انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثالثة عشرة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       02/12/2018 06:18:31
حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد.
وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية.
ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام.
وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها.
وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب.
وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي.
وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر.
والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية.
إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme.
أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها.
وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي.
ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل.
وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية.
ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان.
ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته.
على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر.
تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر.
وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك.
وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية.
وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين.
أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها.
وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم.
ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى.
وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم