انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دراساتٌ في نحوِ القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة / الاكتفاء الوافي في العبارة القرآنية:

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود       24/12/2016 18:59:05
المحاضرة الثانية عشرة/

الاكتفاء الوافي في العبارة القرآنية

د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود

م/ هذه المحاضرة موجزة عن مدونتِها الكاملة لها ِبصيغةِ (pdf) ، ضمنَ المنشور الألكتروني.

للاطلاعِ على التفصيلِ التحقيقيِّ الدلاليِّ الوافي لهذا الاكتفاءِ ، وشواهدِه القرآنيةِ نُحيلُ الطلبةَ ، والباحثينَ ، والمتتبعين ، والسائلين إلى ما تضمنه الفصلُ الثاني من كتابِنا (دلالة الاكتفاء في الجملة القرآنية).
ومن أمثلةِ ما جرى العرْضُ المستفيضُ له - من هذا الموضوعِ - في كتابِنا المذكورِ ، نورِدُ لكم ما يأتي:

1- الجملة المكتفية بالمبتدأ :
ومنها قولُه تعالى: [ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ] [التوبة/3]. فقد جاءت كلمةُ (رسولُ) بعد حرف (الواو) ، وهو في هذه الآيةِ الكريمة إمَّا أنْ يكونَ حرفَ عطْفٍ ، أو حرفَ استئناف.
أما كونُه حرفَ عطْفٍ فيقتضي أنْ يعطِفَ كلمةَ (رسول) على لفظِ الجلالة (الله) الواقع اسمًا لـ(أَنَّ) المفتوحةِ الهمزة ، والمعطوفُ يُطابقُ ويُشاركُ المعطوفَ عليه في الإعراب ، ولو صِيغَ هذا النصُّ بالنظم نفسِه خارجَ القرآن الكريم لقيلَ: (أَنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسولَه) بنصب كلمةِ (رسول) لأنـَّها معطوفةٌ على منصوبٍ ، إلاَّ أنـها في العبارة القرآنية جاءت مرفوعةً بالضمة ، وهذا ما جعل المعرِبين يذهبون إلى أنه معطوفٌ على محَلِّ (أَنَّ) واسمِها ، فمحلُّهما الابتداء ، والابتداءُ رفْعٌ أبدًا ، أو على محلِّ اسم (أَنَّ) قبل دخولـها عليه(1).
والأرجحُ أنَّ هـذا التوجيهَ والتخريجَ مردودٌ ، لكونِ (أَنَّ) المفتوحةُ المشددةُ تأتي ((حرْفَ توكيدٍ تنصب الاسمَ ، وترفعُ الخبرَ…و[هي] من الأحرف المصدريات… واختُلِف في المفتوحةِ الهمزةِ ، فقيلَ: هي فرْعُ المكسورة…[وقيل: هي غير المكسورة لأسبابٍ منها:] أنَّ الكلامَ مع المكسورة جملةٌ غيرُ مؤولةٌ بـمفردٍ ، بخلافِ المفتوحة…[و] أنَّ المكسورةَ تُفيدُ معنى واحدًا وهو التوكيد ، والمفتوحة تُفيدُه وتُعلِّقُ ما بعدها بـما قبلـها…))(2). وهذا هو معنى (أَنَّ) التي في الآية موضوع العرض والتحليل. واللهُ أعلم.
ولأنَّها تُباينُ (إِنَّ) المكسورةَ الهمزة في أنـها لا تَرِدُ للابتداء مطلقًا ، لأنـها متعلِّقةٌ بـما قبلـها دائمًا فهي متعلِّقةٌ بـ[ أَذَانٌ ] ؛ لأنـها إما خبرٌ عنه ، إذا لَم يُعدَّ [ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ] خبرًا له ، وإما بدلٌ من [ أَذَانٌ ] إذا عُدَّ [ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ..... ] خبرًا للمبتدأ [أَذَانٌ]. فهـي - إذًا - ليست للابتداء. وعلى الرغمِ من كونِها فـي مَحلِّ رفعٍ - لِما مرَّ - فإنه لا يُقبلُ القولُ بأنَّ كلمةَ (رسول) معطوفةٌ على موضعِ (أنَّ واسمِها). فـ(أنَّ) أداةٌ أفادت توكيدَ نسبةِ خبرِها لاسمِها المنصوب ، ولا رفعَ فيهما ، ولو مَحلاًّ. كما لا يُقبلُ القولُ بأنـها معطوفةٌ على مَحلِّ اسمِ (أنَّ) ، فهذا ليس بكلام.
وأما كونُه حرفَ استئنافٍ فإنه يقتضي أنْ يكونَ ما بعده جملةً مستَأنَفَةً مستقلَّةً - إعرابًا ، لا معنى - عمَّا قبلـها ، لذا فكلمةُ (رسول) مبتدأٌ. وهذه الكلمةُ هي جملةٌ مكتفيةٌ مقتصَرَةٌ مرتبطةٌ بسياقِها لا يحتاجُ المبتدأُ فيها إلى خبرٍ ظاهرٍ ، ولا مقدَّرٍ كما يُزعَمُ. وليس بصحيحٍ تقديرُ المُعربين خبرًا له هو (بريءٌ) ، ففي هذا التقديرِ عُدُولٌ بالنصِّ إلى غير دلالتِه التي يُمكن استنباطُ شيءٍ منها بجلاءٍ مِما هو عليه بصورةِ الاكتفاء ، لأمورٍ منها:
أ‌) هـذا النصُّ ورد في الآيةِ الثالثةِ مـن سورة التوبة ، التي بـدأت آيتُها الأُولى بقولِـه تعالى: [بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ] [التوبة/1] ، وقد انتهت هذه الآيةُ إلى الإخبارِ بأَنَّ براءَةَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) هي براءةُ اللهِ تعالى عينُها من المشركين ، بدليل قولِه تعالى: [ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] ، ولم يقُل: (وبراءةٌ من رسوله). واللهُ تعالى أعلم.
وهذا دليلٌ واضحٌ على وحدةِ البراءةِ. أما لو كانت مكررةً - كما فيما لم يُقَلْ في النصِّ الكريم - لكان في هذا التكرير اختلافُ معنى وتجدُّدُ دلالةٍ.
ب) إِنَّ في إعادةِ النكرة بلفظِها دلالةٌ على أنـها غيرُ النكرة الأُولى. قال ابنُ خالويه في حديثِه عن قولِه تعالـى: [ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ] [الانشراح/5-6] : ((قال ابـنُ عباس: (لا يغلِبُ يُسرَين عسرٌ واحدٌ) ، تفسيرُ ذلك أنَّ في (ألم نشرحْ) عسرًا واحدًا ويُسرَين ، وإنْ كان مكررًا في اللفظِ ، لأنَّ العسرَ الثاني هو العسرُ الأول ، واليُسر الثاني غيرُ الأول ، لأنه نكرةٌ ، والنكرةُ إذا أُعيدت أُعيدت بـ(ألف ولام) ، كقولك: (جاءني رجلٌ فأكرمتُ الرجلَ) ، فلما ذُكر اليُسرُ مرتين ، ولم يُدخِل في الثاني (ألفًا ولامًا) عُلِمَ أَنَّ الثاني غيرُ الأول))(3).
فلو كان النصُّ - كما زُعِم خارجَ القرآن - هو (أَنَّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولُه بريءٌ) لأفاد هذا النصُّ - بـهذا النظمِ- دلالةً مباينةً لمعنى [ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] خلاصتُها أنَّ براءةَ الرسول (صلى الله عليه وآله) هي غيرُ براءةِ الله تعالى ، واختلافهما في موردٍ واحدٍ وهو (من المشركين). وفي هذا التوجيهِ عُدُولٌ عن المعنى الأول المتجلِّي من قولِه تعالى: [ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ]. واللهُ أعلم.

إنَّ الاكتفاءَ في هذه الجملةِ بكلمةِ (رسولُه) - فالمضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة - أي: الاكتفاءَ بالمبتدأ دونـما حاجةٍ إلى خبرٍ يُذكرُ أو يُقدَّرُ له ، فيه من الدلالاتِ السامية ما يُبيِّنُ من منـزلةِ الرسول (صلى الله عليه وآله) عند الله تعالى ، فقد وحَّد براءتَه (صلى الله عليه وآله) من المشركين مع براءتِه تعالى ، وقد سبقتِ الإشارةُ إلى هذا التوحُّدِ في مطلعِ السورة - كما ذكرتُ - وبعدَ عِلْمِ السامع والقارئِ بـهذه المنـزلةِ في التقريب لم يَعُد ثـمة داعٍ إلى أنْ يُمَيَّزَ في البراءة مـن المشركين بينَ الله سبحانه وتعالى وبينَ رسوله (صلى الله عليه وآله) ، فذِكْرُهما مُتَّحِدَين بصورة الاكتفاء هذه فيه بيانٌ جليٌّ لإعلاءِ شأنِ الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فقد تحصَّل لك أيها القارئُ والسامعُ مسبقًا هذا التوحُّدُ. فما الداعي إلى التمييز فيه وتفريقه بحجةِ زَعْم محذوفٍ يجبُ تقديرُه(4) ؟!



س1/ نستنتجُ أنَّ للجملةِ العربيةِ مستويَين هما: 1- الجملةُ الكاملةُ. 2- الجملةُ المكتفيةُ السياقيةُ. بيِّن هذا الاستنتاجَ في ضوءِ ما درستَ ؟
س2/ من روائعِ البيانِ القرآني أنَّ الجملةَ الإسميةَ لا تقومُ على ذكرِ (المبتدأ والخبر) معًا ، وأنَّ الجملةَ الفعليةَ لا تقومُ على ذكرِ (الفعل والفاعل) ، أو (الفعل والفاعل والمفعول) بحسب دلالةِ التعدي واللزوم. اكشف عن هذا البديعِ التركيبي في ضوءِ ما درستَ ؟
س3/ إذا سُبِق الضميرُ باسمَين متعاطفَين ؛ فعلى أيٍّ منهما يعودُ ؟ أجِبْ في ظلِّ الدلالةِ بنصٍّ قرآنيٍّ.
-------------------------------------------------------------------
(1) ينظر: مشكل إعراب القرآن 323:1.
(2) الجنى الداني 402-404.
(3) إعراب ثلاثين سورة 127.
جاء في مجمع البيان للطبرسي: (( عن الحسن (عليه السلامُ) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومًا مسرورًا فرِحًا ، وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسرٌ يسرَين ، فإن مع العسر يسرًا ، إن مع العسر يسرًا ) 509:10. وينظر في هذا الحديث ودلالة تكرير النكرة: مرآة الرشاد ، الشيخ المامقاني 61.
(4) أما المعنى الآخر لـ( أنَّ ) فهو (لعلَّ) وهو قليـلٌ نادرٌ. ينظـر: الجنى الدانـي 417. وينظر مصدره: الكتاب1: 462-463. وينظر في معنيَي (أَنَّ) هذين: خلاصة مغني اللبيب محمد حسين الإمامي 14-15. وقد ذكرتُ هذا المعنى لـ(أَنَّ) هنا إتماما للحديث ، على الرغم من عدم صلته لا من قريب ولا من بعيد بالنص موضوع التحليل.

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم