انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة احمد حسين حسن السعدي
29/11/2018 05:25:37
المحاضرة الثالثة: رابعا : الوصف إن التطور الذي عرفه الوصف في العصر العباسي استهدف أسلوبه ومعناه ولفظه , إلا أن هذا لا يعني أن موضوع الوصف قد تخلص كلية من الطريقة التقليدية , بل لبث في بعض نواحيه يساير مواضيع الوصف القديم كوصف الإبل والنياق والذئب والطير والبقر الوحشي وغيرها . *والشاعر في هذا الغرض بعد أن كان يحلق ببصره في ربوع تهامة ونجد والجزيرة وما تحويه من فيافي وقفار و وهاد موحشة ومظاهر أخرى هي وليدة البيئة العربية الخالصة كالخيام المضروبة هنا وهناك، وما كان يحيط بها من شياه وخيول ،أصبح بعد التحول الذي طرأ على المجتمع العربي المتنقل من حياة البداوة و الترحال إلى حياة التمدن والاستقرار , يرفل في ألوان المدنية وينعم بضروب الترف والبذخ , ويلهو بمسرات الدنيا وطيباتها . وقد تعرض ابن الرشيق في أثناء حديثه عن الوصف الذي قال عنه بأن أكثر الشعر يرجع إليه , إلى تفاضل الناس في الوصف وإلى أهم موصوفاته أو موضوعاته على عهد المولدين فقال " الأولى بنا في هذا الوقت صفات الخمر والقيان وما مشاكلها وما كان مناسبا لهما كالكؤوس والقنان والأباريق ,و باقات الزهر، إلى مالا بد منه من صفات الخدود والقدود و... , ثم صفات الرياض والبرك والقصور وماشاكل المولدين , فإن ارتفعت البضاعة , فصفات الجيوش وما يتصل بها من ذكر الخيل والسيوف والرماح والدروع والعصي والنبل , إلى نحو ذلك من ذكر الطبول والبنود وليس يتسع بنا هذا الموضوع لإستقصاء ما في النفس من هذه الأوصاف – العمدة لابن الرشيق ج2 , ص 295-296 . *ثم يقول ابن الرشيق " وليس بالمحدث من الحاجة إلى أوصاف الإبل ونعوتها والقفار ومياهها .... لرغبة الناس في ذلك الوقت عن تلك الصفات، وعلمهم أن الشاعر إنما تكلفها تكلفا ليجري على سنن الشعراء قديما" . 1- ومن الموضوعات التي دار حولها الوصف عند أكثر من شاعر في هذا العصر وصف الخمر والغناء ووصف مجالسهما وآلاتهما، وجاهروا بالدعوة إلى ممارسة ذلك وبالغوا في الأمر مما نجم عنه الاستهتار بالدين . *فأبو نواس جاهر بالخمر والدعوة إليها فيقول : ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر *** ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر فعيش الفتى في سكرة بعد سكرة *** فإن طال هذا عنده قصر العمر وما الغبن إلا أن تراني صاحيا *** وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر فبح باسم من أهوى ودعني من الكنى *** فلا خير في اللذات من دونها ستر *وقال في قصيدة أخرى : لا تبك هندا ولا تطرب إلى كعب *** واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها *** أجدته خمرتها في العين والخد فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة *** من كف لؤلؤة ممشوقة القد تسقيك من طرفها خمرا ومن يدها *** خمرا فمالك من سكرين من بد لي نشوتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي 2-وأخذ الشاعر العباسي يصف الطبيعة في الحاضرة ببساتينها ورياحينها , وقد أخذ يخص هذه الطبيعة بمقطوعات وقصائد كثيرة حيث أصبحت موضوعا جديدا واسعا , وكان يمزج نشوته بها في بعض الأحيان بنشوة الحب أو نشوة الخمر وسماع القيان وفي كثير من الأحيان كان يقف عند تصوير فتنته بها وبورودها ورياحينها من مثل قول إبراهيم بن المهدي في النرجس: ثلاث عيون من النرجس *** على قائم أخضر أملس يذكرنني طيب ريّا الحبيب *** فيمنعنني لذة المجلس 3-وقد أكثروا من وصف الأمطار والسحب ووصف الرياض خاصة في الربيع , وعبروا عن أحاسيسهم ومشاعرهم أحيانا خلال هذا الوصف , ومن خير ما يصور ذلك مخاطبة مطيع بن اياس لنخلتي حلوان : أسعداني يا نخلتي حلوان *** وأبكيا لي من ريب هذا الزمان واعلما أن ريبه لم يزل يفـ *** رق بين الألاف والجيران ولعمري لو ذقتما ألم الفر **** قة أبكاكما الذي أبكاني أسعداني وأيقنا أن نحسا *** سوف يلقاكما فتفترقان كم رمتني صروف هذي الليالي *** بفراق الأحباب والخلاّن 4- ونرى شعراء كثيرين يعنون بوصف مظاهر الحضارة العباسية المادية وما يتصل بها من الترف في الطعام والتأنق في الملابس والثياب ووصف القصور وما حولها من البساتين وما يجري فيها من الظباء والغزلان من مثل قول أبي عيينة المهلبي في وصف قصر ابن عمه عمر بن حفص المهلبي : فيا طيب ذاك القصر قصرا ومنزلا*** بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك بغرس كأبكار الجواري وتربة *** كأن ثراها ماء ورد على مسك وسرب من الغزلان يرتعن حوله *** كما استل منظوم من الدّر من سلك 5- وأكثروا من وصف الحيوان والطير والحشرات , واشتهر بذلك خلف الأحمر وجهم بن خلف وفي كتاب الحيوان للجاحظ من ذلك مادة وافرة . 6- وقد وضعوا وصف دقيقا الأمراض والآفات التي أصابتهم . فهذا عبد الصمد بن المعذل يصف حمى اعترته فيقول : وبنت المنية تنتابني *** غدوّا وتطرقني سحرة كأن لها ضرما في الحشا *** وفي كل عضو لها جمرة 7-وقد صوروا كثيرا من العواطف الدقيقة من ذلك التعاطف الرفيق بين الأب وبنيه وبناته وما يطوى فيه من الرحمة والبر والحنان , و مثال ذلك تصوير ووصف ابن يسير عطفه على بنية له , كيف يستأثر به ويجشمه اقتحام المصاعب من أجل سعادتها , وكيف يحببه في الحياة خوفه عليها من ذل اليتم وجفوة الأهل , وأنه ليشفق عليها حتى من الدموع التي سترسلها حين يتأهب لمفارقة الحياة فيقول : لولا البنية لم أجزع من العدم *** ولم أجب في الليالي حندس الظلم وزادني رغبة في العيش معرفتي *** ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ *** وكنت أخشى عليها من أذى الكلم إذا تذكرت بنتي حين تندبني *** جرت لعبرة بنتي عبرتي بدم 8-وحللوا كثيرا من المشاعر كالغيرة والشعور بالبؤس والمصغبة .
خامسا الغزل الغزل فن وأدب وجداني وظيفته التعبير عن الأحاسيس في عالم الحب دون سواها من المواضيع الأخرى . *وقد أراح ابن رشيق القيرواني الدارسين من مشقة الخلاف بينهم في التسميات فقال " والنسيب والغزل والتشبيب كلها معنى واحد "
*والغزل يعد غرضا من أغراض الشعر العربي , برز منذ العصر الجاهلي في اتجاهين رئيسيين هما : الغزل الحسي والغزل العفيف . *فالأول أي الغزل الحسي ازداد شيوعا في العصر العباسي الأول , وكثر أتباعه الذين أفرطوا في اللهو والمجون لكثرة الجواري والإماء , ووفرة مختلف أسباب القصف والعبث مما جعل شعرهم يعكس مدى التدهور الأخلاقي في تلك البيئة المريضة، وأمثالهم : أبو نواس , بشار بن برد ,مطيع بن اياس والحسين بن الضحاك ومسلم بن الوليد وغيرهم . *الغزل العفيف : وهو عكس التيار الأول في مضمونه واتجاهاته، نبتت جذور شجرته في الجاهلية ثم ترعرعت في العصر الأموي , فلما كان العصر العباسي الأول الذي يندر أن تعثر فيه على شاعر عفيف وطاهر , انحصرت بقايا هذا الفن في شعر خمسة من الشعراء ذوي الشهرة في هذا الغرض وهم : العباس بن الأحنف زعيم هذا الفن وعكاشة بن عبد الصمد العميّ , والمؤمل ابن جميل الشاعر عم مروان بن أبي حفصة , وابن رهيمة وعلى بن أديم الكوفي . أ-الغزل الحسي : لعبت البيئة العباسية الفاسدة في أكثر مظاهرها الاجتماعية دورا خطيرا في إشاعة تيار الغزل الحسي الفاحش ونشره , فلولا الانحلال الخلقي الذي أدى بالمرأة الجارية الأمة على الخصوص إلى الكشف عن مفاتنها لما تجرأ الشعراء ولا سيما المتعودون منهم على السقوط في مراتع الإثم والفجور إلى فضح المرأة ونهش ما كان يعد منها أساس وجودها وعفافها (انظر الأغاني وما يصوره على سبيل المثال ) *ومن أمثلة الشعر الذي يكشف عن حقيقة المرأة الجارية وكيف كانت تجري وراء الرجال من أجل ايقاعهم معها في الفواحش قول مطيع بن إياس التي كان يألف " بربر " صاحبة الجواري , التي كانت ترسل جواريها ومن بينهم جوهر الجارية لتفسد عسكر المهدي فقال : خافي الله يا بربر *** لقد أفسدت العسكر بريح المسك والعنبر *** وظبي شادن أحور وجوهر دره الغوا *** ص من يملكها يجبر فلا والله ما المهدي *** أولى منك بالمنبر فإن شئت ففي كفيـ *** ك خلع ابن أبي جعفر *والمتتبع لأخبار الغزل الماجن في كتاب الأغاني يقف عند أخبار وأشعار متنوعة تكشف عن حقيقة هؤلاء الشعراء المجان الذين كانت لهم العديد من الرفيقات الماجنات من الجواري والإيماء يتغزلون بهنّ تغزلا ماديا فاحشا دون أن تدفعهم تلك العلاقة إلى الحب الصادق . *وهذا بشار بن برد يقول داعيا صراحة إلى الفحش : لا خير في العيش إن كنا كذا أبدا *** لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج من راقب الناس لم يظفر بحاجته *** وفاز بالطيبات الفاتك اللهج ب- الغزل العفيف : يعد العباس بن الأحنف إمام الغزل العفيف، فهو الذي أحيا هذا النوع من الشعر بعد أن كاد يندثر . ومما يدل على تخصص الشاعر في هذا الفن وعدم تجاوزه إلى الأغراض الأخرى قول الجاحظ : << لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم كلاما وخاطرا ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف , وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا لزومه فأحسن فيه وأكثر>>. *إن القارئ لديوان الشاعر يدرك بأنه لم يقل شعرا إلا في محبوبة واحدة هي فوز , أما ظلوم و" دلفاء " فليس لهما حظ في الديوان فقد ذكرهما مرة أو مرتين , فهما على ما يظهر صفتان في الغالب أطلقهما على محبوبته فوز التي تغزل فيها تغزلا عفيفا , ويتضح ذلك من قوله : وما بيننا من ريبة فنراقبها *** ولا مثلها يرمى بسوء ولا مثلي وإني لأرعى حق فوز وأتقي *** عليها عيون الكاشحين ذوي الختل وإني وإياها كما شفنا الهوى *** لأهل حفاظ لا يدنس بالجهل وقوله أيضا : قالت ظلوم سمية الظلم *** مالي رأيتك ناحل الجسم يا من رمى قلبي فأقصده*** أنت العليم بموضع السهم وقوله أيضا : لا جزى الله دمع عيني خيرا *** وجزى الله كل خير لساني نمّ دمعي فليس يكتم شيئا *** ورأيت اللسان ذا كتمان كنت مثل الكتاب أخفاه طي *** فاستدلوا عليه بالعنوان وشعر الغزل في العصر العباسي تأثرت لغته بالحياة الاجتماعية المتحضرة الجديدة , وبالثقافة الشائعة آنذاك , مما جعل الشعراء يستخرجون للورود والرياحين لغة خاصة كانوا يخاطبون بها أحباءهم، وكذلك ما كان شائعا عندهم من "اللبان والتفاح والريحان والسواك " . *ومن أبرز ملامح الغزل العفيف اقتصار الحب على واحدة على خلاف أصحاب التيار المضاد , والتزام العفة وطهارة الضمير , زيادة على شيوع ألفاظ ومعان حضارية مستجدة , والميل بهذا الفن نحو الأسلوب السهل السلس
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|