انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية

موت المكان

    لتحميل الملف من هنا
Views  1446
Rating  0
 عيسى سلمان درويش المعموري 5/30/2011 6:58:44 AM
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

 
                                    موت المكان في الشعر الحديث                                      
 شعر السيّاب أنموذجا 
 
    المكان هو المدخل الأكثر قرباً الذي يؤسس عليه المبدع رؤيته الفنية بطابعها  الإنساني.  فمن المكان تنبثق وتتنامى الرؤية لتكون مشهداً حياً في كثير من الأحيان، يأخذ أبعاداً تخييلية؛ حين يعمد المبدع الى دمجهِ بعالم إنساني متخيل؛ لينتج لنا صورة تتمثل فيها الصلة الحميمة بين الذات والمكان(1).  لذلك نرى أن جعل (اللاممكن)  ممكناً لا يمكن أن يتم إلا من خلال وضعه في ضمن إطار مكاني يغلب عليه الوهم الواقعي، إذ أن عملية القياس المنطقي التي يتبعها المتلقي في ذهنه بعد محاولة مقارنة العمل الأدبي بالواقع تجعله يكوّن فضاء شبيهاً بالفضاء الواقعي، وبذلك يتم إدماج المتخيل مع الواقع(2). فالمكان لا يمكن أن يكون مؤثراً من دون أن يفعل به الإنسان صياغة مشاعره وكل ما في ذاتهِ من انفعالات وبصورة متبادلة – أي كأن العلاقة مابين الإنسان والمكان، علاقة جدلية – بالمعنى التأثيري التام(3). ويبدو لنا إن المكان في تجربة الشاعر صيغة بنائية ذاتية حيّة من صيغ الموضوع الشعري فالشاعر "لصيق بالمكان وابن شرعي لأحواله، وهو في ذلك لا يستطيع آن يغيب الإلحاح المكاني في عمله "(4). وإذا نظرنا إلى المكان من حيث قيمته الفلسفية فإنه "يرد في الإبداع الادبي كجزء من حلمي النوم واليقظة، وهما حلمان مختلفان ففي حلم النوم لا نجد أبعادا واضحة للمكان، المكان فيه يتشظى يتفتت (…) الزمنية في هذا النوع من الأمكنة هي الغالبة لأنها موضع العلامات الفارقة للحالم… أما المكان في الأدب، والأدب من أحلام اليقظة الواقعية التي تقهر الخيال والتأويل فيصبح المكان محسوساً"(5). وبذلك يمكننا القول: إن ارتباط المكان لا يكاد يتجزأ في دلالته عن ارتباطه بالعنصر الإنساني، فكلاهما وحدة لا تقوم بذاتها، وإنما تستمد ديمومتها من خلال تلك العلاقة النفسيّة القائمة التي تؤدي بالضرورة إلى خلق نوع من الديمومة والحياة لكلا الجانبين بغض النظر عن مدى التأثير والتأثر الناتج عن تلك العلاقة. لذلك لا يمكن لنا ان نفصل بين التجارب الوجودية كالحياة والموت وبين هذين العنصرين الأساسيين مزيداً عليهما البعد الزمني لكونه ركناً أساسا في تأصيل تلك العلاقة فالأمكنة ليست "رقعاً جغرافية مجردة في حدودها، ولكنها عنوانات تختزل مشاهد تاريخ الشاعر المتشكل من الغربة واصطراع الهموم في داخله"(1) وبالتالي فان النتاج الوجداني للشاعر ما هو إلا إعادة خلق لتجاربه ضمن اطر زمانية ومكانية تمكنه من تحديد أبعاد تجربته ومنحها الحيز الذي تشكلت في خلاله. وبما اعننا بصدد موضوعة موت المكان عند السيّاب ، فإننا يمكن أن ندرك من خلال تناوله المكان أن تشكل النسق المكاني يعتمد "على جدل الداخل بما يشتمل عليه من مكونات خاصة وطاقات إبداعية تتفاعل مع فكرة المكان الداخلي، أو التصور الذهني للمكان من ناحية والخارج متمثلاً في أبعاد موضوعية واجتماعية مستمدة من الواقع المعيش من ناحية ثانية"(2). بذلك تتضح لنا العلاقة السريّة مابين المكان وبين تجربة الشاعر بوصفها تجربة انسانية(3).جيكور بدت علاقة السيّاب بالمكان –جيكور- متأصلة في نفسه، لكونها مهد الطفولة وقد "زاد تعلقه بها أنه دفن في ثراها أُمّه"(4) فأصبحت الحلم الذي يركن اليه دائماً بابداعه الخيالي ليلتقي قريته التي افتقدها، بعد ان سئم مغريات المدينة ومظاهرها الخادعة، الاّ إن جيكور التي يتوهم بقاءها الأبدي أدركتها النهاية، وأصبح من المتعسر بعثها؛ وكأن الزمان "زحف به إلى اللارجوع وقامت أمامه عقبة وتعقيدات لا جدوى من الانتصار عليها"(5). لقد شكلت جيكور لدى بدر عالماً متجذراً في نفسه وأسبغت على رؤاه مسحة طاغية من الحنين الطفولي، آخذة حيزها الوجودي في ذاته، وشيئاً فشيئاً أضحت ذات معطيات مهمة غير قابلة للتغيير ظهر تأثيرها الفاعل في مجمل تجربته الشعرية .. لذلك فالمساحة الموضعية لجيكور هي العالم الأمثل الذي يرى من خلاله السيّاب التصاعدات الحادة لتجربته ومن هنا فالمكان عند الشاعر "فاعل فعلي ينفتح وينمو. وحين يكون المكان قيمة، فإنه يصبح لها خصائص تكبيرية"(6). لذلك فإن الارتباط الصميمي بجيكور –القرية- التي ولد فيها كان مبعثه الأول للحياة كونها هي التي قد "منحته الحياة والشعر والمعاناة"(7) فظل هاجسه الداخلي يفضي به إلى الاقتراب منها، حتى صار إيذان الشفاء من معاناته يكمن في عودته إلى ينبوعها الثر. إن الشعور بالطمأنينة والتواصل الامثل مع الحياة الهانئة في مثل حال السيّاب انما تكون فرصتهُ في الإيغال مع الذاكرة نحو الماضي:(1)مريضاً كنت، تثقل كاهلي والظهر أحجار،أحنّ لريفِ جيكورواحلم بالعراق: وراء بابٍ سدّت الظلماءُباباً منه والبحر المزمجرُ قام كالسورِعلى دربي.فاندفاع السياب الوجداني ظلّ متناوباً بين أزمة الغربة والمرض، وأزمة الحنين حتى صار نشوة يعلن بها ومن خلالها خلاصه من الفناء وتبديد وحشة الموت، لكنهّّ رأى نفسه مرتبطاً مع القرية "كالتوأمين بمراحل الولادة والصبا والشباب والاكتهال، وحين رأى السيّاب نفسه في مرآة القرية التي احبّها ندّت عنه صرخة تقول "جيكور شابت"(2) وامتلكته الحيرة بإزاء هذهِ المسافة التي قطعتها جيكور في الزمن"(3) حتى عاد ضحاها أصيلا:(4)    آه جيكور، جيكور     ما للضحى كالأصيل    يسحب النور مثلَ الجناح الكليلِ؟ما لأكواخك المقفرات الكئيبهيحبس الظلّ فيها نحيبه؟وبهذا التفجع الجنائزي، وبهذهِ النغمةِ يحاول الشاعر ان يحدد معالم حيرته، فلا سبيل الى الانتصار على عجلات الزمن، فالواقع الذي كان، أصبح أشلاء والأمل المندحر على رجع الذكريات يرتقي سلالم الموت، حتى يروح بحسرة لاذعة يسائل جيكوره عن الصبايا هل كبرن؟ وهل متن؟ "أسئلة يطرحها الشاعر بانفعال الخارج من قمم الصراع القاتل، مابين الحياة والموت.."(5) ليجد جيكور قد شابت:(6)وجيكور شابتْ.. وولى صباها      وأمسى هواهارماداً، إذا ماتأوهن هزته ريح..أثارته حتى ارتمى في صداهاهباءً وذرّاً تضيق الصدوربهِ عن مداها
لقد أصبح الخراب الذي خلّفه الزمن حسيّاً يراهُ الشاعر في قريته، ولكنّ إحساسه هذا لا ينبع إلا من داخل نفسه، لأن ما كان ينظر إليه، تفسّرهِ تلك الحسرة المنبعثة التي ترمز إلى إدراك الشاعر حتميّة ما سينتهي إليه.وتتكرر صور الحيرة ومعانيها، ويحاول الشاعر ان يستخرج منها ما يجعله يقف على حقيقة ما وصل إليه، وبرؤىً ضبابية تتسربل في خلالها ذات الشاعر رداء الموت لتتهيّأ نفسياً للخطر الكامن خلف تلك النهاية التي أصبحت عندها جيكور:(1)
جيكور ديوانُ شعري،موعدٌ بين ألواح نعشي وقبريوبوقوفه أمام جيكور باثاً تساؤلاته بعد أن وصلت معاناته إلى المنابع النفسية والروحية؛ يستقر اليأس في صدرهِ، فيروح بلمسة فلسفية ظاهرة مسائلاً جيكور من جديد(2)إيه جيكور، عندي سؤالٌ، أما تسمعينههل ترى أنت في ذكرياتي دفينهأم ترى أنت قبر لها؟ فابعثيهاوابعثينيولكن هيهات، فالألق المتبقي لايكاد يسعف بقاءه، اذ انحل عقده وتشظّت بقاياه الاّ مايحكي أن الصبى مات(3):جيكور في عينيك انوارُخافتة تهمسُ:"ماتَ الصبى!"لم تبقَ آثارمن فجرهِ، وانفرط المجلسُفالتلُ لاساقٍ ولاسامرٍ باقٍ وسمّار:واراهُمُ في سفحه الموحشِ المهجور حفّارُ!
وحين يعود إليها ثانية (العودة لجيكور) خذلان أسفا تحاصره كل مديات الألم  راح يسائل جيكور بنغمة الابن الضائع وبطابع فجائعي (1):جيكور، جيكور: اين الخبز والماءُ؟الليل وافى وقد نام الادلاَّءُ؟والركبُ سهرانُ من جوعٍ ومن عطشٍوالريح صَرٌّ، وكل الأفق اصداءُ.بيداءُ مافي مداها مابين بهِدربٌ لنا وسماء الليل عمياءُجيكور مدِّي لنا باباً فندخلَهأو سامرينا بنجم فيه أضواء!
لكنّ جيكور لم تعد تسمع نداء ابنها الضال، اذ قامت دونها المدينة التي تبدو للشرقي "مفروز الخوف البشري من الطبيعة والحياة وهو يصرّ على التصالح معها، على ان يفقد الروح رابطاً عضوياً بينه وبينها، بديل ان يتخذ موقف المتحدي منها"(2) لكن علاقة السيّاب لم تكن كذلك فعالم المدينة في نظره(3):وتلتف حولي دروب المدينهحبالاً من الطين يمضغن قلبيويعطين عن جمرة فيهِ طينهحيالاً من النار يجلدن عري الحقول الحزينهويحرقن جيكور في قاع روحيفإذا بجيكور تصبح ضحية لها، وتلقيها في ظلام السنين. وجيكور "هذهِ الجنة المفقودة التي تنبع ساسا من الذات، حيث يمتلئ العالم بالروح والهناء، هي نفسها الجنة المنشودة عند معظم شعراء هذه الفترة"(1)، واذا به يجد نفسه ملقيا على ابوابها لايمتلك مايؤهله من قوّة حتى يزيل بها هذا العبء الثقيل(2):وجيكور من دونها قام سوروبوابةٌواحتوتها سكينهفمن يخرق السورُ؟ من يفتح الباب؟ يدمي على كل قفل يمينه؟ويمناي: لامخلب للصراع فأسعى بها في دروب المدينهولا قبضةٌ لابتعاث الحياة من الطين….لذلك راح يرثيها (مرثية جيكور) اسفاً على فردوسهِ المفقود وشبابه الضائع، ومن هنا يغدو حيالها كالطفل الذي فقد أمه وتواكبت عليه مأساة لا سبيل إلى الخلاص منها، لأن ما صار إليه جعل من غليانه وتعلقه قيمة بذاتها في سبيل مقاومة الزمن الذي عصف به وبجيكور(3):ويل جيكور؟ أين أيامها الخضر، وليلاتُ صيفها المفقود؟
وعبر هذا الإحساس الواقعي المملوء بالحبّ، يمتلك السيّاب القدرة على تأصيل علاقته بجيكور، وبصورة تمثل ذوبانه النفسي والعاطفي، وكأنها الفعل الصحيح المحرك لتجربته الشعورية بإزاء قريته التي حاول ان يجعل منها رمزاً ينمّ عمّا هو أعمق بكثير في رؤية الشاعر الشمولية، وبهذا المستوى العلائقي الذي يُفصح الشاعر عنه بقدرة يكشف من خلالها عن واقعه النفسي المتأزم "وبهذا الحوار… يتجذر الواحد بالآخر"(4) وكأنّه في قصيدته "جيكور شابت" لم يستطع أن يأخذ كفايته منها. لقد فرّ قلبه لها، كما يفر الطائر إلى عشّهِ في الغروب، انه حين وصلها لم يجدها إلا وقد أدركها الوهن، منزويةً تعيش الموت، و " لن ينفع رمادها لأنها بديل لها "(1): يقول:(2)
ما نفضْتُ الندى عن ذرى العُشْب فيها،مالثمتُ الضبابَ الذي يحتويها،جئتُها والضّحى يزرع الشمس في كلّ حقل وسطْحِمِثْلَ أعواد قَمْحِ.فرّ قلبي إليها كطير إلى عُشّه في الغروبِهل تُراهُ استعاد الذي مرّ من عُمْرِهِ، كلَّ جُرْحِوابتسامٍ؟ابعد انطفاء اللهيبيستطيع الرماد اتقاداً؟ ومن اين، من أي  جمره؟
وإذا بهِ يعلن ضياعها الأبدي في (جيكور أمي) بضياع صباه:(3)
جنة كان الصبي فيها وضاعت حين ضاعادار الجد أو منزل الاقنان: لقد كانت لهفة بدر كبيرة، تلك اللهفة التي عبر عنها في قصائده عن جيكور، وأضحت في ذاكرتة صورا دائمة الرواء تسعفه أيام مرضهِ، ولما رأى شبح الموت يدب عليها واوهن قلبها الذي كان يركن إليه أيام طفولته وصباه إلا وهو منزل جدّة، ذلك القلب النابض بالحياة والذي رأت فيه عينا بدر الدنيا فرثاه في قصيدتين (دار جدّي)(4) و (منزل الاقنان)(5) ففي دار جدّه التي اوهن الزمن كاهلها بعد ان فقدت أهليها، ودبّ شبح الفناء عليها أحس السياب بالأسى نحوها، فإذا ما كان فعل الزمن بالجمادات على هذا النحو، فكيف يفعله في من له أحاسيس ومشاعرُ دافقة:(6)
وحين تقفر البيوت من بناتهاوساكنيها، من أغانيها ومن شكاتها نحسّ كيف يسحق الزمان إذ يدور
وإذا به يسأل نفسه وبلغه اليأس المفجع عن سبب حزنه هذا، وعن مصدره(1):
وهل بكيت ان تضعضع البناءوأقفر الفناء أم بكيت ساكنيه أم إنني رأيت في خرابك الفناءمحدقاً إلي منك، من دميمكشراً من الحجار ؟ آه، أي برعميرب فيك ؟ برعم الردى !! غداً أموت
فإذا الموت يخيم على كل شيء، فما أصاب السياب أصاب دار جده، فكان وقوفه أمامها متسائلاً شبيهاً بوقوف البحتري عند إيوان كسرى(2).ومن خلال هذا التوظيف الفني للمكان تأتي تعبيرات الشاعر عن مكامن نفسه بإزاء الحياة، إذ أن ما يتطلع إليه من تشوف مستقبلي هو صورة رامزة إلى اغترابه النفسي ووحدته بعد أن أعياه المرض، وبهذا التصوير المكاني الذي عكس من خلاله الشاعر عالمه الداخلي "فكل صورة في الخلق الفني لها جذورها العميقة في عالم اللاشعور"(3)، رأى السياب في دار جده فعل الزمن فإذا بموقفه تبدو فيه الحيرة، فكأنه يسخر من سذاجة الطفولة التي كانت تمدهُ برؤى بريئة يقُول:(4)
والمرء لا يموت إن لم يفترسه في الظلام ذيبأو يختطفه مارد، والمرء لا يشيب(فهكذا الشيوخ منذ يولدونالشعر الأبيض والعصي والذقون)
فإذا بالطفولة والصبا تصبح رهناً لعجلات الزمن، ويدرك من خلال رؤيته أن هناك علاقة جدلية لا يمكن فصل حدودها مفادها أنه لا يوجد زمان بدون مكان ولا مكان بلا زمان "فالزمان لا بد أن يكون في المكان، والمكان لا بد أن يكون في الزمان. وبهذا فالزمان والمكان ليسا متناهيين، بل هناك معيّة ثابتة بينهما ((???????????? )) فالزمان الفيزيقي غير متناه ???????? أما الزمان الفعلي فمتناه ?????? "(1). وعلى هذا النحو أيقن السياب ارتباط طفولته بهذا المكان السائر نحو الاندثار، وكأن ما أصابه وجعله بصورته الماثلة هو حصيلة حتمية تدور رحاها على شخصه في الوقت ذاته، لكن ما يبقى للسياب ليس مثل الذي يبقى لدار جده (2):
لن يظل من قواي، ما يظل من خرائب البيوت.لا أنشق الضياء، أعضعض الهواء،لا أعصر النهار أو يمصني المساء.
وبهذا يمكننا القول إن الخراب الحسي الذي رآه السياب هو إجابة تعبر عن حقيقة مفادها "اتخاذ تعبير يصور الإنسان في فترات عمره المتأخر، وهو الذي يتحسر على الماضي الذي لن يعود"(3). وفي  (منزل الأقنان) تتجلى صورة الموت أمام حقيقة ثابتة هي الحياة، وكأن السياب يضع نفسه على الجسر الذي يربط طرفي هذه الثنائية التي تتنازع فيما بينها ليغلب أحد طرفيها بما يتوافر له من أسباب، فالمنزل الآيل إلى الفناء مرتبط بجذور بسيطة بالحياة، تتمثل في الأبواب(4)، غير أن ما يربطها بالموت هو أقوى من غيره، فالنوافذ المشرعة التي تصكها الريح، والبوم دائب النوح، والسلم المحطم، علامات موت مد أياديه في تلك الدار (5):
خرائب فانزع الأبواب عنها تغد أطلالاخوالٍ قد تصك الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح تطلُّ عليك منها عين بوم دائب النوحوسلمها المحطم، مثل برجٍ داثر، ما لايئن إذا أتته الريح يصعده إلى السطح،سفين تعرك الأمواج ألواحه.فالصورة التي يستحضرها السياب " هي الأطلال، ومنزل الأقنان في جيكور أمسى خرائب ولكنها بأبواب، ما إن تنزع الأبواب عنها حتى تغدو ماضياً .. (1) فالأبيات تصف حال المنزل الذي كان يعيش فيه الشاعر بصورة التركيز الحسي التي تصاحبها في الوقت ذاتهِ الحسرة فهو على هذا يبدأ بما هو خارجي ليمنحه إحساساً، وليوجهه بقوة الحدس إلى القارئ(2).المدينة: المدينة في عالم السياب جزء ميت لا ينبض بالحيوية فلندن   مات فيها الليل مات تنفس النور فيها "(3). وشوارعها يا صمت يا صمت المقابر في شوارعها الحزينة "(4). وبيروت كهف من((كهوف العالم المتحضر المغسول بالنور)) (5).وبغداد (6):بغداد ؟ مبغىً كبيربغداد كابوس ردىً فاسديجرعه الراقدساعاته الأيام، أيامه الأعوام، والعام نير :العام جرح ناغر في الضمير.لقد رأى السياب في المدينة وحشاً كاسراً، رآها بلا قلب، ولقد عبر عن إحساسه هذا في قصيدته (أم البروم) التي عبرت عن استيائه الشديد من سطوة المدينة لما كان لها من جناية على تلك المقبرة :ولكن لم أر الأموات يطردهن حفارمن الحفر العتاق، وينزع الأكفان عنها أو يغطيهاولكن لم أر الأموات قبل تراك يجليها مجون مدينة، وغناء راقصة، وخمار
يقول د. علي جعفر العلاق: "تتفجر القصيدة بأسىً عجيب وإشفاق مدمر على الموتى الذين زحفت المدينة على هدوئهم الأبدي"(1). وبذلك فإن السياب يرى في زحف المدينة على المقبرة تجاوزاً صارخاً على هيبة الموت وقداستهِ وغموضه "(2). إذ كانت المقبرة قبل هذا الزمن هادئة (3):
وكانت إذ يطل الفجر تأتيك العصافير تساقط كالثمار على القبور، تنقر الصمتا فتحلم أعين الموتىبكركرة الضياء، وبالتلال يرشها النور
وعلى وفق هذا هذا المنظور الذي تشكل عبر امتدادات سياسية ونفسيّة وصحيّة كانت نظرة السياب إلى المدنية التي رأى أنها مسرح للموت، مما أقلقه زمناً، فكانت نتيجة ذلك أنه صار ضحية من ضحاياها(4).

  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • موت المكان في الشعر الحديث
مواضيع ذات علاقة

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :