انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الأدب في عهد الموحدين/ المديح

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       20/02/2019 19:37:09
المديح :
ففي هذا العصر قد شهدت القصيدة المدحية تتطورا ملحوظا تحددت معه ابعادها وتعينت معالمها وكان هذا التطور على صعيدين:
الاول:-من ناحية المضمون وقد تميزت مدائح الموحدين بشيوع روح الغلو والمبالغة واتسامها بالروح التومرتية وتعاليمها التي كانت تبطن شيئا من التشيع كما يذكر المراكشي في كتابه المعجب وتغذية المديح بصور ومعان دينية مستوحاة في اغلب الاحيان من قصة موسى عليه السلام- -وتتجلى نزعة المبالغة بغلو في وصف الممدوح بصفات تخرجه عن كونه بشرا وتجعله شيئا اخر مقدسا منزها شبيها بالأنبياء والمرسلين يسير الاقدار ويتحكم بالقضاء فكأنه خلق كما يشاء وهذا الاسلوب يذكرنا بابن هاني في معزياته ومن امثلة هذا الغلو في مدائح هذا العصر قول الرصافي البلنسي في ابن همشك:
لمحلك الترفيـع والتعظـيم
ولوجهك التقديس والتكريم
ولراحتيك الحمد في أرزاقهم
والرزق أجمع منه ما مقسوم

اما استيحاء قصص الانبياء واسترفاد المعاني الدينية فيبرز في مدح الموحدين بشكل لافت وكانت قصة موسى - عليه السلام - وعصاه وعبوره البحر تتردد في اشعار المديح ولعل اولى المدائح التي استغلت هذه المعاني تلك القصائد التي قيلت بجبل الفتح ترحيباً بعبور عبد المؤمن بن علي (555 هـ) إلى الأندلس لأول مرة وقد ربطت هذه الامداح بين موسى - عليه السلام - وبين عبد المؤمن وكأن الشعراء يتخذون من عبد المؤمن رمزاً للإخلاص كما كان موسى عليه السلام منقذا لبني إسرائيل فالرصافي حين يمدح عبد المؤمن في قصيدته التي مطلعها:-
لو جئت نار الهدى من جانب الطور
أقتبست ماشئت من علم ومن نور
من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها
ليلاً لسار ولم تشبـب لمقــــــــــــــــــــــرور
فيضية القـــدح من نور النبوة أو
نور الهداية تجلو ظــــــــــــــــــــــــــلمة الزور
مازال يقضـــمها التقوى بموقدها
صــوّام هاجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرة قوام ديجـور
حتى أضاءت من الايمان عـن قبس
قد كان تحت رماد الكفر مـــــــــكفور
نور طوى الله زند الكون منه على
سقط إلى زمن المهــــــــــــــــدي مذخـور

فالمادح هنا يركز على صفات أيمانية تمثل النموذج الاكمل الذي يحتفل به الذهن الديني فالرصافي إلى جانب اقتناصه ملامح الصورة التي رسمها من النص القرآني تراه قد اجاد المزاولة في الربط ما بين الفكرة التي رآها في ممدوحة وبين ما يدعو اليه النص القرآني وفي جانب أخر نرى ابن حربون يمدح الامير أبا يعقوب بقوله :
كأن الناس من خطأ وأنتم
أدام الله أمركمُ صـــــــــــــــــواب
وأنتم في مشاهدكم كهول
وانتم في موالدكم شباب
فمن يرجو بوصفكم قياماً
وفضلكم تضمنه الكتاب

تبدو الفكرة التي يعبر عنها الشعراء واحدة بغض النظر عن التجليات التي تفرضها طبيعة القصيدة ففي هذا التوجه في اظهار القيم بتجلياتها كافه فضلا عن دوافع اخرى قد لا تمت بصلة إلى موضوع المديح راح الشاعر الموحدي يستجمع القيم الدينية العليا وينزلها على ممدوحه فرسم خلالها ابعاد الشخصية المثالية واظهر ما يفترض ان يكون عليه صاحب هذه الشخصية ،يقول الرصافي في عبد المؤمن بن علي:
فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبساً
والأرض قد غرقت من فور تنور
ولاشك ان هذه العصا التي حولت البحر يابسة ليست إلا عصا موسى (ع) وإذا كان الرصافي في قصيدته السابقة يومئ إلى مقدرة الممدوح فأنه في نص آخر يشير أيضاً إلى قدرة الممدوح على ضرب أعناق الجماهير والبطش بهم وإسكات معارضتهم تنفيذاً لأمر الله يقول :
إذا صدعت بأمر الله مجتهداً
ضربت وحدك أعناق الجماهير
فكأنّ كلامه هذا يصدق على اول قيام الدولة الموحدية ولكن الامر أختلف في أواخرها حينما تمزق شملها وضعف مركزها فلا عجب ان تتغير رؤية الشاعر فصار يشيد بصفات ممدوحه الاخرى بينها رضا الناس وحبهم له فأبن سهيل يقول في ابي القاسم محمد بن علي:
أحبه الناس بأمر الله مجتهداً
كما أحبوا الشباب مقبلا
فهذا المعنى فرضتة الظروف وأوجبه وضع الحكام المتضعضع وكانت في أمداح الموحدين تتردد معاني التفاخر بالانساب العربية كما في قول الرصافي في عبد المؤمن :
وآية كأيات الشمس بين يدي غزو على الملك القيسي مندور
وعلى الرغم من ورود مثل هذا التفاخر لا نلمس لدى الشعراء ضغطاً او تركيزاً على هذه الجوانب ويعلل (د.محمد علي مكي ) ذلك في أن انحسار المسلمين في أواخر عهد الموحدين وانخزال عناصر المجتمع نتيجة للضعف الذي حصل لتلك الدولة أدى إلى الضغط على ايراد تلك العناصر لاستنفار القيم العربية التي كان يؤمن بها هؤلاء.
أما من حيث المنهج فقد أصاب القصيدة المدحية شيء من التطور في منهجها وطريقة معالجة غرضها وكان ذلك بفعل الظروف السياسية خاصة التي سرعان ما ينعكس مردودها على قصيدة المديح لأنها كما هو موضح أقرب فنون الشعر إلى السياسة والسياسيين وأكثرها علاقة والتصاقا بها فقد اهمل الشاعر الموحدي كثيرا من المقدمات المعروفة لكنه في الوقت نفسه أدخل اغراضا وفنوناً جديدة تطلبتها المرحلة التاريخية وأوجبتها الحياة السياسية والاجتماعية فلم نعد نرى الفلسفة والحكمة والرثاء ووصف المعارك وتصوير رحلة البحر ضمن قصيدة المديح أو في مقدمتها لكنه احتوت إلى جانب المديح فن الاستصراخ وطلب النصرة والحض على الجهاد.
وقلما تأتي هذه الفنون كمدخل للمدحة وإنما يغلب مجيؤها ممتزجة مع المدح بل هي في صلبه وجوهره لأنها تحمل معاني البطولة والشجاعة والنخوة وكلها من مستلزمات المدح ومن ذلك أبيات لأبي المطرب المخزومي يستصرخ أمير الموحدين بعد حصار مدينة (شقر) يقول :
تدارك أمير المؤمنين دماءنا
فأنك للإسلام والديـن ناصـر
ووجه إلى استنقاذنا بكتيبة
يهاب الردى منها العدو المهاجر
تنفس من ضيق الخناق
فتدرك آمال وترعــى أواصر

ظلت القصيدة العربية الغزلية في بعض حالاتها تخضع لتقاليد الشعر العربي المعروفة منذ العصر الجاهلي كالارتكاز عليها في قصائد المدح أو استغلالها في وصف الطبيعة أو تصوير مجالس الخمر أو دمجها مع أغراض اخرى وفنون قد لا تمت لها بصلة وخلال فترة دراستنا هذه ظلت قصيدة الغزل تدور حول محورين رئيسين في بناء موضوعها هما: المرأة والغلام متخذه في موضوعها الانثوي اتجاهين منفصلين متباعدين أحدهما:
الاتجاه العفيف والثاني الاتجاه الحسي فالأول منهما وهو الغزل العفيف يتسم بنوع من التسامي نحو عواطف نزيهة وترفع عن المعاني الحسية والصور المثيرة مع الاحساس بنوع من القلق والاضطراب من دون ان يتذوق العاشق السعادة حتى لو كان قريباً ممن يهواه أو تخيل المنية وجعلها ملازمة للحب بشكل يمنح الموت وجوداً حقيقياً ثم ان هذا النوع لا يمكن وصفه بالعذرية وان اتسم بها احياناً لأن قائليه ليسوا عذريين أولاً ثم انهم كانوا ازدواجيين في غزلهم ومن جهة اخرى يكون هذا الغزل حديثاً عن عفاف مزعوم.
أما الاتجاه الثاني - الغزل الحسي - فأنه اكثر شيوعاً ففيه يصف الشاعر كل مواطن الفتنة والجمال التي أثارت انتباهه وملكت دهشته وقد ينصرف مع ذلك إلى ذكر الوشاة والعذال والأهل الغيارى واختلاس اللقاء مع من يحب ومما يبدو أن الشاعر الأندلسي كان متقيداً في غزله بنموذج معين للمرأة وبصورة قائمة في مخيلته ورثها عن أجيال عريقة فهو لا يتجاوزها ولا يتعدى تلك الخطوط العريضة لهذه المحبوبة ذات العيون النرجسية وما شاكلها من أوصاف تناقلها الشعراء جيلاً بعد جيل وكل ما يقع من اختلاف بينهم يكون بالألفاظ وترتيب العبارات والجمل أو بإدخال بعض المشاعر الانسانية والعواطف الذاتية على تلك الاوصاف الجسدية.
ولم ينفرد بالغزل الانثوي شاعر واحد ويتفرع له وإنما كان جميع الشعراء يعالجونه منفرداً أو مزدوجاً كيفية الموضوعات الشعرية الاخرى فما اعرض عنه قائل بأنه أخف الاغراض وأشفها وأقرب الفنون إلى النفس الانسانية فمن الذين التزموا هذا الاتجاه وصرحوا بسلوكية عفيفة الفيلسوف ابن طفيل في قصيدة يتحدث فيها عن زيارة محبوبته ليلاً بعد نوم الرقباء والوشاة وكان لقاؤهما فيه عتاب وشكوى ودموع لأنه جاء بعد تباعد وهجر لكنهما لم ينسيا العفة والخلق الشريف يقول :-
ولما التقينا بعد طـول تهاجـر
وقد كاد حبل الود ان يتصرما
حلت عن ثنياها وأومض بارق
فلم أدر من شق ألدجنة منهما
وساعدني جفن الغمام على البكا
فلم ادر دمع أينا كان أسجما
فقالت وقد رق الحديث وأبصرت
قرائن أحوال أذعــــــــــن المكتـما
ويكاد أبو بحر صفوان ابن ادريس التجيبي يكرر تجربة ابن طفيل نفسها حين يصور لقاءه مع من يحب بعد زيارة متوجسة لكنه زاد على السابق شعشعة خمر الهمس والنجوى بين الحبيبين وقد سمح لنفسه ضم محبوبه والحنو عليه لكنه توقف عن عفة فيقول:
فضممته ضم البخيل لماله
أحنو عليه من جميع جهاته

ولم تغب مناظر الطبيعة عن غزلهم فقد كانت الاطار الجميل الذي احتضن حبهم لذلك نرى أبا الوليد بن الجنان يناجي بانة الوادي ويرجوها ان تعانق حبيبته إذا ألمت بها وان تنقل اليها عواطفه وعذابه لعلها ترق له فالبانة وسيط او رسول عشق بينهما فيقول:

بالله يابانة الوادي اذا خـطرت
تلك المعاطف حيث الشيح والغار
فعانقيها عن الصب الكئيب فما
على معانقة الأغصـــان إنكار
وعرفيها بأني فيــك مكتئـب
فبعـــض منك بالحبّ أخبــار
وكانوا ينحون في غزلياتهم منحى حوارياً وهو عبارة عن حوار رقيق بين الشاعر وبين من يحب أو بينه وبين عذاله أو بينه وبين قلبه ومن ذلك قول ابي الحسن سهل بن مالك :
وكنت وعدتني يا قلب أني
متى ما تبت من ليلى تتوب
فها أنا تائب عن ذكر ليلى
فمالك كلما ذكرت تثــــوب
فقال بليلى وعدتك غير اني
أتوب اليك من ذنبي أتوب

ففي هذا الحوار رقة لا تلمسها إلا في الغزل الصادق وهي قريبة من شعر المجنون والأبيات فوق ذلك تمثل تمزقاً عاشه الشاعر بين هيام قلبه وبين رغبته في النسيان و البعد. ومثله أبيات لأبي عبدالله محمد أقام فيها حواراً بينه وبين عاذله.
فأسل عنه كما سلى قــيل لي قد تـــبدلا
لك سمــع وناظـــر وفؤاد فقلـت : لا
قيل غــال وصـــاله قلت لمـا غلا حـلا
أيها العــاذل الــذي بعذابـي توكـــــــلا
عد صحيحاً مسلـــماً لا تعيّر فتبتــــــــلى

وقد كون هذا النوع من الحوار شعراً قصصيا.
الشعر الديني :
كانت هناك أسباب دافعة وعوامل مشجعة أدت إلى ازدهار الشعر الديني في هذا العصر يتعلق بعضها بالطابع العام لدولة الموحدين ويتعلق بعضها الاخر بالأوضاع العامة الملحة التي أصابت المجتمع الاسلامي في الأندلس وما وقع من حروب وفتن مما ادى بالنتيجة النهائية إلى أن يشكل قلقاً نفسيا وظهرت لدى الفرد الأندلسي احاسيس الشعور بالضياع والتقلب الدائم مما شكل لدية احساساً بالخوف من عقاب الله والخشية من المصير المريع وبذلك صار يبحث عن راحة وليس من متكئ للتنفيس عن ذلك غير الجنوح نحو هذا النوع من الشعر الذي تفاوت من حيث الاداء فكان منه شعر ديني عبر بصورة حقيقية عن تلك المشاعر المحبوسة والأحاسيس المخزونة فبلغ قيمة فنية لا بأس بها وكان منه ايضاً الشعر المتكلف الغث الذي عبر عن مشاعر تبدو منحولة
وقد دار الشعر الديني في نطاق الاغراض الآتية :
1-الزهد والنبويات والتصوف وجميع هذه الاقسام تتنفس من جو واحد وتهدف إلى غاية واحدة وتنضوي تحت أطار عام فهي جميعاً تعبير عن تلك الشحنات العاطفية التي تختلج في الوجدان الديني للإنسان وتخفف عن ذلك التلوم النفسي وتروح الكبت الشعوري الكامن في اعماق الذات .
الزهد في حقيقته هو دعوة إلى العزوف عن متاع الدنيا وتجنبه مغرياتها وبهرجتها والتمسك بالعمل الصالح والسلوك القويم وتأدية فرائض الله وإقناع النفس أن الفناء لاحق بها وأن العمر مهما طال سينتهي وأن النعمة مهما اتسعت ستزول.
فلزهد أذن علم عملي وفن لعبادة الله ومنهج في الحياة وفي هذا العصر ترى أكثر من شاعر قد عبروا عن تلك الرؤيا التي تجعل الدنيا عرضاً زائلاً وتفكر في الاخرة لأنها دار قرار.
فمن هؤلاء الشعراء أبو عمران موسى بن عمر المارتلي الذي عرف بزهده وورعه والانقطاع للعبادة وملازمة المسجد ومنه أبو جعفر الوكيل (ت 551 هـ) وكان منحوتاً بالزهد والعزوف عن الدنيا وأهلها وله قصيدة فائية أكثر فيها من عتاب نفسه وتلومها على ذنوبها ويظهر فيها الاسى والأسف بما يذرف من حمر الدموع يقول :
أسير للخطايا عند بابك واقف
له عن طريق الحق قلب مخالف
قديماً عصى عمداً وجهلاً وغرة
ولم ينهه قلـب من الله خائف
تزيد سنوه وهو يـزداد ظلله
فها هو في ليل الظلالة عاكف
فهل ارق الطرف الزمان الذي مضى
وأبكاه ذنب قد تقدم سالف؟
فجد بالدموع الحمر حزناً وحسرة
فدمعك ينبي أن قلبك آسف

ومن بواعث الزهد في حياتهم تناقض الحياة وتقلبها وتغير الايام وغدرها فيغدو الزهد حينذاك مرفأ ينأى بالمرء عن ضروف الدهر ومزالق الدنيا وتغير الاخوان وقد يتخذ احياناً سمه فلسفية وهذه الفلسفة تأخذ عادة طابع التسليم للقضاء وترك الامور للمقدور يقول ابو بكر محمد البلنسي :
في أثر عسر الامر يسرى أشكر لربك وانتظر
وأصبر لربك وأدّخر في ستر ضر الفقر أجرى
والدهر يعثر بالورى والصبر بالأحرار أحرى
أما ابن صاحب الصلاة فإنة يصور تناقض الحياة وتنافر ألوانها فهي في فهي في نظرة موزعة بين مأتم وعرس ورحيل واستقرار وخوف وأمن والإنسان مشدود بين طرفيها ممزق تلعب به الاقدار يقول:
وما زالت الدنيا طريقـــها لهالك
تباينُ في احوالها وتخالــف
ففي جانب مـــنها تـقام مـآتم
وفي جانب منها تقوم معازف
فمن كان فيها قاطناً فهو ضاعن
ومن كان فيها آمنا فهو خائف

وكان من بواعث الزهد الكبر والشيخوخة وما يصاحبها من أحاسيس محزنة تنبي بقرب الرحيل ودنو الاجل وهذه الاحوال كفيلة بوعظ الانسان وتوبة نفر كبير من الناس لذلك خاضوا في هذا الغرض دون غيره .
2- النبويات:
يبدو لنا من خلال ما مر بنا من الشعر الأندلسي أنه لم يظهر أثر الشعر النبوي واضحاً كما في العصر حيث نجد كثرة من الشعراء عالجوا هذا الغرض الشعري وقد تطرقوا فيه إلى موضوعات عديدة يتصل منها قسم منها بالمديح النبوي وقسم آخر يتصل بالتبرك بأثر الرسول (ص) ويتصل قسم منها بالتشوق لقبر النبي والديار الحجازية .
أما القسم الاول :- فكان الشاعر كثيراً ما يبدأ قصيدته بالصلاة على النبي (ص وآله) وتكرار ذلك بلفظة (صلوا) ثم يأتي بعد ذلك على ذكر فضائله ومكارمه ومنزلته بين الناس وبين الانبياء والمرسلين ثم يفصل في ذكر معجزاته ويتحدث عن الاسراء والمعراج بإسهاب وإطالة وقد يتطرق الشاعر إلى ولادته ونشأته ونزول الوحي عليه متدرجاً في ذلك بأسلوبه قصصي ومعاني المدح تدور حول كرم الرسول (ص) وشجاعته وتعبده وذكائه إلى ما هنالك من صفات تليق به
ومن مظاهر قصيدة المدح الشكلية تكرار الصلاة على الرسول (ص) أكثر من مرة وقد يستغرق الاشطار الاولى من القصيدة كلها كما فعل ابن العريف ت (536 هـ) في قصيدته ذات المطلع :
صلى الاله على النبي الهادي
ما لاذت الارواح بالأجساد
حيث كرر جملة (صلى الاله ) على عدد ابيات القصيدة البالغة واحداً وثلاثين بيتاً .
وفي النصف الثاني من القرن السابع الهجري بلغت قصيدة المدح النبوي غايتها من الصنعة والتكلف فكثرت المخمسات وقد ألتزم الشعراء في بعض الاحيان بالحرف المعجمي في أول الاشطار المربعة وآخرها .
أما القسم الثاني : وهو التبرك بذكر الرسول (ص وآله) فقد نظم الشعراء مقطعات وقصائد في تمثال نعل النبي تعزيزاً وتقديراً لهذا الاثر النبوي وأقدم نص أندلسي في هذا الموضوع قطعة مؤلفة من ثلاثة أبيات لعلي بن إبراهيم الانصاري (ت 571 هـ) يقول :
يا لاحظا تمثال نعل نبيه
قبل مثال النعل لا متكبــــرا
وألثم به فطالما عكفت به
قدم النبي مروحاً ومبكــــراً
أو ترى أن الشجي مقبِّلٌ
طــــللاً وان لم يلف فيه مخبراً
أما بعد عصر الموحدين فقد توسع هذا الغرض وانتشر بين الشعراء سواء بالأندلس أو المغرب الافريقي
قصائد التشوق :-
يدخل هذا اللون في الشعر ضمن الامداح النبوية لأنه مدح للرسول (ص) بشكل أو بآخر فالشاعر يتحدث فيه عن شوقه وتلهفه إلى زيارة قبر النبي (ص) أو إلى الاماكن التي شهدت اشراقة الرسالة المحمدية فكثيراً ما يردد أسماء أماكن حجازية لا سيما (طيبة) التي نعني المدينة المنورة ومواضع اخرى مثل ( منى – يثرب وزمزم )
تبنى قصيدة الشوق على وصف الرحلة عبر الفيافي و القفار وما يصاحبها من متاعب ومشاق وعلى تصوير الاشواق والهيام في زيارة القبر الشريف والتبرك بترابه واستهلال الدموع طلباً للمغفرة ومن ذلك حجازيات علي بن محمد بن حسن الانصاري (ت 663 هـ) ففيها يصف عيسه التي أضناها السرى وأذاب ها المسير في الهجير ومع ذلك فهي تأبى الراحة والتوقف دون مقام الرسول ( ص) لأنها مشتاقة هائمة مثل صاحبها يقول :-
يا حداة العيس رفقــــاً أنــها
شكت الجهل وبعـــد المرتــمى
طاويات لم يدع منها السرى
ونحيــل الشـوق إلا ألأعـــــظمـا
جنبوها مورد المــاء فقــــد
حرمته أو تــزور الحــــــــــــــــــــــر ما
ياخليلـــي رويـــدا أنهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
لتعاني الشوق مثــــلي فاعلما

.
الـتصوف :
إنه شوق إلى الله أنه الحب الالهي المطلق المجرد من المنافع والنهايات المادية إنه معرفة تجريبية وذوق لأحوال المعرفة التي تولدها في النفس المجاهدات الزهدية. فالتصوف والزهد مثلا زمان متداخلات وليس الزهد الا مرتبة أولى ومرحلة مبدئية تؤهل للتصوف وقد كان يمثل في حقيقة واجهة لثورة اجتماعية وسياسية وقد نالت الأندلس حظا من تلك الثورة على يد ابن مسرة وتلامذته ويعد عصر الموحدين بحق عصر نبوغ الشعر الصوفي ونضوجه في الأندلس . وللقصيدة الصوفية ذات ملامح وأبعاد تميزها عن غيرها من فنون الشعر العربي فمن تلك الملامح و السمات استعمال الالفاظ والمعاني والمصطلحات الخاصة بكلام المتصوفة فنجعلها في كثير من الاحيان غامضة مبهمة لا يمكن الكشف عن مدلولاتها ومقاصدها إلا بالإلمام بما تؤديه تلك الالفاظ والمصطلحات من معان ومنها أن المنظومة الصوفية تأخذ شكل قصيدة الشوق و الوجد والغزل في ظاهرها ولكنها في حقيقة أمرها عبادة وهيام وتوله بالذات الالهية وقد تتحدث عن المدامة والكأس والساقي رامزة إلى نشوة الايمان حمى الفناء في الذات الالهية انها اذن قصيدة ذات اجواء خاصة فمن مأثور هذا اللون الشعري ما قاله أبو الحسن محمد بن علي الرعيني (ت 666 هـ) وفيها يصور مشاعره و هيامه وفناءه بألفاظ تحمل معاني الحب والغرام والخمر و المدام يقول :
هيامي ما بين الجوانح ثائر
وداء غرامي للفؤاد مخامــــــــــــــــر
سكرت وما دارت علي مدامة
ولافتنت عقلي عيون فـــــــواتـر
تصرف بي الهوى تحت حكمه
وسلطانه مذ كان للخلق قاهر
وما قادني إلا إلى حب واحــد
تقدس ان تعزى اليه النظائـر

وكان ابن عربي (ت 638 هـ) أكبر وأعظم متصوف عرفته الأندلس ففد عمق اتجاه الشعر الصوفي وصبره من شعر ديني تغلب عليه السطحية واللفظية إلى شعر بتعمق الروح الانسانية و يعالج القضايا الوجودية المتمثلة في علاقة الانسان بالخالق مستعملاً الرمز الصوفي كما أدخل عليه مصطلحات الصوفية و ألفاظهم الخاصة بهم وكان ابن عربي يكثر في اشعاره من التأويل ويبتعد عن مفاهيم الناس حتى أتهم بالشطح فمن شعره قوله :
يامن يراني ولا أراه كم ذا أراه ولا يراني
وقد أثار البيت في وقته اعتراضات فما كان منه إلا ان اضاف اليه مفسراً
ولا أراه آخذا يامن يراني مجرما
كم ذا أراه منعماً ولايراني لائذاً

ونظرية وحدة الوجود تبدو من خلال اقواله وأشعاره فليس في رأيه خالق ومخلوق إلا في الظاهر أما في الحقيقة فشيء واحد لايدرك بالعقل وإنما يدرك بالقلب يقول:
يا خالق الاشياء في نفسه
انت لما تخلقـــه جامـــــــــــــــــع
تخلق ما لا ينتهي كونـــه
فيك فاتت الضيق الواسع

أما نظرية الحب فتبلغ عنده حداً عظيماً من التقديس فهو يجعل دين الحب مرادفاً لدين الاسلام أو يجعل الاسلام ديناً دعامته الحب وما ينطوي عليه الحب من معاني الخضوع والإذعان والانقياد لإرادة المحبوب فكل اولئك معان يشترك فيها وينطق بها كل من الحب والإسلام يقول :
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبـان
وبيت لأوثان وكعـــبة طائــف
والواح توراة ومصحف قرآن
ادين بدين الحب أتى توجهت
ركائبه فالدين دينــي وإيماني
لذا فالشعر الصوفي يختلف عن الشعر الزهدي فلا خير يعتمد التعبير المباشر عن العواطف الدينية والمشاعر العينية بأسلوب واضح في حين يعتمد الشعر الصوفي على الرمز مع التفلسف والتعمق في تناول الاشياء.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم