انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة خالد عبيس محسن عيسى
17/12/2018 05:13:40
ب - اهمية الاخلاق على المستوى الاجتماعي المجتمع هو الميدان الابرز الذي تتمظهر فيه السلوكيات الاخلاقية، لذا فان البعد الاجتماعي في الاخلاق هو بعدا اصيلا لا يمكن التغاضي عنه، بل ان عنوان الاخلاق هو حسن المعاملة مع الاخرين، فتماسك المجتمعات مرهون بالتزامها بأخلاقها وتفكك المجتمعات مرهون بتهاونها بأخلاقها، فإننا اذا ما درسنا صور الفساد و الخصومة و النزاعات المدمرة الدامية التي تحدث في المجتمعات، علمنا ان سببها الاساس هو الانانية و التسلط و حب الجاه و غير ذلك من السمات القبيحة التي تمكنت من نفوس قادة الأمم و شخصيات شعوبها، و التي تجلت في صور الاستعمار و النزوع السلطوي الباطل و و الاستبداد . و هكذا الاختلافات و النزاعات التي تحدق في المجتمعات الصغيرة كالمجتمعات المحلية و الاسرية، و هي الاخرى وليدة عدم تهذيب اخلاق ابنائها .. فاذا ما مدّ الناس يدَ التعاون و الوحدة الي بعضهم بعضا، و اوجدوا اجواء أسرية تنعم بالأخلاق الفاضلة و العادات المحمودة: فان بإمكانهم ان يجعلوا من مجتمعهم المصغّر واحة للعواطف و المحبة و الود و البهجة و السعادة. ان مصاديق الاخلاق الاجتماعية كثيرة جدا نكتفي بتسليط الضوء على نماذج تمثل كلا البعدين في الاخلاق لبيان اثر الفضائل في ترسيخ العلاقات وتماسك المجتمعات، واثر الرذائل في تفكك المجتمعات وانعدام الثقة بين ابنائها.
صلة الرحم، وقضاء حوائج الاخوان صلة الرحم من السنن الالهية المودعة في فطرة الإنسان هي الارتباط الروحي والعاطفي بأرحامه وأقاربه، وهي سُنّة ثابتة يكاد يتساوى فيها أبناء البشر ، فالحب المودع في القلب هو العلقة الروحية المهيمنة على علاقات الإنسان بأقاربه ، وهو قد يتفاوت تبعاً للقرب والبعد النسبي إلاّ أنّه لا يتخلّف بالكلية. وقد راعى الإسلام هذه الرابطة ، ودعا إلى تعميقها في الواقع ، وتحويلها إلى مَعلَم منظور ، وظاهرة واقعية تترجم فيه الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية وعمل ميداني. فانظر كيف قرن تعالى بين التقوى وصلة الأرحام ، فقال : ... « واتّقُوا اللهَ الذي تَساءَلُونَ بهِ والارحامَ إنّ اللهَ كانَ عليكُم رقيباً ». وجعل قطيعة الرحم سبباً للعنة الالهية فقال : « فَهل عَسَيتُم إن تَولَّيتُم أن تُفسدُوا في الأرضِ وتُقطّعُوا أرحامَكُم * أولئكَ الَّذينَ لَعنَهُم اللهُ فأصمّهم وأعمَى أبصارَهُم ». ويقول تعالى أيضاً : (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) . ولأهمية صلة الرحم في التماسك الاجتماعي فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام إلى صلة الأرحام في جميع الأحوال ، وأن تقابل القطيعة بالصلة حفاظاً على الأواصر والعلاقات ، وترسيخاً لمبادىء الحب والتعاون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ الرحم معلقة بالعرش ، وليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها ». وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : (أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أصل رحمي وإن أدبَرَت). وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « صلوا أرحامكم وإن قطعوكم ». ومما جاء في فضل صلة الأرحام في الحديث الشريف أنها خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، وأنها أعجل الخير ثواباً ، وأنها أحبّ الخطى التي تقرب العبد إلى الله زلفى ، وتزيد في ايمانه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة ؟ من عفا عمن ظلمه ، ووصل من قطعه ، وأعطى من حرمه ». وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « أعجل الخير ثواباً صلة الرحم ، وأسرع الشر عقاباً البغي». وقال الإمام علي بن الحسين عليه السلام : « ما من خطوة أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من خطوتين : خطوة يسدّ بها المؤمن صفّاً في سبيل الله ، وخطوة إلى ذي رحم قاطع ». وقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام : « صلة الارحام وحسن الخلق زيادة في الايمان ». ولقد رتّب الإمام علي بن الحسين عليه السلام حقوق الأرحام تبعاً لدرجات القرب النسبي ، فيجب صلة الأقرب فالأقرب ، فقال : « وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة ، فأوجبها عليك حقّ أُمك ، ثم حقّ أبيك ، ثم حقّ ولدك ، ثم حقّ أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأول فالأول ». وأدنى الصلة هي الصلة بالسلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « صلوا أرحامكم ولو بالسلام ». ومن مصاديق صلة الأرحام كفّ الأذى عنهم ، قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « عظّموا كباركم ، وصلوا أرحامكم ، وليس تصلونهم بشيء أفضل من كفّ الأذى عنهم ». قطيعة الأرحام في مقابل الامر بصلة الرحم جاء التحذير الشديد من قطيعة ، لأنها تؤدي إلى تفكيك أواصر المجتمع ، وخلخلة صفوفه ، فحرّم قطيعة الرحم ، وجعلها موجبة لدخول النار والحرمان من الجنّة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم ». وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « اثنان لا ينظر الله إليهما يوم القيامة : قاطع رحم ، وجار السوء ». وقطيعة الرحم موجبة للحرمان من البركات الالهية ، كنزول الملائكة وقبول الأعمال. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم » . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة ، فلا يقبل عمل قاطع رحم ». وقطيعة الرحم من الذنوب التي تعجّل الفناء ، قال الإمام الصادق عليه السلام : « الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم ». ومقابلة القطيعة بالقطيعة ظاهرة سلبية في العلاقات ، وهي موجبة لعدم رضا الله تعالى عن الجميع ، ففي رواية أنّ رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (يا رسول الله ، أهل بيتي أبوا إلاّ توثّباً عليَّ وقطيعة لي وشتيمة ، فأرفضهم ؟) قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إذن يرفضكم الله جميعاً » قال : كيف أصنع ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمَّن ظلمك ، فانك إذا فعلت ذلك ، كان لك من الله عليهم ظهير ».
الآثار الروحية والمادية لصلة الأرحام وقطيعتها لصلة الارحام آثار ايجابية في الحياة الإنسانية بجميع مقوماتها الروحية والخلقية والمادية ، قال الإمام محمد الباقر عليه السلام : « صلة الارحام تزكي الأعمال ، وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسّر الحساب ، وتنسء في الأجل ». وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « صلة الأرحام تُحسن الخلق ، وتسمّح الكف ، وتطيب النفس ، وتزيد في الـرزق ، وتنـسء في الأجـل ». وصلة الرحم تزيد في العمر ، وقد دلّت الروايات على ذلك ، وأثبتت التجارب الاجتماعية ذلك من خلال دراسة الواقع ، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال : « ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم ، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيده الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة ، ويكون أجله ثلاثاً وثلاثين سنة ، فيكون قاطعاً للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين ». والواصل لأرحامه يكون محل احترام وتقدير من قبلهم ومن قبل المجتمع ، وهو أقدر من غيره على التعايش مع سائر الناس ، لقدرته على إقامة العلاقات الحسنة ، ويمكنه أن يؤدي دوره الاجتماعي على أحسن وجه ، وأداء مسؤوليته في البناء المدني والحضاري باعتباره عنصر مرغوب فيه ، وبعكسه القاطع لرحمه ، فإنّه يفقد تأثيره في المجتمع ، لعدم الوثوق بنواياه وممارساته العملية. السعي في قضاء حوائج الاخوان طبيعة الإنسان التي خُلق عليها تقوم على أساس التعامل مع الآخرين وبناء العلاقات الاجتماعيّة المختلفة، سواء كانت علاقة أسريّة أو صداقة أو زمالة ، فكلّ هذه العلاقات لها أهميّة كبيرة في حياة الإنسان، لأنّه لا يستطيع العيش بمفرده وبمعزل عن الآخرين، فهو بأمس الحاجة لوجود كلّ شخص في حياته، فالأهل لهم دور كبير ومؤثر في حياة الشخص، والأصدقاء لهم تأثير من نوع آخر على حياته، فكلّ علاقة من هذه العلاقات لها زاوية محدّدة في جميع جوانب حياة الإنسان. وإلى جانب ذلك تؤكّد الشريعة الإسلامية على تجنّب إساءة أو إهانة أو إيذاء المؤمنين بعضهم لبعض، وذلك بغية التخلّص من حالات الحسد والكراهية والحقد والتباغض وغيرها من السلوكيّات الخاطئة الّتي تقع بين أفراد المجتمع الإسلاميّ. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه". وقد وردت الكثير من الروايات الشريفة الحاثة على قضاء حوائج الناس منها: عن رسول الله صلَّى الله عليه و آله : (من مشى في حاجةِ أخيه ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ، قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من إعتكاف شهرين).وعن أمير المؤمنين عليه السلام : (تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهلهِ فإنَّ للجنَّة باباً يقال له "المعروف" لا يدخله إلا من إصطنعَ المعروف في الحياة الدنيا)، وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله: (إنَّ اللهَ في عون المؤمن ما دام المؤمنُ في عون أخيه المؤمن ومن نفَّس عن أخيه المؤمن كُربةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه سبعين كُربةً من كُرب الآخرة). و قال الإمام الصادق عليه السلام: (واللهِ لرسولُ الله - صلَّى الله عليه و آله - أسَرُّ بقضاءِ حاجةِ المؤمنِ اذا وصلت إليه من صاحب الحاجة). وعنه عليه السلام : (ما قضى مُسلمٌ لمسلمٍ حاجة الا ناداهُ الله تعالى عليَّ ثوابك، و لا أرضى لك بدون الجنَّة )، و قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: ( (إنَّ خواتيم أعمالكم قضاءُ حوائجِ إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم وإلا لم يُقبل منكم عمل، حنُّوا على إخوانكم وارحموهم تلحقوا بنا). فالإسلام دين اجتماعي وهو دين حياة والفة ومن هنا جاء تاكيده على الاخلاق الاجتماعية لان هذه الاخلاق هي التي تشد اواصر المجتمع وتصنع التكافل والتعاون، و الترويج لهذه الاخلاق يشيع الامن والطمأنينة لابناء المجتمع مما يوصلهم الى الحياة السعيدة، وللحفاظ على مكتسبات الاخلاق الفاضلة شن الاسلام هجوما عنيفا وحربا لاهوادة فيها على الرذائل الاخلاقية ومساويء الاخلاق التي تدمر المجتمعات وتجر الى التعدي على حقوق الاخرين وتزيل الثقة بين ابناء المجتمع، وسنقترب من بعض هذه الاخلاقيات الرذيلة وبيان اثارها على الفرد والمجتمع.
أ- اهمية الاخلاق على المستوى القرآني . إن الآيات القرآنية التي تحثّ على الأخلاق الحسنة ليست قليلة، ولعلّ من أهمّها قوله تعالى في أوّل سورة الشمس: وَ نفْس وَماَ سَواهاَ * فأ لهمها فُجُورَهَا وَ تقْوَاهَا * قَد أفْلحَ مَن زَ كاهَا * وَقَدْ خَابَ .( مَن دَ ساهَا}( الشمس 7-8. في هذه الآيات المباركة عدّة نكات مهمّة يبرز من خلالها مدى اهتمام القرآن الكريم بأخلاق الإنسان وما هو منهجه في دعوة الإنسان إلى الأخلاق الحسنة وتحذيره من الأخلاق السيئة. ولعل من أهم هذه النكات ما يلي: اولا : من النوادر القرآنية أن يقدم لجواب القسم بعدد كبير من الأقسام، وقد قدم لجواب القسم هنا، أي قوله تعالى: {قدَْ أَفْلحََ مَن زَ كاهَا *.9- 1) الشمس: 1 ) وَقَدْ خَابَ مَن دَ ساهَا} بستّة أو سبعة أقسام، الأمر الذي يوضح مدى اهتمام القرآن الكريم بجواب القسم هذا، والذي يتضمّن دعوة الإنسان إلى الالتزام بالأخلاق الحسنة وتجنّب السيئ منها ودفعه إلى تزكية نفسه وتحذيره من الدسّ لها. الثانية: أقسم الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الشريفة بالشمس والقمر وبالنهار والليل والسماء والأرض حتى شمل كل عالم المادة هذا العالم المشهود بقسمه عزّ وجلّ، ولم يبق فيه شيء إلا وأقسم به، وكأن هذه الآيات تريد أن تقول والله العالم إن كل عالم الشهادة هو لأجل خلق الإنسان وأنه هو المقصود من خلق هذه الأشياء كلّها. ٹ ٹ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? چ الجاثية: 13. نستنتج من ذلك أن المراد من النفس في الآيات المباركة هي النفس الإنسانية بقرينة قوله تعالى {َقدْ أَفْلحََ مَن زَ هَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَ ساهَا}. فالمقصود ليس مطلق النفس سواء كان نباتاً أو حيواناً أو إنساناً، بل الإنسان وهو المكلّف الذي يترتّب على عمله الثواب والعقاب. الثالثة: أن مفردات الشمس والقمر و النهار و الليل و السماء و الأرض في الآيات المباركة كلها معرفة غير أن مفردة نفس نكرة؛ إذ قال تعالى {وَ نفْس وَماَ سَواهاَ}( 2) ولم يقل والنفس وما سواها ولبيان سبب هذا التنكير، ذكرت عدّة وجوه، لعل أفضلها هو جعل النفس نكرة لبيان عظمتها وفخامتها. فكأنه (سبحانه) يريد أن يقول - والله العالم-: يا أيها الإنسان اعرف نفسك لأنك وإن كنت تعرف كثيراً من الأشياء من حولك ولكنّك لا تعرف أقرب الأشياء إليك وهي نفسك، واعلم أنك بهذه النفس التي خلقتها بيديّ - وهذه نسبة تشريفية- قد أصبحت سيّد عالم الإمكان ومحوره وثمرته بشرط أن تقوم بما يجب عليك القيام به وأن تزكّي نفسك. والخلاصة، أن عالم الإمكان شجرة إلهية والإنسان ثمرتها وأن هذا العالم يدور حول محور الإنسان الكامل، وفي كل هذه المعاني وما سبقها إشارة إلى عظمة النفس الإنسانية وفخامتها. أن الآيات المباركة قد تسلسلت في طرح الأفكار، إذ ورد فيها قوله تعالى: {وَ نفْس وَماَ سَواهاَ}( 2) ومن بعده ورد قوله تعالى: {قدَْ أَفْلحََ مَن زَكاها * وَقَدْ خَابَ مَن دَ ساهَا}( 3). إذ الظاهر أن للنفس الإنسانية في الإيجاد مرتبتين، كما في قوله تعالى: {ا ي خلَقَ فَسَوى}( 4) فأصل الخلق شيء والتسوية شيء آخر. وهذه التسوية هي المنشأ لقبول النفس إلهام التقوى والفجور {فأَ هََْمَها فجُُورَهَا وَ قْوَاهَا}( 5) وإلا فإنها بدون هذه التسوية ليست قابلة لأيّ من الإلهامين. أكّدت الآيتان المباركتان {َقد أفْلحََ مَن زَ هَا َْ * وَقَدْ خَابَ مَن دَ ساهَا}( 1) حقيقة مهمة وهي أن بإمكان الإنسان أن ينمّي نفسه ويكمّلها من خلال طلبه للأخلاق الحسنة، وإلا لو لم يكن ذلك بإمكانه لما أشارت الآيتان إلى فلاح من يزكي نفسه وخيبة من يدّسها. وهذه مسألة ترتبط ببحث الجبر والاختيار، فلو قيل بأن الإنسان مجبرعلى أفعاله، فهذا يعني أنه لن يكون بإمكانه طلب الأخلاق الحسنة اختياراً، فلا معنى لأن يُحثّ على طلبها. غير أن هذا القول تفندّه الآيتان المباركتان من خلال حثهما الإنسان على التخلّق بالأخلاق الحسنة، وهو ما يدل على إمكانية ذلك من جهة، وعلى بطلان فكرة أن الإنسان مجبر على أفعاله من جهة أخرى. عندما يذكر القرآنُ الكريم التاريخَ فإنّه يروي أحداثه كمصدر للتفكّر واخذ العبرة، وينطلق في قسم من دروسه على الأقل من حياة الأمم و الجماعات: ?تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ?. فالتاريخ بحسب القرآن مصعد تعليميّ مثمر ومعطاء، وهو يؤكّد على أمرين: أولاً: يؤكّد على أنّ للتاريخ ضوابط وموازين عامة. فالقرآن رفض بشدّة النظرة العبثيّة إلى التاريخ، وأشار إلى وجود قواعد كليّة وعامّة: ?فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّى سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا? . ثانياً: كما يؤكّد على أن لإرادة الإنسان الدور الحاسم في تعيين مسيرة حركة التاريخ. ويشير القرآن إلى هذه القاعدة التربويّة التي تحكم التاريخ ضمن حقل قوانينه العامة، وذلك حين يؤكّد أنّ البشريّة إنّما ترسم مصيرها بيدها كقوله تعالى: ?إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ?. وباجتماع هذين الأمرين، يتّضح أنّ العطاء التعليميّ للتاريخ هو عطاء عمليّ، ولو اقتصرنا على وجود قواعد وموازين عامة دون أن يكون للإنسان دور فيه لكان عطاؤه نظريّاً محضاً. الهدف من السرد القرآنيّ للأحداث والاخلاق التاريخية. من هذا المنطلق يسرد القرآن الوقائع التاريخيّة، أي يبيّنها للإستفادة واخذ العبرة منها؛ فإنّه على مسرح التاريخ القرآني عندما يبرز دور للمستكبرين في مقابل دور المستضعفين، وينشب الصراع بين هاتين الفئتين، متخذاً طابعاً إنسانيّاً لا ماديّاً طبقيّاً، فإنّ هذه الأحداث تقع في خانة الصراع الدائم والمستمر بين قوى الحقّ وقوى الباطل. بهذا الشكل يعطي القرآن العوامل الأخلاقية والإجتماعية دوراً رئيساً في مسيرة التاريخ، ويؤكّد في الوقت ذاته أنّ الصراع بين الفريقين ذو هويّة معنويّة إنسانيّة لا ماديّة طبقيّة. هكذا نفهم الصراع بين النبي إبراهيم عليه السلام والنمرود، وبين النبي موسى عليه السلام وفرعون... فإنّ القرآن يرسم هذه الصراعات بناءً على أنّ لكل عصر نمروداً أو فرعوناً، ولكلّ نمرودٍ وفرعونٍ إبراهيمَ وموسى... وفي هذه الصراعات ينتصر الحقّ حيناً والباطل حيناً آخر. فيدعونا القرآن إلى الإستفادة من عِبر هذه القصص. نستوحي من الآيات القرانية، أنّ الخُلق السّامي الإنساني، لا يقتصر تأثيره على السّلوك المعنوي والاُخروي للإنسان فحسب، بل له الأثر الكبير في الحياة الماديّة والدنيويّة للبشر، يقول تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا( ، وعليه لا ينبغي أن نتصور أنّ المسائل الأخلاقيّة، مُنحصرة بالفرد وَحده على حساب الحياة الإجتماعية، بل العكس صحيح فالأخلاق على علاقة قويّة ووطيدة مع الحياة الإجتماعيّة، وأيّ تحوّل إجتماعي في واقع الحياة البشرية، لا يمكن أن يحصل إلاّ على أساس التّحول الأخلاقي. ولعل ما يقصد بالسقوط الحضاري من خلال القرآن ليس هو دائماً زوال الأمم من الوجود وفناء أفرادها في العدم ولكن ما يغني بالسقوط الحضاري هو الانهيار الداخلي للمجتمعات وذهاب قوة الأمم وعزتها وهوانها على الأمم الأخرى، ذلك عندما تذوب في غيرها وتنمحى شخصيتها المعنوية والروحية وهذا ما هو كائن في حياة الأمم التي سقطت حضاراتها. والثابت في تاريخ الإنسانية أن الأمم التي شهدت تلك الإمبراطوريات والحضارات الغابرة لم ينقرض نجمها ويندثر كيانها البشري كلية، وإنما ضعفت واستكانت وغاب تأثيرها المباشر في مسرح الحياة الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فاستوعبتها حضارات أمم أخرى هي أشد وأبقى حتى صارت جزءاً منها لا ينفصل، وأنشئت على أنقاض كيانها الحضاري حضارات جديدة تسلمت علم الريادة ووساد السيادة. وسنة الله تعالى جرت أن يعامل البشر حسب ما عملوا، وهذا بصريح قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فالله عز وجل لا يزيل ما بقوم من العافية والنعمة، والرخاء، والهناء ويبدلها بالآلام والأمراض والنوازل والفتن والأحداث وغيرها من ضروب العقاب الرباني حتى يزيلوا هم ويغيروا فيجحدون النعمة ويعلنون الكفر والمعاصي ويتمردون عن سنن الله في إسعاد البشر ويتظاهرون بالفحش والمنكر والفساد، فتكون النتيجة أن تحل بهم قوارع الدهر، وينزل بساحتهم عذاب من الله. وآفة الحضارات الجانحة التي نقرأ عنها في بطون التاريخ، أو نجد بقاياها وأطلالها منثورة على جنبات الأرض هي الفساد أو الإفساد في الأرض بكافة أشكاله وأنواعه فساد العقيدة ـ الشرك ـ فساد العلاقات بين أفراد الأمة بترك التوادد والتعاون، مما يؤدي الى العداء والتباغض ثم الظلم، وفساد النفوس بالغرور والتكبر والعجب وهذا هو الفساد الذي ظل القرآن الكريم يكرر الحديث عنه، ويكثر التحذير منه ويلفت نظر الإنسان إلى مغبات التورط في أسبابه وينبه إلى الرزايا والمصائب التي لابد أن يتحملها الإنسان على أعقابه وما فسدت هذه الأرض يوماً ما بعادية من عوادى الطبيعة ولا بسوء آخر ألم بها من هياج الحيوانات والوحوش، وإنما استشرى فيها الفساد وألم بها البلاء يوم تاه بنو الإنسان وخرجوا عن هواياتهم وطبيعتهم وحقيقة خصائصهم البشرية فتأله الأقوياء وذل الضعفاء، وخرج بذلك كل فريق عن حدود إنسانيته، ذلك نحو التعالى والتجبر في الأرض وذاك نحو الخنوع، فتمت بذلك قصة الفساد في الأرض وهي قصة قديمة تتكرر أسبابها أو عواملها في الإنسان ذاته. فالثابت تاريخياً انه ما انتصرت أمة أو انهزمت إلا بفعل العوامل والأسباب الداخلية، وما العوامل الخارجية إلا متممة ومكملة للداخلية، ومن سنة الله في البشر أن كل ما يصيبهم من بلاء وأذى في الأنفس والأبدان وشئون الملك والسلطان إنما هي آثار للأعمال ونتائج للسلوك الفاسد، مع وجود عفو الله الكثير كما قال تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، وتبقى سنة الله ثابتة تعمل عملها في حركة التاريخ، والله يتخذ من الظالمين والمترفين وأهل الشرك والضلال وغيرهم من كل ذوى الفساد والانحراف أدوات ووسائل يسوق بها القرى والدول والحضارات والأمم والمجتمعات نحو الفواجع والمصائر الكالحة. والقرآن الكريم يطرح على الإنسانية قضية السقوط الحضاري من أوسع الأبواب وأكثرها شمولاً، بصيغ عديدة واصطلاحات كثيرة كلها تؤدي إلى حالة واحدة بالأمة وهي الهلاك والسقوط. فالظلم مثلا عامل من أكبر عوامل سقوط الحضارات وله مفهوم شامل وعريض يؤدي إلى فقد التوازن في كافة مجالات الحياة، وعلاقات الإنسان مع نفسه ومع الله ومع غيره، وعن هذا تنبثق حالات وظواهر نفسية واجتماعية واقتصادية مرضية وتصورات فاسدة عن الوجود كله، فيعم الفساد الحياة الإنسانية كافة، كما قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون). "ظهر الفساد في البر والبحر" نحو القحط والجدب، وقلة البركة في الزراعة والتجارة، وكثر الحرائق والغرق،" بما كسبت أيدى الناس" أي بسبب معاصيهم وذنوبهم، وأن الله أفسد بعض أسباب دنياهم ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة والحكمة "لعلهم يرجعون" بمعنى لكي يرجعون عما هم عليه وحتى ينجو من عذاب الآخرة، وهو العذاب الأكبر، ثم أمر الله الأمم أن تسير في الأرض وتنظر لترى كيف أهلك الله إمما كانت على الظلم وأذاقها سوء العاقبة بمعاصيهم. ودل قوله تعالى (كان أكثرهم مشركين) على أن الشرك لم يكن هو السبب الوحيد لتدمير القرى والأمم بل هو سبب إلى جانب أسباب أخرى. و الآيات القرآنية تكشف عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية عامة، بأعمال الناس وسعيهم، وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم، وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملأها براً وبحراً به، فظهور الفساد في البلاد واستفحال شره لا يتم عبثاً، ولا يقع صدفة، وإنما يكون وفق سنة جارية وحكمة مدبرة، وهي (ليذيقهم بعض الذي عملوا) من الشر والفساد والمنكر والباطل والظلم.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|