انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

محاضرة المحكم والمتشابه2017

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة سكينه عزيز عباس الفتلاوي       21/11/2017 18:59:18
الأستاذ المساعد الدكتورة / سكينة عزيز عباس الفتلي
محاضرة (المحكم والمتشابه) / المرحلة الثانية / 2017
المُحْكَمُ وَالمُتَشابه في اللغة
أولا : المحكم
المُحكَمُ : اسم مفعول مصاغ من الفعل الرباعي ( أحْكَمَ ـــــــــ يُحْكِمُ ) ، وللإِحْكام ــــــــ بكسر الهمزة ـــــــــ في اللغة معنيان , هما :
الأول : ( الإِحْكَام : الإتْقَان ) , وبهذا يكون معنى المُحْكَمُ : ( المُتْقِنُ ) , يقال : أَحْكَمَ الشيء : أَتْقَنَهُ .
والثاني : ( الإِحْكَام : المَنْعُ عن الفَسَادِ ) , وبهذا يكون معنى المُحْكَمُ : ( المَمْنُوعُ عن الفَسَادِ ) يقال : أحْكَم الأمر : مَنَعَهُ عن الفَسَادِ ( ) .
يظهر مما تقدم : أنَّ المحكم ــــــ في اللغة ـــــــ يدل على معنيين , هما : ( الإتقان , والمنع عن الفساد ) . وقد ذهب بعض المفسرين ( ) وبعض الباحثين في علوم القرآن والمتخصصين به ( ) إلى أن مادة الإِحْكَام ــــــ في اللغة ــــــ ترجع إلى أصل واحد , هو ( المنعُ ) , إلا أن الذي أذهب إليه : أن المُحْكَمُ ــــــ في اللغة ـــــــ يرجع إلى معنى واحد , هو المعنى الأول : ( الإِتْقَان ) , أما المعنى الثاني : ( المنع ) , فهو من لوازم المعنى الأول ؛ لأن الأمر إذا أتقن فالمنع عن الفساد من لوازمه . إلا أن المعنى الأول ـــــــ كما يقول المناطقة ـــــــ وجودي إيجادي , والثاني : عدمي سببي ؛ ومما يؤيد ذلك : أن الشهيد السيد محمد باقر الحكيم ( قدس سره ) (ت / 2004م ) لم يستبعد أن يكون الإِتْقَان هو المعنى الحقيقي لـــ ( الإِحكام ) , والمنع : هو المعنى المجازي له ؛ لأنه من باب استعمال الموضوع للملزوم في اللازم( ) .


ثانيا: المُتَشَابَهُ :
المُتَشَابَهُ ــــــ بفتح الاباء ـــــــ اسم مفعول , مصاغ من الفعل غير الثلاثي : (تَشَابَهَ ــــــ يَتَشَابَهُ) والمُتَشَابِهُ ـــــــ بكسر الباء ــــــ اسم فاعل , مصاغ من الفعل المذكور نفسه . و( التَشَابُهُ ) ــــــ في اللغة ـــــ معناه : ( التماثل ) , يقال تَشَابهَ الشيئان : شابه كل واحد منهما صاحبهُ ( ) , إلا أن التَشَابُه يؤدي ـــــ أحياناً ـــــــ إلى الالتباس , يقال : أَشْبَهَ كل منهما الآخر , حتى التبسا ( ) .
يتضح لي مما تقدم : أن ( المُتَشَابَهُ ) ـــــــ بفتح الباء ـــــــ و(( المُتَشَابِهُ ) ـــــــ بكسر الباء ــــــــ مشتقان مصاغان , من الفعل الخماسي : ( تَشَابَهَ ــــــ يَتَشَابَهُ ) , إلا أن الأول : ( اسم مفعول ) , والثاني ( اسم فاعل ) .
( التَشَابُهُ ) ــــــ في اللغة ــــــ يراد به ( التَمَاثُلُ ) , وهو على ضربين : أما الضرب الأول فهو تماثل غير مؤد إلى ( الالتباس ) قال تعالى : (...وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا... ( ) ) , أي متماثلاً ( ) . وأما الضرب الثاني فهو تماثل مؤدٍّ ـــــ أحياناً ــــــ إلى ( الالتباس ) قال تعالى : )... إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا...(( ) أي : التبس واختلط ( ) .
فالالتباس من مستلزمات ( التَمَاثُلُ ) أحياناً ؛ لذا يطلق المُتَشَابَهُ , ويراد به ( المُلتَبَسُ ) من باب إطلاق اللفظ على : ما يستلزمه اللفظ نفسه ( ) .





دلالة المُحكَمُ والمُتَشَابَهُ في القرآن الكريم
في المحكم والمتشابه في القرآن الكريم ـــــ دلالياً ـــــ ثلاثة أقوال , هي :
أ‌- إن القرآن الكريم كله ( محكم ) , أي : متقن . ومستند هذا القول : آيات كريمة منها قوله تعالى : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ) ( ) , أي : المتقن ؛ لأن ( حكيم ) ــــــ هنا ــــــ بمعنى ( مُحكَمُ ) ( ) , وقوله تعالى : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ...) ( ) , أي : أُتقِنَت ، ثم فُصِلَت ( ) ، فالقرآن ــــــ على مبنى هذا القول ـــــــ كله ( متقن ) ــــــ وهو الحق ـــــــ لأنه من صنع الله (جل جلاله) , قال تعالى : (صُنْعَ اللَّـهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ( ) ؛ لذا لا يتطرق إليه النقض والاختلاف ؛ لأنه لو كان من عند غير الله لكان كذلك , قال تعالى : (... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) ( ) .
يتضح لي مما تقدم : أن ( الإحكام = الإتقان ) , وهو : يقابل ( الخلط والالتباس ) أي : عدم الإتقان في الصنع . وأن ( الإحكام = الإتقان ) , وهو : يقابل ( التفصيل ) . وأن القرآن الكريم ــــــ بهذا الوصف : ( الإحكام = الإتقان ) وهو معنى لغوي ــــــ كله ( محكم ) فهو آية ساطعة منقطعة النظر , في مجال اللفظ , وسحر الموسيقى , وفخامة المعنى ودقة التصوير , وإشراق الديباجة ( ) , وسمو الأغراض والمقاصد . والإحكام ــــــــ بهذا المعنى ـــــــ خارج عن مدار البحث .
إن القرآن الكريم كله ( مُتَشَابِه ) ــــــ بكسر الباء ــــــــ أي : ( متماثل ومتقارب ) ؛ ويؤيد هذا القول : قوله تعالى : ( اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا ...) ) ) , أي : متماثلاً ومتقارباً في كل شيء ( ) .

يظهر لي مما تقدم : أن ( مُتَشَابِه ) ـــــــ بكسر الباء ـــــــ يعني : ( التماثل والتقارب ) في : الإتقان واللغة والسياق والإعجاز والبلاغة والأهداف والصور والحق والصدق والموضوعية وإصابة الهدف ورشاقة التركيب نسق واحد , جمالاً وروعةً وسحراً( ) . إن القرآن الكريم ــــــ بهذا الوصف ــــــ كله ( مُتَشَابِه ) , والمُتَشَابِهُ ــــــ بهذا المعنى خارج عن مدار البحث .
إن القرآن الكريم فيه : ( مُحكَمٌ , ومُتَشَابِهٌ ) ؛ ومستند هذا القول : قوله تعالى : ) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا .. ( ) . وهو الصحيح ( ) ؛ لأن الآية القرآنية الكريمة فيها دلالة صريحة على اشتمال القرآن العظيم على نوعين من الآيات القرآنية , هما : الآيات : ( المحكمة ) , والآيات ( المتشابهة ) ( ) ، وهذا القول : لا يتنافى مع القولين السابقين ؛ لأن الأول ــــــ كما ذكر ـــــــ إن الإحكام يراد به : الإتقان , بحيث لا يتطرق إليه النقص والاختلاف . والثاني ـــــــ كما ذكر أيضاً ـــــــ يراد به : التماثل والتقارب فهو يشبه بعضه بعضاً في كل شيء ( ) . وهو محل اتفاق لدى أئمة علوم القرآن الكريم ( ) إلا أنه جعل ( الإحكام ) مختصاً ببعض الآيات القرآنية الكريمة , وجعل ( التشابه ) مختصاً ببعضها الآخر( ) .
ويظهر مما تقدم : أن ( المحكم ) ـــــــ في القول الثالث ــــــــ يقابل ( المتشابه ) وإن استعمال كل واحد منهما ـــــــ المحكم والمتشابه ـــــــ استعمال ( جزئي ) , أي : مختص ببعض الآيات , لا كلها ؛ لذا فهو استعمال آخر , يختلف عن الاستعمالين ـــــــ السابقين ـــــــ وفي قبالهما ؛ لأن المحكم ـــــــ في القول الأول ـــــــ استعمال شامل للآيات القرآنية الكريمة كلها , وكذلك المتشابه في القول الثاني( ) وهذا القول : هو مدار البحث .
المُحكَمُ والمُتَشَابَهُ في ( الاصطلاح )
في معناهما الاصطلاحي , ودلالتهما اختلاف لدى أئمة علوم القرآن الكريم ( ) ؛ لذا كثرت تعريفات العلماء لهما وتعددت ( ) . فقد أورد السيد الطباطبائي ( ستة عشر ) قولاً معروفاً في معنى ( المُحكَمُ والمُتَشَابَهُ ) ، وتمييز مواردهما ( ) ، وإن كان جلها محل اعتراض( ) , إلا أنها تكاد تؤول ــــــــ بعد ضم بعضها إلى بعض ـــــــ إلى أن ( المحكم = الواضح ) و( المتشابه = غير الواضح ) ( ) , إلا أن التشابه ـــــــ مع حفظ كون اللفظ دالاً على معنى مريب مردد ـــــــــ ليس من جهة اللفظ , بحيث يعالج بالطرق المألوفة , عند أهل اللسان , كإرجاع العام إلى المخصص , والمطلق إلى المقيد , ونحو ذلك , بل من جهة كون المعنى غير ملائم , لمعنى آية أخرى محكمة , لا ريب فيها تبين حال المتشابه ( ) .
والتعريف الذي أميل إليه وأتبناه , هو تعريف الدكتور الصغير حيث عرّف المحكم , قائلاً : (( هو الذي تكوت دلالته واضحة , لا تلتبس بأمر آخر )) ( ) . وبهذا يكون المحكم , هو النص القرآني الواضح الدلالة الذي لا لبس في دلالته .
وعرف المتشابه , بأنه (( هو النص القرآني , الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ))( ( , ثم بين أن الراسخين في العلم هم ـــــــ حصراً ـــــــ أهل البيت : النبي ، والأئمة : الإثنا عشر ، والزهراء ( صلوات الله عليهم أجمعين ) ( ) . وهو تعريف مبني على النص القرآني (?) ، وناضر إلى معرفة الراسخين في العلم للتأويل دون عدمهما , سواء أ كانت ( الواو ) , في قوله تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا .. ( ) ( للعطف ، وجملة : ( يقولون ) في محل نصب حال , والتقدير : ( قائلين ) , أم كانت للاستئناف وجملة : ( يقولون ) : في محل رفع خبر مبتدأه ( الراسخون ) ( ) ؛ لأن علم الراسخين في العلم بتأويل الكتاب , إذا لم يكن مفاداً من الآية نفسها , وهذا ما يراه السيد الطباطبائي , حيث قال : (( إن ظهور الآية ــــــ : يعني آل عمران / 7 ـــــــــ لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله , لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم )) ( ) , فهو مفاد من بيان آخر : أما قرآني آخر , كقوله تعالى ) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( ( ) , فقد نصت الآية الكريمة على أن المطهرين ــــــ أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) ــــــــ قد خصهم الله بعلم تأويل الكتاب ( ) , وإما نبوي ( ) كظاهر بعض الأخبار , عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) ( ) .
ويبدو لي : أن المحكم والمتشابه أمران نسبيان , يتفاوت عرفانهما بحسب ثقافة المتلقي فما كان محكماً عند بعض قد يكون متشابهاً عند بعض ؛ وذلك لعدم تساوي الفهم ( الدلالي ) لدى الناس , كل ميسر له بمستواه المعرفي .




منهج أهل البيت في فهم المُتَشابَهُ :

ثَبّتَ أهل البيت عليهم السلام ( منهجاً قويماً ) ؛ لفهم المتشابه ( ) قام على رد المتشابه إلى المحكم ( ) ، وهو ـــــــــــ أي : الرد ــــــــــ ظاهرة لها أهميتها عندهم , ولا سيما الإمام الرضا (عليه السلام) ؛ لأن بها تمام التفسير متكاملاً , وهو يدعو إلى هذا ( المنهج ) ( ) حيث قال : (( من رد متشابه القرآن إلى محكمه , فقد هدي إلى صراط مستقيم )) ( ) وقال : (( إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن , متشابهاً كمتشابه القرآن , فردوا متشابهها إلى محكمها , ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا )) ( ) .
والحديثان الشريفان ظاهران في أن الأخبار الشريفة تشتمل على ما اشتمل عليه القرآن الكريم من ( المحكم والمتشابه ) , وأنها تبين ما تعرض له القرآن الكريم , وأن التشابه في الآيات القرآنية الكريمة يقبل الارتفاع إذا ما رد إلى آيات أخرى , وهي : ( الآيات المحكمة ) ( ) . والرد ــــــ هنا ـــــــ لا يراد به : أن الآيات المتشابهة نؤمن بها , ولكن في مجال الإتباع العملي , نرجع في موردها , إلى العمل بالآية المحكمة , مثلها مثل الآية المنسوخة نؤمن بها , ولكن في مجال الإتباع العملي , نرجع في موردها إلى الآية الناسخة لها ، وإنما يراد به : رجوع بيان , ورفع تشابه ؛ لكون المحكمات مبينة للمتشابهات , رافعة لتشابهها ( ) .
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى : ( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ...) ) ) , فلفظة : ( الأم ) فيها عناية زائدة بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعيض , فهي لا تخلو من الدلالة على : كون المتشابهات ذات مداليل , ترجع وتتفرع على المحكمات , ولازم هذا كون المحكمات مُبَيّنةً للمتشابهات ( ) , ورد المتشابه إلى المحكم , بحيث يكون أحد الكلامين قرينة على الآخر , ولا يكون إلا بالاجتهاد ( ) والمتشابه لما كان متشابهاً ؛ لتشابه مراده , لذا يتكفل المحكم برفع التشابه , بعد أن حدد أهل البيت (صلوات الله عليهم) مرجعية ـــــــ مُفَسِّر ــــــ المتشابه ، وهي ( المحكم ) , أي : ليس للمتشابه مُفَسِّر إلا المحكم( )لذا فهو صورة من صور ( تفسير القرآن بالقرآن ) ( ) .
وبهذا يتضح : أن ملخص ما أثر عن أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) يشكل ( منهجاً ) , ينفي وجود آيات متشابهة , في القرآن الكريم , لا يمكن معرفة مدلولها الحقيقي ؛ لأن الآيات المتشابهة , وإن كانت لا تستقل في مدلولها الحقيقي , إلا أنه يمكن معرفته بواسطة الآيات المحكمة , إذا أُرجعت إليها ( ) , وإن المتشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ , وليس من أوصاف اللفظ , أو من أوصاف ما هو أعم من ( اللفظ والمعنى ) ( ) , وعليه ليس في القرآن الكريم آية , لا يمكن معرفة معناها ( ) ــــــــ الظاهري ــــــــ ومما يؤيد ذلك : دعوة القرآن الكريم نفسه , إلى التدبر في آيات عددة ( ) , تضمنت (حثاً) شديداً على التدبر في معاني القرآن الكريم والتفكير في مقاصده وأهدافه ( ) , وأما الحروف المقطعة في بعض السور الكريمة , فهي ــــــــ بحسب ما أرى البحث : متبنيةً في ذلك رأي السيد الطباطبائي ـــــــ ليست من المتشابهة ؛ لكونها ليست لها مدلول لغوي ( ) ؛ ولإثبات أن هذا المصطلحات ـــــــ في التراث التفسيري لأهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) مادة صالحة للتطبيق , أوردت جملة من التطبيقات .

التطبيقات المأثورة عن أهل البيت
التطبيقات المأثورة كثيرة , أورد بعضاً منها :
1- في قوله تعالى مخاطباً إبليس : (...مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ...) ( ) المتشابه لفظة : (بيدي) ظاهرها يدل على : ( الجسمية ) , وإن الله (جل جلاله) محال أن يكون جسما ( مادة ) ولكن لو أرجعت إلى قوله تعالى : (... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...) ) ) ؛ لتبين أن ( اليد ) ــــــــ هنا ـــــــ لا يراد بها : ( الجسمية ) ( ) ـــــــ العضو المعروف ــــــــ وإنما يراد بها شيء آخر , فسره الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه) بـــــ ( القوة والنعمة ) , حيث قال : ((اليد في كلام العرب القوة والنعمة)) ( ) , وبهذا نزل القرآن الكريم ، قال تعالى : (.. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ... ) ( ) وقال تعالى : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ...) ( ) , ويقال : (( لفلان على يد بيضاء )) , أي : نعمة( ) وورد عن الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) مثل ذلك , فقد فسر اليد بـــــ ( القوة والقدرة ) حيث قال : (( يعني بقدرتي وقوتي )) ( ) .
يظهر لي مما تقدم : أن الإمامين ( الباقر , الرضا ) (صلوات الله وسلامه عليهما) قد فسرا : ( اليد ) ـــــــ في الآية ــــــــ بـــــ ( القوة , القدرة , النعمة ) وهنا ألمس أن الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه) حدد (مرجعية) من مرجعيات تفسير المتشابه , وهي : ( اللغة ) أي : يفهم المتشابه ـــــــ أحياناً ــــــــ في ضوء مستوى اللغة , لذا تجده يفسر ( اليد ) المنسوبة إلى الله تعالى في القرآن الكريم , بما لها من معنى في اللغة , يناسب هذا المقام , وهو : (القوة , القدرة , النعمة)( ) وهذا المنهج يمكن أن يطبق على الآيات القرآنية الكريمة كلها التي تضمنت لفظة ( اليد ) منسوبة إلى الله (جل جلاله) ( ) , كقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ...) ( ) , أي : قوة الله وقدرته فوق قوتهم وقدرتهم . فاليد : لا يصح حملها على ( الاستعمال الحقيقي ) , وإنما يصح حملها على (الاستعمال المجازي) على جهة الاستعارة ـــــــ التخييلية (?) ـــــــ وما قيل عن اليد في لفظة (بيدي) , يقال : عن الآيات القرآنية الكريمة كلها التي يتخيل فيها التجسيم , أو يتوهم فيها التشبيه , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ( ) .
2- وفي قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ .. ) ( ) ــــــ المتشابه ـــــــ لفظة ( إذن ) ظاهرها يدل على الجسمية , وإن الله (جل جلاله) ( مادة ) , لكن عند إرجاعها إلى قوله تعالى : (... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...) ( ) ــــــ المحكم ـــــــ يتبين أن ( الأذن ) ــــــــ هنا ــــــــ لا يراد بها الجسمية( ) ـــــــ العضو المعروف ــــــ وإنما يراد بها : شيء آخر قد فسره الإمام الرضا) صلوات الله وسلامه عليه) بـــــ ( الأمر ) ، حيث قال : (( وأذنه : أمره لها بالإيمان )) ( ) , وبين أن الآية الكريمة لا تعني : أن الإيمان على النفس محرم , ولكنه لا يتحقق إلا بأمره جل جلاله( ) حيث قال : (( ما كنت مكلفة متعبدة , وألجأها إياها على الإيمان , عند زوال التكليف والتعبد عنها )) ( ) .
ويطبق هذا المنهج على الآيات القرآنية كلها التي تضمنت لفظة : ( إذن ) منسوبة إلى الله (جل جلاله) , كقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ... ( ( ) , أي

: بأمر الله ــــــ التكويني ـــــــ والمعنى : (( وما كان لنفس أن تموت إلا بقول الله : موتي))( )
3 ـــــــ وقوله تعالى : ( .. مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...) ( ) , أي بأمره والتعبير بـــ ( الإذن ) عن أمر الله مشيئته واختياره , من المجاز العقلي وعلاقته السببية , ويجوز أن يكون من المجاز المرسل وعلاقته السببية أيضاً , باعتبار تعبيراً عن المشيئة ( ) ، أما كونه مجازاً ( عقلياً ) ؛ فلأن أمر الله) جل جلاله) , لما كان سبباً في إيمان النفس , أُسند إليه الفعل ( مجازاً ) , وعلم أن السببية وجه ذلك ( ) وأما كونه مجازاً : ( مرسلاً ) فلأن القرآن الكريم , أطلق الجزء : ( الإذن ) , وأراد به ( الكل ) ــــــ أمر الله ومشيئته ـــــــ مجازاً , ولما كان ذلك الجزء , لا غنى عنه عن الدلالة على ذلك الكل ؛ لذا كان ذلك الجزء , كأنه الشيء كله ( ) .

أخلص مما تقدم إلى : لفظة ( الإذن ) منسوبة إلى الله (جل جلاله) تفسر بـــ (الأمر) وهذا المنهج يطبق على الآيات القرآنية الكريمة كلها , التي تضمنت هذه اللفظة في المقام نفسه , حسب ما أثر عن أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين)، ولا سيما الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم