انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة سكينه عزيز عباس الفتلاوي
21/11/2017 19:35:16
الأستاذ المساعد الدكتورة / سكينة عزيز عباس الفتلي محاضرة (الناسخ والمنسوخ) 2017 النَّسْخُ فِي (اللُّغَةِ) يطلق على معنيين ، هما : الأوَّل : (الإزالة)، يقال: نسخَتِ الشّمس الظّل ، أي : أزالته ، وحلّت محله ، والثَّاني (النَّقل) ،أي : نقل الشّيء إلى مكان ، من دون تغيير فيه يقال : نسخ الكتابَ ، أي : نقله من دون تغيير فيه بمعنى آخر : كتبَ عن الكتابِ كتابًا ، حرفًا بحرف وكلمةً بكلمةٍ ( ) ، أي : استنسخه ( ) . النَّسْخُ فِي (الاصْطِلَاح) هو: ((رفع أمر ثابت في الشّريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه)) ( ) ، أي : رفع حكم شرعي ، بدليل شرعي متأخِّر عنه( ) . قال تعالى : ?مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بَخَيْرٍ مِنْهَا أو مِثْلَهَا...?( ) . وعرَّفَهُ أستاذنا الدّكتور الصّغير: بأنَّه، هو: ((رفع حكم شرعي مؤقَّت بحكم شرعي ثابت)) ( ) . وهذا التَّعريف : هو الّذي أتبنَّاهُ ؛ لأن أستاذنا الدّكتور الصّغير حين عرَّفه بهذا التّعريف ، صرَّح بأنَّه تعريف دقيق – وهو الحقّ – ولا أدَلّ من قوله – حين عرّفه -((وبالدّقّة...))( ) . و يتَّضح ممَّا تقدّم: أنَّ النَّسخ في اللّغة يطلق على: معنيين هما: (الإزالة) و (النّقل = الاستنساخ).وقد أضاف أستاذنا الدُّكتُور الصَّغير، قائلًا: ((وما في معناهما مقاربة أو دلالة)) ( ) ، وهذا ما أتبنَّاه ؛ لأن فيه توسّعًا في الدّلالة ونظرًا إلى الوظيفة اللّغويّة في تنقّلها من معنى إلى معنى مرادف أو مقارب. الصّلة بين المعنى (اللّغوي ، والاصطلاحي) للمعنى الاصطلاحي صلة بالمعنى اللّغوي الأوَّل: (النّسخ: الإزالة) ( )، إِلَّا أَنَّ المعنى الاصطلاحي أضيق دلالةً من المعنى اللّغوي؛ لأَنَّ المعنى اللّغوي، يعني: مطلق (الإزالة)، في حين أَنَّ المعنى الاصطلاحي يختص برفع (الحكم الشَّرعي)، إلاّ أنَّ الرفع يتوقَّف على: دليل شرعي متأخّر عنه، ناظر إلى حكمه ومبيّن لرفعه ( ) ، ونظرًا لأهميّة النّسخ وأثره في عمليّة التّفسير، لكونه يعني: تجميد العمل بمدلول الآية المنسوخة وانتهاء أمد فاعليّته وحجّيّته؛ لذا قالوا: ((لا يجوزُ لأحدٍ أن يفسر كتابَ الله ، إلاّ بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ))( ). ولما كان النّسخ قد انتهى وقوعه بانتهاء عصر التَّشريع بوفاة النَّبي الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولا يمكن أن يقع – في أحكام الشّريعة – بعد ذلك ( ) ؛ لذا فإنَّ معرفة الآية المنسوخة (الّتي تتضمَّن حكمًا قد تغيّر)، والآية الناسخة: (الّتي تتضمَّن حكمًا غيَّرَ حكماً آخر في آية أخرى) تتوقَّف على ما بيّنه النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من (النّاسخ ، والمنسوخ) ، وما نقلَهُ عنه أهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)، فقد ذكر أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السّلام): أن (الناسخ ، والمنسوخ) في القرآن الكريم، من جملة ما بيّنه النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)( )، ولا يعتمد على (اجتهاد المجتهدين، أو أخبار الآحاد)؛ لأنَّ النَّاسخ لكي يكون حجة يجب أن يكون قطعيًّا( ) والاجتهاد ظنّيّ الدّلالة، وخبر الواحد لا يفيد علمًا أو عملًا كما عليه أهل التَّحقيق ( ) . وممَّا تقدَّم يتبيّن: أنَّ القرآن الكريم هو الّذي أصَّلَ (النّاسخ والمنسوخ)، والنَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو مَنْ بيّنهما في كتاب اللهِ العزيز، وأنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) هو أوَّل مَنْ وَجَّهَ دلالة هذين المصطلحين ، وصنّفهما عِلمًا من علوم القرآن في عهد مبكِّر وَأنَّ النَّسخ لا يقع بعد وفاة النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إجماعاً . ولا خلاف بين المسلمين أنَّ جملة من أحكام هذهِ الشَّريعة قد نُسِخَت بأحكام أخرى من الشَّريعة الإسلاميّة نفسها( ) . أقسام النَّسخ في القرآن: النَّسخ في القرآن الكريم قسَّموه على: ثلاثة أقسام، هي: نسخ التِّلاوة دون الحكم: الآية-يدّعون-تلاوتها منسوخة وحكمها باقٍ( ) ومن أمثلته ?آية: الرّجم? ( ) ، الّتي ادَّعى عمر بن الخطاب، أنَّها من القرآن الكريم، ولم تقبل منه – لم تكتب في المصحف - لأنَّه كان وحده ( ) ، وقد رويت بوجوه منها: ?إذا زنى الشَّيخ والشَّيخة فارجموها البتَّةً نكالاً من الله والله عزيز حكيم?( ) ، والقول بهذا القسم من النَّسخ: قولُ بالتَّحريف نفسه؛ لأن مستندهُ خبر آحاد، والنَّسخ : لا يثبت بخبر الآحاد ( ) . ولما كان القول: بهذا القسم – من النَّسخ – مظنَّة للقول بالتَّحريف، فهو غير موجود – قطعًا – في القرآن الكريم ( ) ؛ لأنَّه يخالف قاعدة قرآنيّة – هي : سلامة القرآن من التحريف ، الّتي نصَّ عليها قوله تعالى: ?إنا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون?( ) ، وما تعهد الله بحفظه لا يمكن أن يحرَّف – وما يخالف قاعدة : (قرآنيّة)لا شكَّ أنَّه يُرفض ولا يُقبل ( ) ؛ استنادًا لمنهج أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) في كيفيّة التّعامل مع الحديث الشَّريف الصَّادر عن المعصوم (عليه السَّلام) القائم على عرض حديث المعصوم على أصول القرآن ، أي: قواعده العامّة ( ) ، فما وافق يُؤْخذ به، وما لم يوافق يترك؛ لقول الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) - بخصوص هذا الشأن – ((فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه))( ) . وبناءً على هذا المنهج تم رفض الآراء الاجتهاديّة ، الّتي عَدَلَتْ عن (الأصول = القواعد العامة)، سواء أ كانت (قرآنيّة) أم (نبويّة) صادرة عن المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله عليهم أجمعين) وحكَّمت (الاستحسان ، المصالح المرسلة ، العرف...) في النّوافل ، والنّوازل( ) . نسخ التِّلاوة والحكم: الآية - يدّعون - تلاوتها منسوخةٌ وحكمها منسوخٌ أيضًا ( ) . ومن أمثلته: ?آية الرضعات? عن عائشة حيث قالت: ((كان فيما أُنْزِلَ من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمْنَ ، ثم نسخْنَ بخمس معلومات...))( ) . وما قيل عن القسم الأوَّل، يُقَال هنا( ) ، أي: إنَّ هذا القسم من النَّسخ غير واقع في القرآن مطلقًا( ) . نسخ الحكم دون التِّلاوة: الآية حكمها منسوخٌ، وتلاوتها باقية ( ) ، وهذا القسم واقع في القرآن الكريم ( ) ، والنَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الّذي بيّن الآيات (النّاسخة والمنسوخة) وأهل بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين) هم الّذين أرشدوا إلى تطبيقاته ، فالآية القرآنيّة، تُنْسَخُ بآية قرآنيّة أخرى ((ناظرة إلى الحكم المنسوخ، ومبيّنة لرفعه))( ) ، فلو لم تكن ناظرة، لا يُعَدّ قسمًا من النّسخ؛ لأنَّ من التزم بالنَّسخ – هنا - توهم وقوع التَّنافي، بين كثير من الآيات . وهذا القسم غير واقع في القرآن الكريم؛ لأنَّه مبنيّ على وقوع التَّنافي بين آيات القرآن الكريم وهذا أمر نفى القرآن الكريم وقوعه، إذ قال: ?أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً?( ) . وهذا القسم هو المشهور بين العلماء( ) . يتَّضِح ممَّا تقدَّم: إنَّ هذا القسم هو الّذي أصّله القرآن وبيّنهُ النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأرشد أهل البيت (صلواتُ الله عليهم أجمعين) إلى تطبيقاته، أمَّا النَّسخ بسوى القرآن (السُّنّة المتواترة ، والإجماع الكاشف عن رأي المعصوم) ( ) ، فالشّيعة الإمامِيّة قالت بإمكانه – ممكن -وإنَّما قالوا بالإمكان ؛ لأنَّه لم يثبت لديهم حكم قرآنيّ منسوخٌ – بصورة فعليّة - بـ (السُّنَة المتواترة، والإجماع)( ) والسُّنّة النَّبويّة الّتي لها قوّة النّسخ تقتصر على النّصوص الصَّادرة عنِ النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحدهُ ، ولا تَعُمَّ النّصوص الصَّادرة عن الأئمة (عليهم السَّلام)؛ لأنَّ عصر التَّشريع انتهى بانتهاء عصر النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأحاديث الأئمة (عليهم السلام) بيان لما شرَّعه النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من الأحكام وتفاصيلها ( ) . منهج أهل البيت في النَّسخ بعد أن ثبت أن (القرآن ينسخ بالقرآن) – بصورة فعليّة -وأن النَّسخ المتحقِّق هو نسخ الحكم دون التلاوة، شريطة أَنْ يكون النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، هو مَنْ بيّن الآيات (النَّاسخة ، والمنسوخة)؛ لذا جاء البحث – هنا -يتلمَّس (المنهج)، الّذي تعاملَ به أهل البيت (صلواتُ الله عليهم أجمعين) في مقام العمل، ولما كان الأمرُ لا يمكن وضع اليد عليه إلاّ بعد تتبُّع (النماذج) المأثورة عنهم؛ لذا أورد البحث (جملة) من النّماذج على ذلك . وممَّا ثَبَتَ عن أهل البيت (عليهم السَّلام) – منهجًا( ) – أنَّهم قاموا بردِّ الآية المنسوخة – في مورد العمل – إلى الآية النَّاسخة لها وبمعنى آخر : في مجال الإتِّباع العمليّ يُتَّبَعُ حكم الآية النّاسخة لا المنسوخة ( ) . وذلك في حالة ورود نصٍّ قرآنِيّ عام يتناول حكمًا قد تناول الحكمَ نفسَهُ نصٌّ قرآني عام آخر ، إِلاّ أَنَّ الحكم في أحدهما يتنافى مع الآخر ، ولا يمكن الجمع بينهما ، فالمتأخِّر منهما – نزولًا – ينسخ حكم المتقدِّم إِذا أحاط العلم بتأخير نزوله ( ) . وهو (منهج) قائم على جملة من التَّطبيقات القرآنيّة . التَّطبيقات المأثورة عن أهل البيت التَّطبيقات الّتي أثرت عن أهل البيت (عليهم السَّلام) في كيفيَّة التَّعامل مع (النَّاسخ ، والمنسوخ) قليلة ، وممَّا استطاع البحث الوقوف عليه: تضافرت النّصوص عن أئمة أهل البيت (عليهم السَّلام)( ) : أنَّ عدّة المُتَوفَّى عنها زوجها قد كانت (حَوْلًا) في قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ...? ( ) ، ثمَّ نسخت إلى (أربعة أشهر وعشرًا)، بقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً...? ( ) . وبهذا يكون قد اتَّضح: أنَّ العدّة قد كانت (حَوْلًا) في الآية الأولى، ثمَّ نسخت إلى (أربعة أشهر وعشرا)، في الآية الثَّانية . فالحكم المتَّبع ، هو ما حكمت به الآية الثَّانية لا ، الأولى ؛ لأنَّها منسوخة الحكم، أمَّا تلاوتها فهي قائمة – كناسختها – بلا خلاف ، وهذا ما تبنَّته الشِّيعة الإماميّة – الاثني عشرية - في مذهبها تبعًا لأهل البيت (عليهم السَّلام)( ) ، فالمنسوخة قد أقرّت عِدّة النّساء في الجاهليّة حكمًا مؤقتًا ولمّا استقرت الشَّريعة الإسلاميّة، نسخت ذلك الحكم المؤقّت ، وجاءت بحكم جديد (مستقر) أخف – هنا – من الأول ( ) . ورد عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) أنَّه لما نزلَ قوله تعالى -آية النجوى - ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ? ( ) قد كان لهُ دينارٌ واحدٌ، فباعَهُ بعشرة دراهم، ثمَّ أخذ يتصدّق بدرهم واحد - قبل مجيئه، كلَّما أرادَ مناجاة النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حتَّى ناجاه عشر مرّات ، ثُمَّ نسخ ، بقولهِ تعالى : ?أَأَشْفَقْتُمْ أن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ? ( )،( ) . ويتضح ممَّا تقدّم: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السَّلام) هو أول مَنْ طبّق (قاعدة: النسخ) – نسخ الحكم دون التلاوة -التي أصّلها القرآن الكريم، حيث أجرى هذه القاعدة، على نماذج قرآنية، تحقق بها نسخ القرآن بالقرآن – فعلاً – فبيّن أن (آية النجوى)، هي (المنسوخة) وآية (الإشفاق)، هي (الناسخة)؛ ولا أدَلُّ من قوله عليه السلام: ((ثم نُسِخَت))( ) ومما يقوي دلالة ذلك، أنهُ نفى - نفياً مؤكداً - أن يكون الحكم الذي تضمنته الآية الثانية – الناسخة – قد عمل به أحد غيره من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نُسِخَ ، حيث قال: ((واللهِ ما فعل هذا أحد غيري، من أصحابه قبلي ولا بعدي))( ) ، إذ أكدَّ نفي فعل أحد – بها – غيره، بـ (القسم = والله). وهذا القول، هو مما استفاضت به الروايات من الفريقين ( ). وقد حقق السيد الخوئي قدس سره (ت / 1413هـ) في ذلك، ثم انتهى إلى: أن قوله تعالى: ?قَدِّمُوا?: أَمْرٌ ، أَمَرَ بما فيه مصلحة العباد، ودَلَّ على تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَدَلَّ على أنها – أي: الصدقة – فيها خير وتطهير للنفوس، إلاّ أن يتوجه على مَنْ يجد ما يتصدق به أما مَنْ لا يجد شيئاً، فإن الله غفورٌ رحيمٌ . وهذا ما يستقل العقل بحسنه، ويحكم الوجدان بصحته. وهذا الحكم فيه (نفعٌ وتخفيفٌ)، أما النفعُ فيعود على الفقراء – المستحقين – –بالصدقة وَأما التخفيف فهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنهُ يوجب قلة مناجاته( ) . وهذا الحكم في جعله – معَ العلم منذ الأزل بوقوع المانع -قد أظهر أمرين، هما: الأول: إن الصحابة كلهم آثروا المال، على مناجاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والثاني: الحكم لم يقم به غير علي (عليه السلام) وفي هذا إظهارٌ لفضيلته ( ) . وبهذا تكون قد حصلت الفضيلة لعلي (عليه السلام) من جهتين، هما: الأولى: سد خلة بعض الفقراء، والثانية: محبة نجوى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فنجوى النبي أحب لعلي من المال كله ( ) . وأما ما اعتذر به الفخر الرازي (ت/ 6.6 هـ) عن أكابر الصحابة الذين تركوا العمل بآية النجوى – إِذا كانوا قد وجدوا الوقت لذلك، ولم يفعلوا – والذي يتلخص بأمرين هما: الأول لما كانت المناجاة سبباً لحزن الفقراء، ووحشة الأغنياء، وكان تركها سبباً للألفة ؛ لذا فتركها أولى؛ لأن ما يكونُ سبباً للوحشة أولى بالترك، مما يكونُ سبباً للألفة والثاني: أنهم كلفوا بالصدقة؛ ليتركوا المناجاة، ولما كان الأولى ترك المناجاة، لذا لم يمكن ترك التصدق سبباً للطعن ( ) . فقد وصفة السيد الخوئي (قدس سره)، بأنهُ: ((تعصبٌ مكشوف)) ( ) ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد عاتبَ تاركي المناجاة؛ بدليل قوله تعالى: ?أأشفقتم?، فهو يظهر منه – عتابٌ على ترك المناجاة، خوفاً من الفقر، أو حرصا على المال؛ ومما يؤيد ذلك: قوله تعالى: ?...فَإن لَمْ تَجِدُوا فَإن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ?( ) ، فالله سبحانه وتعالى قد تابَ عليهم عن هذا التقصير( ) . ثم بيّن أن ما ذكره الرازي – الترك أولى؛ لأنه يوجب الألفة لو صَحَّ لكان ترك الواجبات الماليّة كلها أولى من فعلها ولكان أمره سبحانه وتعالى – بالفعل -أمراً بما يحكم العقل بأولوية تركه ثم أضاف قائلاً: إن الرازي التزمَ بهذا؛ لأنه أراد أن ينكر فضيلةً من فضائل علي (عليه السلام)، ومَنْ يُرِدْ ذلك فليس ببعيد أن يلتزم بهذا وما أدنى منهُ ( ) . وفي نزول (آية النجوى) مغزى عظيم؛ لأنها إنما نزلت لكي تنظم (المناخ العقلي)، بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن طريق كف فضول المسلمين وتحديد أسئلتهم بنظام جديد، هذا الانتظام يوفّر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوقت الكافي للمسؤولية القيادية؛ ودليل ذلك: ((إن مغزى هذا النظام هو التنظيم الفعلي في الحرص الشديد على إذكاء وعي الجماعة الإسلامية، وتسديدها من الخطل والزلل وكفّها عن التنطع في إشغال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بأسئلة من هنا وهناك، مضافًا إلى الجانب الاختياري للصحابة بتقديم الصدقات بين يدي النجوى، ولما تحقق الهدف المركزي في ذلك من الاتجاهين (التوجيهي، والتجريبي) رفع الله هذا الحكم بحكم أخف منه)( ) وفي هذا الردع نعِم المسلمون بالتخفيف، بعد شدة مؤدِّبة وفريضة رادعة وتأنيب صريح ( ) . وفي قوله تعالى: ?وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَأن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً? ( ) . هذه الآية الكريمة بيّنت (حكم) الزانية -في أول الإسلام -وهو(الحبس) في البيوت أبداً، حتى تموت إذا فجَرَتْ، وقام عليها أربعة شهود ( ) ، ثم نسخت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: ?الزَّانيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ...? ( )، ( ) . روي ذلك عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام) ( ) ، وعن الإمامين الباقرين الصادقين (عليهما السلام) ( ) . مما تقدم يتضح: أن ما ورد عن أهل البيت (أمير المؤمنين، الباقر، والصادق) (صلوات الله عليهم أجمعين) بين أن (آية الحبس) نسخت بـ (آية الجلد)، ثم خصص الجلد فيما بعد - بغير المحصن - كما سيأتي لاحقاً - وهذا يؤكد أن الاحكام نزلت بالتدرج وراعت العقلية التي يتمتع بها العرب في بداية الاسلام؛ لكيلا ينفروا من الإسلام.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|