انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الأدب في عهد الخلافة/احمد بن عبد ربه ، حياته وشعره:

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       04/10/2018 06:11:37
احمد بن عبد ربه ، حياته وشعره:
هو احمد بن عبد ربّه المكنى (أبو عمر) ولد في قرطبة عاصمة الأندلس سنة(246هـ) وتلقى العلوم على يد شيوخ عصره فدرس الفقه والتاريخ ثم عني بممارسة النظم والكتابة وأدام النظر في كتب المشارقة ويعتقد بعض الباحثين أن ابن عبد ربه رحل إلى المشرق وانه أفاد من ذلك في توسيع دراسته وتعميق العلم وتقوية الاتصال بثقافة المشرق كما يذكر ذلك الدكتور احمد هيكل في كتابه (الأدب الأندلسي) ويبدو من أخبار ابن عبد ربه وأشعاره في مرحلة فتوتة وشبابه انه ميال إلى اللهو ولكنة لم يكن ماجنا، اتصل ابن عبد ربه بأمراء بني أمية في أواخر القرن الثالث ومدحهم ونال عطاءهم كما انه أدرك حكم عبد الرحمن الناصر وفي هذه المرحلة تحول الحكم من نظام الإمارة إلى نظام الخلافة وكان ابن عبد ربه أديبا،بارعا،متعدد الجوانب،فهو شاعر، وكاتب، ومؤلف بارز،ويعد كتابه (العقد الفريد) معرضا لأدبه وذوقه فقد انطوى على مقاطع نثرية أسماها (الفرش) وكان يدلي بالإشعار التي يذكرها للآخرين كما انه نظم كتابه على أبواب وكل باب من هذه الأبواب عرف باسم (جوهرة من الجواهر على عادة الأندلسيين في حب الزينة وإيثار الترف وقد جنح الشاعر إلى العزلة والعبادة بعد أن شاخ على غرار ما جنح إليه من قبل يحيى الغزال في الأندلس وأبو نؤاس في المشرق توفي أبن عبد ربه عام (328 هـ) ويعد في نظر مؤرخي الأدب أول شاعر كبير في الأندلس وقد اتسم أسلوبه الشعري بالعذوبة والرقة وقرب المأخذ . ولعل أول مرحلة من حياة ابن عبد ربه في شعره مرحلة الشباب ففيها أنه لا يوغل في المجاز ولا يغوص على المعنى وهو ينظم برشاقة وخفة ومن هنا كانت عبارته ترق في الأسماع من دون أن يكون وراءها معنى عميق ومن هذا القبيل قوله
يالؤلؤا يسبي العقـول أنيقــا
ورشاً بتقـــطيع القلـوب رفيقــــا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
درأ يعــود مــن الحـياء عقيقـــا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه
أبصرت وجهـك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من رقـــة
ما بــال قلبك لا يكـــــون رقيقا

ففي هذه الأبيات يذكر الشاعر ألفاظ الزينة التي تنم عن ميل الأندلسيين إلى التجمل بالزينة والحلي ولعل ما يلاحظ فضلا عن ذلك تلك الفتاة الأندلسية المولدة ببشرتها البيضاء التي شبهت باللؤلؤ ولم تلبث من الحياء أن تغدو متوردة كالعقيق أما أثر الصنعة فيبدو واضحاً من خلال حرص الشاعر على التصريع حتى في المقطعات وذلك بيّن في قافية المطلع والمجانسة بينهما وكذلك المطابقة بين الدر والعقيق ثم إيراده لهذا الطباق الذي يقوم على التضاد بين رقة خصر الحبيب وعدم رقة قلبه.
وهنالك شاهد أخر تتجلى فيه السهولة واليسر في اللفظ والقافية كما في قوله :
حكمته لو عـــــــدلا أعطيته ما سألا
ادري به ما فعــــــلا وهبته روحي فما
لا ملّ ذاك الشُغلا قلبي به في شغل

وهذه الظاهرة التي نلمحها في شعر ابن عبد ربه لم تكن سائدة في الشعر الأندلسي على هذا النحو قبل عصر ابن ربه ولعلنا واجهناها أول الأمر في شعر يحيى الغزال على حين كانت سمات الغرابة في اللفظ والجزالة في الأشعار السابقة من قصائد ابن عبد ربه الغزلية لاميته التي عارض فيها قصيدة صريح الغواني(مسلم ابن الوليد) التي يقول فيها :-
ولا تطلبا مــن عند قاتلتي ذحـــــلي أديرا علي الراح لا تشربا قبلي
ولكن على من لا يحــل له قتـــــــلي فيا حزني أني أمــوت صـــبابة
"دعيه الثريا منه اقرب من وصلي " فديت التي صدت وقالت لتربها

فقال ابن عبد ربه معارضاً القصيدة التي بتمامها :-
أتقتلني ظلماً وتجحدني فضلي
وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل
أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن
بعينية سحر فاطلبوا عنده ذحـلي
أغار على قلبي فلما أتيته
أطالبه فيـــــــه أغــار على عقلي
بنفسي التي ضنت بردّ سلامها
ولو سألت قتلي وهبت لـــها قتلـي
إذا جئتها صدت حياء بوجهها
فتهجرني هجـراً ألذ مـــن الوصل
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى
إذا ما أتيت العز فاصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى
وأمرك لا أمري وفعلك لا فعــــلي
وجدت الهوى نصلاً من الموت مغمداً
فجردتــه ثم اتكأت عـــــلى النصل
فان كنت مقتولاً على غير ريبة
فأنت الذي عرضـــــت نفسك للقتل

على هذا النحو يمضي الشاعر في تصوير العلاقة بينه وبين من يحب وكأنها حرب بينه وبين كائن شديد اليأس ولهذا أضحى قتيلاً ولم يكن قاتله غير ذلك الحبيب وثمة حبيب قاتل ومحب صريع ولا بد أن يتبع ذلك اخذ الثأر وما ذلك القاتل سوى شادن جميل العينين ومن هنا يبدو لنا جليا كيف عمد الشاعر إلى استمداد صوره ومعانيه الجزئية من حياة العرب ويجنح الشاعر في الأبيات الأربعة الأخيرة إلى مناجاة قلبه على هذا النحو الشجي وكأنه مجرد منه كائن ثان انساق وراء نزوته فحق عليه أن يعاني مرارة الحب ومثل هذا الأسلوب ينطوي على جدلية تجعل التعبير متسما بصراع وحركة تتجاذب مستوى العاطفة التي يبثها الشاعر في نصه وقد يعمد أحيانا على إبراز التضاد من خلال الاعتماد على الطباق في أسلوبه إذ يذكر الظلم والعدل والهجر والوصل وعلى العموم يكشف النص السمات التقليدية وعناصر المحافظة ولم يكن هذا النزوع عارضا وإنما قصد إليه قصدا لان النص كان عبارة عن معارضة لنص مسلم بن الوليد ونزعة المعارضة هذه لا تتجلى في هذه القصيدة فحسب بل تكاد أن تكون شاملة في مذهبه الأدبي بالرغم من جنوحه إلى التجديد ولكن هذا التجديد كان ضمن إطار الماضي ويدور داخل فلكه وهذا الأثر جلي من خلال ما يصدر من أحكام وأقوال في كتابه العقد الفريد بل إن كتابه هذا لم يكن إلا رغبة ملحة في مناقشة المشارقة وبلوغ شأوهم .
المرحلة الثانية من حياة ابن عبد ربة الأندلسي هي المرحلة التي تؤذن فيها شمس شباب الشاعر بالمغيب وتثقل عليه وطأة السنين لينكفي على نفسه فلا يلبث ان يجنح للحكمة وينعطف إلى الزهد شأنه في ذلك الشأن أي إنسان ينفتح عن الحياة في ريعان شبابه ثم لا يلبث عندما يدركه الهرم أن يتوارى عن مسرح المباهج هذا ما كان من أمر ابن عبد ربه وهذا ما كان من شأن سلفه الشاعر الغزال بعد حياة من المباهج والمسرات بل ما كان أخيرا من شأن أبي نؤاس في المشرق وهكذا راح ابن عبد ربة يقول في نغم شجي:
إذا اخضر منها جانب جف جانب ألا إنما الدنيـا غضــارة أيكـــــة
عليـها ولا اللـذات إلا المصــائب هي الـــدار ما الآمـال إلا فجائع
وقرت عيون دمعها اليوم ساكـب وكم سخنت بالأمس عـين قريرة
على ذاهب مها فأنــــــــك ذاهـب فـــلا تكتـحل عيناك فيها بعــبرة
ويبدو من الأبيات أن الشاعر في تأملاته هذه كأنما يرثي نفسه قبل حين الرثاء وعلى الرغم من مسحة التشاؤم التي تسربلت بها هذه الأبيات فأنها لطيفة الوقع على الأذن محببة إلى النفس وذلك راجع إلى عوامل خفية يوحي بها إلى مثل هذا الشعر ولعل من عناصر جمال النص هذا مطلعه الذي يشبه به الشاعر الدنيا بشجرة وهذا التشبيه مفعم بالحياة على الرغم من بساطته وقرب مأخذه وهوة من جهة أخرى مستمد من طبيعة البيئة الأندلسية وربما كان أيضا من أسباب جمالية هذه الأبيات أن الشاعر قد استطاع تصوير الدنيا غير المستقرة على حال والحياة المتقلبة والموصوفة بالتحول تصويرا حيا باختياره لمجموعة من الأفعال مما يوحي بعنصر الحركة الذي ابتغاه .
وجنح أيضا بالإضافة إلى ذلك إلى هذه المطابقات التي اقتضتها طبيعة المقارنة بين وجهي الحياة القاتم والمشرق ويؤلف شعر الآداب والأخلاق الإسلامية حيزا مهما في ديوان ابن عبد ربه ويأتي بهذه القصائد في باب الأمثال أيضا في كتابه (العقد الفريد) كما في قوله
حتى يروم التي من دونها العطب والحر لا يكتفي من نيل مكرمة
إن كفة رهب يستدعــــــــه رغب سعى به أمل من دونه أجـــــل
انظر إليك" وفي تسآله عــــــجب لذاك ما سأل موسى ربه" ارني
وهو النجي لديه الوصـل والطلب يبقى التزيد فيما نال مـــن كرم

الشاعر هنا أراد أن يذكر حرص الإنسان على الاستزادة من الحياة وان يبلغ أعلى المراتب لأنه يحدوه عند سعيه الأمل وقد يحول الأجل في كف طموح الشاعر ولكن في أحيان كثيرة يبقى متماديا لا يرعوي حتى يقع في المصيبة.
المرحلة الأخيرة هي التي تناول فيها شعره ما يتصل بشعر الآداب الإسلامية ويأخذ حجما واسعا من الديوان هوة الشعر الزهدي الذي وصلت إلينا منه قصائد كثيرة ذهب فيها ابن عبد ربه مذهبا جديدا أطلق عليه (الممحصات) وهي قصائد يعارض فيها قصائده التي قالها في حياته الأولى يلتزم فيها الوزن والقافية نفسهما ولكنه يناقض نزعته المتساهلة في باب الغزل وجل ما وصل إلينا من هذه القصائد لا تزيد أبياتها على الخمسين بيتا كما في قوله:
يا عاجزاً ليس يعفو حين يقتدر
ولا يقضّى له مـن عيشــه وطر
عاين بقلبك ان العين غافلــة
عن الحقيقة واعلم أنهــا سقـر
سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت
للظالمـــين فلا تبقــي ولا تذر
إن الذين اشتروا دنيا بآخــرة
وشقــوة بنعيــم ساء ما تجروا
أنت المقول لـه ما قلت مبتدئا
هلا ابتكرت لبين ما كنت مبتكر

لقد أشاد النقاد بشاعرية ابن عبد ربه التي اتسمت بالغزارة في النتاج والتنوع في الموضوعات حتى رأى الباحثون انه كان نقطة تحول في الشعر العربي في الأندلس وقد تأثر فيه شعراء أندلسيون كثر ويمكن ابرز سمات شعره على النحو الآتي:
1- انماز شعر ابن عبد ربه بالبديهة في مرحلة شبابه والمقصود بالبديهة السهولة وطابع الخفة والارتجال وربما كان من اثر الارتجال كما يقول(د.إحسان عباس) وفرة التيار العاطفي في شعره حتى في اشد الحالات التي يمكن أن تثور فيها العاطفة أما في مرحلة الشيخوخة فقد اقترن شعره بالكد والصنعة وظهر ذلك جليا في مظهره الفني الذي ابتدعه حين عارض أشعاره التي قالها في المرحلة الأولى في مرحلته الثانية وخص الأدب الأندلسي بفن طريف سماه (الممحصات) ومن أبياته المشهورة بهذا الاتجاه قوله :
يا من يضن بصوت الطائر الغرد
ما كنت أحسب هــــــذا الضـــن من أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة
أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يـــزد
لولا اتقائي شهابا منك يحرقني
بنـــاره لاسترقت السمــــــــــــع من بعد

2 -عدم التزامه اتجاها واحدا فهو محافظ حينا مجددا حينا آخر كما يراه (د. أحمد هيكل ) مع امتياز شعره بالبساطة والغنائية حيث غلب الجانب الموسيقي والعنصر العاطفي
3- ما يتصل بلغة الشاعر: شيوع الألفاظ ذات الدلالات الموحية بالجمال في مراحله المبكرة ثم كثرت الألفاظ القرآنية والمصطلحات الفقهية ويبدو اثر الاقتباس القرآني واضحا في شعره كما في قوله:
قد ضعف المطلوب والطالب ما انتم شيء ولا علمكم
تغالبون الله في حــكمه والله لا يغلبــــه غـــــــــــــــالب

ففيه اقتباس من قوله تعالى (ضعف الطالب والمطلوب) وقوله( والله غالب على أمره)يوسف/21
والملاحظ أن ابن عبد ربه يجري في الاتجاه العام الذي جرى عليه الشعراء الأندلسيون في مجال الاقتباس إذ تأتي اقتباساتهم غير مباشرة على وفق رأي المالكية في كراهة الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر وهذا الكلام لا يبدو دقيقا لما صادفنا من اقتباسات تبدو مباشرة كما في قوله:

لذاك ما سأل موسى ربه ارني أنظر إليك وفي تسآله عجب

وهناك سمة لا بد من التنويه بها وهو ما يتصل بثقافته تبدو هذه السمة في تعلقه في الثقافة المشرقية وموروثها الضخم فهو تارة يورد أشعار القدماء في كتابه(العقد الفريد) وفي صورة أخرى يكون معارضا لشعره كما رأينا في معارضته للامية (صريح الغواني) وليست(ممحصاته) إلا استمرارا لروح المعارضة التي سيطرت عليه فعلى رأي احد الدارسين يقول(فهو حين شبع من معارضة المشارقة عارض نفسه) .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم