انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دراسات في نحو القرآن/ المحاضرة السابعة/ حذف الاختزال - حذف أكثر من كلمة:

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود       23/12/2016 15:03:12
المحاضرة السابعة/

من أنواعِ الحذفِ في الفكرِ النحويِّ: د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود

حذف الاختزال/

حذف أكثر من كلمة:

وقد جَعَلَ منه الزمخشريُّ قولَه تعالى: [ ذلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنـَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] [الحج/32] ، إذ قـال: (( أي: فإنَّ تعظيمَها من أفعال ذوي تقوَى القلوب. فحذفت هذه المضافاتُ ولا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها ، لأنه لابدَّ من راجعٍ من الجزاءِ إلى (مَنْ) ليرتبِطَ به))(1).وبـهذا قال كلٌّ من البيضاويِّ ، وابنِ هشام ، والسيوطيِّ ، والشوكانيِّ (2).
ولا ريبَ في أنَّ عبارةَ الزمخشريِّ: (( ولا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها)) غيرُ مقبولةٍ من مثلِه ، فألفاظُ كتابِ الله منساقةٌ لدلالاتِه ، ودلالاتُه منساقةٌ لألفاظِه ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ: نظمِه ومعناه جاء لحكمةٍ وبقدْرٍ لدلالةٍ مقصودةٍ ، ومعانٍ إيحائيةٍ ، دونَ سواها. فقولُ الزمخشريِّ هذا يُفهَمُ بصورةٍ تُحيلُ النصَّ إلى غير وجهتِه. وحجتُه بأنَّ الجزاءَ لابدَّ فيه من راجعٍ إلى (مَنْ) ، وهو اسمُ الشرطِ ، ليرتبطَ به ، غيرُ ملزِمةٍ فليس في كلِّ جزاءٍ من عائدٍ على الشرطِ بـ(مَنْ) ، كما في قولِه تعالى: [ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ] [المائدة/54] ، فليس في الجزاءِ [ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ...] من عائدٍ على اسمِ الشرط (مَنْ) ، لأنَّ إتيانَ اللهِ تعالى بِهؤلاءِ القومِ غيرُ مشروطٍ بوقوعِ ارتدادِ المخاطَبين عنِ الدِّين ، بل هو وعْدٌ إلهيٌّ تطمئنُّ به قلوبُ المؤمنين والمستضعفين ، واللهُ أعلم.
قال الطاهر بن عاشور: ((وقولُه: [ فَإنـَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] جوابُ الشرطِ ، والرابطُ بين الشرط وجوابه هو العمومُ في قولِه: (القلوب) ، فإنَّ من جملةِ القلوبِ قلوبَ الذين يُعظِّمون شعائرَ الله ))(3) . وهذا الترابطُ ينقضُ مذهبَ الزمخشريِّ الذي أوجبَ في ضوئِه هذا التقديرَ. وقد اكتُفِيَ بـ(تقوى القلوب) لأنَّ القلوبَ هي (( منشأُ التقوى والفجور ، أو الآمرةُ بـهما))(4). فالمعنى هو: ((أنَّ التعظيمَ بابٌ من التقوى ، ومن أعظمِ أبوابِها ، لا أنَّ التعظيمَ صادرٌ من ذي تقوى))(5). واللهُ أعلم.
و تحت هذا النوعِ من الاختزال أدرَجَ الشوكانيُّ قولَه تعالى: [ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ] [طه/96] ، فقد ذهبَ إلى أنَّ ثـمة محذوفًا مختزلاً فيه ، تقديرُه: ((من أثَرِ حافِرِ فرسِ الرسولِ))(6) بزعْمِ أنَّ ثـمة مضافَين مختزَلَين في النصِّ هما: (حافر فرس).

والراجحُ أنَّ (أثر الرسول) -كما في النص الكريم - هو أثرُ جسمِه حصرًا ، ولا شيءَ غيرُه. فالأثرُ المقصودُ هنا ماديٌّ ، بدليل قولِه تعالى على لسانِ السامريِّ: [ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً] ، أي: أخذتُ بكفِّيَ جزءً من أثره الذي خلَّفه بجسمِه أو بقدمِه ، وهذا هو مرادُ (السامريِّ) وكيدُه للنبي موسى (عليه السلامُ) بافتعالِه السحرَ ، وإغوائِه بالعِجْلِ.
أما (فرس الرسول) فهو جسمٌ آخرُ ، وروحٌ أخرى ، ولا يُعقَل أو يُقبَل أن يُقبضَ شيءٌ من أثر جسمٍ ثم يُفعلَ بـه السحرُ أو غيرُه ، ليتأثرَ به جسمٌ آخرُ ، فالأثرُ المقبوضُ مـن أثر حافر فرس الرسول لا يعني شيئًا للرسول نفسِه. لذا فزَعْمُ الحذف هنا ، وادِّعاءُ هذا المقدَّر يُـبعد النصَّ الكريمَ عن دلالته التي نُظِم وسيق لها ما دام الساحرُ يهدفُ من سحرِه إلى التأثير في الرسولِ نفسِه ، لا في فرسِه.
وقد تناولَ القرطبيُّ - بـهذا المذهب من القولِ بحذف الاختزال - قولَه تعالى: [ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى] [النجم/9] ، مقدِّرًا محذوفًا مختزلاً بقولِه: (( فإنْ قلتَ: كيف تقديرُ قولِه: [فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ] ؟ قلتُ: ( فكانَ مِقدارُ مسافةِ قُربِهِ مِثْلَ قابَ قوسَين) ))(7). وبِمثلِه قال السيوطيُّ الذي أدرج هذا الحذفَ المدَّعى تحت عنوانِ: (حذف ثلاث متضايفات)(8) .

والراجحُ أنَّ الآيةَ الكريمةَ تصوِّرُ - فيما تدلُّ عليه - مكانةَ النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الله تعالى ، وهي مكانةٌ لم يحظَ بِها أو يُدركها أحدٌ من الأولين والآخرين. فقربُه المعنويُّ المقدَّسُ من الله تعالى ، وسموُّه ، ورفعتُه على مَنْ سواه من الخلقِ أجمعين هو غايةُ التصوير في هذه الآية ، والله أعلم. أما تقديرُ ما قُدِّر وزُعِمَ فيها فإنه يعدِلُ بـهذه الدلالةِ الجليلة الجليَّة من النصِّ إلى دلالةٍ ماديةٍ حسيةٍ بدليل تقديره كلمة (مقدار) و (مسافة) ، فهما كلمتان ماديتان تجعلان من المكان المتصوَّر الذي فيه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاليًا منه تعالى سبحانه عن ذلك - لا قصدًا وعمدًا فالقرطبيُّ أجلُّ من هذا المذهب - وهذا واضح من قوله: (فكان مِقدارُ مسافةِ قُربِه مِثْلَ قاب قوسَين) ، فمقدارُ هذه المسافةِ يُوحِي ويُشعِرُ بأنه سبحانه وتعالى قد خلا منه هذا المكانُ ، في حين أننا أينما نولِّي [ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] [البقرة/115] وأنه تعالى: ((لم يَحْلُلْ في الأشياءِ فيُقالَ: هو فيها كائنٌ ، ولم ينأَ عنها فيُقالَ: هو منها بائِنٌ ))(9).

إنَّ من دلالاتِ الآيةِ الكريمةِ تصويرَ مكانةِ الرسول (صلى الله عليه وآله) المعنويةِ عند الله تعالى ، وزَعْمُ (الحذفِ والتقدير) فيها يعدِلُ بـهذه الدلالةِ إلى تصوير مكانتِه الجسدِيَّةِ الماديَّة ، وهذا ما لا يُعقَل ولا يُراد. واللهُ أعلم.

يتضِحُ مـما مرَّ ذكرُه أنَّ ما عرف بـ(حذف الاختزال) أدخلُ أنواعِ (الحذف) المقولِ بِها والمارِّ ذكرُها ، في موضوعاتِ النحوِ وأبوابِه ، وقد تناولها المفسرون والنحويون - تقليدًا أوِ اجتهادًا - بالذكرِ والسرد ، حتى زخرت بِها مصنفاتُهم ومؤلفاتُهم ، ولا أجدُ أنه من اليسير سردُها أو سردُ معظمها في هذا الموضعِ من البحثِ ، ففيما مرَّ ذكرُه كفايةٌ. وفيما سيأتي تكملةٌ وبيانٌ ، ولاسيما فيما يتصلُ بعرضِها ونقدِها وتوجيهِ النصوص في غير سبيلِها ومنهجِها.

ولقد كان من مخضِ هذا السردِ عن مشكلةِ (الحذف) في المصنفاتِ النحويةِ أنْ جُعِلَت (المحذوفاتُ) فـي العربية - وهي التي يكتنفُـها عند القائلين بِها (حذف الاختزال) المارِّ ذكرُه - على مستويات ثلاثةٍ ، سيكونُ في المحاضرةِ القابلةِ بيانـُه.

س1/ ما قولُكَ في رأي الزمخشريِّ عنِ العبارةِ القرآنيةِ الواردةِ وحيًا كما هي: ((ولا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها)) ؟ فالمعنى القرآني بحدِّ العبارةِ نفسِها غيرُ مستقيمٍ عند الزمخشريِّ !
س2/ عند القولِ بالحذفِ يجبُ القولُ بالتقديرِ. وثمةَ تقديراتٌ تنقلُ الدلالةَ إلى الميدانِ الماديِّ ، بعد أن نزلت في النصِّ القرآنيِّ الصحيحِ في الميدانِ المعنويِّ. ناقش ذلك.
س3/ كيف تقرأُ موقفَ المفسِّرِ ، والنحويِّ وهو يضعُ على كلامِ اللهِ تعالى زيادةً يحلِّلُ بموجبِها نصَّ ذلك الكلامِ ؟ وهل تجِدُه ينسَى ، أو يتناسَى أنه يتعاملُ مع كلامِ اللهِ تعالى ؟ وهل ترى أنَّ النصَّ تامٌّ وهو في القرآنِ ، أو أنه لا يتُمُّ إلا بزيادةِ الزاعمِ المفسِّرِ ، أوِ النحويِّ؟
---------------------------------------------------------------------------------

(1) الكشاف224:3.
(2) ينظر: أنوار التنزيل125:4. ومغني اللبيب624:2. و الإتقان 171:2. وفتح القدير646:3.
(3) التحرير والتنوير230:6.
(4) أنوار التنزيل 125:4. وينظر: زاد المسير430:5. وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ، أحمد ابن تيمية الحرَّاني ، تح: عبد الرحمن قاسم النجدي485:17. وإرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ، محمد بن محمد أبو السعود 106:6.
(5) روح المعاني151:17.
(6) نيل الأوطار 360:3. وينظر: عون المعبود ، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي 342:3 .
(7) الجامع لأحكام القرآن 89:17.
(8) ينظر: الإتقان 171:2.
(9) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم 153:5.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم