انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الخامسة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة احمد حسين حسن السعدي       29/11/2018 05:30:57
المحاضرة الخامسة:

مظاهر التجديد في العصر العباسي

بدأ التجديد في الكوفة ولعل ذلك يرجع الى أن الكوفة نشأت بجوار الديانتين
اليهودية والنصرانية ، كما جاورت عقائد السكان الأصليين من مانوية وزرادشيتية
ومزدكية، وقد كانت حياتهم عامرة بالحانات والأديرة وفنون اللهو والعبث – ولهذا
كان شعراء الكوفة هم أول من خرجوا على عمود الشعر العربي منذ بداية القرن
الثاني الهجري – ويمثل عمار ذو كناز خير مثال لشعراء الكوفة 1، ومما يؤكد هذا
التأثير الخطير الذي كان لشعراء الكوفة في حركة التجديد اعتراف أبي نواس بهذا
التأثير في ناحية من نواحيه اذ يقول:
ذهبت بنا كوفان مذهبها
وعدمت عن ظرفائها صبري 2
وقد وصف بروكلمان تطور حركة التجديد تلك فقال : ( كان قالب القصيد
كما هو معروف في الشعر الجاهلي – قد صار طرازًا قديمًا باليًا في أواخر عهد
الدولة الأموية – فلم يقو على مسايرة العصر – لقد كانت مواده ومعانيه المتوارثة
المحدودة في نطاق ضيق، مرتبطة بحياة البادية، فلم تعد تتفق مع الروابط
والصلات الجديدة التي تختلف عن علاقات البادية اختلافًا كبيرًا والتي قامت بين
السكان المختلطين من العرب والعجم في المدائن الكبيرة ، وهكذا انحل عمود
الشعر فما كان من فقرات القصيد القديم صالحًا للحياة بعد تناوله كبار الشعراء في
هذا العصر فصاغوا منه أنواعًا مستقلة من الشعر كالخمريات والغزل والطرديات
. وغير ذلك 3
أخذت حركة التجديد تسري في مطلع القرن الثاني الهجري وتصطدم بعنف
مع عمود الشعر القديم – ومنهجه وقوالبه ومما أعان على ذلك ظهور طبقة جديدة
في المجتمع من ناحية جنسها اذ كانت مزيجًا بين العرب والأجناس الأخرى التي
أخضعها المسلمون في فتوحاتهم، اذ اختلفت طريقة تفكيرهم عن العرب.
أما في بداية القرن الثاني الهجري فقد ظهر الشعراء المولدون الذين
يحسنون العربية الى حد البراعة في قول الشعر مثل زياد الاعجم وغيره، كما
يحسنون لغتهم الأخرى، فثقافة اللغتين ت ? ولد روح التجديد التي لا تنظر الى التراث
الشعري القديم نظرة التقديس والرهبة.
أول مظهر من مظاهر التجديد هو البعد الى حد ما عن القصائد المطولة
التي كانت أساسًا في الشعر الجاهلي القديم، واختيار المقطوعات الصغيرة التي لا
. تتجاوز بضعة أبيات
ويرى هدارة أن طبيعة التطور الحضاري الذي آل اليه المجتمع الاسلامي
في ذلك العصر فكلما تعقدت أسباب الحضارة وطريقة الحياة تس ? رب الملل الى
نفوس الناس، ولم يكن لديهم الاستعداد ولا الوقت الذي يتيح لهم أن يقفوا كما كانوا
يقفون في عكاظ، والسبب الآخر في رأيه هو انكماش القصائد المطولات في القرن
الثاني وهو ان الشاعر أصبح يحد قصيدته بفكرة معينة، لم تستغرق منه غير أبيات
معدودة عكس المعلقات.
إضافة الى ذلك تأثير الغناء، إذ كان أكثر الشعر ?يغنى، ويقتصر شعرهم
على المقطوعات القصيرة، وتقديمها في إطار موسيقي جذاب، وهذه كانت لغة
الشعر في ذلك القرن.
وقد أثرت الثقافة الهندية ايضًا في لغة الشعر والأدب في بعض الألفاظ
القليلة مثل: زنجبيل، خزران، ابنوس، وبعض أساليب القصص والحكايات وكان
تأثير الهند قلي ً لا بالمقارنة مع تأثير الفرس واليونان، وقد أعجب العرب بالحكم
والأمثال الهندية التي انتشرت في ثنايا الكتب العربية مثل عيون الأخبار كإبن
قتيبة، وقد أخذها كثير من الشعراء كأبي نواس الذي أخذ مقولة الهند بأن الشيء
اذا ازدادت برودته بدرجة كبيرة يصير حارًا يقول:
سخنت من شدة البرودة حتى
صرت عندي كانك النا ? ر
والأتراك لا نجد لهم أثر سوى بعض الألفاظ المنشورة هنا وهناك مثل:
سنجقدار، ومهمندار، وسردار، والفاظهم قليلة لأنها لم تأت إلا بعد ان استوفت
. العربية ما تحتاج اليه من مصطلح في العلم ومستعمل في الأدوات 1
وهذه الألفاظ 2 ربما دخلت الشعر العربي على حالتها الأعجمية دون تغيير،
وربما تستخدم معربة مثل كلمة ( آذربونها) في قول ابن المعتز:
سقيا لروضات لنا
من كل نور حاليه
عيون آذر بونها
والشمس فيها كاليه
باطيه من ذهبٍ
فيها بقايا غاليه
كما كان ظهور مقامات بديع الزمان الهمذاني، والحريري حكايات طريفة تدور
كل حكاية منها حول حيلة يحتالها رجل لكسب شي من المال ، صيغت في أسلوب أدبي
– وكل مقامات البديع بطلها ابو الفتح الاسكندري، وكل مقامات الحريري بطلها أبو زيد
السروجي.
واشتهر من شعراء بني ساسان في القرن الرابع شاعران كبيران يعاصران
البديع ويسبقان الحريري وهما الأحنف العكيري وأبو دلف الخزرجي بالولاء الذي
يقول:
قد قسم الله رزقي في البلاد فما
يكاد يدرك الا بالتصاريف
ولست مكتسبًا رزقًا بفلسفة
ولا بشعر ولكن بالمخاريف
والناس قد علموا اني اخو خيل
فلست انفق الا في الرساتيف
وأبو دلف يقول:
جفون دمعها يجري
لطول الصد والهجر
ومنها:
على أني من القوم البهاليل بني العز
بني ساسان والحامي الحمى في سالف العصر
ومن باب استعمال الألفاظ مث ً لا استعمال دور : اذا دار على السكك والدروب
وسخر بالنساء ورعس بمعنى طاف على حوانيت الباعة فاخذ من هنا جوزة ومن هنا
لوزة و( الكذابات) بمعنى العصيات يشدونها على جباههم يوهمون بها انهم مرضى –
ولهم لغة خاصة واذن خاصة واصطلاحات لا يكاد يفهمها غيرهم، تسمى ( متاكات بني
. ساسان) 1
1-التجديد في الألفاظ:
تدل اللغة علي الحياة العقلية من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر
من مظاهر عقلها ، فلم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف عن السلف
كاملة ، وإنما يخلق الناس في أول أمرهم الفاظًا علي قدر حاجتهم فإذا ظهرت
أشياء جديدة خلقت لها ألفاظًا جديدة ، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها،
. واشتقاقات وتعبيرات اللغة تنمو وترتقي تبعًا لرقي الأمة 1
كان بنو العباس علي جانب رفيع من قوة البيان وزراية اللسان وحضور
البديهة ومتانة الإرتجال يدلل علي ذلك ما سلف من أبي جعفر
المنصور إذ قطع عليه خطبة الجمعة بعض الحاضرين فقد قال ما قال كأنه يقرؤه
من لغة ، ثم عاد إلى الخطبة بعد ، يصل ما كان بما يكون ، ويدلل عليه ايضًا
ماتقدم عن داؤد ابن علي محسًا عن أنفسهم أنهم أمراء الكلام ((الا واّنا لاننطق
بطرًا ، ولا نسكت حصرًا، بل نسكت معتبرين ، وننطق مرشدين ، ونحن بعد
أمراء القول فينا وشجت أغراضه، وعلينا عطفت أعضائه، ولنا تهدلت ثمراته،
فنتخير منه ما إحلولى وعَُذب ، ونطرح منه ما إملولح و َ خ?بث)) ثم هم بعد كثرة
كثيرة ملأت الأمصار واحتلت المنابر والأعواد ، ولما كان القرن الثاني قد شهد
تطورًا كبيرًا في هاتيين الناحيتين، فلا بد أن تكون لغة الشعر فيه شاهدة علي هذا
التطور ايضًا.
فالمجتمع العباسي خلق ذوقًا جديدًا لإنسان العصر وان هذا الذوق كان له
تْاثير في تغير كثير من التصورات والمفاهيم الأدبية، إن الذوق الجديد في العصر
العباسي استطاع-علي الرغم من كل شئ – أن يفرض نفسه علي الحياة الأدبية
ومن ثم في النتاج الأدبي نفسه ، كما جاء في مدح أبي تمام لأحمد بن الخليفة
: المعتصم
في حلم احنف في ذكاء اياس
لا تنكروا ضربي له من دونه
مث ً لا شرودًا في الندى والباس
فأبو تمام يضرب به المثل في استخدام البديع والافراط في التصنع
والتنميق. وقد نظم كثير من شعراء هذا العصر في ألفاظ سهلة بسيطة قريبة من
لغة الحياة اليومية ، تعبيرًاعن أفكارهم مباشرة دون قيود ، إذ سرعان ما ينتشر
قبولها بين الناس فعندما ? سئل بشار عن قوله:
ربابة ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات
وديك حسن الصوت
مقارنة بقوله:
اذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دمًا
اذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة
ذرى منبر صلى علينا وسلما
رد عليهم : كل شيء في موضعه 1، وقولي هذا لها أحب اليها وأحسن
عندها من:
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فأرى أنه كأنما يقول لهم لكل مقام مقال اي أنه يخاطب ك ً لا بما تقضتيه
عليه الحالة، وهذا دليل على الصدق وشفافية التلقائية.
تح ? ولت أشكال الشعر من قلة التنوع وكثرة التشابه إلى وفرة البديع
والإستعارة والتشبيه ، يقول ابن قتيبة ( وكل علم محتاج الي السماع وأحوجه الي
ذلك علم الدين ، ثم الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة واللغات المختلفة ، وأسماء
الشجر والنبات والمواضع والمياه ، فانك لاتفصل في شعر الهزليين اذ أنت لم
تسمعه بين شابه وسابه وهما موضعان، ولا تثق بمعرفتك في حزم نبايع وعزوان
الكترات، واسد حلية، واسد ترج، ودفاق وتصارع ، واشباه هذا ، لانه لايلحق
. بالذكاء والفطنة كما يلحق مشتق الغريب) 1
ويرى شوقي ضيف أن الأدب العباسي لم يكن عربيًا خالصًا فقد تجدد في
اغراضه وفنونه وألفاظه وأسلوبه ، فأكثر أدباء هذا العصر من المولدين ، كما ان
الأدب نفسه مولدًا واتجه هذا الشعر في كثير من حالاته الي قطع الصلات التي
تربط بالشعر الذي يتسم بالمحاكاة للقدماء وعلي الرغم من هذه الجدة التي تبدو
علي الأسلوب المولد ، فْانه لم يكن جديدًا كامل الجدة ولم تكن أساليبه مقفولة
الصلة بالشعر القديم وإن جنحت في بعض الحالات الي ذلك (فأسلوب المولدين
يقوم علي عتادة من القديم ، وعدة من الذوق الحضري الجديد ، وهو أسلوب يحا
فظ علي مادة اللغة العربية ومقوماتها النحوية والتصريفية ويلائم بينها وبين حياة
العباسيين المتحضرة بحيث تنفي عنه الفاظ العامة المبتزلة كما تنفي عنه الفاظ
. البدو الوحشية ) 2
كما يرى حسين عطوان 3: إن دخول الأجانب بلاد العرب قد أحدث
تمازجًا ثقافية واجتماعيًا أدى الي تغير لغوي كبير في التركيب والدلالات
والألفاظ التي تعددت فلم تكن فارسية فقط ، فجاءت في أشعارهم كلمات رومية ،
. يونانية نبطية 4
وجاء عند أبي تمام استعمال كلمة ( البطريق) والتي تعني القائد وقد ذكرها
في قوله:
يستغيث البطريق فهلا
وهل تطلب إلا مبطرق البطريق 5
والألفاظ الفارسية الدخيلة كانت قليلة العدد إذا قارناها بالمفردات العربية
المتب ? حرة، فاستطاعت العربية أن تقهر اللغة الفارسية بفضل الدين والسلطان
ونتيجة لطغيان الفارسية على غيرها من الحضارات الأجنبية، وتأثيرها اللغوي في
البصرة والكوفة، وهما مركزان إسلاميان خطيران في الحياة الثقافية والعقلية
والعربية، وبالرغم من انتشار العامية والدخيل، إلا أن الكلمات الفارسية الدخيلة
انحصرت في الأسماء، فلم تكن هناك حروف أو أفعال إلا في القليل النادر فقد
ع ? رب العرب ما احتاجوا اليه مما ليس في لغتهم من أسماء الأطعمة والأدوية
والنبات والأدوات مثل السكباج ، والفالوذج، والخولنجان، والسنجاب، والمهنذر،
والزرنيج، والدسكرا، والطيلسان، وهذه الألفاظ الدخيلة كثيرًا ما كانت تخضع في
أصواتها وموازينها الصرفية للغة العربية، فاتبع العرب قواعد معينة في تعريب
هذه الألفاظ حتى تلبس ثوب العربية، وقد أدت العوامل الثقافية والاجتماعية دورًا
كبيرًا في ظهور هذه الألفاظ في لغة العرب وآدابهم، فقد وجد المجتمع العباسي
نفسه أمام أشياء جديدة في كثير من مناحي الحياة، في المأكل والمشرب وآلات
الطرب والغناء وأدوات الزينة والزخرف، وفي الدواوين ونظامها، وما إلى ذلك
مما لم يكن للعرب عهد به أو سابق معرفة، وبدهي ألا يكون في ألفاظ العرب ما يدلُّ
عليها وما يعبر عنها، فسلكوا خير سبيل يسلك في هذا الظرف، وهو أن يتوسعوا في
مدلولات الكلمات العربية أحيانًا لتؤدي المعنى الجديد، أو يأخذوا الكلمات الأجنبية كما
. هي أحيانًا مصقولة بما يتفق ولسانهم أحيانًا أخرى 1
إن تأثر العربية بالألفاظ الفارسية خاصة دفع ببعض الناس إلى تحميل المسألة
أكثر مما تحتمل، فمالوا بها مي ً لا شعوبيًا ممقوتًا . وقد جاوز المحدثون الحد في استعمال
هذا الدخيل الذي استخدمه من قبل الشعراء، ولكن بصورة مرضية وقليلة، يقول
الجرجاني في هذا : ( فالمحدثون قد اتسعوا فيها حتى تجاوزا الحد فاحتاجوا إلى الإفهام،
وكانت تلك الألفاظ أغلب على أهل زمانهم وأقرب الى أفهام من يقصدون، وقد أفرط أبو
ونجده استعمل هذه الألفاظ تملحًا، ولا يخلو الأمر عنده من شعوبية، وقد حملت
الشعوبية بعض الشعراء على التخلي عن المواضيع البدوية التي كان يرددها جرير في
شعره واستبدالها بمواقع أخرى حضرية ذات أسماء أعجمية من صميم حياتهم مثل:
. أحياء الكرخ، وكلواذ وطيزناباذ 1
كان العنصر الفارسي من القوة والانتشار بحيث جعل للغته مكانًا في المجتمع
الاسلامي منذ القرن الأول، فتأثرت بها العربية بعض التأثر، وظهر أثر ذلك في الشعر
نفسه، فنجد مث ً لا الصبيان في أزقة البصرة يسألون يزيد بن مفرغ حين عاقبه عبيد الله
بن زياد : إين جٍيست؟ ( أي ما هذا؟) فيجيبهم بالفارسية:
آب است نبيذ است
عصارات زبيب است
سميه روسبيد است
أي هذا ونبيذ وعصارة زبيب وسمية البغي 2
ونجد أسود بن أبي كريمة يخلط بين العربية والفارسية في شعره إذ يقول:
لزم الغرام ثوبي
وبكرة في يوم سبت
فتمايل ُ ت عليهم
ميل ( زنجي بمَست)
قد حسا الداذ ? ي صرفًا أو ? عقارًا ( بايخست) 3 بخ أست بخست
المست السكر وإدمان الشراب، الداذي : نوع من الشراب – وبايخست بمعنى موطؤ
بالأقدام.
ولم يعتصم شعراء البدو أيضًا من تأثيرالألفاظ الفارسية، فكانوا يدخلونها في شعرهم
للتملح – كما يقول الجاحظ – نجد هذا في شعر العماني وهو يمدح الرشيد:
من يلقه من بطل مسرند
في زغفة محكمة بالسرد
يجول بين رأسه والكرد
- هذا الغزو الفارسي يبين طبيعة الصراع بين العربية والفارسية، وقد ظل هذا الاشتباك
بينهما قائمًا طوال القرن الثاني الهجري، وظهرت آثاره واضحة عند شعراء هذا القرن
وبخاصة عند الذين لهم أصول فارسية كأبي نواس - يرى هدارة 1 : ان هذا الصراع والتأثر
بالفارسية من غيرها من اللغات المحلية، ينجم عن التأثير الفارسي القوي وعدم توفر ذلك
بالنسبة للألفاظ السريانية أو القبطية، ولم أجد إلا بيت واحد لابراهيم الموصلي الذي وردت فيه
عبارة سريانية على لسان حمار حين قال:
( ازل ابشين) حين و?دعني
وقد لعمرك منزلنا عنه بالشين
. ويقول الأصفهاني إن معناها أمض بسلام 2
3- التجديد في بنية القصيدة:
وللشعر الموزون إيقاع يطرب الفهم لصوابه، ومايرد عليه من حسين
تركيبه واعتدال أجزائه فاذا اجتمع الفهم مع صحة وزن الشعر وصواب المعنى
وحسن اللفظ، كان مسموعًا ومقبو ً لا، واشتماله عليه وإن نقص جزء من أجزائه
التي يعمل بها وهي اعتدال الوزن ، وصواب المغزى ، وحسن الألفاظ ، وللأسفار
الحسنة علي احتقالها مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها، كالريح القائمة المختلفة
الطيب والنسيم، لأن الحكمة غذاء الروح ، وقد قال النبي (ص) : ( إن من الشعر
. لحكمة)
لقد كانت بنية القصيدة من أبرز مظاهر الإتجاه الى الذوق الجديد والصراع
حوله بالاضافة الى ما استفاض في العصر العباسي منذ وقت مبكر من دعوة الى
ما نسميها الآن بواقعية التجربة الشعرية، أي ان يشتق الشاعر موضوعات شعره
مما يعانيه في حياته وفي بيئته المادية والاجتماعية الخاصة – وبرز هذا الصراع
بشكل واضح في مسألة المقدمة الطللية لقصيدة المدح، إذ ظل من الموضوعات
الشعرية المطلوبة في العصر العباسي، وكان من التقليد المتبع في قصيدة المدح أن
يقف الشاعر مسته ً لا على الأطلال، وتذكر الأيام الخوالي، أيام صباه وأنسه
بأحبائه، وما كان من رحيلهم بعد ذلك حتى لم يبق من آثارهم سوى النؤى
والأحجار 3 - داعمًا لذلك اختيار الذوق اللفظي – يقول ابن طباطب إن كل حاسة
من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها
ورودًا لطيفًا باعتدال لا جور فيه وبموافقة لا مضادة معها، فالعين تألف المرئى
الحسن وتتأذى بالمرئى القبيح الكريه، والأنف يقبل الشم الطيب ويتأذى بالمنتن
الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو ويمج الطعم المر، والأذن تتشوق للصوت
. الخفيض الساكن وتتأذى بالجهير الهائل 4
من حسن الحظ أن اللغة العربية أظهرت قابلية للتشرب عظيمة، وشفت عن
طواعية غريبة المثال فاستوعبت ما استمد من ألفاظ نتيجة الترجمة، واشتقت
لكلمات جديدة، وظهر أسلوب جديد في التعبير يختلف عن الأساليب التي شاعت
في صدر الاسلام، ظهرت الكلاسيكية الجديدة التي تحسن التعبير عن التيارات
الجديدة في شعر رصين، كما ظهر أدب الرسائل متأثرًا بتقاليد الفرس، وظهرت
الأساليب العلمية الدقيقة في الطب والفلسفة، والرياضة والفلك، كما ظهر الكتاب
الموسوعيون الذين يحولون هذا الذاد الثقافي الى كتب معاجم وطبقات.
كان الشاعر القديم يقدم لمدحته بوصف الأطلال معبرًا عن حنين قوي
لملاعب حبه في صباه وشبابه مستطردًا من ذلك إلى وصف الصحراء، ولكن في
العصر العباسي تتسع دائرة الخيال ليتخذ الشاعر موضوعات جديدة يجنح بها
جنوحًا شديدًا إلى ترك المحافظة على بناء القصيدة التقليدي، وإلى اقتطاب
أغراضه دون مقدمات طللية ولا تشبيهية، فكان يصنع مقطوعات كثيرة لعدة
أغراض منها الهجاء، ونجدها عند بشار عندما ر?د على الإعرابي الذي قال له:
( ما للموالي والشعر؟) 1 قال:
أحين كسيت بعض العري
خزًا ونادمت الكرام على العقار
تفاخر ياابن راعية وراعي
بني الأحرار حسبك من خسار
وكنت اذا ظمأت الى قراح
شركت الكلب في ولغ الإطار
الى أن قال:
مقامك بيننا دنس علينا
فليتك غائب من حر نار
وفخرك بين خنزير وكلب
على مثلي من التهم الكبار
بنية القصيدة من أهم مظاهر التجديد في العصر وهي تصوير حي لبيئة
الشاعر الثقافية بواقعية تتجه للذاتية، وتميزت قصيدة المدح في هذا الإتجاه وفي
ذلك العصر.
4-التجديد في الأوزان والقوافي وبحور الشعر:
إن استخدام الشعراء لبحور شعر الخليل لم يكن مسألة تقليدية وقصورًا منهم
عن الابتكار والتجديد، ويعلق هدارة في ذلك :( هذه الأوزان الستة عشر تمثل في
الواقع تنوعا موسيقيا واسع المدى، يتيح للشعراء أن ينظموا في دائرتهم كل
عواطفهم وخواطرهم وأفكارهم، دون أن يجدوا حرجًا ليلائموا بين مادة شعرهم
الجديدة وما تقتضيه من موسيقى وايقاع خاصين) 1 ، إلا أننا عندما نبحر في أروقة
العصر العباسي ننبهر تمامًا بواقعية التجديد في الأوزان والقوافي وبحور الشعر،
فالشعر في ذلك العصر لم يلتزم بهذه البحور، فبشار نظم قصيدة يقول فيها:
عتب ماللخيال
خبريني ومال
عتب مالي أراه
طارقًا بالليالي
. فقيل له: خالفت العروض، فقال: (( سبقت العروض)) 2
إن انتشار الموسيقى والغناء ساعد على التجديد في الأوزان والجرس
الداخلي، فجاء الشعر سه ً لا رقيقًا خفيفًا حسن التقسيم حتى يسهل للغناء ويلائم
الموسيقى، فمال الشعراء إلى الإيجاز الراقص والنغم القصير كما في قول مطيع
بن إياس:
خرجنا نمتطي الّذهرَا
ونجعل سقفنا الشجرا
ونشربها معتقة
تخال بكأسها شررا
ذازة وجهها القمرا 1
وهذه الأوزان القصيرة مال اليها الشعراء كثيرًا (فقد وجدوا في تجزئة
الأوزان القديمة وزحافاتها وعللها ما يهيء لهم الفرصة لكي يختاروا اللفظ الذي
يتلاءم وما تفيض به جوانحهم) 2. وقد أكثر أبو العتاهية من هذه الأوزان
المجزوءة لسهولة الفاظه، ولكن هذه الأوزان القصيرة لم تكن قوية الموسيقى
والجرس كما يبدو عادة فقد جاءت عند أبي العتاهية ساكنة وهادئة ومن ذلك
قوله:
تعّلق ُ ت بآمال
طوال أي آمال
وأقبل ُ ت على الدنيا
مّلحًا أي إقبال 3
وقد عمد الشعراء كذلك الأوزان الملائمة للغناء كالمتقارب والهزج
والخفيف والرمل وحوروا في البحور القديمة وطوعوا نغماتها، وقّلبوا أوزان
البحور وأنتجوا أوزانًا جديدة مثل: المستطيل والممتد والمتوافر والمتئد والمنسرد
والمطرد. هذا إلى جانب ما ج?د من أوزان مثل المواليا الذي وضع عند نكبة
البرامكة بواسطة جارية جعفر البرمكي حينما رثته بمقاطع مقفيات السطور في
أربعة أجزاء مثل:
يادار ابن الملوك اين الفرس
أين اللذين رعوها بالقنا والترس
قالت أما تراهم دمم تحت الارض الدرس
سكو ? ن بعد الفصاحة السنتهم خرس
وهذا اللون أقرب الى بحر البسيط وقد ساده الأسلوب العامي كثيرًا.
وهناك أيضًا السلسلة والكاكان والدوبيت والقوما والموشحات، ومن
: الموشحات قول ابن المعتز 1
أيها الساقي اليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته
وبشرب الراح من راحته
كّلما استيقظ من غفوته
جلب الزق اليه واشتكى
وسقاني اربعًا في أربع
والقوما بيتان بقافية واحدة اخترعه العباسيون وقيل هي من قولهم: قومًا
نسحر قوما ولغته ملحونة ويدخلها العامي والأعجمي. كما نلاحظ أيضًا في
قصيدة بشار التي أولها:
تحمل الظاعنون فأدلجوا
والقلب مني الغداة مختلج 2
هذه من بحر المنسرح، والمعروف عن المنسرح ان تكون عروضته
صحيحة وضربه مطويًا: مستفعل مفعولات مستفعل مستفعل مفعولات مفتعل،
وبشار استعملها بعروض مطوية وضرب مطوي فعروضها: مفتعل وضربها
مفتعل في جميع أبياته، ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لعذر، لأن القصيدة
إذا وقع فيها التصريع، وهو مجيء اصراعها الأول مقفى كالمصراع الثاني، يكون
المصراع الأول على وزن الثاني عروضًا وضربًا، ولكنه عم ذلك في جميع
: القصيدة وقد تكرر ذلك منه في قصائده التي من بحر المنسرح في قوله 3
لا فجع الا كما فجعت به
من فارس كان دوننا حدبا 4
كان بشار يتنقل من بحر إلى آخر وعنه يقول الجاحظ ( انه كان شاعرًا
راجزًا س ? جاعًا خطيبًا صاحب منثور ومذدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين
أصحاب الإبداع والإختراع المفتنين في الشعر، القائلين في اكثر أجناسه وضروبه
وابن رشيق يرى أن بشارًا بن برد كان يصنع المخمسات والمزدوجات
. عبثًا واستهانة بالشعر 2
ونلاحظ أيضًا التجديد في الصورة الفنية كما في أشعار أبو تمام الذي
يضرب به المثل في استخدام البديع والافراط في التصنع والتنميق ، والذي يقول
في قصيدته (عمورية) مخاطبًا فيها المعتصم:
تركت فيها بهيم الليل وهو ضحى
يشله وسطها صبح من اللهب
فالشمس طالعة في ذا وقد افلت
والشمس واجبة في ذا ولم تجب
فمثل هذه التشبيهات : ش?به الليل بالضحى واللهب بالصباح ، والمقابلات
في البيت الثاني التى تزعم طلوع الشمس في الليل وغيابها في الصباح نظرًا
لاختلاط النار بالدخان عند احتراق المدينة بتلك الصوره شيء جديد في الشعر
، العربي الذي تعمد طوال التاريخ البساطة في التشبيه والاعتدال في الاستعارة 3
فاللغة القديمة كانت ألفاظًا جزلة قوية الرنين، ولكن حين تطور المجتمع وشاعت
فيه مظاهر الحياة الحضارية تغير إحساس الناس بالألفاظ فنفروا من اللفظ الغليظ
ومالوا الى الألفاظ الرقيقة، وتجاوز التجديد اللفظي حد تسهيل الألفاظ وتليينها
بتوشية الألفاظ كما يعنى بتوشية ثوبه، فأكثروا من استعمال الاستعارات والتشابيه
وافتنوا في انواع البديع، قال ابن منقذ: الإكثار من البديع كالتطبيق والتجنيس في
القصد، لأنه يدل على التلطف من الشاعر .
49
5- التجديد في المعاني:
إن التغير الذي حدث في الحياة العباسية أحدث تغيرًا واضحًا في
الشعرالعباسي من حيث الأغراض والمعاني والألفاظ، والأساليب، ان الشعر قد
سلك في أيام بني العباس طريقًا تكاد تخالف كل المخالفة طريقته أيام بني أمية،
فنشأت معان جديدة وذهب الشعراء مذاهب مختلفة في وصف المعاني والتعبير
عنها، ونشأ عن هذه المذاهب المختلفة ضروبًا من التصرف في فنون القول
. والاختيار بين ألوان الكلام 1
ومن عرف ترتيب المعاني واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات
ثم انتقل الى لغة اخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له في الأول،
ونجد أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من بعده من اللسان
الفارسي، فحولها إلى اللسان العربي، فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل
لاصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجود الاستعمال 2، ويؤكد أبو هلال ذلك
بقوله: إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدل عليها ويعبر عنها، فيحتاج صاحب
البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته الى تحسين اللفظ، لأن الدار بعد على إصابة
المعنى، ولأن المعاني تحل من الكلام محل الأبدان والألفاظ تجري مجرى الكسوة
. ومزية إحداها على الأخرى معروفة 3
ومن المعاني الجديدة التشبيه الجميل عند بشار عندما شبه الصباح باللون
الأبيض خارجًا على عادة الشعراء العرب الذين يستذكرون الحبيب يشكون له من
طول الليل وهمه، وإنما يربط ذلك بنفسه وحرمانه من فقدان بصره رابطًا انبلاج
الصباح بطرده لليل الذي يؤذن بالكبت والضيق، وهي صورة مركبة تلاحمت مع
الصورة النفسية، وذلك في قوله:
يا ليلتي لم أنم شوقًا وتسهادا
حتى رأيت بياض الصبح قد عادا
ك?برت لما رأيت الصبح منبلجًا
يحدو سؤالي حزن بات أو كادا
وما جاء من تشبيهاته التي تنتزع صورة من متعدد قوله أيضًا على سبيل
التشبيه التمثيلي:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فقد أعجب عبد القاهر الجرجاني بهذه التشبيهات، وعلل إعجابه بها لأنه
راعى ما لم يراعه غيره من الفضل ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس.
ظهرت ضروب من التكلف والتصنع بحجة الذوق والتنوع في المعاني،
وهذا ما ورد في أشعار ابن منير الطرابلسي والحكيم بن الفضل، وجاء في قول
صلاح الدين في حربه مع الفرنجة:
فكم َنَترَْت ? ه ? مو ضربًا إذا انتظموا
وكم نظمتهمو طعنًا إذا نثروا
فأخذ المعنى على نحو ما من قول أَبي الطيب:
نثرتهمو فوق الأحيدب نثرة
كما نثرت فوق العروس الدراهم
. أما ابراهيم خليل يعلق رافضًا هذا النوع من التصنع الذي يأباه الطبع 1
لقد تطورت المعاني تبعًا لتطور الأوضاع الاجتماعية والمفاهيم الحيوية
والمعايير الخلقية في العصر العباسي ، فبعد أن كانت الشجاعة والكرم وحماية
الجار هي من أهم الصفات التي ?يمدَح بها الإنسان بالإضافة إلى الفكاهة وعذوبة
الروح وتأكيد حق الخلفاء في الخلافة، حيث أن الخلفاء العباسيين كانوا يريدون من
الشعراء الذين يمدحونهم تأكيد حقهم في الخلافة ونصرة مذهبهم في وراثة الرسول
(ص) دون العلويين، بل لم يكونوا يرغبون في أن يمدحهم الشاعر بالفضائل
التقليدية المعروفة، وإن كانت هنالك مجموعة من الفضائل الإنسانية لا تجري
عليها أحكام التغيير والتعديل تلك التي أحصاها قدامة بن جعفر في أربع فضائل
هي:( العقل ، العفة، العدل، الشجاعة) 1 زائدًا الصفات التي يتقبلها ذلك المجتمع
المتحضر الراقي، والصفات التي يتحلى بها خلفاء بني العباس وقوادهم ممن كان
يتظاهر بالتدين، كما أن الهجاء كذلك صار مفزعًا فاحشًا،أما الغزل فقد تخللته
دعارة وتهتك فاحش، فإن موضوعات الشعر القديمة تجددت تجددًا واسعًا في
معانيها، فقد أخذت تعرض بصورة أدق وأعمق، ولم يقف الشاعر العباسي عند
ذلك، فقد أخذ ينمي بعض الجوانب لهذا الشعر حتى تخرج منه فروع جديدة كثيرة،
وتناول الشاعر العباسي موضوعات مختلفة أخذا يفردها بمقطوعات أو قصائد،
حينًا في تصوير الكرم وحينًا آخر في تصوير الحلم والحياء، والعفة، والصبر،
والتنفير من اليأس من مثل قول محمد بن بشير:
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
اذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
إن الأمور اذا انس?دت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
أخلق بذي الصبر ان يحظى بحاجته
ومدمن الَقرْع للأبواب أن يَلجا
فاطلب لرجلك قبل الخطو موضعها
فمن علا زلقا من غِ ? رة زَلجا
وهيأ ذلك لفتح باب واسع من تجليل الأخلاق المحمودة، وأيضا فإنهم و ? سعوا
من معاني الهجاء وما فيه من أخلاق مذمومة فتناولوها بالبسط والتفصيل منفصلة
عن أشعار الهجاء، وبذلك أتاحوا للمربين والمعلمين مادة طريفة لتأديب الناشئة،
وحثهم على الأخلاق الفاضلة، وصدهم عن الأخلاق المذمومة، وقد وقفوا طوي ً لا
عند واجبات الأخوة والصداقة واختيار الأخوان، والأصدقاء، وسبر أخلاقهم قبل
اصطفائهم، فهم على طبقات منهم مَنْ يشبه الدواء، ومنهم مَنْ يشبه الداء، ومنهم
المتصنع الملق الذي يشبه الثمرة المرة حسنة المنظر، فإن نزل بك سوء ف ? ر منك
: وازور عنك، وفي ذلك يقول حماد عجرد 1
كم من أخ لك لست تنكره
ما دمت في دنياك من يسر
متصنع لك في مودته
يلقاك بالترحيب والبشر
: ويقول أبو العتاهية 2
احذر الأحمق أن تصحبه
إنما الأحمق كالثوب الخلق
ومن المعاني الجديدة أيضًا غيروا الوقوف على الأطلال، أو غيروا
الأطلال نفسها الى أطلال بعض القصور في الحاضرة، وخصوها بمقطوعات
: مفردة، مثل قول محمد بن بشير في قصر خرب 3
ألا يا قصر قصر النوشجاني
ارى بك بعد اهلك ما شجاني
فلو أعطى البلاء ديار قوم
لفضل منهم ولعظم شان
لما كانت ترى بك ب?ينات
تلوح عليك آثار الزمان
وقد دفع الحنين الذي صحب وصف الأطلال الشاعر العباسي في بعض
مدائحه إلى بث حنين مقابل لوطنه حين ينأى وتظل روحه ملتصقة به، ولكن
: الجديد أنه أفرد لهذا الحنين قطعًا بديعة، من مثل قول دعبل 4
ألم يأن للسفر الذين تحملوا
الى وطن قبل الممات رجوع
قلت ولم أملك سوابق عبرة
نطقت بما ضمت عليه ضلوع
تبين فكم دار تفرق شملها
وشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهن كما ترى
لكل أناس جدبة وربيع
خلال عصر الانبعاث فصل بعض الدارسين العرب 1 شعر بني العباس ما
بين الإنسان والشاعر، فعرضوا للأحداث الخارجية البارزة، فكأنما الشعر لم يكن
الغاية القصوى، والنافذة المطلة على الوجدان، وهو على قوة الخلق، فتركوا
القارئ ينعم بالشعر كما ينعم بهبات الأولياء، فعدوا هذا النسق الجامعي للدراسة
الشعرية، مفارقًا للأدب وبدعة لا تمت إلى الشعر بذات قربى ، فقد ارتبط الأسلوب
الجديد خاصة بالشعر الوجداني الذي يعبر فيه الشاعر عن عواطفه وحياته اللاهية،
. وانعكاس هذه الحياة في نفسه، كما عند أبي نواس وأصحابه من المجان 2
كثر الشعر الذي يتجه به الشاعر للقطاع العريض من الشعب، وكان ذلك
أكثر ذيوعًا ودورانًا على الألسن، وقد كثرت هذه الظاهرة بصفة خاصة لدى
شعراء التحامق وال ُ كدية ، روى أحمد بن خلاء عن أبيه 3 أنه قال : قلت لبشار : يا
أبا معاذ، إنك لتجيء بالأمر ال ? مهجن. قال: وما ذلك؟ قلت: إنك تقول:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس او أمطرت دما
اذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة
ذرى منبر صلى علينا وسلما
ثم تقول:
ربابة ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات
وديك حسن الصوت
فقال: كل شيء في موضعه.
وربابة هذه جارية لي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وهي تجمع لي
البيض من دجاجاتها وتحضره إلي وكان هذا من قولي اليها أحلى وأحسن عندها
من:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل 1
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
واستخدم هذا اللون أيضًا في أبيات قالها على لسان حمار أتاه في المنام،
فسأله بشار: لم مت؟ ألم أكن أحسن اليك؟ فقال الحمار:
سيدي خذ بي أتانا
عند باب الاصفهاني
تيمتني يوم رحنا
بثناياها الحسان
وبغنج ودلال
سل جسمي وبراني
ولها خ?د اسيل
مثل خد الشيفران
فلذا مت ولو عش
ت اذن طال هواني
وحين سئل بشار عن معنى الشيفران أجاب: وما يدريني! هذا من غريب
. الحمار، فاذا لقيته فاسأله 2
ويرى عزالدين إسماعيل أن تعليق بشار هذا فيه سخرية واضحة من
الشعراء الذين كانوا يتصورون ان قوة الشعر ورفعته لا تكون إلا باستخدام الألفاظ
الغريبة وحشو القصيدة بها، وبعيدًا عن هذه السخرية كانت أبيات بشار هذه من
ذلك النمط الذي يقبل عليه عامة الشعب، لما فيه من بساطة ودعابة، إقبالهم على
أشعار أبي العتاهية، لما فيها من بساطة ودعوة إلى الزهد، ذلك أن الدعابة والزهد
كلاهما مما يستهوي الإنسان الشعبي. ويذكر لنا كيف كان الجاحظ يحرص في
كتبه على أن يجمع دائمًا بين الكلمة الجادة والنادرة اللطيفة، ولم يجد حرجًا في أن
يروي النكتة بلغة أفراد الشعب العاديين ( البلديين) كما يسميهم. ومن هنا كان في
كتبه ما يرضي الخاصة ويمتع العامة 1، فأرى ما يراه عز الدين إسماعيل،
وأضيف إليه أن هذا اللون الشعري كان له أثره الأدبي، وهو تعبير في حد ذاته
عن واقع الشاعر المادي والنفسي، ومن ثم الرقي بصدق الشاعرية الإنسانية
المتواضعة.
وبرز شعر المناسبة الذي هبط بالشعر إلى حياة العامة 2، وأخذ موضوعاته
من المشاهد اليومية العادية، وجعل الشعر حرفة من الحرف، لا فنًا من الفنون،
ونتيجة لهذا الاتجاه أصبح قول الشعر أيسر وأسهل في هذا العصر منه في
العصور الأخرى، وكانت النتيجة الشعرية أضخم وأعظم، ولكن كثيرًا ما كانوا
يلجأون إلى سحيق اللفظ ومتكلفه، وإلى رديء المعنى وفاتره، فعبروا عن عواطف
. حرة بكلام حر ومعان سهلة مألوفة لم يبحث عنها الشاعر طوي ً لا 3
وهنالك العباس بن الأحنف في غزله موصول الشعر بالبادية فيقول:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر
عينًا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
أرأيت عينًا للبكاء ُتعار
أورد المرزباني عن الصولي أن البيت الأول لرجل عندهم، وأنه لا يعرف
ومن الوقوف على القديم ما جاء في قول العباس بن الأحنف آخذًا معنى
التمني ولقاء الحبيب مع البلاء مجاراة لقول جميل:
الا ليتني أعمى أصم تقودني
بثينة لا يخفى علي كلامها
قال العباس:
ألا ليتني أعمى اذا حيل دونها
وتنشا لنا أبصارنا حين نلتقي
أضن على الدنيا بطرفي وطرفها
فهل بعد هذا من فعال بمشفق 1
ففضلوا عليه قول العباس.
كان الإطار الحضاري الذي عرفه شاعر العصر العباسي يختلف كل
الإختلاف عن الإطار الذي عاش فيه الشاعر القديم وتشكّلت تجربته في إطاره، بل
إن المسافة بينهما كما المسافة بين المدينة والبادية، فأبو نواس ينكر أن يكون له
نصيب في الفروسية، إذ إنه لم ?يخلق لها، وإنما ُ خلق للهو والطرب :
يا بشر مالي والسيف والحرب
وإن نجمي للهو والطرب
فهو ينقل الفروسية من معناها الذي ارتبط قديمًا بالحرب إلى معنى جديد
. يعكس لنا مضمونًا جديدًا لبعض قطاعات الحياة في المجتمع العباسي 2
ونجد الرقاشي 3 يذهب مذهب أبي نواس – لما قال أبو دلف العجلي – وكان
فارسًا بكل معاني الكلمة – قصيدته التي يقول فيها:
ناوليني الدرع قد طا
ل عن الحرب جِمَامي
: فأجابه الرّقاشي قائ ً لا 1
جن?بيني الدرع قد
طال عن القصف جمامي
واكسري البيضة والمط
رد وابدى بالحسام
واقذفي في لجة البح
ر بقوسي والسهام
وبترسي وبرمحي
وبسرجي ولجامي
واعقري مهري، أصاب
الله مهري بالصدام 2
وبحسبي أن تراني
بين فتيان كرام
نهزم الراح إذا ما
ه?م قو?م بانهزام
ونخلي الضرب والطعن
لأجسام وهام
لشقي قال قد طا
ل عن الحرب جمامي
فالرقاشي هنا ينقض معنى الفروسية الذي يبرز من خلال كلمة ابي دلف
وشأنه شأن الفرسان، وحنينه الى الحرب، أما الرقاشي فلا يريد أن يكون فارسًا،
ولا أن يتحدث الناس عن فروسيته في الحرب مكتفيًا بانضمامه للفتيات، وهذا
مظهر جديد من مظاهر التحلل الاجتماعي، وأثر من آثار التحضر في المعاني،
. وتغير في الذوق 3
أما دخول الأجانب إلى بلاد العرب فقد أحدث تمازجًا إجتماعيًا وثقافيًا ساهم
بدوره في تغيير لغوي في البنية والتركيب والدلالة، وساهم في تغيير الأفكار
والمذاهب والعادات والتقاليد، متخذًا من الحياة الاجتماعية ومافيها من رقي وترف
وسيلة إلى ذلك التغيير، ولكن طبيعة الحياة الجديدة لم تستقر بالناس إلا بعد أمد
طويل، غير أن القرن الثالث والرابع، حيث تعقدت الحضارة وازدانت تكلفًا
وزخرفًا واتسعت الثقافة بفضل الجهود التي بذلها العلماء في تدوين الشعر الجاهلي
والإسلامي، فجمعوا تراثًا ضخمًا وجده المحدثون أمامهم، فنظروا إليه وأخذوا منه
واقتدوا به، هذا بالإضافة إلى كثير من الثقافات والآداب الأجنبية التي نقلت من
الثقافات والآداب الأجنبية التي نقلت اليهم، مما جعل القصيدة العربية تأخذ
صورتها النهائية في الشكل والمضمون والمعاني والصور والأساليب، فماذا يمكن
أن يصنع الشعراء في خواطرهم ويتعمقوا في أفكارهم ويقربوا صورهم ويكثروا
منها إكثار المتوكل في قصوره وإغراب المعتز في تزيين دوره، وتكلف المهلبي
. في ملاعقه وكؤوسه 1
ظهر مذهب أبي العتاهية في أسلوب جديد حاول أن يقترب في اللغة
الشعرية من لغة العامة، كما ظهر مذهب آخر يقوده مسلم، الذي يرتفع بأسلوبه الى
الجزالة التي يزينها بالبديع، أما مذهب الأول فقد مال الى البساطة والطبع، والبعد
عن الإسراف في الصنعة وعن الألفاظ الغريبة، وقد مثل أبو العتاهية هذا الاتجاه
خير تمثيل، فشعره قريب المأخذ، سريع المثول في قلب الناس، وهو لا يركب إلى
صناعة الشعر طريقا وعرًا، وإن كان أقدر الناس على البديهة والارتجال 2، وقد
ذهب مسلم في اتجاه معاكس لهذا الاتجاه، ونادى بالجزالة وضخامة البناء، وانتقد
أبا العتاهية وقال له: ( والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك : الحمد والنعمة
لك والملك لا شريك لك، لبيك إن الملك لك، لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت
ولكني أقول:
على مهج في يوم ذي زهج
كأنه أجل يسعى إلى أمل
فقال أبو العتاهية: ( قل مثل قولي الحمد والنعمة لك) أقل مثل قولك (
كأنه أجل يسعى الى أمل)، وأبو العتاهية يعرف أنه عامي المذهب، وأن مسلمًا
يختلف عنه في طبيعته، وأن كليهما - انطلاقًا من التجارب والطبيعة - لا يجيد
مذهب الاخر، وهذه نظرة نقدية بين علاقة الشعر بالبيئة والطبيعة والعادات
. والاعتقاد والمزاج والتجارب 1
ومن المعاني البشعة قول أبي نواس:
يا أحمد المرتجى في كل نائبة
قم سيدي َنعْصِ ج?بار السموات
فهذا مع كفره ممقوت، وقوله أيضًا في صفة الأسد:
كأنما عينه إذا نظرت
بارزة الجفن عين مخنوق
وهذا من عيوب المعنى، إذ وصف عين الأسد بالجحوظ، وهي توصف بالغؤور
كما قال الراجز والراجز هو حميد الأرقط كأنما عيناه في حرفي حجر.
وقوله ايضًا:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم
بني برمك من رائحين وغادي
وهذه أيضًا من المعاني التي يتطير منها ويتشنع سماعها.
وما جاء في قول الفرذدق:
تفاريق شيب في الشباب لوامع
وما حسن ليل ليس فيه نجوم
وقول أبي نواس:
كأن بقايا ما عفا من حَبابها
تفاريق شيب في سواد عذار
وهنا تساوى في حسن الوصف، وان كان أبو نواس أساء في أخذ لفظ الفرزدق،
وفيه زيادة وهي: ( وما حسن ليل ليس فيه نجوم).
فالمعاني هي درر الألفاظ التي تعتبر من أقوى الأسلحة وأشدها تأثيرًا في
حياة الإنسان.
قال بشار بن برد:
شربنا من فؤاد الدن حتى
تركنا الد ? ن ليس له فؤاد 1
أخذه ابو تمام فّقصر عنه فقال:
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتي
ورحت بما في الد ? ن أولى من الد ? ن
وقال أبو نواس:
ما زلت آخذ روح الزق في لطف
وأستبيح دمًا من غير مجروح
حتى غدوت ولي روحان في بدني
والد ? ن مطرح جسم بلا روح
من هذه المعاني أرى أن التطور في هذا العصر أحدث تغييرًا وتجديدًا في
المعاني، وهذا ما أراه طبيعيًا تبعًا للأوضاع الإجتماعية والثقافية في هذا العص


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم