انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

استعمال صيغ الجمع

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة حامد بدر عبد الحسين الخيكاني       06/06/2018 13:37:33
استعمال صيغ الجمع (المحاضرة مستلة من كتاب التعبير القرآني للسامرائي)
ومن ذلك أنه يستعمل صيغةَ جمعٍ في مكان ثم يستعمل صيغة جمع أخرى في مكان آخر يبدو شبيهاً بالأول وذلك نحو قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
وقوله: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 43].
فأنت ترى أن العدد في الآيتين واحد هو سبع، ولكن استعمل معه: (سنبلات) مرةً ومرةً أخرى: (سنابل) وسِرُّ ذلك أن سنابل جمع كثرة وسنبلات جمع قلة، وقد سيقت الآية الأولى في مقام التكثير ومضاعفة الأجور فجيء بها على (سنابل) لبيان التكثير.
وأما قوله: (سبع سنبلات) فجاء بها على لفظ القلة لأن السبعة قليلةً ولا مقتضى للتكثير. فجاء لكل موضع بما يقتضيه السياق.
ومن لطيف استعمال القلة والكثرة ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحل: 120-121].
وقوله: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20].
فجمع النعمة في آية النحل جمع قلة (أنعُم) وجمعها في لقمان جمع كثرة (نِعمَه) وذلك أن نعم الله لا تحصى، فلا يطيق الإنسان شكرها جميعها، ولكن قد يشكر قسماً منها، ولذلك لما ذكر إبراهيم وأثنى عليه قال: إنه شاكر لأنعمه، ولم يقل: لنعمه، لأن شكر النعم ليس في مقدور أحد، بل إن إحصاءها ليس في مقدور أحد فكيف بشكرها؟ قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18]. وأما الآية الثانية فهي في مقام تعداد نعمه وفضله على الناس فقال: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]. فذكرها بِزِنةِ جمع الكثرة.
وقد ذكرت في كتابي (معاني الأبنية في العربية) أمثلة أخرى لاستعمامل صيغ الجموع المختلفة.
ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} [الأنبياء: 4]. وقوله: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان: 6].
فقال في آية الأنبياء: (السماء) وفي آية الفرقان: (السماوات) وسبب ذلك أن القول عام يشمل السر والجهر فهو أعم من السر ألا ترى أنك تقول: قلت في نفسي كذا وكذا؟
قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8].
جاء في (الكشاف) أن "القول عام يشمل السر والجهر فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة فكان آكد في بيان الاطلاع على نحوٍ أهم".
والسماء هنا أعم من السماوات وذلك أن (السماء) في القرآن تستعمل على معنيين فهي إما أن تكون واحدة السماوات كقوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5]، وقوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15].
وإما أن تكون لكل ما علاك فتشمل السماوات وغيرها كالسحاب والمطر والجو وغيره قال تعالى: {يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} [نوح: 11] والسماء هنا بمعنى المطر.
وقال: {أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً} [الرعد: 17] والسماء هنا بمعى السحاب.
وقال: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ} [الأنعام: 125] والسماء هنا بمعنى الجو.
والمعنى أن الضالّ عن الحق يكون صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعَّد في الجو لأن المرتفعَ في الجو يضيقُ صدره لاختلال الضغط كما هو معلوم. وهذا إعجاز علمي علاوة على الإعجاز اللغوي، لأنه أخبر بهذه الحقيقة العملية قبل اختراع المنطادات والطائرات بِدُهور.
وقال: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15].
والسماء هنا بمعنى السقف، أي: مَنْ كان يظن أن لن ينصر الله محمداً فليمدد حبلاً إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه به لأن محمداً منتصرٌ لا محالة. وهذا إعجاز آخر لأنه إخبار عن المستقبل وقد تحقق ذاك.
ولا شك أن السماء بهذا المعنى الثاني أعم وأشمل من السماوات لأنها تشمل السماوات وغيرها مما علا وارتفع. فجاء بـ (القول) الذي هو أعم من (السر) مع السماء التي هي أعم من السماوات فاستعمل العام مع العام والخاص مع الخاص.
ألا ترى كيف قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
وقال: {سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].
فلما جاء بالسماوات قال: (عرضها السماوات والأرض)، ولما جاء بالسماء التي هي أعم من السماوات قال: (عرضها كعرض السماء والأرض) فجاء بكاف التشبيه وذلك لأن السماء أعرض بكثير من السماوات.
ثم ألا ترى كيف قال الله تعالى في كُلٍّ من الآيتين، ففي آية السماوات قال: (أعدت للمتقين) وفي آية السماء قال: (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) وذلك لأن المتقين أخص من المؤمنين بالله ورسله، لأن المتقي لا يكون إلا مؤمناً أما المؤمن بالله ورسله فقد لا يكون متقياً، فالمؤمنون بالله ورسله أكثر من المتقين فجاء للطبقة الواسعة وهم المؤمنون بالله ورسله بذكر صفتها الواسعة (كعرض السماء) وجاء مع الطبقة الخاصة الذين هم أقل ممن قَبلَهم وهم المتقون بلفظ: (السماوات) التي هي أهل سعة من السماء فناسب بين السعة والعدد.
ثم انظر كيف زاد في آية الحديد قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]. وذلك لما زاد تفضله على الخلق فوسَّعَ دائرة الداخلين في الجنة، وجعلها في المؤمنين عامة ولم يقصرها على المتقين منهم، ذكر هذا الفضل في آية الحديد.
ثم انظر كيف أنه لما ذكر الجنة بأوسع صفة لها وذكر كثرة الخلق الداخلين فيها وذكر فضله العظيم على عباده قال: (سابقوا) وفي الآية الأخرى قال: (سارعوا) وذلك لأن كثرة الخلق المتوجهين إلى مكان ما تستدعي المسابقة إليه لا مجرد المُسَارعة.
فانظر كيف ذكر في آية الحديد (المسابقة) وهي تشمل المسارعة وزيادة، وذكر (السماء) وهي تمشل السماوات وزيادة، وذكر المؤمنين بالله ورسله وهم يشملون المتقين وزيادة. وزاد فيها ذكر الفضل على المغفرة والجنة. فجعل في كل موضع ما يناسبه من الألفاظ فَجَلَّتْ حِكمةُ الله.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم