انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة جبار كاظم شنبارة العويدي
06/05/2016 22:06:12
سُورَةُ الْبَلَدِ دِرَاسَةٌ دَلَالِيَّةٌ
الدُّكْتُور / جَبَّار كَاظِم الْمُلَّا والباحثة / عَبِيرُ جَبَّار كَاظِم الْمُلَّا كُلِّيَّةُ الدِّرَاسَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ /جَامِعَةُ بَابِلَ قَطَّاعُ التَّعْلِيمِ الْأَهْلِي / الْقَاسِمُ الْمُقَدَّسَةُ
مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي المؤَيَّد المنصور المسَدَّد أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآلة وسلم) ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) ، وصحبه الأخيار المنتجبين الذين اقتفوا أثره ولم يحدثوا بعده ، أما بعد فإن الباحثين قد بيَّنَا في هذه المقدمة أمورا عديدة ، على النحو الآتي : • أهمية البحث : يمكن إجمال الأهمية ، بما يأتي : إن القرآن الكريم كتاب هداية ، قال تعالى: ? إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...?(1) ورسالة سماوية معجزة ودستور الإسلام الخالد ، وفيه أصول المعارف العامة ، وهو الأصل الأول من أصول التشريع الإسلامي قال تعالى : ?... مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ...? (2) ؛ لذا فإن دراسة جانب من جوانبه أمر في غاية الأهمية لأنها تسلط الضوء على ذلك الجانب ، سواء جزئيا كان ذلك الأمر أم كليا وآية كان أم آيات عدة وسورةً كان أم سورا عدة ؛ لأن الدراسة في النهاية توصل الباحث إلى : الإحاطة بالجزء المدروس ، وتطلعه على الأسرار الكامنة وراءه من : معنى ، وأسلوب ، ودلالة ، وتركيب ، وقراءة ، ومنهج . ولما كانت الأمور المذكورة آنفا متوافرة في سورة البلد ، فهي جديرة بالبحث والدراسة ؛ ومن هنا تظهر أهمية الموضوع لدراسته وقد سميناه بـ (سورة البلد دراسة دلالية) وقد ركَّزت الدراسة على الظواهر الدلالية البارزة ، أي : إنّنا لم ندرس الظواهر كلها – نحو دلالة (فَكّ) واختلافها عن دلالة (عَتْق) على سبيل المثال – وإنما درسنا البارزة منها آخذين بنظر الاعتبار الفائدة المترتبة على تلك الدراسة وغض البحث النظر عما سواها . • أسباب الاختيار : إن أهم أسباب الاختيار تتلخص بالنقاط الآتية : وقد اخترنا هذا الموضوع ؛ لأسباب منها : أولا : لاحتواء سورة البلد على ظواهر دلالية كُثْر ؛ تعطي الباحثين سعة في مجال البحث . ثانيا : لتنوع الظواهر المتوافرة فيها ، وهي موزعة على النحو الآتي : (الدلالة ، التركيب ، القراءات والمنهج) وأعني بالأخير : تحديد الطريقة المنتجة للمعرفة ، أي : الطريقة المتبعة للوصول إلى معنى النص القرآني أي : بيان المعاني الكامنة في الألفاظ والكشف عنها ؛ لإظهارها إلى ذهن المتلقي . ثالثاً : إن بعض الظواهر التي حددها البحث للدراسة ؛ بحاجة إلى عرض واستقراء وتحليل ، وكشف النقاب عن الصحيح منها ، أو الأقرب إلى الصحة إن أيدته الأدلة ودعمته الحجج . رابعاً : إن بعض الظواهر جاءت عبارة عن آراء متراكمة – بعضها قديم وبعضها حديث – إلا أنها لم تحاكم ليهتدي من خلال المحاكمة إلى تحديد الأصوب منها ، وفق معايير البحث العلمي . خامساً : إن تنوع الظواهر في سورة البلد شجَّع الباحثين على بحثها ؛ لأنها في النهاية أعطت مادة قرآنية متنوعة ، من دلالة وتركيب ، وقراءة ، وتلمس لمنهج متبع في تفسير النص القرآني . • أهداف البحث : من أهم الأهداف المتوخاة ، هي : أولا : إحصاء الظواهر البارزة ، وبيان رأي الباحثين فيها بعد التحليل . ثانيا : الوقوف على آراء العلماء في كل ظاهرة – تمَّ تحليلها – أمن آراء الأقدمين كانت أم من آراء المتأخرين ؟ وإبداء الرأي فيها. ثالثا : تلمس جمالية القرآن الكريم من خلال تحليل تراكيبه اللغوية . تلمس مناهج تفسيره ، والإشارة إلى جذوره التاريخية في سورة البلد . تلمس ظاهرة النقد ، وبيان سبقها الزمني ، وملازمته للتفسير ، كما أنَّ النقد ملازم للأدب ، وإنه مولود معه لا متأخر عنه . • منهجية البحث : وتتلخص المنهجية المتبعة ، بما يأتي : اتبع البحث : المنهج (الوصفي) في إحصاء الآراء وعرضها ؛ بوصفه خطوة أولى والمنهج (التحليلي) في الوصول إلى الرأي الصائب ؛ بوصفه خطوة ثانية ، وقد تخلل الأخير المنهج (النقدي) ، من خلال إبداء المناقشة ، ومحاكمة الآراء ، فإن ثبتت أمام النقد أيدتها الباحثون ، وإن لم تثبت أمام النقد مال لغيرها . • خطة البحث : ويمكن إجمال الخطة ، بما يأتي : قام البحث على : مقدمة ، وتمهيد ، وأربعة مباحث . أما المقدمة فقد بينت : أهمية البحث ، أسباب الاختيار ، أهداف البحث ، منهجية البحث ، خطة البحث ، فرضية البحث ، مشكلة البحث ، حدود البحث مجال الإفادة منه ، الدراسات السابقة ، مصادر البحث ، حدود البحث ، وخاتمة البحث ونتائجه . وأما التمهيد فقد كان بعنوان : تحديد نوع السورة وبيان فضلها ، وتضمن مطلبين ، تناول الأول : تحديد نوع السورة ، وتناول الثاني : بيان فضل السورة – من باب الاستئناس ، وان كان غير كاشف عن نسق التحليل اللغوي للسورة - وقد تضمن فرعين ، الأول : رواية أبي بصير ، والثاني : رواية أُبَي بن كعب ، وختم كل مطلب منهما بـ : تحليل ومناقشة ، وخلاصة واستنتاج ، من باب الجمع بين الأسلوب التعليمي ، والأسلوب المنهجي في البحث العلمي . وأما المبحث الرابع فقد كان بعنوان : المناهج التفسيرية ، وقد تضمن مطلبين أما المطلب الأول ، فقد كان بعنوان : المنهج القرآني (تفسير القرآن بالقرآن) ، وتضمن فرعين ، تناول الأول بيان المجمل ، وتناول الثاني : إجمال المفصل . وأما المطلب الثاني ، فقد كان بعنوان : المنهج الأثري (تفسير القرآن بالرواية) ، وتضمن فرعين تناول الأول : ما أثر عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، وتناول الثاني : ما أثر عن الصحابة والتابعين . وختم كل فرع من فروع المطالب الآنفة الذكر بـ : تحليل ومناقشة ، وخلاصة واستنتاج • فرضية البحث : انطلق البحث من فرضية كبرى مفادها : إن الآراء المتعددة في المسألة الواحدة لا بد لها من تهذيب وتشذيب – أو على الأقل لا بد من تشخيص وتمييز بين الصحيح وغير الصحيح – فما جاء مدعما بالدليل النقلي والعقلي أثبت صحته وأخذ به ، ومن أعوزه ذلك يبقى رأيا بعيدا عن الصحة . • مشكلة البحث : ظواهر تحتاج إلى توضيح ، وقضايا هي محل خلاف إن مشكلة البحث الرئيسة تكمن في أمرين ، أما الأول فهو : إن في سورة البلد ظواهرا تحتاج إلى توضيح وأما الثاني فهو : إن السورة فيها قضايا هي محل خلاف بين العلماء ؛ بحاجة إلى وقفة وموازنة ومحاكمة وتلمس الرأي الصائب من بينها أو تعيين من هو أقرب إلى الصواب . • حدود البحث إن حدود البحث هي سورة البلد ، ولما كان البحث قد ركز على : الظواهر البارزة – التي تحتاج إلى حسم وإعطاء رأي – لذا سميته : ظواهر تحليلية ، لا الظواهر التحليلية ، وأنماط الظواهر أربعة ، هي : الدلالة التركيب ، القراءة ، والمنهج . • مجال الإفادة منه يمكن الإفادة من هذا البحث في مجالات متعددة ، هي : ( التحليل ، التركيب اللغوي ، الأساليب النحوية علوم القرآن ، التفسير ، نقد التفسير ، مناهج التفسير ، والقراءات ) . • الدراسات السابقة لم أجد في حدود تتبعي دراسة تحليلية تناولت سورة البلد ، أكلية كانت أم جزئية ؟ وإنما كل ما ذكر عنها هو آراء متناثرة في متون الكتب والمراجع المتنوعة . • مصادر البحث : أبرز المصادر والمراجع المعتمدة في البحث : اعتمد البحث في دراسته على مجموعة متنوعة من المصادر والمراجع ، وقد صنفها إلى طوائف عدة ، أما الطائفة الأولى فهي كتب المعجمات ، ومن أهمها كتاب العين للفراهيدي (ت/175ه) ، وأما الطائفة الثانية فهي كتب معاني القرآن ومن أهمها معاني القرآن للفراء (ت/207ه) ، وأما الطائفة الثالثة فهي كتب التفسير ومن أهمها مجمع البيان للطبرسي (ت/538ه) ، وأما الطائفة الرابعة فهي كتب اللغة والنحو والبلاغة ، ومن أهمها معاني الحروف للرماني (ت/384ه) ، وشرح المقدمة المُحْسِبَة لابن بَابَشّاذ (ت/469ه) ، وتلخيص البيان للشريف الرضي (ت/406ه) ، وأما الطائفة الخامسة فهي كتب القراءات ومن أهمها الحجة في علل القراءات لأبي علي النحوي (ت/377ه) ، وأما الطائفة الخامسة فهي الرسائل والأطاريح الجامعية ، ومن أهمها المجمل والمفصل في القرآن الكريم دراسة موضوعية للدكتورة سكينة عزيز الفتلي [رسالة ماجستير] ، والتأصيل والتجديد عند مدرسة الحلة الفقهية دراسة تحليلية [أطروحة دكتوراه] للدكتور جبار كاظم الملا وكتب أخرى متفرقة في أصول الفقه ونقد التفسير ونحوها . • خاتمة البحث ونتائجه ختم البحث بـ : الخاتمة ونتائج البحث – وقد توصل إلى نتائج هامة تجدها مزبورة هناك - ثم ثبت المصادر والمراجع . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الباحثان
• التمهيد : تحديد نوع السورة وبيان فضلها • المطلب (الأول) : تحديد نوع السورة إن عدد آيات سورة البلد عشرون آية ، وقد اختلف المفسرون في بيان نوعها أمكية هي أم مدنية ؟ ولهم في المسألة أقوال عدة ، وعلى التفصيل الآتي : القول (الأول) : قيل : إنها سورة مكية (3) . القول (الثاني) : قيل : إنها سورة مدنية (4) . القول (الثالث) : قيل : إنها سورة مدنية ، إلا أربع آيات من أولها (5). إن القول الأول هو قول الجمهور (6) ، وادعى الطبرسي (548ه) إجماع الإمامية عليه (7) ، وذهب صاحب الميزان إلى : أنه قول يؤيده السياق ؛ لأن سياق آيات سورة البلد يشبه سياق السور المكية وتشابه السياق يؤيد كون السورة مكية (8) . إن القول الثاني لا يؤيده السياق ؛ لأن سياق آيات سورة البلد لا يشبه سياق آيات السور المدنية ، وعدم تشابه السياق يؤيد كون السورة ليست مدنية (9) . إن القول الثالث لا يمتلك مؤيدات ؛ لذا فهو أضعف الأقوال الثلاثة حسب ما يرى البحث في ضوء ما وقف عليه . إن أرجح الآراء هو القول الأول ؛ ومما يؤيد ذلك أمور عدة أحدها : قول الجمهور، والثاني : إجماع الإمامية ، والثالث : السياق القرآني والرابع : إن القول الثاني لا يؤيده السياق ، والخامس : الموافقة الجزئية للقول الثالث ؛ لأنه أَقَرَّ بمكية الآيات الأربع من أولها ، وهي قوله تعالى : ? لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ? وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ? وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ? لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ? (10) والسادس : إن الآيات – ما عدا الآيات الأربع من أول سورة البلد – التي نص القول الثالث على مدنيتها هو رأي يعوزه الدليل ؛ لأنَّه ادعى أنَّ آيات سورة البلد مدنية – ما عدا الآيات الأربع الأُوَل منها – ولم يقدم دليلا على ذلك . • المطلب (الثاني) : بيان فضل السورة وردت في فضل سورة البلد روايتان ، وعلى التفصيل الآتي : - الفرع (الأول) : رواية أَبِي بَصِير (@) روى أبو بصير : يحيى بن القاسم الأسدي (ت/150ه) ، عن أبي عبد الله ، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (ت/148ه) ، أنه قال : (( مَنْ كَانَ قِراءَتُهُ فِي الْفَرِيضَةِ : ? لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ? كَانَ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً أَنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَكَانَ فِي الْآخِرَةِ مَعْرُوفاً أَنَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَكَاناً ، وَكَانَ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّينَ وَالشَّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ )) (11) . إن هذه الرواية وردت عن طريق مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، أي : إن الرواية جاءت عن طريق الإمام المعصوم عليه السلام . إنها قيَّدت القراءة بـ : الفريضة ، أي : الصلاة الواجبة . إنها تعرضت للفضل من جنبتين ، أحدهما : دنيوية ، والأخرى : أخروية . - الفرع (الثاني) : رواية أُبَيّ بن كعب روى أُبَيُّ بن كعب (ت/30ه) عن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : (( مَنْ قَرَأَ : ? لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ? أَعْطَاهُ اللهُ الْأَمَانَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) (12) . طريق الصحابي : أُبَي بن كعب : أبو المنذر ، أُبَيُّ بن كعب بن قيس الأنصاري (ت/30ه) ، فقد أخرجها : ابن مردويه : أبو بكر ، أحمد بن موسى (ت/352ه) مسنودة إلى : أُبَيَّ بن كعب (13) والثعلبي : أبو اسحاق ، أحمد بن محمد (ت/427ه) ، والواحدي : أبو الحسين ، علي بن أحمد (ت/468ه) (14) . إنها أطلقت القراءة ، ولم تقيدها في فرض أو نافلة ، أو غير ذلك . إن الفضل جاء ناظر إلى الآخرة دون الدنيا . إن الفضل وردت فيه قراءتان ، أحدهما : منقولة عن طريق الصحابي والأخرى : منقولة عن طريق أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين . بضم الروايتين بعضهما إلى بعض يخلص البحث إلى : أن لقراءة سورة البلد فضل دنيوي ، هو : العرفان بالصلاح ، وفضل أخروي يتلخص بـ : الأمن من الغضب الإلهي ، العرفان بمكانته عند الإله وضمان رفقة النبيين والشهداء والصالحين .
• المبحث الأول : دَلَالَة الألفاظ - المطلب الأول : دلالة (الوَالِد والوَلَد) تعددت آراء المفسرين في تحديد دلالة (الوالد والولد) ، في قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد ? حتى وصلت – حسب تتبعنا - إلى تسعة آراء ، هي : 1- الوالد : آدم ، والولد : وُلْدُهُ (15) 2- الوالد : آدم ، والولد : ذريته جميعا (16) 3- الوالد : آدم ، والولد : الصالحون من ذريته (17) 4- الوالد : إبراهيم ، والولد : إسماعيل (18) 5- الوالد : إبراهيم ، والولد : أولاده جميعا (19) 6- الوالد : محمد ، والولد : وُلْدُهُ (20) 7- الوالد : محمد ، والولد : أمته (21) 8- الوالد : كل والد ، والولد : كل مولود (22) 9- الوالد : من يلد من الآباء ، والولد : من لا يلد منهم (23) تأمل البحث الآراء كلها ، فوجدها – في حقيقتها – ترجع إلى ثلاث طوائف لا رابع لهما ، أما الطائفة الأولى ، فهي طائفة خاصة : تشمل الأنبياء وأولادهم ؛ وإن كان مفهوم الولد تارة يكون مُوَسَّعاً ، وتارة يكون ضَيِّقاً من جهة دلالته ؛ بحيث يختص بولد بعينه (مخصص) . وأما الطائفة الثانية ، فهي طائفة عامة : تشمل ما هو أعم من الأنبياء ، وإن كان مفهوم الولد تارة يكون مفهوما وجوديا ، أي : يشمل : كل مولود وتارة يكون مفهوما عدميا ، أي : يشمل الآباء الذين لا ولد لهم : لم يلدوا . وأما الطائفة الثالثة ، فهي طائفة مشتركة جمعت بين العام والخاص ، أي خصصت الوالد بـ : نبي من الأنبياء وعممت الولد إلى ما يشمل أمته ؛ ولبيان ذلك مفصلا خصص لكل طائفة فرعا على التفصيل الآتي : - الفرع الأول : الطائفة (العامة) ويندرج تحت هذه الطائفة رأيان ، أحدهما : كل والد ، وكل مولود – وهو الرأي الثامن من الآراء التسعة – ومبنى هذا الرأي – وآراء الطائفة الخاصة المماثلة له ، في تفسير قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد? (24) – إن (ما) : اسم موصول بمعنى : (الذي) ، و(وَلَد) : فعل ماض مبني على الفتح وجملة (وَلَد) : صلة الموصول ، والتقدير : والذي ولد (25) . والثاني : من يلد من الآباء ، ومن لا يلد منهم – وهو الرأي التاسع من الآراء التسعة – ومبنى هذا الرأي : إن (ما) – في قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد? – نافية غير عاملة لأنها دخلت على فعل ماض ، والتقدير: ومن لا يلد من الآباء(26) - تحليل ومناقشة إن آراء هذه الطائفة آراء بعيدة (27) ؛ ومما يؤيد ذلك : أمور عدة ، أحدها : إنَّها عامة تخلو من وجود مناسبة بين القَسَمِ والمُقْسَمِ به ، وهي بهذا خالفت آراء الطائفة الخاصة التي دلَّت على وجود مناسبة بين القَسَمِ والمُقْسَمِ به ، والثاني : إنها جاءت مصدرة بـ (قيل) وهو دليل على أنه احتمال ضعيف (28) ، والثالث : إن حمل (الوالد والولد) على كل والد ، وكل مولود ، أو على كل من يلد ومن لا يلد من الآباء يخلو من مناسبة بين القسم والمقسم به : (البلد ، الوالد ، والولد) للجمع بينهما في الأقسام (29) ، والرابع : إن حمل الوالد على كل والد والولد على كل مولود – في الرأي الأول من آراء هذه الطائفة - يتعارض مع تنزيه الباري عز وجل لأن (كل) لفظ من ألفاظ العموم (30) ، يشمل : الصالح وغير الصالح وحاش لله جل جلاله أن يقسم بغير الصالح ؛ لأنه يتنافى مع قدسية الذات الإلهية(31) والخامس : إن حمل (الوالد والولد) على : من يلد من الآباء ، ومن لا يلد منهم – في الرأي الثاني من آراء هذه الطائفة – يتعارض مع تنزيه الباري عز وجل ؛ لأن الله جل جلاله منزه من أن يقسم بمن لا يلد من الآباء ؛ لأنه دون من يلد في باب التفاضل (32) . - الفرع (الثاني) : الطائفة (الخاصة) ففي هذه الطائفة ، الوالد (مخصوص) ، والولد (مخصوص) ، كما في الرأي : (الأول ، الرابع والسادس) وتفصيل ذلك : إن الوالد : آدم ، والولد : هابيل ، في الرأي الأول ، وإن الوالد : إبراهيم والولد : إسماعيل ، في الرأي الرابع . وإن الوالد : محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والولد : فاطمة صلوات الله عليها ، في الرأي السادس . والثانية : إن الوالد (مخصوص) والولد (مخصوص) . أما الرأي الأول ، القائل ، الوالد : آدم ، والولد : هابيل ، فهو بعيد ؛ لأنه لا يحقق المناسبة بين القسم والمقسم به ؛ لعدم وجود مناسبة بين آدم وهابيل ومكة ، ومثله الرأي السادس القائل ، الوالد : محمد والولد : فاطمة (33) ، أما الرأي الرابع ، القائل : الوالد : إبراهيم والولد : إسماعيل فهو الرأي الصائب لوجود مناسبة بين القسم والمقسم به والأخير يراد به : مكة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البانيان لها ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، هو الذي حلَّ بها (34) - الفرع الثالث : الطائفة (المشتركة) جمعت بين العام والخاص ، كما في الرأي الثاني : آدم وذريته ، والرأي الثالث : آدم والصالحون من ذريته والرأي الخامس : إبراهيم ، وأولاده جميعا من العرب ، والسابع : محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ومبنى آراء هذه الطائفة قائم على– إن (ما) : اسم موصول بمعنى : (الذي) و(وَلَد) : فعل ماض مبني على الفتح ، وجملة (وَلَد) : صلة الموصول والتقدير : والذي ولد (35) : في تفسير قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد ?(36) . بعضها مقبول في نفسه ؛ لكن ينقصه بيان المناسبة في الجمع بين مكة والوالد والولد ، نحو : الرأي الثاني القائل : الوالد : آدم ، والولد : ذريته جميعا (37) . وبعضها بعيد ، نحو الرأي الخامس القائل الوالد : آدم والولد : ذريته جميعا من العرب ؛ لأنه قرن أئمة الكفر أمثال أبي لهب وأبي جهل مع إبراهيم عليه السلام والنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سياق واحد (38) . إن الآراء في قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد ? ترجع إلى ثلاثة طوائف ، هي : الأولى : طائفة خاصة خصصت الوالد بالأنبياء ، وخصصت الولد بولد مخصوص من أولادهم ، والثانية : طائفة عامة : عممت الوالد إلى ما يشمل الأنبياء وغيرهم ، والولد إلى ما يشمل أبناء الأنبياء وغيرهم ، والثالثة : طائفة مشتركة جمعت بين العام والخاص ، أي : خصصت الوالد بـ : نبي من الأنبياء وعممت الولد إلى ما يشمل ذريته أو أمته . إن أصح الآراء هو الرأي الرابع : الوالد : إبراهيم ، والولد - إسماعيل من آراء الطائفة الخاصة – لوجود مناسبة بين القسم والمقسم به ، فالله أقسم بمكة وبمن بناها : إبراهيم وإسماعيل ، وبمن حلَّ فيها : محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وما عداه فيه نظر . - المطلب الثاني : دلالة (حِلّ) لفظة : (حِلّ) في قوله تعالى : ? وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ? (39) دلالات عدة ، هي : - الفرع الأول : حِلٌّ بمعنى : (مُقِيمٌ) وفي هذا تنبيه على تشرف مكة بحلوله صلى الله عليه وآله وسلم ومقامه فيها وكونها مولده ، ووعد من الله له صلى الله عليه وآله وسلم أن يحل له مكة ويفتحها على يديه (40) . - الفرع الثاني : حِلٌّ بمعنى : (حَلَالٌ)ضِدّ الحَرَام إن من المكابدة : أن مثلك – يا محمد – يُسْتَحَلُّ إخراجه وقتله بهذا البلد كما يستحل الصيد في غير الحُرُم وبمعنى آخر : أنت مستحل ، منتهك الحرمة مستباح العرض ، لا تحترم (41) . - الفرع الثالث : حِلٌّ بمعنى : ( مُحِلٌّ ) ضِدّ المُحْرِم حَلَالٌ لك بمعنى قتل من رأيت بمكة من الكفار (42) - تحليل ومناقشة إن الرأي الأول يتحدث عن إقامة النبي وحلوله بمكة ، وفيه تشريف لمكة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ووعد من الله سبحانه وتعالى لمحمد بفتح مكة ، وهو إخبار بالغيب لما يتحقق في المستقبل . وهو رأي أبي مسلم والمروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه (43) . إن الرأي الثاني يتحدث عن استحلال قريش لمحمد حاضرا ، أي : وقت نزول النص القرآني . إن الرأي الثالث يتحدث عن استحلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمن أراد قتله من كفار قريش يوم فتح مكة في المستقبل . وهو رأي : ( ابن عباس ، مجاهد ، قتادة ، وعطاء) (44) . - خلاصة واستنتاج إن لفظة : (حِلٌّ) تحتمل ثلاثة معان ، أما الأول فهو : حِلٌّ بمعنى : (مقيم) وأما الثانية فهي حِلٌّ بمعنى : (حَلَالٌ) ضِدّ الحَرَام ، وأما الثالثة فهي حِلّ بمعنى المُحِلّ ضِدّ المُحْرِم . وإنَّ هذه الدلالات محتملة ، بَيْدَ أَنِّي أميل إلى الوجه الأول وأتبناه ؛ لأمور عدة أحدها : إنها دلالة جيدة حسب قول الأخفش (ت/215ه) ، إذ قال : (( تقول : حَلَلْنَا ، وهي : الجَيِّدَة)) (45) ، والثاني : إن هذا المعنى هو الذي تبناه صاحب الميزان (46) ، والثالث : الحلول فيه تشريف لمكة ، والرابع : فيه وعد بفتح مكة ، والخامس : فيه إخبار بالغيب بفتح مكة في المستقبل وقد تحقق ما أخبر الله جل جلاله .
• المبحث الثاني : التراكيب اللغوية - المطلب (الأول) : [ لا + فعل القسم ] قال تعالى : ? لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ? (47) لا : الداخلة على فعل القسم _ أقسم _ فيها أربعة أقوال ، وعلى التفصيل الآتي : الرأي (الأول) : لا : للتوكيد ؛ لأنها دخلت على فعل القسم (أقسم) ، والمعنى : أقسم بهذا البلد (48) ، أي : إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤكد القسم ، لا نفيه الرأي (الثاني) : لا : نافية غير عاملة ؛ (جواب ورد على كلام سابق) (49) وكأن المعنى : ليس كما تقولون ثم أقسم بعد ذلك (50) ، لأن القرآن الكريم كالشيء الواحد والسورة الواحدة (51) . وهو رأي الفراء : أبي زكريا يحيى بن زياد الكوفي (ت/207ه) من مدرسة الكوفة النحوية (52) . الرأي (الثالث) : لا : بمعنى (ألا) (53) . الرأي (الرابع) : لا : نافية غير عاملة (زائدة في أول الكلام) ، وكأنه قال : أقسم بهذا البلد (54) . وهو رأي النحويين – البصريين ، ووافقهم الكسائي : علي بن حمزة الكوفي (ت/189ه) من الكوفيين – والمفسرين عامتهم (55) . - تحليل ومناقشة إن الرأي الثاني : هو الوجه عند الرماني : أبي الحسن ، علي بن عيسى (ت/384ه) (56) ، وهو رأي محتمل عند المالقي : أحمد بن عبد النور (ت/702) (57) ، بل ذهب إلى أن حمل (لا) – هنا – على أنها جواب ورد لكلام سابق أولى من حملها على أنها زائدة في أول الكلام (58) . وقال أبو بكر الأنباري : محمد بن القاسم (ت/328ه) : يحسن الوقف على (لا) – هنا – على مذهب الفراء (59) . إن الرأي الثالث رأي فيه نظر ؛ لأنه لا يعرف له نظير (60) . إن الرأي الرابع رأي فيه نظر ، فقد أنكره الفراء (61) ، واستدل الرماني على إنكاره بـ : أن (لا) لا تزاد في أول الكلام (62) ، واستدل المالقي على إنكاره بما يأتي : إن الزيادة تتناقض مع التقديم ؛ لأن ما بابه التأخير إنما يقدم لأجل العناية به والاعتماد عليه . وهو يتناقض مع الزيادة ؛ لما فيها من إرادة الزوال (63) - خلاصة واستنتاج إن [لا + فعل القسم] وردت فيه أربعة آراء ؛ بعضها فيه نظر ، إلا أن القدر المتيقن منه أن هذا الأسلوب في القرآن الكريم أفصح عن : أن الفعل فيه جاء مسندا إلى الله جل جلاله ، ولم يأت إلا في الأيمان الصادقة ؛ ومنه يفهم انه لا يرادف (حلف) ؛ لأن الأخير يستعمل في الصادقة وغيرها (64) . - المطلب (الثاني) : [ لا + فعل ماض ] قال تعالى : ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ? (65) لا : نافية غير عاملة ؛ لا تفيد الدعاء (لأنها دخلت على ماض) وذهب الزجاج : أبو إسحاق ، إبراهيم بن محمد (ت/311ه) إلى : أن (لا) هنا وان لم تكرر مع ماض مثله لفظا إلا أنها تكررت معنى في قوله تعالى : ? ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ?(66) والتقدير : فلا اقتحم العقبة ولا آمن (67) وهي نافية غير عاملة ، بمعنى : (لم) والتقدير : لم يقتحم العقبة (68) ، أو بمعنى (ما) والتقدير : بمعنى : ما اقتحم العقبة (69) . - تحليل ومناقشة إِنَّ النحويين وضعوا قواعدهم بعيدا عن القرآن الكريم ، أي : إنهم لم يستقروا القرآن الكريم ثم يقعدوا قواعدهم ، ولما اصطدموا بنص قرآني لا يتوافق مع قواعدهم ، ولا يمكن أن يعترضوا على النص القرآني لأنه الهي لا بشري حاولوا جاهدين أن يؤولوا ويقدروا ؛ لتوفيق النص – بعد تقديره – مع قاعدتهم وهذا ما حصل هنا فعلا . فهم قعدوا قاعدة مفادها : [ لا + ماض] إن أفادت الدعاء ؛ لا تكرر ، وان لم تفد الدعاء يجب تكرارها – لفظا – بعد حرف العطف مع ماض مثله . ومثال المكررة : قال تعالى : ? فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ? (70)،(71) ، والتقدير : لم يصدق ولم يصلِّ (72) . ومثال غير المكررة : قال تعالى : ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ? (73) ، ولكي يسحبوا القرآن إلى قاعدتهم قالوا : إن (لا) لم تكرر مع ماض مثله لفظا – هنا – إلا أنها تكررت معنى (74) والحق : أنَّ النص تام المعنى ، وليس بحاجة إلى تقدير من جهة ، ومن جهة أخرى : إن الأصل (عدم التقدير) على حد قول الأصوليين (75) واللغويين والنحاة . والتقدير تحميل للنص لذا ينبغي التخلي عن التكرار وجوب تقديره . ومما يؤيد ذلك : تصريح المالقي : إن دخول (لا) النافية غير العاملة على الماضي قليل وهي أحيانا تكرر وأحيانا لا تكرر (76) .
- خلاصة واستنتاج إن القرآن حجة في الفصاحة ، فلا حاجة للتقدير في النص القرآني ؛ للتوفيق بينه وبين القاعدة الإعرابية المشهورة ، التي تنص على : ( لا : النافية غير العاملة إن دخلت على ماض ، يجب تكرارها مع ماض مثله منفي بـ : ما ، أو : لا ) . وعليه تبنى القاعدة وفق النص القرآني ، وعلى النحو الآتي : [لا +ماض] قد تأتي مكررة ، نحو قوله تعالى : ?فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ? ، وقد تأتي من دون تكرار ، نحو : ?فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ?
• المبحث الثالث : القراءات القرآنية - المطلب الأول : قراءة : (فك ، رقبة ، إطعام) في قوله تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? (77) قراءتان ، هما : - الفرع الأول : القراءة الأولى وهي قراءة : عاصم بن أبي النَّجُود الكوفي (ت/129ه) ، وعبد الله بن عامر الدِّمَشْقِيّ (ت/118ه) ونافع بن عبد الرحمن المدني (ت/169ه) أو (170ه) ، وحمزة بن حبيب الزيَّات الكوفي (ت/156ه) ، فقد قرؤوا لفظة : (فَكُّ) : بتشديد الكاف وضمها من دون تنوين ، ولفظة : (إطعام) : بكسر الهمزة وألف بعد العين ، وميم مضمومة مع التنوين ، وهي : قراءة المصحف (78) . - تحليل ومناقشة إن مبنى هذه القراءة قائم على : أن لفظة : (فك) جاءت بصيغة المصدر المضاف ؛ لذا لم ينون و(رقبة) جاءت مضاف إليه ؛ لذا حركت بالكسر و(إطعام) جاءت بصيغة المصدر أيضا ؛ ولما لم يكن مضافا لذا نون . - الفرع الثاني : القراءة الثانية وهي قراءة : ابن كثير ، وأبي عمرو ، والكسائي ، فقد قرؤوا (فَكَّ) : بتشديد الكاف وفتحها ، و(رَقَبَةً) : بتنوين النصب ، و(أَطْعَمَ) : بفتح الهمزة - ومن دون ألف بعد العين - وفتح الميم (79) . - تحليل ومناقشة إن مبنى هذه القراءة قائم على : أن لفظة : ( فَكَّ) جاءت بصيغة الفعل الماضي ؛ ولما كان الفعل متعديا ؛ لذا جاءت لفظة : ( رَقَبَة) بتنوين النصب لأنها مفعول به ، ولفظة (أَطْعَمَ) جاءت بصيغة الفعل الماضي أيضا . - خلاصة واستنتاج إن تردد اللفظة بين صيغتي : المصدر ، والفعل – الماضي – سبب من أسباب اختلاف القراءة ؛ ومما يؤيد ذلك : تردد لفظة (فَكّ) بين المصدر والفعل ، وتردد لفظة (أَطْعَم) بين المصدر والفعل ؛ تبعا لها فقد قرئت بصيغة المصدر تبعا لقراءة (فك) بصيغة المصدر ، وقرئت بصيغة الفعل الماضي ، تبعا لقراءة (فك) بصيغة الفعل الماضي ؛ لأن اللفظ الأخير معطوف (إطعام) على الأول (فك) . في قوله تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? (80) قراءتان ، الأولى : قراءة عاصم ، ابن عامر نافع ، وحمزة . والثانية : ابن كثير ، أبي عمرو والكسائي . - المطلب الثاني : قراءة (مؤصدة) قال تعالى : ? عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ ? (81) للفظة (مؤصدة) في هذه الآية الكريمة قراءتان ، أحدهما : (مؤصدة) بهمزة ساكنة والثانية : (موصدة) بواو ساكنة (82) . وعلى التفصيل الآتي : - الفرع (الأول) : القراءة الأولى إن القراءة الأولى : قراءة (مؤصدة) بهمزة ساكنة ، هي قراءة : أبو بكر وحمزة وحفص عن عاصم (83) وعلى هذه القراءة قراءة المصحف . إنَّ مَرَدَّ قراءة (مؤصدة) – بهمزة ساكنة – راجع إلى أمرين أحدهما : إنها اسم مفعول مشتق من فعل غير ثلاثي ، هو : (آصَدَ – يُؤْصِدُ) ، مثل : (آمَنَ – يُؤْمِنُ) بعد بنائه للمجهول (84) – يُؤْصَدُ – ثم لحقته تاء التأنيث ، فأصبح (مُؤْصَدَة) (85) . والثاني : إنها اسم مفعول مشتق من فعل غير ثلاثي ، هو : (أَوْصَدَ – يُوْصِدُ) ، مثل : (أَوْجَدَ – يُوْجِدُ) ، بعد بنائه للمجهول – يُوْصَدُ – ثم هُمِّزَ قياسا على : (مؤسى) (86) - تحليل ومناقشة إنَّ الأصل في اشتقاق (مُؤْصَدَة) ، هو : (آصَدَ – يُؤْصَدُ) المبني للمجهول الذي لحقته تاء التأنيث ومما يؤيد ذلك أمور عدة : أما الأول فهو : إطباق كلمة أصحاب المعجمات على : اشتقاق (مُؤْصَدَة) من: (آصَدَ – يُؤْصَدُ) ، وأما الثاني فهو : إن مؤصدة أعرف من موصدة ؛ لأن مؤصدة بالهمز والهمز أعرف قال الفراهيدي : الخليل بن أحمد (ت/175ه) : ((ولغة الهمز أعرف)) (87) . وأما الثالث فهو : إن قراءة المصحف (مؤصدة) ، وأما الرابع فهو : إن هذه اللفظة وردت بالهمزة أيضا في موضع آخر في القرآن الكريم (88) ، قال تعالى : ? إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُّؤْصَدَةٌ ? (89) . إنَّ مَنْ ذهب إلى أن مؤصدة لها أصل ثان مشتقة منه ، هو : (أَوْصَدَ – يُوْصِدُ) بعد بنائه للمجهول ثم هُمِّزَ هو احتمال قائم يدل على عبقرية وسعة واطلاع وقوة نظر من قال به ، وهو : أبو علي النحوي الحسن بن أحمد (ت/377ه) إلا انه ليس بأصل حسب ما يرى البحث . - الفرع (الثاني) : القراءة الثانية إن القراءة الثانية : قراءة (مُوْصَدَة) بواو ساكنة ، هي قراءة : الكسائي ، ابن عامر ، نافع ، وعاصم(90) إنَّ مَرَدَّ قراءة (موصدة) – بواو ساكنة – راجع إلى أمرين ، أحدهما : إنها اسم مفعول مشتق من فعل غير ثلاثي ، هو : (أَوْصَدَ – يُوْصِدُ) ، مثل : (أَوْجَدَ – يُوْجِدُ) ، بعد بنائه للمجهول (91) – يُوْصَدُ – ثم لحقته تاء التأنيث ، فأصبح (مُوْصَدَة) (92) . والثاني : إنها اسم مفعول مشتق من فعل غير ثلاثي هو : (آصَدَ – يُؤْصِدُ) ، مثل : (آمَنَ – يُؤْمِنُ) بعد بنائه للمجهول – يُؤْصَدُ – ثم خُفِّفَ ، أي : حُذِفَتْ الهمزة منه (93) ثم لحقته تاء التأنيث ، فأصبح (مُوْصَدَة) (94) . - تحليل ومناقشة إنَّ الأصل في اشتقاق (مُوْصَدَة) ، هو : (أَوْصَدَ – يُوْصِدُ) بعد بنائه للمجهول ، ثم لحقته تاء التأنيث لإطباق كلمة أصحاب المعجمات على ذلك . إنَّ مَنْ ذهب إلى أن مُوْصَدَة لها أصل ثان مشتقة منه ، هو : (آصَدَ – يُؤْصِدُ) بعد بنائه للمجهول ثم خُفِّفَ هو احتمال قائم يدل على عبقرية وسعة واطلاع وقوة نظر من قال به ، وهو : أبو علي النحوي ، الحسن بن أحمد (ت/377ه) ، إلا انه ليس بأصل حسب ما يرى البحث . - خلاصة واستنتاج إن تردد الصيغة بين صيغتي : اسم المفعول المهموز ، وغير المهموز سبب من أسباب اختلاف القراءات ومرد ذلك اختلافهم في الأصل اللغوي الذي اشتقت منه ؛ ومما يؤيد تردد لفظة (مؤصدة) بين المهموز – مؤصدة – وبين غير المهموز – موصدة – لاختلافهم في أصلها : أ(آصَدَ) هو أم (أَوْصَدَ)؟ وهذا يؤيد : أن القراءات اجتهادية ، لا توقيفية . إن الذي يميل إليه البحث ويتمناه : قراءة (مؤصدة) – المهموزة – وان الأصل اللغوي الذي اشتقت منه هو : (آصَدَ - يُؤْصَدُ) المبني للمجهول ، ثم لحقته تاء التأنيث ؛ لأنه مؤيد بأدلة قوية .
• المبحث (الرابع) : المناهج التفسيرية للتفسير مناهج متعددة (95) ، وقد تلمس البحث – في سورة البلد – منهجين أحدهما: المنهج القرآني(96) والآخر المنهج الأثري(97) وعلى التفصيل الآتي : - المطلب (الأول) : المنهج القرآني (تفسير القرآن بالقرآن) ويراد به : تفسير القرآن بالقرآن ، أي : إن القرآن يُجْمِل ثم يُفَصِّل (98) ، ويُعَمِّم ثم يُخَصِّص (99) ويُطْلِق ثم يُقَيِّد (100) ، وَيُبْهِمُ ثم يُبَيِّنُ (101) - الفرع (الأول) : الصورة (الأولى) : بيان المجمل ويراد به هنا : صورة من صور البيان القرآني ، أي : إن الإجمال يصدر من القرآن الكريم ، والبيان لذلك الإجمال يصدر من القرآن الكريم نفسه أيضاً (102) . قال تعالى : ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ? أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ? ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وِتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ? (103) . إن القرآن الكريم صرَّح أن الإنسان أمامه عقبة لا يستطيع تجاوزها ، في قوله تعالى : ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ? (104) ، ولما كانت العقبة لفظا مبهما غير مبينة ؛ لذا فهي تحتاج إلى بيان (105) . وقد بادر القرآن الكريم نفسه إلى بيانها مباشرة بعد أن تساءل عنها بصيغة الاستفهام التصوري مستعملا الاسم الدال على الذات (ما) ؛ ليلفت الأنظار إلى تلك العقبة ، ويجلب الانتباه إليها من جهة وليمهد لإجابة عليها من جهة أخرى ؛ لأن التصور الحقيقي طلب يراد به التعيين فيجاب عنه بالتعيين (106) ، في قوله تعالى : ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ? (107) والدراية أخص من المعرفة ، وخاصية أسلوب ? وَمَا أَدْرَاكَ ? البيانية : استعماله فيما يجاوز دراية المسئول ؛ لجلال الأمر وعظمه (108) ثم باشر بعد ذلك في بيانها في قوله تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ? أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ? (109) ، فبيَّن السبل التي تؤهل الإنسان لاقتحام العقبة ، وهي ثلاثة سبل ، أما السبيل الأول فهو الفك ، قال تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ? (110) ، وأما السبيل الثاني فهو : الإطعام ، قال تعالى : ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ? أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ? (111) ، وأما السبيل الثالث فهو الإيمان ، قال تعالى : ? ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وِتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ? (112) . وهذا ما نبَّه له الفرَّاء : أبو زكريا ، يحيى بن زياد (ت/207ه) – في حديثه عن العقبة – إذ قال : ((ففسرها بثلاثة أشياء)) (113) ، ثم بيَّن أن تلك الأشياء هي : الفك ، الإطعام وكونه من أهل الإيمان (114) وتابع الفرَّاءَ الأخفشُ : أبو الحسن ، سعيد بن مَسْعَدَة البصري (ت/215ه) – فيما ذهب إليه - إذ قال : (( العقبة : فك رقبة أو إطعام )) (115) . وعبَّر عنه قائلا : (( وهو الجيد )) ، وردَّ على من ذهب إلى : أن العقبة هي : فك رقبة ، من دون أن يدخل الإطعام معها إذ قال : (( وقال بعضهم : فك رقبة – أي : العقبة – وليس هذا بذاك )) (116) . ووافقهم الشريف الرَّضِي : أبو الحسن ، محمد بن أبي أحمد الطاهر (ت/406ه) ، فقد بيَّن أن الله سبحانه وتعالى فسَّر العقبة بـ : فك رقبة أو إطعام ، وشبَّه هذا الفعل لو فعله – لو فعله الإنسان – باقتحام العقبة ، أي : صعودها أو قطعها ؛ لأن الإنسان ينجو بذلك كالناجي من الطريق الشاق ، إذا اقتحم عقبته ، وتجاوز مخافته (117) والزمخشري : أبو القاسم محمود بن عُمَر(ت/538ه) على : أن فك رقبة أو إطعام ، هو: تفسير للعقبة (118) ، إذ قال بعد ذكر ذلك : (( ألا ترى أنه فسَّر الاقتحام بذلك )) (119) . وهذا بعينه ما ذكره الطبرسي : أبو علي ، الفضل بن الحسن (ت/548ه) عند بيان المراد بـ : العقبة : عتق الرقبة والإطعام ؛ بوصفه وجها من وجوه تفسيرها (120) . - تحليل ومناقشة إن الفرَّاء قد أشار إلى : (تفسير القرآن بالقرآن) ، وذكر صورة من صوره وهي (بيان المبهم) ، والبيان ورد بعد الإبهام في الآية التي تليها مباشرة من السورة نفسها ، إلا أنه لم يذكر أنه تفسير القرآن بالقرآن وأن بيان المبهم صورة من صوره ، والآية المبينة قد جاءت بعد الآية المبهمة مباشرة ، في السورة نفسها ؛ لأن هذا المنهج لم يكن معروفا بعد ، إلا شذرات تأصيلية عن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم (121) ، وعن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين (122) . وبعبارة أخرى : يمكن القول : إن التطبيق سبق النظرية في هذا الميدان . وهو قصب سبق يحتسب للفرَّاء ويقترن باسمه وقد تابعه عليه الأخفش والشريف الرضي ، والزمخشري ، والطبرسي . ويبدو للبحث : إن النص القرآني قيد الإطعام بقيدين ، أما القيد الأول فهو : قيد زماني تمثل بـ : (يوم ذي مسغبة ) ، وأما القيد الثاني فهو قيد للذوات التي تطعم وبين أنها صنفان : الأول : اليتيم المقيد بـ : (ذي مقربة) والثاني : المسكين المقيد بـ : (ذي متربة) . وبعد هذه التفصيلات الدقيقة أراد القرآن الكريم أن يعطي فكرة كبرى هي : إن من يقدم على : فك رقبة ويطعم بالقيود الواردة في النص القرآني ، ويصبح مؤهلا ؛ ليندرج تحت : ? ... الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ? (123) يجتاز العقبة ، أي : إن فك الرقبة والإطعام لا ينفعان إلا مع الإيمان (124) وليس هذا فحسب ، وإنما تلمس البحث إلى جانب ذلك : لمسات لـ : نقد التفسير ؛ ويراد به : بيان نقاط القوة والضعف ، والصحة والخطأ فيه ؛ بغية الاقتراب من المعنى المراد من الآيات (125) ؛ ومما يؤيد ذلك : أَنَّ الأخفش انتقد من فسَّر العقبة بـ : ( فك رقبة ) ، قائلا : (( وليس هذا بذاك )) ، إلا أنه لم يذكر اسم قائله ، واكتفى بقوله : (( قال بعضهم )) . ولما انتقد قدَّم البدائل ، وبيَّن أن العقبة هي : فك رقبة أو إطعام ثم ميَّزه عمن سواه بأنه (( هو الجيد )) ، والتمييز بين مستويين أحدهما : جيد والآخر : ليس بجيد ما هو إلا نقد في ميدان التفسير . - خلاصة واستنتاج إن فكرة عرض الآيات ذات الموضوع الواحد بعضها على بعض كانت من أفكار اللغويين من المفسرين وربما يكون الفرَّاء أول من نبه إلى (تفسير القرآن بالقرآن) في مجال التطبيق فيما وصل إلينا من مصادر – حسب تتبع الباحثين ، بعد تأصيله عند الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين – من دون ذكر الاسم على مستوى النظرية ؛ لأنه لم يك معروفا آنذاك . إن الفرَّاء هو أول من نبه إلى أن (بيان المبهم) هو صورة من صور (تفسير القرآن بالقرآن) من دون ذكر الاسم ، في مجال التطبيق ؛ لأنَّ هذا المنهج لم يك معروفا آنذاك . بعد تأصيله عند الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين إن الفرَّاء هو أول من وضع الشذرات الأولى لـ : نقد التفسير ، حسب تتبع البحث ، بعد أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين . - الفرع (الثاني) : الصورة (الثاني) : إجمال المفصل قال تعالى : ? ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ? أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ? (126) . إن القرآن الكريم بعد أن فصل أجمل ، أي : إنه بين في التفصيل إن من يفك رقبة ، أو يطعم بالتفاصيل القرآنية المذكورة ، هو من أهل الإيمان المتواصين بالصبر ، والمتواصين بالحق ، ثم أجمل فقال : ? أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ? (127) أي : إن الإجمال المتأخر بيانه سابق عليه ، فأصحاب الميمنة هم : المؤمنون المتواصون بالصبر ، والمتواصون بالمرحمة ، ومن مصاديق هذا الصنف ، ممن يندرج تحته : من يفك أو يطعم . - تحليل ومناقشة إن الربط النهائي بين : (بيان المبهم) ، و(إجمال المفصل) ، هي : إن من يفك رقبة ، أو يطعم ، ثم أُهِّلَ بعد ذلك ؛ ليكون من أهل الإيمان - لأن كل عمل صالح لا يثبت إلا به – المتواصين بالصبر والمتواصين بالمرحمة أي : من أصحاب الميمنة ، يجتاز العقبة . إن قوله تعالى : ? ... وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ? فيه تأصيل لـ : (التنمية البشرية) ؛ لأن فعل الأمر (تواصى) المسند إلى (واو) الجماعة على وزن : (تفاعل) ، والتفاعل لا يتحقق إلا بالاشتراك أي : ينمي بعضهم بعضا بـ : الصبر وينمي بعضهم بعضا بـ : المرحمة . وما هذا إلا تنمية بشرية لأنه ينمي مجتمعا ، لا فردا بعينه . - خلاصة واستنتاج للقرآن الكريم في طرح المجمل أسلوبان ، أحدهما : يجمل ثم يفصِّل ، وهو يجمل في بادئ الأمر ليحرك العقول إلى فهم ذلك المجمل (128) ، ويراعي مراحل الإدراك الذهني للمتلقي (129) والثاني : يفصِّل ثم يجمل ليركِّز خلاصة الأفكار في الأذهان ، وهو منهج تربوي رسَّخه القرآن الكريم . وهذا المنهج نفسه هو المتبع في طرائق التدريس اليوم فبعد العرض المفصَّل ، تلخص الأفكار ؛ لتبقى عالقة في الذهن . إن القرآن الكريم أصَّل لـ : التنمية البشرية . - المطلب (الثاني) : المنهج الأثري (تفسير القرآن بالرواية) يراد بـالأثر : الأثر الصحيح الوارد عن النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين ، أو الصحابة والتابعين مرفوعا إليه (130) قال تعالى : ? وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ? (131) - الفرع (الأول) : بما أثر عن أئمة أهل البيت إن تفسير القرآن بالرواية – عند الإمامية – لا يجوز إلا بالرواية الصحيحة عن النبي ، وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين الذين قولهم حجة كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز التفسير بالرأي (132) قال الفرّاء (ت/207ه) ، حدثني الكسائي (ت/189هـ) ، قال : حدثني قيس عن : زياد بن علاقة عن أبي عمارة ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه فسَّر النجدين في قوله تعالى : ? وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ? بـ : (( الخير والشر )) (133) . روي عن : أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، أنه فسَّر النجدين بـ : (( سبيل الخير ، وسبيل الشر )) (134) . روي عن : ابن عباس (ت/68هـ) ، أنه قال : قيل لأمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام : أن أناسا يقولون في قوله تعالى : ? وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ?: أنهما الثدييان ، فقال: ((لا ، هما :الخير والشر ))(135) روي عن : حمزة بن محمد ، أنه قال سألت أبا عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن قوله تعالى : ? وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ? ، فقال : (( نجد الخير والشر)) (136) - تحليل ومناقشة إن الروايات الثلاث الأولى فسرت النجدين بـ : (الخير والشر) ، بما أثر عن : أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، عليه السلام ـ إن الروايات الثلاث – الآنفة الذكر - جاءت بطرق مختلفة ، فالأولى جاءت عن طريق غير الإمامية والثانية عن طريق الإمامية ، والثالثة عن طريق ابن عباس . إن رواية ابن عباس فيها جنبتان ، أما الأولى فهي : طرح التفسير لـ : النجدين ، بما أثر عن : أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، عليه السلام وأما الثانية فهي : تصحيح لتفسير متداول في الوسط الفكري فأثبت أنه تفسير غير صحيح ؛ إذ نقل جواب أمير المؤمنين عليه السلام : (لا) على من فسر النجديين بـ : (الثديين) . ويفهم من عبارة ابن عباس : (( إن أناسا)) يريد بهم : بعض الصحابة لأن الصحابة هم المفسرون الأوائل إلا أن بعضهم تبنى الاتجاه النصي ، أي : يفسر القرآن بالحديث فإن لم يجد حديثا فهو يقول بالتوقف ، والاتجاه الاجتهادي : يفسر القرآن بالرأي والاجتهاد ، مع وجود الحديث – إلا أنه لم يصح عنده – وعدمه (137) إن الرواية الرابعة فسرت النجدين بـ : (نجد الخير والشر) ، بما أثر عن : الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام . إن الرواية الرابعة جاءت عن طريق الإمامية . ما يقوي الرواية التي فسرت النجدين بـ : الخير والشر : إن النَّجد هو : المكان العالي ، ثم استعير من المكان العالي إلى الطريق فسمى الله تعالى الطريقين المفضيين إلى الخير والشر بالنجدين ؛ لأنه بينهما للمكلفين بيانا واضحا ، فكأنه بفرط البيان لهما قد رفعهما للعيون ، ونصبهما للناظرين (138)
- خلاصة واستنتاج إن الروايات المأثورة – على اختلاف طرقها : الإمامية ، غير الإمامية ، ابن عباس - عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، ولا سيما أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، عليه السلام والإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام . في رواية ابن عباس جنبتان ، أحدهما : التفسير المأثور عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين والثانية : تصحيح للتفسير المأثور عن بعض الصحابة ؛ ممن تبنى الاتجاه الاجتهادي ، أي : التفسير بالرأي والاجتهاد وهو رأي لا قيمة له ؛ لأنه ظن غير معتبر . وهذه الجنبة تعد اللبنة الأولى لنقد التفسير وهو قصب سبق يحتسب لأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، وقد اقترن قصب السبق باسم أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام . - الفرع (الثاني) : بما أثر عن الصحابة والتابعين يجوز تفسير القرآن بالرواية الثابتة – عند مدرسة الصحابة - عن ثقات الصحابة أولاً ، وعن أوائل التابعين ثانياً – من ذوي الفهم العربي الأصيل - مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (139) . أما إذا كانت الرواية من آرائهم الاجتهادية ، فلا قيمة لها في التفسير ؛ لأنها ضرب من التفسير بالرأي لذا تعرض روايتهم على كتاب الله ، وسنة نبيه فما وافق منها أخذ به وما لم يوافق ضرب به عرض الجدار. وهذا ليس بقدح في شخصية الصحابي أو التابعي ؛ لأن الأمر قد يعود إلى سند الرواية ، أو للالتباس الذهني الذي يقعان فيه ؛ لنهما ليسل بمعصومين (140) . روي عن : ابن مسعود ، وابن عباس : (( أن النجدين هما : نجد الخير والشر )) (141) . روي عن : الحسن البصري ، أنه قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : (( أيها الناس ، هما : نجد الخير ، ونجد الشر )) (142) . روي عن : أنس ، وأبي أمامة (143) ، ومجاهد بن جبر المكي (ت/101ه) ، وقتادة بن دعامة البصري (ت/117ه) : ((أن النجدين هما : نجد الخير والشر)) (144) روي عن : سعيد بن جبير ، والضحاك بن مزاحم : أن معنى قوله تعالى : ? وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ? : (( أرشدناه للثديين )) (145) .
- تحليل ومناقشة إن الرواية الأولى فسرت النجدين بـ : نجد الخير والخير ، وهي مأثورة عن الصحابة ، ولا سيما ابن مسعود وابن عباس . إن الروايات الثلاث الأخرى – الثانية والثالثة والرابعة – جاءت مأثورة عن التابعين ، إلا أن الروايتين الثانية والثالثة فسرت النجدين بـ : نجد الخير والشر ، في حين أن الرواية الرابعة فسرت النجدين بـ : الثديين . إن الروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين التي فسرت النجديين بـ : سبيل الخير والشر ، توافق ما أثر عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين وهذا يؤيد أنها سنة تارة جاءت عن طريق أئمة أهل – بوصفهم حفظة للدين لا رواة – وتارة جاءت عن طريق الصحابة والتابعين ؛ ومما يؤيد ذلك أمران أحدهما : إن هذا التفسير صادر عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، والثاني : إن ابن عباس نسب التفسير إلى أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، ولا ريب في ذلك ؛ لأنه تلميذه الذي أخذ التفسير عنه والثالث : إن الحسن البصري أكد أن هذا التفسير مأثور عن النبي بدلالة قوله : (( بلغني أن رسول الله قال ...)) . وهذا المقدار كاف في إثبات أن هذا المأثور سُنَّةٌ إن غضَّ البحث النظر عن الطريق الذي جاء به أقطعي هو أم ظني؟ . إن الرواية الرابعة التي فسرت النجديين بـ : الثديين قد جاءت مأثورة عن بعض التابعين ، ولا سيما سعيد بن جبير ، والضحاك بن مزاحم ، إلا أنها لم تثبت أنها سنة ؛ وهذا ما يؤيد أنها تفسير بالرأي والاجتهاد صادر عن الصحابي والتابعي ، لا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة وامتداد الاتجاه الاجتهادي في التفسير إلى عصر التابعين . ففي عصر الصحابة تلمس البحث وجود هذا الاتجاه ؛ بدلالة قول ابن عباس : (( إن أناسا يقولون )) ، وفي عصر التابعين نجد سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم يقولون بالمقالة السابقة نفسها ، أي : إن النجدين هما : سبيل الخير وسبيل الشر - خلاصة واستنتاج إن الروايات المأثورة عن الصحابة : ابن عباس ، ابن مسعود ، والتابعين : مجاهد ، قتادة فسرت النجديين بـ : سبيل الخير ، سبيل الخير . وهي توافق ما أثر عن : أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، ولا سيما أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، والإمام جعفر بن محمد عليهما السلام ؛ وفي هذا توكيد على أن ما أثر عن : الصحابة والتابعين هو سنة إن ما نسبه ابن عباس إلى : أناس لم يسمهم ، هم يقينا من الصحابة ؛ لأنهم يتصدى للتفسير في ذلك الوقت . وما أثر عن : سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم من التابعين ؛ لأنه معارض بما ثبت أنَّه سنة وهذا يؤيد ما ذهب إليه البحث : وهو نشوء الاتجاه الاجتهادي في التفسير ، في عصر الصحابة والتابعين وامتداده إلى عصر التابعين . إن الاتجاه الاجتهادي في التفسير جوبه بالرفض من أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ؛ وهذا يؤيد ما ذهب إليه البحث من نشوء (نقد التفسير) أي : حركة التصحيح في التفسير ؛ وبعبارة أدق : التمييز بين : التفسير الصحيح ، والتفسير غير الصحيح ، والتصريح بعدم صحة الثاني . والريادة في التأصيل لـ : (نقد التفسير) كانت لأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، هو الرائد الأول في هذا الباب .
• الخاتمة ونتائج البحث انتهينا في التمهيد إلى : إن الفضل وردت فيه قراءتان ، أحدهما : منقولة عن طريق الصحابي والأخرى : منقولة عن طريق أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين . بضم الروايتين بعضهما إلى بعض يخلص البحث إلى : أن لقراءة سورة البلد فضل دنيوي ، هو : العرفان بالصلاح ، وفضل أخروي يتلخص بـ : الأمن من الغضب الإلهي ، العرفان بمكانته عند الإله وضمان رفقة النبيين والشهداء والصالحين . - انتهينا في المبحث الأول إلى : إن الآراء في قوله تعالى : ?وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد ? ترجع إلى ثلاث طوائف ، هي : الأولى : طائفة خاصة خصصت الوالد بالأنبياء ، وخصصت الولد بولد مخصوص من أولادهم ، والثانية : طائفة عامة : عممت الوالد إلى ما يشمل الأنبياء وغيرهم ، والولد إلى ما يشمل أبناء الأنبياء وغيرهم ، والثالثة : طائفة مشتركة جمعت بين العام والخاص ، أي : خصصت الوالد بـ : نبي من الأنبياء وعممت الولد إلى ما يشمل ذريته أو أمته . إن أصح الآراء هو الرأي الرابع : الوالد : إبراهيم ، والولد - إسماعيل من آراء الطائفة الخاصة – لوجود مناسبة بين القسم والمقسم به ، فالله أقسم بمكة وبمن بناها : إبراهيم وإسماعيل ، وبمن حلَّ فيها : محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وما عداه فيه نظر . إن لفظة : (حِلٌّ) تحتمل ثلاثة معان ، أما الأولى فهي : حِلٌّ بمعنى : (مقيم) وأما الثانية فهي حِلٌّ بمعنى : (حَلَالٌ) ضِدّ الحَرَام ، وأما الثالثة فهي حِلّ بمعنى المُحِلّ ضِدّ المُحْرِم . ويبدو للبحث : أن هذه الدلالات محتملة ، إلا أن الأول هو الذي يميل إليه البحث ويتبناه ؛ لأمور عدة أحدها : إنها دلالة جيدة حسب قول الأخفش (ت/215ه) ، إذ قال : (( تقول : حَلَلْنَا ، وهي : الجَيِّدَة )) (146) ، والثاني : إن هذا المعنى هو الذي تبناه صاحب الميزان (147) ، والثالث : الحلول فيه تشريف لمكة والرابع : فيه وعد بفتح مكة ، والخامس : فيه إخبار بالغيب بفتح مكة في المستقبل وقد تحقق ما أخبر الله جل جلاله . - انتهينا في المبحث الثاني إلى : إن [لا + فعل القسم] وردت فيه أربعة آراء ؛ بعضها فيه نظر ، إلا أن القدر المتيقن منه أن هذا الأسلوب في القرآن الكريم أفصح عن : أن الفعل فيه جاء مسندا إلى الله جل جلاله ، ولم يأت إلا في الأيمان الصادقة ؛ ومنه يفهم انه لا يرادف (حَلَفَ) ؛ لأن الأخير يستعمل في الصادقة وغيرها (148) . إن القرآن حجة في الفصاحة ، فلا حاجة للتقدير في النص القرآني ؛ للتوفيق بينه وبين القاعدة الإعرابية المشهورة ، التي تنص على : ( لا : النافية غير العاملة إن دخلت على ماض ، يجب تكرارها مع ماض مثله منفي بـ : ما ، أو : لا ) . وعليه تبنى القاعدة وفق النص القرآني ، وعلى النحو الآتي : [لا +ماض] قد تأتي مكررة ، نحو قوله تعالى : ?فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ? ، وقد تأتي من دون تكرار نحو : ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ? - انتهينا في المبحث (الثالث) إلى : إن تردد الصيغة بين صيغتي : اسم المفعول المهموز ، وغير المهموز سبب من أسباب اختلاف القراءات ومرد ذلك اختلافهم في الأصل اللغوي الذي اشتقت منه ؛ ومما يؤيد تردد لفظة (مؤصدة) بين المهموز – مؤصدة – وبين غير المهموز – موصدة – لاختلافهم في أصلها : أ(آصَدَ) هو أم (أَوْصَدَ)؟ وهذا يؤيد : أن القراءات اجتهادية ، لا توقيفية . إِنَّ الأصل الذي انحدرت منه لفظة (مُؤْصَدَة) هو : (آصَدَ – يُؤْصِدُ) بعد بنائه للمجهول ، وإلحاق تاء التأنيث به ، إذا أغفل البحث عما هو تأويل ، أو احتمال . إِنَّ الأصل الذي انحدرت منه لفظة (مُوْصَدَة) هو : (أَوْصَدَ – يُوْصِدُ) بعد بنائه للمجهول ، وإلحاق تاء التأنيث به ، إذا أغفل البحث عما هو تأويل ، أو احتمال إن الذي يميل إليه البحث ويتمناه : قراءة (مؤصدة) – المهموزة – وان الأصل اللغوي الذي اشتقت منه هو : (آصَدَ - يُؤْصَدُ) المبني للمجهول ، ثم لحقته تاء التأنيث ؛ لأنه مؤيد بأدلة قوية . إن تردد اللفظة بين صيغتي : المصدر ، والفعل – الماضي – سبب من أسباب اختلاف القراءة ؛ ومما يؤيد ذلك : تردد لفظة (فَكّ) بين المصدر والفعل ، وتردد لفظة (أَطْعَم) بين المصدر والفعل ؛ تبعا لها فقد قرئت بصيغة المصدر تبعا لقراءة (فك) بصيغة المصدر ، وقرئت بصيغة الفعل الماضي ، تبعا لقراءة (فك) بصيغة الفعل الماضي ؛ لأن اللفظ الأخير معطوف (إطعام) على الأول (فك) . في قوله تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? (149) قراءتان ، الأولى : قراءة عاصم ، ابن عامر نافع ، وحمزة . والثانية : ابن كثير ، أبي عمرو ، والكسائي . إن تردد اللفظة بين صيغتي : المصدر ، والفعل – الماضي – سبب من أسباب اختلاف القراءة ؛ ومما يؤيد ذلك : تردد لفظة (فَكّ) بين المصدر والفعل ، وتردد لفظة (أَطْعَم) بين المصدر والفعل ؛ تبعا لها فقد قرئت بصيغة المصدر تبعا لقراءة (فك) بصيغة المصدر ، وقرئت بصيغة الفعل الماضي ، تبعا لقراءة (فك) بصيغة الفعل الماضي ؛ لأن اللفظ الأخير معطوف (إطعام) على الأول (فك) . في قوله تعالى : ? فَكُّ رَقَبَةٍ ? أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ? (150) قراءتان ، الأولى : قراءة عاصم ، ابن عامر نافع ، وحمزة . والثانية : ابن كثير ، أبي عمرو والكسائي . - انتهينا في المبحث (الرابع) إلى : إن الفرَّاء هو أول من نبه إلى (تفسير القرآن بالقرآن) في مجال التطبيق – حسب تتبع البحث ، بعد تأصيله عند الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين – من دون ذكر الاسم على مستوى النظرية ؛ لأنه لم يك معروفا آنذاك . إن الفرَّاء هو أول من نبه إلى أن (بيان المبهم) هو صورة من صور (تفسير القرآن بالقرآن) من دون ذكر الاسم ، في مجال التطبيق ؛ لأنه لم يك معروفا آنذاك . بعد تأصيله عند الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين إن الفرَّاء هو أول من وضع الشذرات الأولى لـ : نقد التفسير ، حسب تتبع البحث ، بعد أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين . للقرآن الكريم في طرح المجمل أسلوبان ، أحدهما : يجمل ثم يفصِّل ، وهو يجمل في بادئ الأمر ليحرك العقول إلى فهم ذلك المجمل (151) ، والثاني : يفصِّل ثم يجمل ؛ ليركِّز خلاصة الأفكار في الأذهان ، وهو منهج تربوي رسَّخه القرآن الكريم . وهذا المنهج نفسه هو المتبع في طرائق التدريس اليوم فبعد العرض المفصَّل ، تلخص الأفكار ؛ لتبقى عالقة في الذهن . إن القرآن الكريم أصَّل لـ : التنمية البشرية . إن الروايات المأثورة عن الصحابة : ابن عباس ، ابن مسعود ، والتابعين : مجاهد ، قتادة فسرت النجديين بـ : سبيل الخير ، سبيل الخير . وهي توافق ما أثر عن : أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، ولا سيما أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، والإمام جعفر بن محمد عليهما السلام ؛ وفي هذا توكيد على أن ما أثر عن : الصحابة والتابعين هو سنة . ويمكن القول : إنَّ مقولات أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين في التفسير غُيِّبَت عن الدرس القرآني واللغوي ؛ بسبب من الظروف السياسية المحيطة بهم آنذاك ؛ ولهذا تصدرت مقولات غيرهم في الدرس القرآني وربما- وهو الراجح – كانت آراء هؤلاء مأخوذة من آراء أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين إن ما نسبه ابن عباس إلى : أناس لم يسمهم ، هم يقينا من الصحابة ؛ فهم من يتصدى للتفسير في ذلك الوقت . وما أثر عن : سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم من التابعين ؛ لأنه معارض بما ثبت أنَّهُ سُنَّةٌ . وهذا يؤيد ما ذهب إليه البحث : وهو نشوء الاتجاه الاجتهادي في التفسير ، في عصر الصحابة والتابعين ، وامتداده إلى عصر التابعين . إن الاتجاه الاجتهادي في التفسير جُوبِهَ بالرفض من أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ؛ وهذا يؤيد ما ذهب إليه البحث من نشوء (نقد التفسير) أي : حركة التصحيح في التفسير ؛ وبعبارة أدق : التمييز بين : التفسير الصحيح ، والتفسير غير الصحيح ، والتصريح بعدم صحة الثاني . والريادة في التأصيل لـ : (نقد التفسير) كانت لأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، هو الرائد الأول في هذا الباب . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
هوامش البحث
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|