انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة احمد حسين حسن السعدي
02/12/2018 05:55:07
المحاضرة العاشرة:
حد فنون النثر التي انتشرت في العصر العباسي وبشكل كبير وهي أنواع : أ-الرسائل الديوانية : وتعد هذه الرسائل من أهم ما كتب في العصر العباسي لأنها مرتبطة بسياسة الخليفة وما يحتاجه من مراسلات مع الولاة والقادة ، ويشترط فيمن يكون قيما أن تكون لديه خبرة واسعة في الكلمة وفي فهم التاريخ والدين والواقع ، إذ إن من كان يستوزر برئيس للديوان كان يحظى بمنزلة رفيعة ، ومن هنا كان معظم الوزراء من المقتدرين علمياً وثقافياً وأدبياً ولغوياً ، وأهم موضوعاتها: وقد تناولت الرسائل الديوانية النقاط التالية: 1- أعمال الدولة . 2- البيعة للخلفاء . 3-الفتوح والجهاد. 4- تولية الولاة . 5- تعين ولاة العهود . 6- مواسم الحج والأعياد. 7- أمور الرعية المنقولة إلى الخلفاء. -وأبرز من كتبوا في هذا الفن : عمارة بن حمزة 1– اسماعيل بن صبيح 2– محمد بن الليث. وقد بلغت الرسالة الديوانية في عصر المأمون الذروة مركزة على : 1-العناية بالجمال الفني . 2-التدقيق في المعاني بشكل كبير . يقول اسماعيل بن صبيح في رسالة باسم الخليفة الرشيد إلى الولاة بمبايعة الأمين والمأمون من العهد بعده وتعليق هذا العهد في بيت الله الحرام : "وقد كان من نعمة الله عز وجل عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوامِّ المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أملت الأمة ومدت إليه أعناقها، وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبة لقوام أمورهم ، وصلاح دهمائهم حتى ألقوا إليهما أزمتهم وأعطوهما بيعتهم بالعهود ووكيد الأيمان المغلظة عليهم أراد الله فلم يكن له مردٌّ ، وأقضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته ". ب-الرسائل الإخوانية : وهي الرسائل التي تصور عواطف الأفراد ، وما يفعل في نفوسهم من رغبة ورهبة ومديح وهجاء وعتاب واعتذار كما في رسائل ابن المقفع " الأدب الكبير والأدب الصغير" . وما جاء بهما من تصوير للأخوة والصداقة ، كما في مناسبات الزواج والظفر على الأعداء وغير ذلك من الأمور ، وقد تميزت هذه الرسائل بدقة التصوير للمعاني والتعبير عنها بأساليب جديدة. يقول إبراهيم بن الهدي في رسالة يهنئ فيها المعتصم في انتصاره في عمورية: "الحمد لله الذي تم لأمير المؤمنين غزوته ، فأذل بها رقاب المشركين وشفى بها صدور قوم مؤمنين ، ثم سهل الله له الأوبة سالماً غانماً ". ج- الرسائل الأدبية: وهي فرع نما من دوحة الرسائل الإخوانية ، يتناول النفس الإنسانية ، ويصور أهواءها وأخلاقها، ويوضح طريقها كي لا تسقط هذه النفس في مهاوي الشر . وقد برز من كتّاب هذا النوع : 1-يحيى بن زياد – 2-بن عبد الحميد. -يقول يحيى بن زياد راداً على رسالةٍ لابن المقفع في انعقاد الأخوة: "فنسبنا الإخاء فوجدناه في نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء ، فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى البر ، فوجدناه محتوياً على الكرم والنجدة والصدق والحياء والنجابة ".
أبرز الخصائص التي تختص فيها الخطابة ما يأتي: الإقناع بالدليل واستخدام الحجة الواضحة، والموعظة الحسنة. الجنوح إلى الوضوح الذي يُبين قصد الخطيب من خطبته. البعد عن التضليل والعبارات الغامضة. السهولة التامة والوضوح في نص ومحتوى الخطبة. استخدام أسلوب المجاز في نقل رسالة الخطبة إلى الجمهور. اجتناب التكلف والتصنع قدر الإمكان. التوسط بين الإيجاز والإطناب. التنويع في الصيغ المستخدمة في الخطبة. استخدام القصص القرآنية والتاريخية. الخطابة: ويراد بها الخطب التي تلقى في المواسم الكبار ،والمحافل العظام ، وفي مجالس الخلفاء والملوك والأمراء ، وفي الأندية العامة أو الخاصة ، لغرضٍ من الأغراض التي تتعلق بالحياة ومظاهرها الاجتماعية.وإذا كانت هذه الخطب تعب عن الظواهر الاجتماعية وما يتعلّق بأحوال المجتمع فإنِّها لا تقتصر على موضوعٍ واحد، فقد تعددت مضامينها تبعاً للظروف والمناسبات الداعية إليها، ومن هذه المضامين التي تناولتها: خطب الوفود تلقى هذه الخطب في مجالس الخلفاء والولاة ، وقد عرفت عند القدماء (بخطب بين السماطين)، و (بخطب المقامات ولا تخلو هذه الخطب من جمال التعبير ، يحرصون أشدhلحرص على تد بيج خطبهموإعدادها إعداداً يجنِّبهم الوقوع في الرتج (إنَّها مقامات فضلٍ، ومشاهد حفل ، يتخي لها الكلام ، وتستهذب الألفاظ ،.( وتستجزل المعاني) والأغراض التي تناولتها خطب الوفود كثيرة تمّثل غايات واتجاهات شتّى تنصب حول الثناء والتهاني والشكر والشكوى والاستعطاف والوصف وما إلى ذلك من مقاصد وأغراضٍ أخرى....ومن أشهر الخطب في غرض الاستعطاف خطبة تميم بن جميل السوسي ، وكان تميم قد خرج بشاطئ الفرات على المعتصم ، واجتمع إليه كثير من الأعراب فعظم أمره وبعد ذكره ، فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه، فبد?د جمعه وظفر به فحمله موثقاً إلى المعتصم ، فل ما مثل بين يديه دعا المعتصم بالنطع والسيف فأحضرا ، فجعل تميم ينظر إليهما ولا يقولُ شيئاً ، وكان جسيماً وسيماً ورأى المعتصم، أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره فقال: يا تميم إن كان لك عذر? فأت? به ، أو حجة فأدلِ بها ، فقال: أم إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول : (الحمد? الله الذي أحسن كلَّ شئٍ خلَقه ، وبدأ خلق الإنسانِ من طين ، ثم جعل نسَله من سلالة? من ماء? مهين ، يا أمير المؤمنين إ ? ن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة ، وتُع م ي الأفئدة الصحيحة ، ولقد عظمت الجريرة ، وكبر الذنب ، وساء الظن?، ولم يبَ ق إلاَّ عفوك أو انتقامك ، وأرجو أن يكون أقربهما منك ، وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك ، وأشبههما بخلافتك ؛ فتبسم المعتصم وقال : كاد والله يا تميم أن يسبق . السيف العذل، اذهب فقد غفرتُ لك)فهذه الخطبة على قصرها تنبئ عن براعة تميم وقدرته الخطابية على إقناع خصمه بما أبداه? من اعتذارٍ مشوبٍ باستعطاف? رقيق جاء مفعماً بعاطفة? متقدة ، ومشاعر جياشة تسعفه في عطف القلوب عليه، واستمالة النفوس إليه. ومن خطب الاستعطاف أيضاً خطبة عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 ه) في مجلس القاضي أحمد بن أب ي د?ؤَاد، وكان الجاحظ منحرفاً عن القاضي ، كثير الطعن عليه ، فح?م?ل من البصرة م?قي?داً، وفي عنقه سلسلة ، وعليه قميص? سمل فل ? ما مثل بين يدي القاضي وبخه وعّنفه ، فقال الجاحظ: (خّفض أيدك الله فوالله لأن يكون لك الأمر علي?، خي ? ر من أن يكون لي عليك ، ولأن أسيء? وتُ ? حس?ن أحسن? في الأحدوثة عليك ، من أحسن? وتسيء، ولأ ? ن تعفُو عنِّي في حال ق درتك، أجمل بك? من الانتقام مني ، فقال القاضي: والله ما علمتك إ ّ لا كثير تزويق الكلام ث? م عفا .( عنه والتعازي من الموضوعات التي تندرج? ضمن خطب الوفود، وغاية الخطيب فيها أن يقدم? التعزية إلى الخلفاء والولاة ومواساتهم على فقيدهم ، ومن جيد الخطب التي في هذا الغرض خطبة يحيى بن منصور التي عز?ى بها سليمان بن علي الهاشمي بوفاة ولده ، وقد جزع سليمان عليه جزعاً شديداً ، فجعل الناس يعز?ونه فلا يحفل بذلك فدخ ل عليه يحيى بن منصور ، فقال : (عليكم نزل كتاب الله، فأنتم أعلم بفرائضه، ومنكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أعرف بسن ته، ولستُ ممن ي?علِّم? من ج? ? هل ، ولا ي?قو?م? من ع?و?ج ، ولكنِّي أع ز?يك? ببيت? من الشعر ، قا لَ: :( هاته، قال : ما ألقى من الوجد أنَّني أساكنُه? في دارِه? اليوم?، أو غدا ويجن ? ح الخطيب إلى الجمع بين التهنئة والتعزية ، وهذا الأسلوب (أصعب مسلكاً من الجمع بين النسيب والحماسة .( لشد?ة التناقض بينهما)ومن النماذج التي جمعت بين التهنئة والتعزية خطبة ابن عتبة التي ألقاه ا في مجلس المهدي بن المنصور يهنئه بالخلافة ويعز?يه بموت أبيه المنصور : (آجر الله أمير المؤمنين قبله ، وبارك لأمير المؤمنين فيما خلفه له أمير المؤمنين بعده ، فلا مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين ، ولا عقبى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين ، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل الع طية، واحتسب عنده أعظم . ( الرزية) ويتّضح من هذه الخطبة حرص الخطيب على إظهار مشاعر الحزن والفرح في آنٍ واحد ؛ فهو يعز?يه عن فقد أبيه، ويهنئه بالخلافة التي عد?ها منحة إلهية ، ثم يطلب منه أن يشكر الله على هذه العطية، وأن يصبر على ما أصابه. ومن خطب التعازي أيضاً خطبة عبد الملك بن صالح الهاشمي يعز?ي بها هارون الرشيد على موت ابن له (سر?ك الله يا أمير المؤمنين فيما أساءك ، ولا ساءك فيم ا سر?ك ، وجعل هذه بهذه مثوبةً على الصبر ، وجزاء? على .( الشكر)من مضامين خطب الوفود خطب الوصف ، وقد عالجت هذه الخطب موضوعات وصف ي ة كثيرة ، كان أبرزها : وصف الرجال بما لهم من مزايا وصفات ، وكذلك وصف الأشجار والثمار والطعام ، وقد افت ? ن الخطباء في وصف هذه الموضوعات ونعتها وقد برزت من خلالها براعتهم الخطابية، ومن جيد الخطب التي وصلت إلينا خطبة شبيب بن شيبة المنقري التي يصفُ بها صالح بن أبي جعفر المنصور، وكان المنصور أقام صالحاً يتكّلم ، فقال شبيب واصفاً بلاغته وفصاحته (ما رأيت كاليوم أبين? بياناً ، ولا أجود لسانا ً، ولا أربط ج?ناناً ، ولا أبلَّ ريقاً ، ولا أحسن .( طريقاً، ولا أغمض عروقاً من صالح)ومن خطب الوصف أيضاً خطبة خالد بن صفوان التي يصفُ بها بني الحارث بن كعب أخوال أبي العباس السفاح ، وقد طلب السفاح منه ذلك في مجلس ض ? مهم ، فقال خالد (هم هامةُ الشرف ، وعرنين? الكرم ، وغرس الجود ان فيهم لخصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم : إّنهم لأطولهم أمماً ، وأكرمهم شيما ً ، وأطيبهم طعاماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً ؛ الجمرة في الحرب ، والوفد عند الجدب، وهم الرأس في كلِّ خطب ، وغيرهم بمنزلة .( العجبوواضح ما في هذه الخطبة من جمال العرض ، وق ? وة التأثير، وحضور البديهة ، كما تُنبيء عن اقتدار خالد في وصف أخوال السفاح ، وتصوير كرمهم ، ونبل أصلهم ،ووفاء ذم مهم، وشجاعتهم في الحرب ، معتمداً في ذلك على حلية السجع التي تترك أعمق الأثر في نفوس السامعين ، لما يتوافر فيه من نغمٍ إيقاعي ينسجم مع الذوق. 2) خطبة النكاح : والفكرة العامة في هذه الخطب هي إقناع ذوي الفتاة بمن يرغب الأصهار إليهم ، ومن عيون الخطب التي وصلت إلينا في هذا المجال ، خطبة الخليفة المأمون ل ? ما أراد أن يزو?ج? ابنته من الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال : (الحمد? الله الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إ ّ لا هو إقراراً بربوبيته ، وصلى الله على محمد عند ذكره، أما بعد ، فإن? الله قد جعل النكاح د يناً ورضيه ح?كما وأنزله وحياً ؛ ليكون سبب المناسبة ، ألا وإنِّي قد زو?جتُ ابنة المأمون من علي بن موسى ، وأمهرتها أربعمائة درهمِ إقتداء? بس?نّة? رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاء? .( إلى ما درج عليه السلف، والحمد الله رب? العالمين)أكد? الخطيب في هذا النص أهمية الزواج ، ومقدار ما يبذله الخاطب من الصداق ، كما أشار إلى حسن الاختيار ،وحسن الظن بالخاطب ، ولاسي?ما إذا كان من ذوي القربى ، فهو أعرف بمزاياه وفضائله من غيره. ومن خطب هذا اللون خطبة شبيب بن شيبة المنقري حين زو?ج ابنه من ابنة سوار بن عبد الله الق اضي ، فقال (الحمد لله ، وصلى الله على رسول الله ، أ ? ما بعد : فإن? المعرفة منّا ومنكم ، بنا وبكم ، تمنعنا من الإكثار، وإن? فلاناً .( ذكر فلانة)فهذا النص? قد جاء في غاية الإيجاز ، وفيه إشارة إلى الرغبة الملحة بالزواج ، وقد جمعتهما معرفة بعضهما ببعض مما جعل الخطيب يستغني عن الإطالة في الكلام. وإذا اقتنع أهل الفتاة بالخاطب رد?وا عليه رد?اً حس ن اً ومن جيد الخطب في هذا المضمار خطبة الفضل بن عيسى الرقاشي إلى ق ومٍ من بني تميم ، وقد خطب لنفسه ، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال (توسل َ ت بحرمة ، وأدليت بحق ّ،واستندت إلى خير ، ودعوت إلى س?نّة ، ففرضك مقبول ، وما .( سأل َ ت مبذول، وحاجتك مقضية إن شاء الله 3 خطبة التأبين: وهذه الخطبة تلقى عادةً في المقابر أو مجالس العزاء لمواساة ذوي الفقيد بفقيدهم ، والفكرة العامة فيها هي تصوير الفاجعة التي حّلت بذوي الفقيد، والإشادة بفضائل الفقيد، وذكر محاسنه ، على أن? (مجال القول في هذا الباب واسع للخطيب المقتدر الذي يتلاعب بالألفاظ والمعاني دون أن يغرق في المبالغة ، أو الإطالة في .( التكرار)من جيد ما انتهى إلينا من خطب هذا اللون خطبة عمر بن ذر? بن عبد الله الهمداني (ت 153 ه)، وقد وقف على قبر ولده ذ ? ر ، فقال مؤبناً له : (يا ذر ?، إّنه قد شغلنا الحز ? ن عليك ؛ لأنا لا ندري ما قلت ؟ ، وما قيل لك ؟ ، الله ? م إّني قدوهبت ل ? ه ما ق ص?ر فيه مما افترضه عليه من حّقي ، فهب له ما قص?ر فيه من ح ّقك، واجعل ثوابي عليه له، وزدني من فضلك، إّني إليك من الراغبين ، فل ? ما أراد أن ينصرف قال :يا ذر ? قد انصرفنا عنك وتركناك ، ولو أقمنا ما .( نفعناك)(هذا النص يحملُ في ط?ياته آلاماً وأحزاناً حّل َ ت بوالد الفقيد الذي مضى يصوغ أفكاره وأحاسيسه عبر هذه الكلمات الرقيقة التي يود?ع? بها ثمرة فؤاده الذي فارقه بلا عودة وترك في نف سه أعمق الأثر ، وأن ليس له إ ّ لا أن يعتصم بالجلد ، ويحتسب ولده عند الله لينالَ به أجر الصابر الفاقد الذي ه ?ده المصاب بفقده.ومن خطب هذا اللون أيضاً خطبة صالح بن بشر الم ? ري(ت 172 ه) يؤ?بن بها شبيب بن شيبة امنقري يوم موته :(رحمة الله على أديب الملوك ، وجليس ا لفقراء ، وأخي .( المساكين ومن خطب هذا اللون أيضاً خطبة جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله على قبر أخيه محمد فقال : (اللهم ، إّني أمسيتُ أرجوك? له ، وأخافك عليه ، الله ? م فص?دق رجائي ، . ( وأم?ن خوفي، إّنك على كلِّ شيء? قدير)( ثانيًا الخطابة الدينية: للخطابة الدينية أثر? كبير في حياة المسلمين ، فمن خلالها يستطيع الخطباء أن يو ? جهوا الناس إلى تقوى الله وحب?ه وطاعته وخشيته ، بما يغمر قلوبهم ومشاعرهم ؛ لأنها صادرة عن قلوبٍ مفعمة بالصدق والإخلاص.والخطابة الدينية (تلك التي شرع الإسلام لها وقتاً معلوماً في يوم ال جمعة والعيدين ، وفرض الاستماع لها دوكانت الأداة المعب?رة في المناسبات الدينية ، وفي كلِّ أمرٍ .( جامع ويجد? الخطيب? في هذا اللون من الخطابة متنفساً له في إثارة عواطف السامعين ، وترغيبهم في الخير ، وتنفيرهم من الشر?، فهي (تصلهم بالخالق سبحانه وتعالى وتعلو بهم عن الأرض إلى السماء،وتبصرهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، فالخطيب يتكلم من قبل الله ، والموضوع ديني وروحي ، وثمرة الخطبة سعادة الفرد والمجتمع ، .( وتمجيد الله وطاعته، وابتغاء الخير وتقوم الفكرةُ العامة في هذا اللون من الخطابة الدينية على الوعظ وا لتذكير، وغيرها من المعاني التي تسهم في إبراز الصورة التي يريد الخطيب عرضها وإيضاحها للناس، ولا شك? إن? الوعظ والتذكير له أثره الواضح ، ومكانته البارزة في حياة المسلمين ، فهو من دعائم الإسلام ؛ لهذا نجد الخطيب في هذا اللون م ن الخطابة يلجأ إلى وعظ الناس وإرشادهم، وتحذيرهم من فواتن الدنيا، والانسياق وراء ملذاته ا، كما يلجأ إلى التذكير بالموت واليوم الآخر ، وما ينتظر الإنسان من عقاب ثواب.أم?ا ما تناولته الخطابة الدينية من مضامين فهي كثيرة تكاد تنحصر في: 1- خطبة صلاة الجمعة: وهذه الخطبة تنوب? عن نصف الفرض ، وتح لُّ محلّ ركعتين في صلاة ظهر يوم الجمعة ، ولهذه الخطبة (مقام? عظيم، وخطر? جليل ، وهي ركن? من أركان الحق ّ ، وشعيرة .( من شعائر الهدى، ومنبر? للتوجيه والإصلاح)ومن جيد ما انتهى إلينا من خطب صلاة الجمعة خطبة المأمون العباسي التي يستهلُّها بالتحميد والتمجيد ، ثم ينتقل إلى الحث على التقوى ، والعمل الصالح ، إذ ليس للإنسان سبيلٌ ينجو به سوى الاعتصام بالله ، والتمسك بطاعته ، يقول: (أوصيكم عباد? الله ونفسي بتقوى الله وحده ، والعمل لما عنده ، و التنج?ز لوعد?ه ، والخوف لوعيده، فإنّه لا يسلم .( إلاّ من اتقاه? ورجاه، وعمل له وأرضاه نجد المأمون في هذا المقطع من الخطبة يوصي بالتمسك بتقوى الله وإتباع أوامره ، واجتناب نواهيه ؛ لأ ? ن تقوى الله خير زاد? يتق ? رب به العبد إلى ر?به ، ث? م يستطرد المأمون في هذه الخطبة إلى الحديث عن الدنيا ومتاعها الزائل ، وما يجري على أهلها من ن وازل المكروه ، ولواحق المحذور ، والتذكير بالموت ، فيقول : (فاتقوا الله عباد الله ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم ويفنى ، وترح?لوا عن ال?دنيا فقد ج?د بكم ، واستعد?وا للموت فقد أضلكم ، وكونوا كقومٍ ص?يح فيهم فانتبهوا، وعلموا أ ? ن الد?نيا ليست لهم بدارٍ فاستبدلوا ، فإ ? ن الله ع ? ز وجل لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترككم ? سد?ى، وما بين أحدكم وبين الجّنة والنار إ ّ لا الموت أن ينزلَ ب ه ؛ وإ ? ن غايةً َتْنقُصها اللحظة ، وتهد?مها الساعةُ الواحدة ، لجديرٌة بِقصر الم?د?ة ؛ وإن? غائِباً ي? ? حد?وه? الجديدان الليل والنهار لجدير? بِس? ? رعة الأوبة ، وإ ? ن قاد?ماً ي?ح?ل بالفوز أو بالشقوة لم? ? سَتحق لأفضل الع?د?ة ، فاتقى عبد? ر?به، ونصح نفسه......).ولا يخفى ما تحمله هذه الأسطر من التنفير من ال?دنيا ومتاعها الزائل ، والتحذير من فواتنه ا ، وعدم الوثوق بها ؛ لقصر مد?تها ، وقّلة متاعها ، وسرعة تقّلبها بأهلها ، وإ ? ن دنياً نهايتها الموت لجدير? بالمرء أن يزهد فيها ، غير أ ? ن النفس أمارة بالس?وء تدفع بصاحبها إلى إتباع الهوى ، وطلب اللذات، إن? ما يثير الدهشة هو شد?ة الحرص على هذه الدنيا والتمسك بها مع أ ? ن نعيمها زائل مهما طال عمر الإ نسان فيها. وعلى منوالها جاءت خطبة محمد بن سليمان ا لهاشمي وهي من خطب يوم الجمعة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : (من يعتصم بالله ورسوله ، فقد اعتصم بالعروة الوثقى ، وسعد في الأولى والآخرة ، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً ، وخسر خسراناً مبيناً، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ي?طيعه وي?طيع رسوله ، ويتبع .( رضوانه، ويتجّنب خطه. خطبة صلاة العيدين.__
وخطب الأعياد لا تكاد تختلف في مضمونها عن خطبة صلاة يوم الجمعة ، فالفكرة العامة تدور حول الوعظ والتذكير، والحثّ على طاعة الله وخشيته ، واجتن اب معاصيه، ومن خطب هذا اللون خطبة المأمون في عيد الأضحى، قال بعد التكبير والتحميد : (إن? يومكم هذا يوم? أبان? اللهُ فضله ، وأوجب? تشريفه ، وعظّم ح?رمته ، ووفَّق له من خلقه صفوته ، وابتلي فيه خليله ، وفدى فيه بالذبح العظيم نب?يه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من ( العشر......سترسل المأمون في ذكر فضائل هذا العيد ، الذي شر?فه الله وعظّم حرمته ، وينتهي بالخطبة إلى ذكر الموت ، فيقول: (وما من بعده إلاّ الجنة أو النار ، عظم قدر الدارين ،وارتفع جزاء العملين ، وطالت مد?ة الفريقين . الله الله ، فو الله إنّه الجد ? لا اللعب، والحق لا الكذب ، وما هو إلاّ الموت والبعث والميزان والحساب.....).ومن جيد الخطب خطبة الواثق بالله هارون بن المعتصم (ت 232 ه) التي خطبها في عيد الفطر ولم يصل إلينا منها إلاّ هذا ا لمقطع الذي يتضمن الوعظ والتذكير ، يقول : (م ? ن اتبع? هواه? شر?د عن الحقّ ومنه اجه، والناصح من نصح نفسه وذكرها ما سلف من تفريطه فظهر في ني?ته ، وثاب? من غفلته ، فورد أجله ، وقد فرغ من زاده لمعاده ، .( وكان من الفائزين 2) خطب الاستسقاء: وهذا اللون من الخطب الدينية يلقى عند انقطاع الغيث ، وحلول الجدب ، ولا يجد? الناس سبيلاً سوى الخروج إلى صلاة الاستسقاء، والتضر?ع لله عز? وجل ، ولا نكاد نظفر إلاّ بخطبة واحدة من هذا اللون ، وهي خطبة الإمام علي بن موسى الر?ض ا (ت 203 ه)، وقد خرج ومعه الناس إلى صلاة الاستسق ا ء، بعد انقطاع الغيث ، فقال بعد أن حمد الله واثني عليه : (اللهم? يا رب? ! أن َ ت عظ م َ ت حقّنا أهل البيت فتوس?لوا بنا كما أمرت ، وأم?لوا فضلك ورحمتك ، وتوقعوا إحسانك ونعمتك ؛ فاسقهم سقياً نافعاً عاماً، غير رائث? ولا ضائر ، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم ، فجاءت السماء بالمطر .( ما ملأت الأودية والحياض والغدران في هذه الخطبة ي? ظهر الإمام تض ? رعه لله واستغاثته به ، فهو القادر على كلّ شيء راجياً منه ع ? ز وجل أن لا يخ?يب أمله ، ولا يقط ع رجاءه ؛ فهو من أهل بيت جعلهم الله للناس رحمة ووسيلة للتق ? رب بهم إليه ؛ لما لهم عنده من عظيم الزلفى، وجليل المنزلة. ثالثًا الخطابة السياسية: ازدهرت الخطابة السياسية في أوائل هذا العصر ازدهاراً كبيراً بتأثير الأحداث السياسية ، واشتداد الأزمات وتتابعها، ولا ريب إن? هذه الأحداث قد أذكت جذوة الخطابة السياسية، وكان لابد? لها أن تزدهر? ويتعاظم شأنها ، ويت ? سعنطاقها. انتزع العباس ?يون الخلافة من بني أمية بح ?د السيف ، وقد أدركوا أن? استيلاءهم على السلطة بالقوة يعني أ ? ن الأمور لن تستتب? لهم ، ولن تسير على وفق ما يريدون ، ما دام هناك من يعارض حكمهم ، ولدعم موقفهم السياسي ، و اثبات حقّهم الشرعي في الخلافة بما يوجب لهم الطاعة من الرعية، ويضم ن لهم عدم الخروج عليهم ؛ فإّنهم لجأ إلى نظرية الحقّ الإلهي التي تمنح الخليفة العباسي ح ّفممارسة السلطة المطلقة ، وهذا ما نجد?ه? واضحاً على لسان أبي جعفر المنصور حيث ن ? صب نفسه سلطان الله في أرضه، وحج?ته على خلقه، وأّنه يسوس الناس بتوفيق الله وتأييده، وأنّه ا لحارس الأمين على خزائنه ، إلى غير ذلك من الصلاحيات التي خ ? ولته هذه النظرية من التص ? رف في شؤون الخلق ، يقول : [ (أي?ها الناس ، إّنما أنا سلطان ا لله في أرض?ه?، أس?وسكم بتوفيقه ، وتسديده ، وتأييده ، وحار ? سه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته ، وأعطيه بإذنه ؛ فقد جعلني الله عليه قفلا ً ، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم ، وَق ? سمِ أرزاقكم ، وإذا شاء أن ي?قف?لني عليها قفلني ، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول : ((اليوم أ ْ كم?لتُ لك ? مد?يَنكُ ? م وأْتم? ? متُ عليك ? م ن? ? عم?تي ورضيتُ لك ? م الإسلام ديناً ))، أن ي?و?فَِّقني للر?شاد والصواب، وأن ي?ْلهمني الرأفة بكم ن .( والإحسان إليكم ويرى بنو العباس أن? الله اصطفاهم للخلافة دون سواهم، وأن? وصولهم إلى سد?ة الحكم إنّما هو ثمرة سيوفهم التي قتلوا بها أعداءهم من الأ مويين، على نحو ما يتضح? في خطبة أبي العباس السفاح حين بويع بالخلافة حيث يتح ?دثُ فيها عن الخلافة ، وعن حقّهم الشرعي فيها الذي بز?ه بنو أمية منهم (ثم? وثب? بنو حربٍ ومروان فابتز?وها وتداولوها بينهم ، فجاروا فيه ا ، واستأثروا به ا،وظلم?وا أهَله ا، فأملى اللهُ لهم حيناً حتّى آس?فوه ، فلم?ا آس?فوه انتقم? منهم بأيدين ا ، ورد? علينا حقّن ا، وتدارك بنا أمتنا ، وولي? نصرنا، والقيام بأمرن ا ، ليم?ن? بنا على الذين ا ? ستُ ? ضع?فُ وا في الأرض، وختم بنا كما فتح، وإنِّي لأرج?و ألاَّ يأتيكم الج? ? ورمن حيثُ أتاكم الخير ، ولا الفساد? من ح يثُ جاءكم الصلاح ، .( وما توفيقنا أهلَ البيت إلاَّ بالله. وإذا كان العباسي?ون قد وجدوا في الخطابة خير? وسيلة? في الرد? على خصومهم الذين يترب?صون بهم ريب المنون ، فإن? خصومهم من شيعة? وأمويين وخوارج اتخذوها معولاً هد?اماً لنقض ما أبرموه ، وإبطال م ا ادعوه ؛ ولاسي?ما العلوي?ون الذين كثيراً ما كانوا يعتد?ون? عليهم بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأنهم هم أهل بيته، وأخص? الناس به ، ومثال ذلك خطبة محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بذي النفس الزكية ، قال : (أي?ها الناس، إنّه قد كان من أمر هذا الطاغية أبي جعفر من بنائه القب?ة الخضراء التي بناها معاندةً للهِ في ملكه ،وتصغيره الكعبة الحرام ، وإنّما أخذ اللهُ فرعون حتى قال :أنا رب?كم الأعلى ، وإن? أحقّ الناس بالقيام في هذا الدين :أبناء المهاجرين الأولين، والأنصار المواسين . اللهم? إنَّهم قد أحلُّوا حرام?ك، وحر?موا حلالك ، وعملوا بغير كتابك ، وغي?روا عهد? نبي?ك صلى الله عليه وسلم وآمنوا من أخف َ ت، وأخافوا من أمن َ ت، فاحصهم عددا ، واقتلهم بدد ا، .( ولا تُ?بق? على الأرض منهم أحدا وسعى العباس?يون إلى مطاردة خصومهم بالسيف والكلمة، فهم يسع ون إلى توطيد ملكهم بكلِّ ما أوتوا من قو?ة ؛ ولذلك يجنح خطباؤهم أحياناً إلى إيراد الصور المثيرة قصد التهويل على السامعين ، ويتضح? ذلك من خطبة أبي جعفر المنصور ، وكان قد بلغه أ ? ن قوماً أظهروا شكاة بني العباس، فقال : (مهلاُ مهلا ً، رواي ا الإرجاف ، وكهو َ فالنفاق، عن الخوض فيما كفيتم ، والتخ ّ طي إلى ما ح?ذِّرتُم ، قبل أن تتل َ ف نفوس ، ويقلّ عدد ، ويذلَّ ع ? ز ، وما أنتم وذاك ، ألم تجدوا ما وعدكم رب?كم من إيراث المستضعفين من مشارق الأرض ومغاربها ، حقّاً والحجر الحجر ، ولكن خ? ? ب.( كامن، وحسد م? ْ كم?د فهذه الخطبة على قصرها يغلب? عليها طابع التهديد والتخويف الذي يقرع أسماع الخصوم ، ويزرع في نفوسهم الخوف ، إّنها ترسم سياسة الدولة التي تقوم على القهر والبطش والتسلط ، ومصادرة الحريات ، وتكميكم الأفواه. وعلى نهجها جاءت خطبته الأخرى ، وقد خطب ا لناس بعد قتل الأمويين ، وقد أخذ بقائم سيفه فقال : (أ?يها الناس?، إن? بكم دا ? ء هذا دواؤُه ، وأنا زعي?م لكم بشفائه ، فلي? ? عتب ? ر عب?د قبل أن ي? ? عَتب?ر? به ، فإنَّما بعد الوعيد الإيقاع ، .( وإنّما يفتري ال َ كذ?ب? الذين لا يؤمنون بكتابِ الله)( هذا المقطع من الخطبة يغلب? عليه طابع التهديد والتهويل، وقد بدت الدماء تتراءى للسامعين من خلال ما انطوت عليه ألفاظ النص من معاني البطش والقسوة ، وهي وإن كانت صورة تقريرية تخلو من كلِّ قيمة جمالية فإّنها صورة مفزعة غاية الخطيب فيها التهويل على السامعين ،وزرع الرعب في قلوبهم حتى لا يفكروا في الخروج عليه. وخطبة دا ود بن علي بالمدينة تجري على نفس اللحن :(أي?ها الناس ، حّتام? ي? ? هتفُ بكم صريخكم ، أ ? ما آن? لراقدكم أن ي?ه?ب? من نوم?ه ، كلاَّ بلْ ران? على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، أغر?كم الإمهالُ حتّى ح?س??بتموه الإهمال ، هيهات منكم ، وكيف .( بكم والسوط في كّفي، والسيف م?شتهر
ومن خطب هذا اللون خطبة هارون الرشيد حين شغب عليه الجند، فصعد المنبر، فقال بع د حمد الله والصلاةعلى رسوله : (أما بعد فقد كان لكم ذنب ، وكان منّا عتب ، وكان منكم اصطلام ، ومنّا انتقام ، وعندي ب عد هذا لكم التنفيس عن المكروبين ، والتفريج عن المغمومين ، والإحسان إلى المحسنين ، والتغمد لإساءة المسيئين ، وأن لا يكفر لكم بلاء ، ولا نحبس عليكم عطاء ، وعلي بذلك .( وفاء الخطابة الحربية: وهذه الخطب تلقى عادةً على مسامع الجند في ميادين القتال لإثارة حماسهم ، وبثّ روح العزيمة بما يبعثُ في نفوسهم من استعداد? يدفع هم إلى لقاء العدو ، وعلى الرغم من كثرة الحروب التي شهدها هذا العصر فإن? ما وصل إلينا من خطب هذا اللون قليلة جد?ا ً، ومن عيون الخطب خطبة طاهر بن الحسين ، وقد عبأ كتائبه ، وسو?ى صفوفه ، وجعل يمر? بقائد? قائد، وجماعة جماعة ،وهو يقول : (يا أولياء الله، وأهل الوف ا ء? والشكر ، إنّكم لستُم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر ، إن?هؤلاء ضي?عوا ما حفظتم ، وصغ روا ما عظَّمتم ، ونكثوا الأيمان التي رعيتم ، وإنَّما يطلب?ون الباطل ، ويقاتلون على الغدر والجهل ، أصحاب سلبٍ ونهب ، فلو قد َ غض?ضتم الأبصار، وأثبتّم الأقدام ، قد أنجز ? اللهُ وعده ، وفتح عليكم أبواب عز?ه ونصره ، فجالدوا طواغيت الفتنة، ويعاسيب النّار عن دينكم، ودافعوا بحقّكم باطَلهم ، فإنَّما هي ساعة واحدة ، حتّى يحكم الله بينكم وهو خير .( الحاكمين)بهذه الكلمات المثيرة التي تلهب الحماس ، وتثير العواطف استطاع طاهر بن الحسين أن يحثّ جنده على القتال، ويرغبهم ف ي ه، ويهو?ن عليهم الأعداء الذين نعتهم: بالنكث والغدر والجهل ، وأنّهم قطاع طرق لا يألون ج?هداً في استلاب ما في أيدي الناس ، وفي هذا ما يسو?غ قتالهم، ويوجب استئصال شأفتهم. وهذا عبد الله بن طاهر بن الحسين يخاط ب جند ه وقدتهيأ لقتال الخوارج أولاً بناء الخطبة: :لا تختلف الخطبة في هذا العصر عن الخطبة في عصر بني أمية من حيث طبيعة بنائه ا ، وش?دة إحكامها ، وكان من بين الأمور البنائية التي تتعلق بالخطبة: 1- المقدمة: إن? ما ي تعلق بأجزاء الخطبة هو عناية الخطيب بالمقدمة التي يفتتح بها كلامه ، وغايته في ذلك أن يم ? هد لأفكاره ،ويستثير انتباه السامعين فينقلهم من موقف? لآخر ، لأ ? ن (الغرض منها تنبيه السامعين إلى موضوع الخطبة ، وترغيبهم في الاستماع ، وإعدا د أذهانهم للاقتناع ، واستجلاب خواط رهم، وتأليف قلوبهم حول الخطيب ، وما .( يريد منهم إن? استهلال الخطب بعبارات التحميد والتمجيد تقلي? ورثه الخطباء عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآلهوسلم وألزموا أنفسهم به ، حتى صار من (أوصاف الخطابة أن تفتح الخطبة بالتحميد والتمجيد ..... فإ ? ن ذ لك مما يزين الخُطب عند مستمعيها ، وتعظم به الفائدة فيها ؛ ولذلك ?يسم?ون كلَّ خطبة? لا يذكر الله أولها البتراء )، وإذا تأملنا المقدمات نجدها تتشابه كثيراً فيما بينها من حيث استهلال الخطب بعبارات التحميد والتمجيد، وقد أثر عن النبي محمد صلى الله عليه وآل ه سلم (كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يفتح بذكر الله عز? وجل فهو أبتر ، أو قال : أقطع )، ومن روائع المقدمات مقدمة خطبة محمد بن سليمان بن علي الهاشمي [ الحمد? لله أحمده وأستعينه، وأومن به ، وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن? محم داً عبده ورسوله (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله . ( ولو كره المشركون) من يعتصم في هذا النص نجد الخطيب يفتتح كلامه بالتحميد والتمجيد، متبعاً ما درج عليه السلف في مجاراة أسلوبهم ،وهو مما يش ? وق الحضور، ويعد?هم للإصغاء. وعلى غرارها مقدمة خطبة هارون الرشيد : (الحمد للهِ نحمد?ه? على نعمه ، ونستعينه على طاعته ، ونستنصر?ه?ُ على أعدائه، ونؤمن به حقَا ونتوكل عليه مفو?ضين إليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن? محمداً عبد?ه?ورس?ولُه، بعثه على فترة? من الرسل ، ودروس من ال علم ، . ( وإدبارٍ من الدنيا وأكثر الخطب السياسية والحربية تخلو من المقدما ت ؛ وهذه الظاهرة ترجع إلى أن? الخطيب يراعي ظرف المقام ، وما يقتضيه من إيجاز، فهو يريد إيصال فكرته إلى السامعين بأيسر لفظ ، لهذا تجده يستغني عن المقدمة ، وكثيراً ما يبدأ الخطيب في مثل هذه الخطب كلامه بآية? من القرآن الكريم ، وغالباً ما يختار الآية التي يراها أكثر مناسبة من غيرها للمعنى الوارد بعده ا ، وهذ ا ما نراه? في خطبة أبي العباس السفاح التي ألقاها في الشام بعد قتل مروان بن محمد : [ (ألّ ? م َتر? إلى الذين بد?لوا نعم َ ة اللهِ كفرا ً، وأحلُّوا قومهم دار البوار ، ج?ه?نَّم ي? ? صَل ? وَنها وبِئس ? دار القرار) نكص? بكم يا أهل الشام آلُ حرب ٍ، وآل مروان ،.( يتسكّعون بكم الظلم، ويتهو?رون بكم.... ]( ويبدو بوضوح أن? الآية التي ابتدأ بها السفاح جاءت ملائمة للموضوع الذي يريد عرضه على ا ل سامعين، فالآية تشير إلى الذين ظلموا وتجبرو ا، وارتكبوا من عظيم الأمور، وجسيم الأفعال وأحلّوا الخراب ، وأهلكوا الحرث والنسل، وما أراده الخطيب من الآية هو أن المقصود بها بنو أمية ، لهذا شرع في إظهار جرائمهم وأفعالهم السوء وكشفها للناس ممن كانوا يدينون لهم بالولاء. ومقدمة خطبة أبي جعفر المنصور أكثر تدليلاً على موضوعه، يقول : [ (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أ ? ن الأرض يرثها عبادي الصالحون )، قضاء? مبرم ، وقول فصل ،ما هو بالهزل ، الحمد لله الذي صدق وعده ، وأفلج ح ? جته ،وب?عداً للقوم الظالمين ، الذين اتخذوا الكعبة غرضاً ، والفيء .( إرثاً وربما ابتدأ الخطيب خطبته بيت من الشعر ، ? م شعراً بما يناسب المقصود ، ويوافق الغرض الذي من أجله ألف الخطيب خطبته ، على نحو ما جاء في خطبة أبي جعفر المنصور حين خروجه إلى الشام، فإّنه ابتدأ خطبته قائلاً: ش?ْنش?ن ٌ ة أعرفها من أخزمِ م? ? ن ي?ْل َ ق أبطال الرجال ي? ْ كلمِ مهلاً مهلاً ، روايا الإرجاف ، وكهوف النفاق ، عن الخوض فيما كفيتم ، والتخطي لإلى ما ? حذرتم ، قبل أن تتلف .( نفوس، ويقل عدد،... 2- حسن التخلص: وإذا فرغ الخطيب من المقدمة دخل إلى موضوعه ، وهو الغرض الرئيس الذي من أجله ألف الخط يب خطبته ، وأكثر خطباء هذا العصر يحفلون بالانتقال ، وهو ما يطلق عليه حسنالتخلص ، فالخطيب ينزع من المقدمة إلى بسط الموضوع، مع مراعاة ما يتناسب بينهما ؛ لأ ? ن السامع حينئذ? يكون مترقباً للانتقال من براعة الاستهلال إلى الغرض الرئيس بما يحر?ك من نشاطه ، ويع ينه على الإصغاء ؛ وغالباً ما يتلو عبارات التحميد والتمجيد عبارة (أوصيكم عباد الله بتقوى الله )، ولاس?يما في الخطب الدينية، ومثال ذ لك ما ورد في خطبة محمد المهدي :(... أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، فإ ? ن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال .( عظمت وقد يأتي الخطيب بعبارة (أي?ها الناس )، ويؤتى بها عادةً في مواسم الحج ، والمحافل العظام ، حيث يجد الخطيب متنفساً له في إبراز فكرته ، ومن ذلك خطبة داود ب ن علي التي خطبها بالمدينة ، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه :(أي?ها الناس? ، حتّام? ي? ? هتفُ بكم صريخكم ، أم?ا آن لراقدكم أ ? ن .( ي?ه?ب? من نوم?ه،. وربما أتى الخطيب بعبارة (أم?ا بعد)، ويؤتى بها لفصل الخطاب، وإعداد السامعين إلى ما سيرد بعده ا، ومن الخطب التي وردت فيها عبارة (أم?ا بعد ) خطبة المأمون لم?ا أراد أن يزو?ج? ابنته من الإمام علي بن موسى الرض اعليه السلام قال: (أما بعد، فإن? الله قد جعل النكاح ديناً ورضيه ح?كماً ، وأنزله وحياً ؛ ليكون سبب المناسبة ألاّ.( وإنّي وخطبة الرشيد لما شغب? عليه الجند ، وقد جاء فيه ا: (أما بعد ، فقد كان لكم ذنب?، وكان منا عتب، وكان منكم .( اصطلام، ومنا انتقام،.
3) الخاتمة: والخاتمة هي (آخر? ما يعيه السمع ، ويرتسم في النفس)( من ا لخطبة، وبها يدرك الخطيب مراده ، والخطب التي وصلت إلينا من هذا العصر قد تعددت أشكالها وتنو?عت أغراضها ، تبعاً لاختلاف موضوعات هذه الخطب ، ومن أنواع الخواتيم: (أ) الاستشهاد بالقرآن: وقد يختم الخطيب خطبته بآيٍ من القرآن الكريم علن نحو ما ختم أبو العباس السفاح خطبته ، فقال : [...... أ ? ما أمير المؤمنين فقد ائتن َ ف بكم التوبة ، واغتفر لكم الزلة ،وبسط لكم الإقالة ، وعاد بفضله على نقصكم، وبحلمه على جهلكم، في?فرخ ر ? وع?كم ، ول تطمئن? به داركم ، ولي? ْ قطع ،( مصارع أوائلكم (فتلك? بي?وتُه? ? م خاوية ً بما ظلم?و ا وكقول محمد بن سليمان بن علي الهاشمي [.... أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحثكم على طاعة الله ، وأرضى لكم ما عند الله ، فإن? تقوى الله أفضل ما تحاث الناس عليه ، وتداعوا إليه ، و تواصوا به (فاتّقوا الله ما استطعتم ولا .( تموتن? إلاّ وأنتم مسلمون ب- الدعاء: وقد ينهي الخطيب خطبته بالدعاء ، ومثال ذلك قول المأمون، وقد ختم خطبته : (نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تُ?بطره نعمة ، ولا تقص?ر به عن طاعة ر?به غفلة ، ولا َتح?ل به بعد الموت فزعة ، إّنه سميع? الدعاء ، بيده الخير ، وهو على كلِّ شيء قدير، فع?الٌ لما يريد ) )، وكقول عبد الله بن طاهر ، وقد أنهى خطبته : (أ?يدكم الله بع ? ز الصبر ، ووليكم . بالحياطة والنصر ج- - الاستغفار: وربما ي?نهي الخطيب خطبته بالاستغفار لنفسه ولصالح المؤمنين على نحو ما جاء في خطبة أبي جعفر المنصور : (.... أن يوفقني للرشاد والصواب ، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم) )، وقال المهدي : (......أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به ، وأنهاكم عم?ا نهاكم الله عنه ، وأرضى لكم. ( طاعة الله، واستغفر الله لي ولكم
د- التمثل بالشعر: وقد يختم الخطيب خطبته ببيت أو ع?دة أبيات من الشعر، ويكاد يكون الشعر رديف الخطب القصار ولعلّ نزوع الخطيب إلى التمثل بالشعر في الخطب القصا ر إدراكاً منه لقدرته في استيعاب فيض المشاعر والأحاسيس التي تعتلج? في صدره لما للشعر من أثر في جلب انتباه السامع ، بما يجد?د? من نشاطه، ويحمله على الإصغاء. أم?ا الخطب الطوال فإنها تخلو من الشعر ، وقد أشار الجاحظ إلى ذلك بقوله : (وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء? من الشعر )(؛ ولعلّ عدم تمثلهم بالشعر في الخطب الطوال خشية خروج ا لكلام عن الغرض الذي ساقه الخطيب ، كما إّنه يعر?ض السامعين إلى السآمة والملل، لأ ? ن للكلام غاية ، ولنشاط السامعين نهاية ، ومن الخطب التي جاءت والشعر رديفها خطبة صالح بن علي ، الأسلوب: والأسلوب الخطابي في هذا العصر يجمع بين السهولة والجزالة ، والبعد عن الغريب والتعقيد (ذلك إن? الغريب والتعقيد لا يلائم السامعين ، ويحوجهم إلى التفكيرفي المعاني والتأويل للعبارات ، فتنقطع صلتهم بالخطيب والخطبة) والخطيب? المصقع ممن أوتي القدرة على التصر?ف في فنون القول هو الذي (يكون في جميع ألفاظه ومعانيه جارياً على سجي?ته ، غير مستكره? لطبيعته ، ولا متكلّف? ما ليس في وسعه . وأكثر خطباء هذا العصريعنون بتدبيج خطبهم ، والتأنُّق في صياغة أسلوبه ا، وترتيب أفكارها ؛ لأنّهم أمام حشد? هائل ، رب?ما لا يسعفهم الخاطر، وقد يعرض لهم من الحصر ما لا قدرة لهم في مواصلة الكلام ؛ لذلك يلجئون إلى تدبيج خطبهم وإعدادها إعداداً جيداً ؛ فتأتي خطبهم تامة من كلّ عيب ، أو خلل ي?قّلل من قيمتها الفنية ، يقول الجاحظ : (وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير، ومه ? مات الأمور ، م?يثوا الكلام في صدورهم، وقي?دوه على أنفسهم ، فإذا ق ? ومه الثقاف، وأدخل الكير، وقام على الخلاص ، أبرزوه مح ّ ك كاً منقحاً ، ومصّفى من الأدناس مهذباً، وهذا يعني أن الخطيب? يحر ? صعلى الدقة والوضوح في التعبير، والتأنُّق في صياغة خطبته فينتقي لها من الألفاظ أفصحها وأسلسها وأخفها وقعاً على الأذن فتأتي خطبته رشيقة سريعة الحركة ، نابضة بالحياة، سهلة الع?لوق بالنفس. والنصوص الخطابية في هذا الباب كثيرة ج ?داً ، منها قول طاهر بن الحسين لما استولى على بغداد بعد قتل الأمين ، فإنّه صعد المنبر ، فقال : (الحمد? للهِ مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ، وينزع? الملك ممن يشاء ، ويع ? ز من يشاء، ويذلُّمن يشاء ، ولا يصلح عمل المفسدين ، ولا يهدي كيد الخائنين، إن? ظهور غلبتنا لم يك ن عن أ?يد? نا ولا ك?يدنا ، بل اختار الله لخلافته ، إذ جعله ا عموداً لدينه ، وقواماً لعباده ، من يستقلّ بأعبائها ، ويضطلع بِح? ? مل?ها، ومن يتأمل هذا النص لا يجد فيه من الألفاظ ما يصع ? ب فهمه ، أو يحوج إلى تفسيره، كما اتسم هذا النص بجمال التركيب واستوائه وقو?ته، وبعده عن التكلف ، وقد ظهر ذلك من خلال عناية الخطيب بألفاظه التي جاءت منسجمة في حروفها ، وحلاوة جرسها، مع عنايته برصفها رصفاً جي?داً.
ثالثًا الموسيقى: إن? من وسائل الصياغة والبناء الفني للخطبة هو عناية الخطيب بالوقع والرنين للتأ ث ير على مستمعيه ، وجلب انتباههم. وتظهر عناية الخطيب بصياغة أسلوبه ، وتأنِّيه في إقامة موسيقى جمله باعتماده الإيقاع الصوتي ، والائتلاف في الجرس والموسيقى ، وتعادل الجمل ، وهو ما ترتاح إليه النفوس، وتطرب له الآذان. وإذا تأملنا النصوص الخطابية التي وصلت إلينا من هذا العصر نجد أن? أكثرها يتوفر له ضرو ب من القيم الموسيقية، من خلال: 1- السجع: مظهر من مظاهر الزخرفة اللفظية التي عنى بها الخطيب في هذا العصر ، ويراد? به (تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد )( ، والسجع يضفي على النص الذي يرد فيه قيمة موسيقية ؛ بوصفه نوعاً من التنغيم، فهو يقوم أصلا ً على تماثل إيقاعي في نهاية المقاطع، وتكرارها على نحو منتظم ، ذلك إن? المقاطع (تأتي على ألفاظ? متوازنة متعادلة ، وكلمات متوازية متماثلة)( ، والخطباء يحب?ذون السجع ويؤثرونه في خطبهم ؛ لأن? (السجع هو قوام الكلام المنثور ، وعلو رتبته)، وخطباء هذا الع صر لا يأتون بالسجع إلاّ عفو الخاطر، منقاداً للمعنى لا كلفة فيه ، ومن ذلك قول المهدي:(أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، ف إن? الاقتصار عليه ا سلامة، والترك لها ندامة ، وأحثّكم على إجلال عظمت?ه ?،وتوقير كبريائه وقدرته ، والانتهاء إلى ما يق ? رب من رحمت?ه ، وي?نج?ي من سخ ط?ه?، وينال به ما لديه من كريم الثواب ، وجزيل المآب ، فاجتنبو ا ما خو?فكم الله من شديد العقاب ، وأليم العذاب ، ووعيد الحساب ، يوم توقفون بين يدي .( الجب?ار، وتعرضون فيه على النار.. ومن الأمثلة على السجع أيضاً قول عبد الصمد بن شبيب بن شيبة المنقري حين ق دم على محمد بن سليمان بن علي الهاشمي ، وقد بنى قصره بالبصرة على بعض الأنهار فقال له محمد :كيف ترى بنائي ؟ ، قال عبد الصمد :(بني َ ت أجلّ بناء ، بأطيب فناء ، وأوسع فضاء ، وأرقّ هواء ،.( على أحسن ماء، بين سراري وحسانٍ وظباء)وهذه العبارات تنتهي جميعاً بفواصل موحدة، تنسجم مع الطبع والذوق ، وقد أضفت جمالاً موسيقياً على النص لما فيها من حسن الإيقاع، وجمال الاتساق، وعذوبة الجرس. 2- الازدواج: ويستطيع? الخطيب أن يوفر الموسيقى لتراكيبه وعباراته إذا اعتمد الا زدواج، وهو (ما تتزن? به أواخر الجمل دون أن يلتزم فيها الروي )( ، والازدواج يكس ? ب الن ? ص الذييرد? فيه قيمة موسيقية ، وأهميته أّنه (لا يحسن منثور الكلام حّتى يكون مزدوجاً ، ولا تكاد تج د لبليغ كلاماً يخلو من الازدواج ، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن، لأنّه في نظمه خارج? من كلا م الخلق ، وقد كثر الازدواج فيه )، ولا يفوت المتأمل لنصوص الخطابة أن يلاحظ شيوع الازدواج في طائفة? كبيرة? منها ، كقول المأمون: (.... فاتقى عبد? رب?ه ، ونصح? نفسه ، وق ?دم توبته ، وغلب? شهوته ، فإ ? ن أجله مس تو ? ر عنه ، وأمله خادع? له ،والشيطان موكل به ، يزي?ن له المعصية ليركبها ، و?يمنيه .( التوبة ليس ? وفها،.إن? حلية الازدواج تشيع? في هذا النص نغماً موسيقياً متواصلاً، عن طريق حرف الهاء وما يشكله هذا الحرف من صد?ى مك ? رر في نهاية كلِّ مقطع ينسجم موسيقياً مع تعادل العبارات . 3- الموازنة: وهي (أن تكون الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الو زن)(، والتوازن يكسو الكلام رونقاً وطلاوةً بسبب اعتدال جمله ، وهو مطلوب لما فيه من تأثير قوي واتساق يجد?د من نشاط السامع ويش?ده? إليه ، إذ كلما كانت (مقاطع الكلام معتدلة وقعت في النفس موقع الاستحسان)، ومن النصوص التي جاءت حافلة بالتوازن قول المأمون : (وإ ? ن غائباً يح ?دوه? الليل والنهار لجدير? بسرعة الأوبة، وإن? قادماً يح?لّ ب الفوز أو بالشقوة . ( لم?ستحق لأفضل الع?د?ة،...وقول داود بن علي الهاشمي : (أغدراً يا أهل الختر .( والتبديل، الم يردعكم الفتح المبين نجد في هذه الفقر المنتزعة من نصوص شتّى تعادلاً في وحدتهما الصوتية ، حيث جاءت الفواصل على أحرف متقاربة المخارج ، فأضفت على النص جمالاً موسيقياً من خلال هذا التوافق النغمي ، وحسن التعادل الذي يتحسس السامع لذته، ويجد?د? من نشاطه . 4) المقابلة: ويستطيع الخطيب من خلال المقابلة أن يخلق أصداء? متضاد?ة على المستوى المعنوي والموسيقي ؛ فهي تكسب? النص? الذي ترد? فيه قو?ةً وتأثيراً وجمالا ً، ويراد به ا (أن تضع معاني تريد الموافقة بينها وبين غيره ا، أو المخالفة ،( فتأتي في الموافق بما وافق وبالمخالف بما خالف والنصو ص في هذا الباب كثيرة ، منها قول أبي العباس السفاح: (وأظهر بنا الحق ، وأدحض بنا .( الباطل،وكذلك قول محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (اللهم?، إنّهم قد أح لُّوا حرامك، وحرموا حلالك ..... وآمنوا .( من أخفت، وأخافوا من آمنت،... إن? حلية المقابلة في هذا النص تخلقُ أصداء? متضاد?ة تنسجم? موسي قياً مع نهاية كلِّ مقطع في دائرة نغمية ومعنوية تكسب النص قو?ة وتأثيراً. رابعا -الخيال والصورة ًُ : الخيال صورة من صور الإبداع الفني لدى الخط يب بوصفه وسيلة من وسائل التعبير عن الأشياء وإبراز صورتها على وجه? تزداد? بساطته ت أ ثيراً، ويكسوها رونقاً وجمالاً، وكثيراً ما يستنجد الخطباء بالخيال في رسم الصورة التي يرونها أكثر ملائمة من غيرها للمشهد الذي يرتسم في أذهانهم ، ومن خلال التعبير عنه بما يترك أعمق الأثر في نفس المتلقي. 1- التشبيه: يحتلُّ التشبيه موقعاً أثيراً في البلاغة العربية ، بوصفه معياراً للفطنة والبراعة1 ويراد به (الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء في . ( نفسه وأهمية التشبيه أنّه يزيد المعنى وضوحاً وق ? وة وتأثيراً ، ويكسبه رونقاً وجمالا ً (لإخراجه الخفي إلى الجلي ، .( وإدنائه البعيد من القريب)ومن النصوص التي ورد فيها التشبيه ق ول أبي السرايا السري بن منصور من خطبة يصفُ بها أهل الكوفة (إّنما .( أنتم كفيء الظلّ)وصورة التشبيه واضحة في هذا النص ، حيث ربط الخطيب بين أهل الكوفة في سرعة تب ?دلهم وتغ?يرهم وبين فيء الظل الذي سرعان ما يتبدل ويتغير هو الآخر. ومثله قول الم أ مون (وكونوا كقو مٍ صيح? فيهم .( فانتبهوا......ومن صور التشبيه أيضاً قول الفضل بن الربيع يصف الأمين في غفلته وإهماله الأمر (ينام? نوم الظربان ، وينتبه .( انتباه الذئب)والصورة البيانية في هذا المقطع تتمثل في صورة التشبيه حيث يربط الخطيب بين غفلة الأمين وإهماله أمر الخلافة بنومة الظربان (وهي دويبة أكبر من جرو الكلب كثير التكاسل ) وبين تيقظ وانتباهة الأمين بانتباه الذئب ، وهذا التشبيه من التشبيه البليغ، وقد حذفت أداته ووجه الشبه. 2- الاستعارة: ) ويراد بها (تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإ بانة )، وجمال الاستعارة في إثارة الخيال ، وتجسيد المعاني ، وإبراز الصور، فضلاً عن كونها (تعطي الكثير من المعاني بأقلِّ الألفاظ)()، ونستطيع أن نقف على صور الاستعارة في جملة من النصوص ، منه ا قول داود بن علي يصف بني أمية: (ومرحوا في أعنّة المعاصي، وركضوا في ميادين .( الغي في هذا النص استعارتان ، الأولى حيث يستعير? الخطيب الأعنة للمعاصي ، من حيث أن? الأعنة تستعمل للخيل للتحكّم في سرعتها والحد? من حركته ا ، فإذا أطلقت لها الأعنة فإنّها تعدو دون أن يصد?ها شيء ، وكذلك بنو أمية فإنّهم أطلقوا العنان لأنفسهم في الجري وراء المعاصي ، وطلب اللذات دون أن يمنعهم خو ٌ ف من الله، أو وازع? من ضمير. وتمثلت الاستعارة الثانية بميادين الغي ، والميادين لا تستعمل إلاّ في مواضع السباق ، فهو يشب?ه بني أمية في تسارعهم إلى الغي والضلال بركض المتسابق في ميدان السباق ليحوز قصب السبق. في هذا النص? استعارتان ، وقد كان الخطيب? مو ? فقاً في اختيار الفعلين (مرحوا، وركضو ا) كلّ حسب موقعه ، ولو استبدل أحدهما بالآخر لما وقع هذا الحسن واللطف ، لأن? المرح هو الفرح والنشاط وهو أكثر ملائمة من غيره للمعاصي ؛ لأن? مرتكبيها يشعرون بالفرح واللذة عند إتيانها، وكذلك الحال للفعل (ركضوا) فهو يتناسب مع الغي. ومن ذلك قول طاهر بن الحسين : (قدحوا زناد الفتنة ، .( وصدعوا شعب الألفة)يبدأ الخطيب الصورة بإبراز مظاهر الدمار والتف ? رق ، ففي التعبير الأول نجد علاقة تشابه بين (الفتنة والنار) هي القدرة على الدمار ، وبين (الألفة والجماعة ) بجامع التفرق في كل ، وقد استعار النار للفتنة بعد أن حذف المشب?ه به وهو النار ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الزناد (العود الذي تذكى به النار ) على سبيل الاستعارة المكنية التي هي ضرب? من التخييل ، فقد تخي?ل الفتنة بصورة النار عندما أخرج الفتنة عن طبيعتهما إلى طبيعة أخرى مخترعاً لها صورة الزناد وهي صورة وهمية تشبه صورة الزناد الحقيقية، وقرينتها إضافتها إلى الفتنة . وما قلنا ?ه في التعبير الأول من النص نقوله في التعبير الثاني (وصدعوا شعب الألفة).وقول عيسى بن علي بن ماهان : (وأ ? سمل جلباب الدين ، .( وأبطلت الحدود فالخطيب هنا يش?به الدين بالثوب الخلق من حيث ما لحقه من الإهمال، والتضييع لحقوقه. 3) الكناية: ويلجأ الخطباء إلى الكناية للتعبير عن الأشياء وإبراز صورتها بأيسر الألفاظ ، ويراد بها (لفظ أريد به لازم معناه ،.( مع جواز إرادة معناه حينئذ وأهمية الكناية في تنبيه الملكات ، واستثارة الأذواق ، ووضع المعنويات في صور المحسوسات ( ومن الكنايات قول عبد الله بن طاهر بن الحسين (الذين أش?روا .( وتمر?دوا، وشقوا العصا كناية عن خلافهم وعصيانهم ، ولو قال (شقوا عصا الطاعة، أو عصا المسلمين لكانت من أحلى الاستعارات. ومن كناياتهم قول أبي السرايا السري بن منصور لأهل الكوفة (تهزمكم الطبول بأصواته ا ، ويملأ قلوبكم الحرق .( بسوادها ناية عن جبنهم وخوفهم وفرقهم وعجزهم عن ملاقاة عدو?هم. ومن الكنايات أيضاً قول أبي العباس السفاح (إ ? ن أهل بيت اللعنة والشجرة ا ل ملعونة في القرآن كانوا لكم .( أعداء? كناية عن بني أمية الذين نعتهم القرآن بالشجرة الملعونة. وقول داود بن علي في قومٍ أظهروا شكاة بني العباس .( (الآن يا منابت الدمن، مشيتم الض?ر?اء..)كناية عن لؤم أحسابهم، وخبث أصولهم. خامسًا الأثر القرآني: لقد ترك القرآن الكريم بصماته على الخطابة ، وكان أثر?ه? عميقاً ، فقد أخذ الخطباء في هذا العصر والعصر الذي سبقه يرص?عون خطبهم بالآيات تمثُّلاً وإشارة ً، ووضعها بالمواضع الملائمة لها من الخطبة ، إذ (كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي كلام يوم الج مع آيمن القرآن ، فإن? ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار ، والرقة وسلس الموقع )( ، وصارت الخطبة التي تخلو .( من بعض آي القرآن الكريم تعرفُ بالشوهاء( لقد كان القرآن للخطباء معيناً لا ينضب، فأكثروا من توشية الخطب بالآيات فهو (أنجح? ما ضم?نه المرتجل ، وأرجح ما استعان به المحتفل ، لأّنه الموعظة الحسنة ، والحجة البالغة ، والحكمة الباهرة )(، ونزوع الخطباء إلى الاستشهاد بالقرآن الكريم ؛ لأنّهم وجدوا في ه (إقامة الح?ج?ة، وقطع النزاع، وإذعان الخصم ، وقد تقوم? الآية الواحدة المستشهد بها في بلوغ الغرض، ما لا تقوم? به الكتب المطولة ، والأدلة القاطعة )، وقد تمثّل الاقتباس? بألفاظ? من القرآن الكريم ، حيث يستشهد? الخطيب? بآية? قرآنية? مشيراً إليه ا (وهو أقلّهما وقوعاً في الكلام ، ودوراناً في الاستعمال ، وهو أ ? ن ي?ضم?ن? الكلام? شيئاً من القرآن الكريم، وينب?ه عليه )()، كقول أبي العباس ا لسفاح حين بويع له بالخلافة [.... ووضعنا من الإسلام وأهل?هبالموضع الرفيع ، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً ي?ْتلى عليهم، فقال عز? من قائل فيما أنزل من محكم القرآن:) إنّما يريد? الله لي?ذهب? عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )، وقال: (قلْ لا أسألكم عليهأجراً إلاّ الم?و?د? َ ة في القُ ? ربى )()، وقال : (وأنذر عشيرَتك الأقربين)()، وقال :(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله? وللرسولِ ولذي القربى واليتامى)()، وقال (وا ? عَلم?وا إن? ما َ غن? ? متُ ? م من شيء? فإ ? ن للهَ خُم? س? ? هوللرسول ولذي القربى واليتامى )()، فعلمهم جلّ ثناؤه? فضلن ا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من .( الفيء.....]( وقول المأمون من خطبة له [...... ولستُ أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدني ا عن نفسها، فإن كلّ ما بها يحذر? منه ا ، وينهى عنها، وكلّ ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذ ? م كتابِ الله لها، والنهي عنها، فإّنه يقول تبارك وتعالى ،( (فلا َتغر?نكم الحياةُ ال ?دنيا ولا ي?غ ? رنكم ب ا للهِ الغرور )( وقال: (اعلم?وا أّنما الحياةُ الد?نيا َلع?ب? وله ? و وزين ٌ ة وتفاخر? بينكم وتكاثر? في الأموال والأولاد )()، فانتفعوا .( بمعرفتكم بها.... ]( وقد ي?ؤثر? الخطيب لفظ القرآن فيلجأ إلى اقتباس ألفاظ القرآن الكريم ودمجها ضمن ألفاظ نصوصه على وجه? لا يشعر به أحد ، وكأنّه جز ? ء من كلام الخطيب ، والأمثلة في هذا الباب كثيرة ، منها قول سليمان بن علي الهاشمي فكائن? ترى من بئرٍ معطلة? وقصر مشيد ، ذلك بما ق?دمت .( أيديكم وأ ? ن الله ليس بظلام للعبيد إن? ألفاظ هذا النص مقتبسة من الآية الكريمة (َفكائِن? م? ? ن َق ? ري?ة? أ ? هَل ْ كناها ? وه?ي? ظالِم? ٌ ة فهي? خاوِي? ٌ ة على ? ع ? روش?ها . وبئرٍ م?ع ّ طلة? وقّ ? صرٍ م?ش?يد). الحج: 45 ومن ذلك أيضاً قول عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس: (فدمدم? عليهم رب?هم فسواها، ولا يخاف .( عقباها اقتبس الخطيب ألفاظ هذا النص من قوله تعالى (فكذب?و ?ه َفع?َقر?وها َفد? ? مد?م? ع?َل?يهم ر?ب?ه?م بِذْنبِهِم فس? ? واها ، ولا يخافُ .15 ، ع? ْ قبها). الشمس: 14 )وقد يلجأ الخطيب إلى اقتباس معاني القرآن وإدراجها ضمن نصوصه للتعبير عم? ا يريد ، ومثال ذلك قول داود بنعلي (فظن? عدو? الله أن لن نقدر عليه ، فنادى حزبه ، وجمع . ( مكايده، ورمى بكتائبه......)( ونلمح في هذا النص قو له تعالى (وذا النُّونِ إذ ذهب? مغاضباً فظن? أ ? ن ل ? ن َن ْ قد?ر? عليه فنادى في الظلمات ...الأنبياء: 87
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|