انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثامنة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة احمد حسين حسن السعدي       02/12/2018 05:51:19
المحاضرة الثامنة:
حياته:
ابن الرومي حياته في العصر العباسي الأول ومضي أکثر عمره في العصر العباسي الثاني.إنه عاصر تسعة من الخلفاء العباسيين: المعتصم والواثق والمتوکل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد. حينما کان طفلاً صغيراً توفي أبوه « فکفله أخوه وأمه ويبدو أن أخاه کان يعاشرالأدباء والظرفاء ويحضر مجالسهم ويقضي أيامه في جلسات الشرب واللهو في بساتين بغداد،فکان يصحب أخاه إلي کل ذلک،و قد کان أخوه هذا ظريفاً حاضر النکتة والبديهة وکان يجمع بين الإمعان في اللهو وحُبَّ الأدب ومجالس العلماء وهکذا نري أنَّ شاعرنا قد بدأ بداية مترفة بين أخيه وأمه.أيضاً کان في الجو الَّذي اختلط فيه الاضطراب السياسي والرفاه الاجتماعي،في العلم والثقافة والثورات،وليس ،في يديه سلاح سوي الثقافة الواسعة وشعره،إذ يبدو أنَّ أخاه قد أسرف في البذل علي الملّذات،فاستندکل ماله،فاتخذ ابن الرومي الشعر وسيلة إلي العيش.أمّا علي صعيد الحياة الاجتماعية،فقدکانت بغداد ،حتي ذلک الحين ،عاصمة الدنيا إذا جاز التعبير ،تنکسب فيها الأموال وحضارات الشعوب قاطبة من کل جانب وکان الرخاء يکون عاماً. فالحياة فيها باذحة رغم الفروق الطبقية،في ذلک الجو بدأ الشاعرشبابه،حيث الحانات منثورة في البساتين و الأحياء ومفاتن الحياة شتّي، فالقيان الجواري منهن والمغنيات،کثيرة يتهاداهن الأمراء والقادة وأصحاب الشأن و يتغزل بهن الشعراء.




الصياغة الشعرية عند ابن الرومي:
لقد تعرفنا ابن الرومي في أشعاره الشاعر المولّد و الشاعر الغنائي الذي لجأ إلي الأشعار الموضوعية الوجدانية يعبر عن مصائبه و استطاع أن يخلق فنوناً وجدانية محکمة و استطاع أن ينعکس صور التجديد بهذ الأسلوب القديم الّذي وقع في صياغته وأسلوبه. ومهما يکن فإن الشعر حطّ رحالة في ساح العصر العباسي وقد تهرم و تثاقل و أعيت عليه حيلة الإبداع واستقرت معانيه و موضوعاته، فعمد الشاعر العباسي إلي التجديد أو إلي جهده بأسلوبين متقاربين متباعدين: أسلوب البديع له أسباب عديدة في أصل نشأته و تنوعت عليه الأقوال ، الاَّ إنَّ الباعث الأجدر يظل الترف الحضاري و مجتمع الوشي و التنميق والزخرفة. فوشح الألفاظ بالجناس وزواج وعارض بينها بالطباق وتفرغ للتأمل بالمعاني، وکأنّها أداة داخلية خارجية و جعل يمازجها بعضاً ببعض،کما مازج الأشکال و الألوان و ولد منها ما حسبه معان جديدة و في عصور الترف المادي تحول الشعر إلي أداة لَهو و زخرفة. إلاّ أن ضمير العصر کان يعاني أزمة أخري مزيجة من التعاطي بين الفلسفة والدين وکان المسلمون الأوَّلون قد أخذوا ابن البداوة النسبية و إن کان معظمهم قد نعم بترف الحضارة يفکر ابن الرومي بالجزالة و الرصانة وبعدم متانة في اللفظ و قد يصف معني الجيد في العبارة الجيدة ولم يسرف في المحسنات اللفظية. وجدير بالذکر إلي أن «يترک ابن الرومي نفسه علي سجيتها ليصور أحاسيسه والعواطف الصادقة وکان فکره الدقيق وما انطبع في عقله من طوابع الثقافة و الفلسفة حرياً به أن يصبح من أصحاب مذهب التصنيع لکن ابن الرومي في أسلوبه لإنشاد الشعر «فقد دفعته الفلسفه إلي تحليل المعاني تحليلاً مستقصياً حتي لکأنه يريد حين يلم بمعني ألاّ يترک فيه بقية لأحد يأتي بعده وهو تحليل يُشفَعُ بالأدلة و الأقسية المنطقية،بحيث تتلاحم الأبيات في القصيدة تلاحماً وثيقاً، وکل بيت يسلم إلي تاليه،بل يدخل في تکوينه وتشکيله،وفي تضاعيف ذلک يستقصي ابن الرومي جوانب المعني الَّذي يريد أن يعرضه إلي أبعد غاية ممکنة،مسترسلاً ما وسعه الاسترسال،مما جعل القصيدة تطول طولاً مسرفاً،إذا امتدت إلي مئات الأبيات،و هو إمتداد يشهد بقدرته البارعة علي التعمق و النفوذ إلي أقصي الأغوار وکان يضيف إلي ذلک حسّاً مرهفاًحاداً،جعله يجسِّد لا عناصر الطبيعة فحسب،بل أيضاً الخوارج والخواطر علي نحو ما هو مشهور من حواره في أشعاره
يتميز ابن الرومي عن غيره من الشعراء بخصائص فنية و جعلت منه فريداً في الخصائص الشعرية. «يُعَّدُ ابن الرومي من الشعراء الَّذين کان لهم أسهامهم في الفن الشعري في العصر العباسي وحري بمن يتحدث عن معالم الحداثة في الشعر العباسي أن يبحث عن الجديد المستحدث الَّذي أضاف هذا الشاعر المبدع ولست بصدد بيان ما أصاب الشاعر في حياته،وملازمة من سوء الطالع،فذلک ليس من الأمور الّتي تهتم بها هذه الدراسة وقد تکفل غير واحد من النقاد بالحديث عنده،وحسبي أن أشير إلي أنَّه تتلمذ علي أبي تمام،کما تتلمذ البحتري،فکلاهما أفاد لايعين الباحث علي فهم فنه،بل قد يزيد عماية علي نحو ماسنري من أقوال النقاد.» و الواضح «يحدث تطور في المرحلة "العباسية"ظن بعض الدراسين أنه قام علي يد ابن معتز وابن الرومي فتظهرمدرسة الصورة الشعرية الَّتي يقدم الشعر العربي من خلالها لوحات عديدة دقيقة الرسم بارعة الألوان بهيجة حيناً ولکنها في جملتها دفعت بالشعر إلي الأمام مثله ما يمکن أن يطلق عليه"مدرسة الصورة الشعرية"


أغراض ابن الرومي الشعرية:
قال المعري في رسالة الغفران: أمَّا ابن الرومي فهو أحد من يقال أن أدبه کان أکثر من عقله. من خصائصه الَّتي انتسب بها، أغراضه الشعرية المتنوعة: من وصف و هجاء و رثاء و مدح و غزل و فخر و عتاب. شاعرية إبن الرومي تختلف عن شاعرية مختلف الشع ا رء العرب في أنه كان لا يعيرالصياغة اللفظية والأسلوب التعبي ري الإهتمام الذي كان يعيره للعمل العقلي وللمعنى العميقالدقيق ومن هنا أنه ض حى بالإجادة البيانية في كثير من الأحيان في سبيل إستكمال الصورةالتي يصف أو الشعور الذي ينم شعره عنه أو العاطفة التي تفعم فوائده.وانك عبثا تبحث عن موضوع يتميز به شعر ابن الرومي فالحيرة تقف أمام مقدرتك على التمييز لأن ابن الرومي كما قال شفيق النقاش قد أجاد الوصف والتصوير إجادة لم يسبقه إليها شاعر وبرع في الهجاء حتى غدا س يد شع ا رئه في الأدب العربي ورثى أبناءه وغيرأبنائه رثاء يصور أعمق آلام النفس وأصدقها وكان أقدر شع ا رء عصره على العتاب بأسلوب ناعم عميق ولعلنا لا نجد شاع ا ر في الأدب العربي يثبت أمامه في التحليل النفسي وتصويرالمجتمع.واذا كانت هناك فنون لم يبلغ فيها شأو الشع ا رء كالمدح والخمريات والفخر فإن طبيعته لم تكن تساعد على ذلك ولقد تعرض ابن الرومي لموضوعات ليست جديدة في الأدب العربي أهمية الصورة الشعرية وظائفها و أنواعها ولكنه أفاض فيها ووسع معانيها وطورها فهو أول شاعر تبسط في وصف الحياة والناس.وأول شاعر تحدث بالتفصيل عن أنواع الفاكهة فوصف العنب والمشمش والرمان وأول شاعر تناول المأكل بالتفصيل فوصف السمك والبيض والدجاج والفالوذج والقطايف والزلابية وأول شاعر تغلغل في طبقات المجتمع وأصناف الناس ف صور الأحدب والأصلع والثقيل والمتكبروصاحب الوجه الطويل واللح ية الكثة والأنف الضخم والخباز وقالي الزلابية والأغنياء المزيفين ومحدثي النعمة الجهلة وأول شاعر أنطق الأزهار والأثمار وجسمها وع بر عن كل شكل من أشكال الطبيعة وكل حركة تصور فيها .إذن إبن الرومي شارع مجدد بكل مافي التجديد من معنى لقد انطلقت شاعريته في الآفاق
التي أحبتها لم تقيد نفسها بأغ ا رض رتيبة تعاهدها الشع ا رء فما حادوا عن سبيلها ولا وجدوا لأنفسهم منها فكاكا واذا كانت د ا رستنا المنهجية تقتضينا الوقوف عند أغ ا رض نبحثها بالتفصيل وهي : الوصف والرثاء والهجاء والسخرية والمدح.




الوصف:

الوصف عنده من أبرز ميزاته يعرف بها،فقد کان وصافاً بارزاً و متصوراً و قد دخل الوصف في جميع أغراضه الشعرية :
وصف المأکل: يشير عباس محمود العقاد إليه ويقول :کان ابن الرومي منهوماً في المأکل و لعل عيشه بين الثروة و الفقر ميل إلي وصف المآکل.
وصف الطبيعة : الطبيعة بالنسبة إليه وسيلة للهروب من الواقع المأساوي الَّذي عاشه في حياته. فإذا بها تصبح انعکاساً لذات الشاعر، فکأنهما ممتزجان قلباً و روحاً، شکلاً و مضموناً. لوصف الکاريکاتوري الساخر: هذا النوع من الوصف يُخَالف طبيعة الوصف النقلي أو الوجداني، يختص هذا النوع من الوصف بطبيعة خاصة تعني بالتشويه وإثارة الشعور بالمنکر. وقدکان لابن الرومي عصب خاص يحس به مظاهر النقص. ولعل شعوره الدائم بالعاهة و بجوانب الأمور، يَعبث به، و يضحک منه و يزدريه.
الهجاء: ابن الرومي لم يجعل غرض الهجو مستقلاً عن أغراض الأخري،فلجأ إلي السخرية، أيضاً هو ينتقل من الهجو إلي ابراز الوصف والشکوي والاستخفاف. لنيل غايته من غرض الهجاء. کما «لابن الرومي شهرة في الهجاء لاتتقدمها شهرة دعبل وبشار. و يفوقهما بما انتاز من دقة التصوير، فإن هجاؤه لا يقتصر علي القذف والطعن و السخر بل يتعداه إلي وصف أخلاق المهجو و تصوير أشکاله حتي يبرزه مُثلة شوها مضحکة. و بواعث الهجاء عند الشاعر کثيرة،فمنها أنَّه کان محروماً يستجدي فلا يعطي إلاَّ القليل، فيغضب ويهجو من يمنعون صلتهم عنه. ومنها أنَّه کان يحسد ذوي نعمة الَّذين يتمتعون بملاذ الحياة دونه فيهجوهم. ومنها أن الناس کانوا يعلمون ضيق أخلاقه،و غرابة أطوارة، فيبعثون به و يضايقونه،ويعيبون شعره و ينتقدونه،فيثور ثائرة و يهجوهم،ومنها إنَّه کان شديد الطيرة يتوهم النحس في الأشخاص و الأسماء و العاهات و العيوب،فهجا کل شيء يتطير منه. ومنها إنَّه کان منهوماً لا يصبر عن الطعام، فإذا جاء رمضان تضايق من الصوم فهجاه. ومنها إنَّه کان يتشع للعلويين مع ولائه في بني العباس،فهجاء العباسيين والفحش فيهم لما رأي ما أصاب من التنکيل».
الرثاء :يستخدم الرثاء آلة للتکسب،کما قلت مراثيه ، و ليس له منها ما يستحق الذکر اِلاَّ ما قاله في أولاده وزوجة و أمه و أخيه. وما أحسنه ما قيل في رثاء بستان المغنية وکان يهواها، وفي أبي الحسين يحيي بن عمر الطالبي لأنَّه کان يتشيع للعلويين،أيضاً قاله في رثائه وبکائه علي البصرة لما دخلها الزنج سنة (257 ه) وأحرقوها کان ابن الرومي في رثائه شديد التأثير في نفوس الحاضرين و القارئين أيضاً کان ابن الرومي قوي العاطفه و دقيق الإحساس في رثائه.
المدح: ابن الرومي لم يمدح من يکثر له العطاء، لأن العصر العباسي،لم يغرق الأموال علي المتکسبين کما فعل العصر الَّذي سبقه،من جهة أخري وکان المادح يرضي بالقليل الذي يعطي،وکان شاعرنا يلحظ بهذا الانحطاط التکسبي في العصر العباسي.کما شاعرنا عاصر تسعة من الخلفاء العباسيين. لقد مدح ألواناً من الناس في عصره،فمدح الوزراء و الکتاب والقواد والتجار وأصحاب الجاه و النفوذ. فإنَّ مدائحه للخلفاء نادرة،ومدح المعتمد مدحاً مباشراً ومن ممدوحي ابن الرومي آل طاهر،آل وهب،آل نوبخت،وبنو مدبر. ابن الرومي في مدحه کان يبتعد عن موضوع المدح ويملأ القصيدة بالحکمة والشکوي وذم الزمان ومدحه خالياً من الصدق و العاطفة. يقول عاصم جنيدي في کتاب کتبه حول ابن الرومي وحياته وفنه :کأنه في المدح يغرّد خارج سربه. و لهذه الأسباب لم يکسب بمدائحه ما يؤمل فيه، فکان يبدو عليه، وهو يمدحهم أنه يضمر لهم "فلسانه أطول من عقله" لأجل ذلک لم ينجح بمدائحه.

الغزل: الغزل من الأغراض الرئيسية في شعره،ينتشر الغزل في مطاوي أهاجيه ومدائحه،و وصف الغانيات المتصل بالجواري و المطربات وحديثه عن صورة الغزل المشتت بين أحاسيسه الصادقة.

العتاب والاعتذار:
إن من يلتفت النظر في الأحوال النفسية عند ابن الرومي يري أنَّه أحاط نفسيته بالاضطراب والتطاير والوساوس وکُلَّ واحد قد أثر في إعتذارياته علي المبالغة المعنوية التعليميةالمسرفة وقصد الإقناع والتثبت.. فکان لابُدَّ من مواجهته بعتابٍ رقيقٍ. لکن الحديث عن نفسية ابن الرومي يتصل باعتذاره، هو ذلک التناقض الَّذي يحمل علي المدح ثم يحمله علي هجائه و عتابه. .يوضح لنا أوضاع المجتمع العباسي،تتخذها وسيلة للشکوي من الحرمان والتخلص من آلام الفقر أو تطيره وخيبة الأمل ويجتنب في هجائه عن مصانعة الأشخاص.فهو أفضل الناس في معرفة تلک العيوب والأمراض، إذ يلجأ إلي الأسلوب المباشر في الأدب،و هو الهجاء أو نوع من التهکم أو السخرية.


المعتز:

هو عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس، ولد سنة 247هـ، قَتَل أتراكُ القصر وخصيانُه أباه المعتز، ونُفيَ هو إلى مكة وهو في مقتبل العمر، وعاش في كنف جدة صُودِرَتْ أموالهُا. وبعد عودته إلى سُرَّ من رأى ثم إلى بغداد، ظلت حياته مضطربة تعاني ابتلاءات الدولة العباسية، فانصرف يلتمس السلوى في اللهو والمجون جانبا من حياته، ولكن هذا الجانب لم يستطع أن يُخفي صورة علَمٍ من أعلام الشعر العربي، ومؤلف له حضوره في تاريخ الثقافة العربية. ولما أُطيح بالمقتدر في سنة 296هـ، بويع عبد الله، لكن خلافته لم تستمر أكثر من يوم وليلة. ومات ابن المعتز مقتولا في تلك السنة، فكان حلقة في سلسلة مهزلة الإطاحة بخلفاء بني العباس على أيدي الأتراك منذ عهد جده المتوكل(247هـ).

ومهما اختلف الناس حول حياة ابن المعتز، فإن عِلمَه عوَّضَه إخفاقَه في السياسة، وأعطاه مكانة في تاريخ الثقافة العربية تشهد له بالعبقرية. قال عنه صاحب «الفهرست»: محمد بن إسحاق النديم ( وفاته بعد 400هـ):« واحد دهره في الأدب والشعر، وكان يقصده فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم، ولقي العلماء من النحويين والإخباريين، كثير السماع غزير الرواية »
أخذ ابن المعتز الأدب عن كل من أبي العباس المبرد ( 286هـ)، وأبي العباس ثعلب (291هـ )، وهما أشهر علمين من أعلام المرحلة. واختص به محمد بن هبيرة الأسدي المعروف بـ"صعوداء"، وعمل له رسالة فيما أنكرته العرب على أبي عبيد القاسم بن سلام ووافقته فيه.
وعدَّه أهل التراجم في جملة الأدباء والعلماء. كان غزير الأدب شاعراً ناقدا بلاغيا. وكان مجلسه من منتديات الثقافة في عصره. وقد أخذ من كل فن من العلوم بنصيب.
يقول ياقوت الحموي (626هـ):« وقد لقي طائفة من جِلَّة العلماء كأبي العباس المبرد وثعلب، وتأدب عليهما، ولقي أبا علي الحسن بن عليل العنزي، وروى عنه، وروى عنه شعرَه جماعة منهم أبو بكر الصولي»
وقال عنه ابن خلكان (681هـ):« كان أديبا بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر، قريبَ المأخذ سهلَ اللفظ جيِّدَ القريحة، حسنَ الإبداع، مخالطاً للعلماء والأدباء معدودا من جملتهم»
كان لابن المعتز دورٌ هام في دراسة الشعر المحدث من خلال مؤلفيه: طبقات الشعراء ورسالته في محاسن شعر أبي تمام ومحاسنه، بشكل خاص، وبتأليفه للبديع رسم نهجا جديدا لتذوق شعر المحدثين، مَكَّنَ النقاد من التفاعل مع ذلك الشعر في ضوء مقاييس نابعة من إبداع المحدثين.

فابن المعتز ممن أرخوا للشعر المحدث وعملوا على نشره ودراسته، فهو قد عرض في كتابه طبقات الشعراء أخبارهم ونماذج من أشعارهم ( أثبت أشعارا تزيد على ألف وخمسمائة بيت لا توجد في كتاب سواه ). وغايته أن يعرض لما« وضعته الشعراء من الأشعار في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس، ليكون مذكورا عند الناس»

وذكر أن الناس في زمانه قد سئموا من أخبار المتقدمين وأشعارهم؛ فإن شعر القدماء« قد كثُرت رواية الناس له فملوه، وقد قيل لكل جديد لذة، والذي يُستعمل في زماننا إنما هو أشعار المحدثين وأخبارُهم». فهو ألف كتابه ليستريح الناس من أخبار المتقدمين وأشعارهم، على حد قوله.

وكتاب الطبقات جمع فيه ما يزيد على مائة وعشرين شاعرا، بدأه ببشار بن بُرد وأنهاه بالناشئ الأكبر، عرض فيه لأخبارهم، ولرأيه في بعضهم، مع اهتمامه بكثير من المغمورين من الشعراء العباسيين.« والكتاب بعد هذا سجل للحياة الأدبية بعد أن خلفت وراءها عصر العربية الخالصة بموت فحول بني أمية أوائل القرن الثاني الهجري، وفيه نرى الاتجاهات العجيبة والمحاولات التي كان يُقصدُ من ورائها تحطيم المأثور وإقامة الجديد. كما نرى الموازنات العاقلة والشروح الدقيقة والميل إلى أخذ المسائل أخذا وجدانيا بعيدا عن الجدل الذهني الذي غلب على النقد فيما بعد».

فابن المعتز عمل على نشر محاسن شعر المحدثين، وإذاعته بين القراء، وإطرائه والتنويه به، ولم يلتفت كثيرا لمن سلك في شعره مذاهب القدماء، فشعر بشار كان لديه« أنقى من الراحة، وأصفى من الزجاجة، وأسلس على اللسان من الماء العذب».

فالمحدثون اقتدوا بالقدماء في البديع، وبهذا كان شعرهم يرتبط بوشائج فنية بالشعر القديم. ومأخذه على المحدثين إنما على إسرافهم في استعمال البديع. فأبو تمام إمام المحدَثين شُغِف بالبديع« حتى غلب عليه وتَفَرَّعَ فيه وأكثرَ منه» ، فآل أمر شعره إلى التكلف نتيجة اندفاعه ومغالاته في التجديد.
وهناك كتب شاركته في العناية بشعر المحدثين، أشير إلى بعضها في فهرست محمد بن إسحاق النديم: كتاب الورقة في أخبار الشعراء لمحمد بن داود 296هـ (وقد وَزِر لابن المعتز يوم خلافته ) وكتب ابن طيفور، أحمد بن طاهر 280هـ في اختيارات أشعار الشعراء المحدثين ،
وكتاب الباهر في الاختار من أشعار المحدثين والشعر والشعراء الكبير وكتاب محاسن أشعر المحدثين لجعفر بن محمد بن حمدان الموصلي . وكتاب الروضة للمبرد 285هـ وكما فعل هارون بن علي المنجم في كتابه البارع. لاحظ د. أحمد درويش أن ابن المعتز يضع النثر قبل الشعر حتى في الحديث؛ ليدفع زعم المحدثين بان البديع من خصائص الشعر على الإطلاق، وهو بهذا يُحاول« أن يسحب البساط من تحت أرجل هؤلاء الشعراء مرتيْن ».
أما عن تصنيع ابن المعتز وتصويره في شعره، فإن د. شوقي ضيف، رحمه الله، يرى أن ابن المعتز لم يستطع« أن ينهض بالتصنيع الذي أحدثه أبو تمام، فقد اقتصر في تصنيعه على الزُّخْرُف الحسيّ، زخرف الجناس والطباق والتصوير». ويرى أن تصويره لا يحتاج إلى تأمل عميق، وأنه عَدَلَ بتصنيعه إلى التشبيه لأنه لا يحتاج بُعداً في الخيال ولا عمقا في التصوير.

ابن المعتز العالم المتحقق بالبديع:
قال أبو بكر الصولي (335هـ)- وهو العارف بشعر المحدثين، الجامع لدواوينهم -:«اجتمعتُ مع جماعة من الشعراء عند أبي العباس عبد الله بن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققاً ينصر دعواه فيه لسانُ مذاكراته، فلم يبق مسلك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شِعْباً من شِعابِه، وأوردنا أحسن ما قيل فيه». وبعد أن أورد مجموعة من الاستعارات الجيدة من شعر لبيد وذي الرمة وجرير، أنهى الصولي قوله هكذا:« فما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلا وقد غمره من بحر أبي العباس ما غاض عنه معينه، ولم ينهض حتى زوَدنا من بِرِّه ولُطفه نهاية ما اتسعت له حاله».

ويُستفاد من قول الصولي أن فنون البديع صاحبت الشعر العربي من أقدم عهوده، وأن ابن المعتز عُرف بين أبناء زمانه بولعه بظاهرة البديع في الشعر وبمعرفته الدقيقة به، وبأنه كان خير من استكشف نماذج تلك الظاهرة في التراث العربي، فشُهد له بالسبق فيها.

فابن المعتز أحد العلماء المتحققين بالبديع، ومن أهم ما تميز به ابن المعتز أن معاصريه شهدوا له بالتحقق بالبديع؛ أي أن المعرفة المتخصصة بقضية البديع انتهت إليه، وأصبح الخبير الأول بحقيقتها، وإليه يحتكم الشعراء في شأنها.
وقال المستشرق الروسي كراتشكوفسكي (1883 – 1951م)، محقق كتاب البديع:« إنه شاعر ذو علم واسع وخبرة شاملة بقضايا التاريخ، درس الشعر وفنونه وأشكاله كما درس الأساليب اللغوية والشعرية بدقة وإتقان، ثم كرس كل اهتمامه للكلمة وفن التعبير» واعتبر د. طه حسين عبد الله بن المعتز من كبار العلماء في القرن الثالث، والعلماء في الأدب والغناء بنوع خاص. كتب في الشعر وسرقات الشعراء وكتابه في البديع مشهور، والمتقدمون يرون أن ابن المعتز هو الذي وضع علم البديع
وأرى أن ابن المعتز قرأ جانبا هاما من التراث العربي، فاستوعب حقيقته، وأحسن هضمه، وتعلق به فأبرز شخصيته من خلاله، وطبع شعره بطابعه الخاص في طور التجديد في ضوء حركة الشعر العربي في العصر العباسي. وكفاه فخراً أن يُؤلف « كتاب البديع »، وأن تتمثل في كتابه هذا انطلاقة تدوين البلاغة العربية، وأن يظل محط أنظار الدارسين على مدى السنين.

ابن المعتز والنقد الأدبي:
وابن المعتز يُمثل ظاهرة الشاعر الناقد، فهو ممن مارسوا قول الشعر وضربوا بسهم في مجال النقد الأدبي، كما يتضح بشكل خاص في كتابه الطبقات، وما له من إشارات في كتابه البديع، وكان نقده قائما على الذوق العربي الأصيل. وعن مكانته النقدية اعتبره ابن رشيق: « أنقد النقاد».
وقال عنه كراتشكوفسكي (1651م): «كان أديبا ناقداً، وافر العلم والثقافة، دقيق البصر بمكامن الجمال، سليم الذوق والأحكام والآراء».

وجعله طه إبراهيم ممثلا لذهنية الأدباء لنقاد القرن الثالث للهجرة، وهي« طائفة درست الأدب قديمه وحديثه، وأخذت القديم عن اللغويين والنحويين، ولكنها عُنيت بالمُحدث أشد من عناية هؤلاء وحفِلت به، وأقبلت على تحليل عناصره، وما يجِدُّ فيه عهدا بعد عهد، وما بينه وبين المذهب القديم من تفاوت، تلك هي طائفة الشعراء والأدباء وعلماء الأدب. ومن أظهر الأمثلة لهؤلاء عبد الله بن المعتز، فقد كان كثير السماع، غزير الرواية، يلقى العلماء من النحويين والإخباريين، ويقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم، ولكنه كان مع ذلك بارعا في الأدب، حسن الشعر، مهتما بنقد المحدثين» وابن المعتز من أعلام النقد الأدبي، له آراء نقدية تنم عن إحساس صادق بالشعر. وقد اعتبره د. بدوي طبانة زعيم المدرسة البيانية في الحكم على الأدب وفي تذوقه
ويرى د. أحمد كمال زكي أن ابن المعتز بتأليفه لكتاب البديع قدم« أخطر أثر في تاريخ النقد العربي على الإطلاق، ولعله أيضا به، ثم برسالته عن أبي تمام، قد شحذ الهِمم إلى مناقشة آراء المجددين من الأدباء في ضوء منهج له قواعده الواضحة الثابتة»
ومن أجل دراسة الجانب النقدي البلاغي عند ابن المعتز حاول د. جابر عصفور أن يتخذ من آثار ابن المعتز نصا متكاملا ينطوي على نظراته السياسية وأفكاره الاجتماعية وتصوراته الدينية وممارسته الإبداعية، وربط هذا النص بأبعاده بالصراع الذي وقع بين القدماء والمحدثين في القرن الثالث للهجرة. وسعى في دراسته هذه أن يبنيها على التصادم بين أهل الاتباع والابتداع، أي بين أهل النقل وبين أهل العقل، أي على مقولة الصراع الطبقي. فطوَّع كل شيء في ذلك النص لهذه المقولة. وما قاله د. جابر عصفور ينسحب على الآمدي وعلى القاضي الجرجاني وعلى عبد القاهر الجرجاني؛ فالصراع بين القدماء والمحدثين – في تصوره - هو صورة « لتعارضات دينية سياسية تشريعية من ناحية، ودالة على تعارضات اجتماعية ارتبطت بصراع المجموعات الحاكمة والمحكومة من ناحية أخرى»
واعتبر الباحث أن زمن ابن المعتز لاذ بمبدأ « التقليد» الذي يواجه حرية العقل في الإبداع، وأن كتاباته ارتبطت ارتباطا وثيقا« بالموقف الفكري العام لتيار القدماء النقلي الذي مثله جماعة اللغويين من ناحية، وأصحاب الحديث من أهل السنة والجماعة من ناحية أخرى»
والأولى بالعناية أن يُنظَر إلى تنامي ظاهرة البديع في الشعر العربي، وما حصل فيها من تطور في أشكالها، من زمن ابن هرمة إلى أن بلغ البديع أوجه في شعر أبي تمام. وعلى الرغم مما كُتب من أبحاث في الأدب العباسي، فإني لم أعثر يوما على دراسة تكشف بدقة عن تنامي ظاهرة البديع منذ ظهورها لدى الرعيل الأول من الشعراء المولدين، وكيف تطورت في أشعارهم، وتنوعت في أساليبهم وتشكَّلت في اتجاهاتهم! وابن المعتز شاعر محدث، وهو يُناصر الشعر المحدث ويُنظِّر له؛ لأن هذا الشعر أصبح حقيقة ماثلة في الوجود العربي، تنفعل بها مرحلته، وما عاد يُعابُ منه إلا ما سقط في التكلف الممقوت؛ الذي تأباه الفطرة والذوق السليم.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم