعي ،الطبعة الثانية ،1412 ه ، دار الاضواء للطباعة والنشر ،بيروت ، 4 /457 ـ458.
(2)ظ الإمام الحسن العسكري عليه السلام سيرة وتاريخ ، الكعبي ،163.
(22)
ومن المسائل المهمة التي لقد أثيرت مسألة خلق القرآن منذ زمان المأمون ، وانقسم العلماء فيها إلى قسمين ، فمنهم من قال بقدم كلام الله سبحانه ، ومنهم من قال بحدوثه ، مما أدّى إلى خلق فتنة ومحنة راح ضحيتها الكثير من الأعلام ، وكان جواب الأئمة (عليهم السلام) المعاصرين لتلك المحنة واضحاً ، يقوم على أساس التفريق بين كلام الله تعالى وبين علمه ، فكلامه تعالى محدث وليس بقديم ، قال تعالى : { مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ .. }،[الانبياء/2] ، وأما علمه فقديم قدم ذاته المقدسة ، وهو من الصفات التي هي عين ذاته.
ونرى بعض امتدادات هذه المسالة في زمان الإمام العسكري (عليه السلام) ، فقد روي عن أبي هاشم الجعفري أنه قال : " فكّرت في نفسي ، فقلت : أشتهي أن أعلم ما يقول أبو محمد (عليه السلام) في القرآن ؟ أهو مخلوق أو إنه غير مخلوق؟ والقرآن سوى الله." (1)
والواضح من تاريخه التليد عليه السلام ما ذكر في تصديه (عليه السلام) لبعض الاتجاهات العقائدية المنحرفة والفرق الضالة ومنهم الغلاة الذين كانوا في زمانه ، ووصفوا الأئمة (عليهم السلام) بصفات الالوهية ، فتبرأ أهل البيت (عليهم السلام) منهم ولعنوهم وحاربوا مقالاتهم الباطلة. ومن هؤلاء إدريس بن زياد الكفرتوثائي ، قال : « كنت أقول فيهم قولاً عظيماً ، فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمد (عليه السلام) ، فقدمت وعليّ أثر السفر ووعثاؤه ، فألقيت نفسي على دكان حمام فذهب بي النوم ، فما انتبهت إلا بمقرعة أبي محمد (عليه السلام) قد قرعني بها حتى استيقظت ، فعرفته فقمت قائماً اُقبّل قدميه وفخذه وهو راكب والغلمان من حوله ، فكان أول ما تلقاني به أن قال : يا ادريس :
{ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }،[الانبياء /21] فقلت : حسبي يا مولاي ، وإنّما جئت أسألك عن هذا. قال : فتركني ومضى »(2)
ويرى البحث انه عليه السلام كان يحاول بكل جهده الوقوف بوجه هذه النزعة
الهدامة التي تناقض التوحيد وتعارض منهاج الشريعة الاسلامية المقدسة ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي ت(573 ه ) ، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام قم المقدسة ، 2/686 .
(2) مناقب آل ابي طالب ، ابن شهر آشوب ، 4/461 .
(23)
حتى ان بعض الروايات تنقل انه عليه السلام كان لا يترحم على اموات المغالين تأديباً لأصحابه وبياناً عن مدى شناعة المغالاة لأنها تعتبر من احد وجوه الشرك والعصيان لله تعالى ، من ذلك ، قال : « كتب رجل إلى أبي محمد يسأله الدعاء لوالديه ، وكانت الاُمّ غالية ، والأب مؤمناً ، فوقّع (عليه السلام) :
رحم الله والدك »(1)

من خلال ما تقدم وما لم يسع المقام لذكره من غزير علمه عليه السلام وعظيم فضائله ، ومن كراماته السامية لا يبقى شك ولا ريب في ان الامام العسكري عليه السلام هو أحد خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اخبر بعددهم واسماءهم دون غيرهم ممن اغتصب الخلافة اغتصاباً دون ادنى اهليةٍ أو مشروعية لهذا المنصب الالهي .
فالإمام الحق هو الولي الذي افترض الله طاعته وقرنها بطاعته وطاعة رسوله الاكرم حيث قال تعالى في محكم كتابه الكريم : {اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً}،[النساء /59]
فلا يُعقل أن يأمر الله تعالى بطاعة اهل النزوات والاطماع ومغتصبي الحقوق فذلك نقض للغرض وتنزه الله عن ذلك وتعالى علواً كبيراً .
ولاشك ان حقيقة الائمة عليهم السلام كحقيقة الانبياء صلوت الله عليهم لا يحيط بها الا الله تعالى ، فليس لأحد اختيارهم وانتخابهم من دونه تعالى وهذا ما يحكم به العقل السليم اضافةً الى حكم الشارع المقدس.(2)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الانوار ، المجلسي ت(1110 ه)، دار احياء التراث العربي، بيروت – لبنان ، 50 / 260 .
(2) ظ ، موسوعة الانوار في سيرة الائمة الاطهار، الفالي ، ت.ح: محمد الموسوي ، دار العلوم للطباعة والنشر ،بيروت ،الطبعة الاولى ،2010 م 11/211.
(24)
الخاتمـــــــــــــــــــة

أن أهم ما يستوقف الباحث في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) هو كونه آخر إمامٍ خُتمت به الإمامة الظاهرة ، ليبدأ بعده عصر الغيبة الذي بدأت تباشيره وأوشك زمانه ، لذلك وقع على الإمام العسكري (عليه السلام) العبء الأكبر في ترسيخ مبدأ الغيبة وتأصيله في نفوس شيعته للحفاظ على خطهم الرسالي من الضياع والانهيار. وقد استطاع إمامنا العسكري (عليه السلام) أن ينجز هذه المهمة الخطيرة بكلّ جدارة وقوة ، وأن يحافظ على حياة ولده المهدي (عجل الله فرجه) من ملاحقة السلطة وأدوات قمعها ، في وقت عصيب عُزل فيه الإمام عن أصحابه وشدّدت الرقابة عليه.
وفي هذا الاتجاه استطاع أن يهيئ ذهنية شيعته لتقبل عصر الغيبة باتباع عين الأسلوب الذي سيتّخذه ولده المهدي (عليه السلام) في عصر الغيبة ، وهو الاحتجاب عن الناس واتخاذ الوكلاء الذين يختارهم من خاصته ، والاتصال بأصحابه عن طريق المكاتبات والتواقيع التي صارت سمة بارزة في حياة الإمامين العسكريين (عليهما السلام). ولا ريب أن عطاءات الإمام العسكري (عليه السلام) والأدوار التي قام بها على مستوى الرسالة ، تمتاز بالخصوصية والاستثناء نظراً للمقطع الزماني الخطير الذي عاشه (عليه السلام) والذي يمتثل في شدة السلطان وإمعانه في عزل الإمام ومراقبة حركاته وسكناته ، بل ولجوئه إلى شتى وسائل القمع لإنهائه والاجهاز عليه والحاقه بمن سبقه من سلالة هذا البيت الكرام (عليهم السلام) ، وذلك لكونه والد الإمام الحجة (عليهما السلام) الذي عرفوا بما أثر عندهم من الأحاديث والآثار انه يقيم دولة الحق ويقوّض اُسس الباطل ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت جوراً وظلماً.
فعلى رغم حداثة سنه وعمره القصير الا ان لهذا العطاء الذي وهبه انواراً لا يعتريها الافول و دليلاً لمن يحار في اروقة الضياع والضلال وكيف لا وهو سليل النجباء من اهل بيتٍ أحبَ الله تعالى من أحبهم وأكرم من اعتصم بولائهم .


(26)



(25)

1. القرآن الكريم
2. الأعلام ، خير الدين بن محمود الزركلي الدمشقي ت(1396 ه)،الناشر: دار العلم للملايين ، الطبعة الخامسة عشر ، 2002 م.
3. الامام الحسن العسكري عليه السلام سيرة وتاريخ، علي موسى الكعبي ، الناشر: شبكة رائد للتنمية الثقافية .
4. اصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق ،الشيخ مسلم الداوري ،ت.ح : محمد علي صالح ، الطبعة الاولى ، مطبعة نمونه، الناشر: شبكة الفكر ، 1416 ه
5. إعلام الورى بأعلام الهدى ،ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت(548 ه) ، ت.ح: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث الطبعة الاولى 1417 ه .
6. بحار الانوار ،محمد باقر المجلسي ت(1111 ه)، ت.ح: محمد البهيودي ، الطبعة الثالثة ، سنة الطبع : 1403 ه.
7. التاريخ الاسلامي ، محمد تقي المدرسي ، الناشر : دار المحبين ، 1425 ه، طهران .
8. تاريخ بغداد ، احمد بن علي المعروف بالخطيب البغدادي ت(463 ه) ، ت.ح: احسان عباس ، دار صادر ـ بيروت .
9. تذكرة الخواص ، سبط ابن الجوزي ت( 654 ه)، ت.ح: عامر النجار ، الناشر : مكتبة الثقافة الدينية ، الطبعة الاولى 1429 ه.
10. تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام ، ت.ح: مدرسة الامام المهدي ، قم المقدسة ، الطبعة الاولى ، 1409 ه.
11. الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي ت(573 ه)، ت.ح: مؤسسة الامام المهدي ، الطبعة الاولى ، 1409 ه .
12. عيون المعجزات ، حسين بن عبد الوهاب ، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف، الناشر: محمد الكتبي ،1469 ه.
13. الغيبة ، ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت(460 ه)، دار الهداية ـ بيروت ، الناشر: علي احمد ناصح .
14. القاموس المحيط ،مجد الدين ابو طاهر محمد الفيروز آبادي ت(817 ه)،ت.ح: مكتب التراث ، الناشر: دار العلم للجميع ،بيروت 1426 ه.
15. كشف الغمة في معرفة الائمة،علي بن عيسى الاربلي ت(692 ه)، ت.ح: علي آل كوثر ، الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العلمي لأهل البيت عليهم السلام ،بيروت ، 1433 ه .
(28)
16. معجم رجال الحديث ، ابو القاسم الخوئي ت(1413 ه)، الطبعة الخامسة ،1413 ه.

17. مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب ت(588 ه)، ت.ح: يوسف البقاعي ، دار الاضواء للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، بيروت ، 1412 ه.

18. من لا يحضره الفقيه ، ابو جعفر محمد بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ت(381 ه)، ت.ح: علي اكبر الغفاري ، منشورات جماعة المدرسين ، قم المقدسة .

19. موسوعة الانوار في سيرة الائمة الاطهار ، احمد بن عبد العزيز الفالي ، ت.ح: محمد باقر الموسوي ، دار العلوم للطباعة والنشر ، الطبعة الاولى ، بيروت ـ 2010 م.

20. وسائل الشيعة الى تحصيل معالم الشريعة ، محمد بن الحسن الحر العاملي ت(1104 ه)، ت.ح: محمد رضا الحسيني ، مؤسسة آل البت لإحياء التراث ، الطبعة الثانية ، 1414 ه.

21. وفيات الاعيان ، ابن خلكان ت(681 ه)،ت.ح: احسان عباس ، دار صادر ـ بيروت .

المقالات :
22ـالامام العسكري عليه السلام قدوة واسوة ، محمد تقي المدرسي ، مركز الاشعاع للدراسات والبحوث ، الناشر: مكتب آية الله العظمى محمد تقي المدرسي ، الطبعة الخامسة


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الامام الحسن العسكري ، عقائد ، تشريع
مواضيع ذات علاقة

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :