انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

شكل القرآن4

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة محمد عباس نعمان الجبوري       6/23/2011 3:01:26 PM
شكل القرآن المعاش ، وبحسب العمران والتعاون عليه ، لأجل دلالته على ما في النفوس . ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم أميا ، وكان ذلك كمالا في حقه ، وبالنسبة إلى مقامه ، لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها . وليست الأمية كمالا في حقنا نحن ، إذ هو منقطع إلى ربه ، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا » (1) . ورأي ابن خلدون واضح الأبعاد في إلقاء التبعة على من يتصور أن الخط كمال مطلق في حد ذاته ، وإن فقدانه يشكل نقصا جليا ، وعيبا لا يطاق ، وصوبوا في كتابته من أخطأ ، وليس الأمر كذلك ، فالإخلال ببعض قواعد الخط ، وجملة من أصول الإملاء ليس نقصا بحقهم ، بل هي الطاقة وجهد المقدور ، والتعظيم لمنزلة الصحابة لا يعني أن نغض الطرف عن خطأ هجائي وأصل إملائي فمنزلتهم شيء ، وحقائق الأمور شيء آخر ، ولهذا كان ابن خلدون فيما قدمه من رأي جريئا في الحكم ، وسخيا في العرض ، وواقعيا في المبادرة . وهناك موقف للباقلاني ( ت : 403 هـ ) يتناسب مع الذائقة الفطرية ، لطبيعة الأشياء ، فما لم يفرض فيه أمر ، لا يستنبط منه حكم ، وما لا وجه له لا يحدد بوجه مخصوص لقد بين حقيقة هذا الأمر بقوله : « وأما الكتابة ، فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره ، أوجبهم عليهم وترك ما عداه ، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف ، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه : أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلاّ على وجه مخصوص ، وحد محدود ، ولا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ولا دلت عليه القياسات الشرعية . بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر برسمه ، ولم يبين لهم وجها معينا ، ولا نهى أحدا عن كتابته ، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف ؛ فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال . ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول ، وأن يجعل اللام على صورة الكاف ، وأن تعوّج الألفات ، وأن يكتب على غير هذه الوجوه ، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين ، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة ، وجاز أن يكتب بين ذلك . وإذا كانت خطوط المصحف ، وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة ، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته ، وما هو أسهل وأشهر وأولى ، من غير تأثيم ولا تناكر ؛ عُلم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص ، كما أخذ عليهم في القراءة والأذن ، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز ، فكل رسم دال على الكلمة ، مفيد لوجه قراءتها . تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت . وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنى له ذلك » (1) . ورأي الباقلاني قوي الحجة بجواز كتابة المصحف بأي خط اتفق ، يدل على ألفاظ القرآن ويفصح عن قراءته ، بدليل ثبوت كتابته بالحروف الكوفية ، وبالخطوط المحدثة ، وبالهجاء القديم ، وفيما بين ذلك . ومع اصالة هذا الرأي الذي لم يتأثر بميل أو هوى فقد تجد من يأتي بعده ، ويتكأ على كثير من آرائه يخالفه جملة وتفصيلا ، دون دليل علمي في الموضوع . قال القسطلاني : ( ت : 923 هـ ) وأكثر رسم المصاحف موافق لقواعد العربية ، إلا أنه قد خرجت أشياء عنها ، يجب علينا اتباع مرسومها ، والوقوف عند رسومها ، فمنها ما عرف حكمه ، ومنها ما غاب عنا علمه » (2) . والقسطلاني يريد بتعبيره بأن أكثر رسم المصاحف موافق لقواعد الإملاء العربي ، وأصول الخطوط ، وما خرج عن ذلك يجب اتباعه في نظره ، ولا أعلم من أين استفاد وجوب اتباع مرسوم هذه الخطوط ، والوقوف عند رسومها ، وما هي فلسفة حكمه من الأخطاء الإملائية ، وما غاب عنا علمه من الاشتباهات الهجائية ، وليست تلك إلا أمور موهومة ، دعا إليها الغلو الفاحش ، والطيش في العاطفة ، وهو نفسه يقول : « ثم إن الرسم ينقسم إلى قياسي ، وهو موافقة الخط للفظ ، واصطلاحي ، وهو مخالفته ببدل ، أو زيادة ، أو حذف ، أو فصل ، أو وصل ، للدلالة على ذات الحرف ، أو أصله ، أو فرعه ، أو رفع لبس ، أو نحو ذلك من الحكم والمناسبات » (3) . وهذا هو التقسيم الصحيح ، والرسم المصحفي إصطلاحي لا شك ، تواضع عليه كتبة المصاحف الأولى ، واشتمل على مخالفة الخط للفظ ، في وجوه البدلية والزيادة والنقصان والحذف والفصل والوصل ، وكان ذلك شائعا في جملة من الحروف ، لا سيما في إبدال الألف ياء ، وزيادة الأف بعد واو الجماعة الداخلة على بعض الأسماء ، وحذفها بعد جملة من الأفعال في ذات المكان ، وإثباتها لبعض الأفعال المعتلة بالواو ، وفي إثبات الهمزة في الوصل حينا ، وحذفها حينا آخر ، وفي ما فيه قراءتان والرسم على أحدهما ، كما هو ملاحظ في جملة من خطوط الرسم المصحفي . وقد حصر السيوطي أمر الرسم المصحفي في الحذف ، والزيادة ، والهمز ، والبدل ، والفصل ، وما فيه قراءتان فكتب بأحدهما (1) . ولا حرج مطلقا في أن يكتب المصحف كاتب ، أو يطبعه طابع ، بأي هجاء شاء ، مادام لا يخرج عن النطق المطلوب ، كما أنزله الله تعالى ، وكما تنطق به العرب ، إذ لا يختلف اثنان في أن المراد بالقرآن هو ألفاظه ومعانيه ، ومقاصده ومراميه ، لا هجاؤه ورسمه وهيكله ، والقرآن ما رسم بهذا الرسم ، ولا كتب بهذا الهجاء ، إلا لأنه الهجاء المعروف المتداول في العصر الأول (2) . وما القول بوجوب اتباع الرسم القديم ، وعدم مخالفته وتعديه ، إلا نوع من أنواع التزمت الذي لا يتفق من النهج العلمي ، والارتفاع بتقدير الأوائل من مستوى الاحترام المناسب إلى مستوى التقديس اللامعقول ، وبهذا الملحظ فإننا لا نميل إلى ما قرره البيهقي في « شعب الإيمان » بقوله : « من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا فيها المصاحف ، ولا يخالفهم فيها ، ولا يغير مما كتبوه شيئا ، فإنهم أكثر علما ، وأصدق قلبا ولسانا ، وأعظم أمانة منا ، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم » (3) . بل نذهب إلى جواز المخالفة ، وتيسير القرآن بالخط والهجاء الذي لا لبس فيه ، فلا يؤدي إلى اختلاف ، ولا يؤول إلى إبهام ، وليس في ذلك تحامل على السلف ، فليس الخط ونقصانه مما يشكل استخفافا بهم ، ولا هو يتنافى مع ورعهم وتقواهم ، ولا علاقة له بأنهم أصدق لسانا ، وأعظم أمانة ، ما دام أن الخطوط لم تكن متكاملة المعالم في عهودهم . يقول الاستاذ أحمد حسن الزيات : « الغرض من كتابة القرآن : أن نقرأه صحيحا لنحفظه صحيحا ، فكيف نكتبه بالخطأ ، لنقرأه بالصواب ؟ وما الحكمة أن يقيد كلام الله بخط لا يكتب به اليوم أي كتاب » (1) . ولقد كان عز الدين بن عبد السلام جريئا ومحافظا في وقت واحد بقوله : « لا يجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة ، لئلا يوقع في تغيير من الجهال ، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه ، لئلا يؤدي إلى دروس العلم ، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين ، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة » (2) . فهو يدعو إلى تطوير الرسم المصحفي رفعا لمشاكل القراءة عند المحدثين ، ويدعو إلى الاحتفاظ بالرسم العثماني كجزء من التراث الذي لا يترك حبا بالأقدمين . ولقد أوضح السيوطي حقيقة مخالفة الخط المصحفي في بعض الحروف لقواعد الخط العربي فقال : « القاعدة العربية أن اللفظ يكتب بحروف هجائية مع مراعاة الابتداء والوقف عليه ، وقد مهد النجاة له أصولا وقواعد ، وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام » (3) . وأنى كانت وجهة النظر تجاه الرسم المصحفي ، فهي لا تعني شيئا ذا أهمية قصوى ، لأنها مسألة شكلية لا تتعلق بجوهر القرآن ، ولا تغير حقيقته ، لأن اختلاف بعض الخطوط لقواعد الهجاء لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، ليتحقق بعد هذا كله التأكيد الإلهي بحفظ القرآن ، سالما من التحريف ، مصانا عن الزيف . وقد شاءت العناية الإلهية أن يظل شكل القرآن متجاوبا مع اختلافات الرسم في كل العصور ، ومتجانسا مع عملية التطوير الكبرى للخط العربي ، فقد دأب المتخصصون بصياغة الخطوط وطرائقها أن ينقلوه من جيل إلى جيل مطابقا للأصل الكوفي مع إضافة الأشكال التطويرية زيادة في الإيضاح ، ورفعا للالتباس ، وكان ذلك متواترا طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان ، فما وجدنا في طول العالم الإسلامي وعرضه نصا قرآنيا يخالف نصا آخر ، ولا مخطوطا يعارض مخطوطا سواه ، حتى هيأ الله تعالى الطباعة ، لتزود المسلمين بل الناس أجمعين ، بملايين النسخ من القرآن الكريم ، وبمختلف الطبعات الأنيقة والمذهبة والمحكمة ، وهي تعطر كل بيت ، وتشرف كل منتدى ، وتحتل صدر كل مكتبة . وكان دور الطباعة مهما في نشر القرآن الكريم في كل من أوروبا والبلدان الإسلامية والوطن العربي . فقد نشر القرآن مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة 1530 م ، بيد أن السلطات الكنسية وقفت منه موقفا متعصبا ، فأصدرت أمرا بإعدامه عند ظهوره ؛ ثم قام هنكلمان بطبع القرآن في مدينة هانبورغ عام 1694 م ، وتلاه ( مراتشي ) بطبعه في بادو عام 1698 م . وقد ذكر كل من بلاشير وشزر وبفنلمر أن أول طبعة إسلامية للقرآن كانت في سانت بطرسبورج بروسيا عام 1787 م وهي التي قام بها مولاي عثمان ، وبعد هذا قدمت إيران طبعتين حجريتين الأولى في طهران عام 1828 م والثانية في تبريز عام 1833 م (1) . وفي مصر قام الشيخ رضوان بن محمد الشهير بالمخللاتي بكتابة مصحف عني فيه بكتابة الكلمات في ضوء الرسم العثماني ، وقدم له بمقدمة أبان فيها تحرير المصحف ورسمه وضبطه ، وطبع بمطبعة حجرية هي المطبعة البهية في القاهرة عام ( 1308 هـ ) (1) . وكانت هذه الطبعة الأولى من نوعها في القاهرة ، وقد استدركت عليها بعض الملاحظات المطبعية عولجت فيما بعد . وفي القاهرة ، عام 1342 هـ ـ 1923 م تشكلت لجنة عليا من مشيخة الأزهر ، مستعينة بكبار العلماء ، بإقرار من قبل الملك فؤاد الأول ، كان قوامها كل من : شيخ المقارىء المصرية محمد خلف الحسيني ، والأستاذ حفني ناصف العالم اللغوي ، ومصطفى عناني ، وأحمد الإسكندري . وقد اضطلعت هذه اللجنة بمهمة ضبط المصحف ورسمه وشكله ، فكتب القرآن ـ بإقرارها ـ موافقا للرسم العثماني ، وعلى قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي ، برواية حفص بن سليمان الكوفي . ثم طبعته طبعة أنيقة بالنسبة لزمنها ، تلقاها العالم الإسلامي بالغبطة ، وكان ذلك أساس انتشار طبعات القرآن الأخرى ، ففي عام 1924 تم طبع القرآن في مطبعة بولاق في القاهرة ، وكانت هذه الطبعة هي الطبعة الرسمية للقرآن في نظر المستشرقين (2) . وبعبارة أخرى فهي القرآن الرسمي عندهم . وكان القرآن قد طبع بحجم صغير في عام ( 1337 هـ ) في مطبعة بولاق أيضا ، وأعيدت طبعته في ( 1344 ، 1347 ) (3) . وقد بقي طبع القرآن في الوطن العربي بل الإسلامي مقتصرا على مصر في أغلبية مشروعاته ، ثم قامت عدة دول بطبع القرآن طبعات أنيقة فاقت ما قدمته مصر ، كان ذلك في عصر تقدم الطباعة وآلاتها ومستلزماتها ، وتحسين الورق وازدهار الخطوط ، وكان ذلك حديثا وفي بدايات النصف الثاني من القرن العشرين ، حينما استعانت هذه الدول بمطابع راقية في الدول الغربية لسحب ملايين النسخ من القرآن الكريم بأبهى حلة لا سيما في مطابع ألمانيا وشركاتها ، وكان في طليعة من تصدى لهذا العمل من دول الشرق الإسلامي وغربه كل من : العراق وتركيا وإيران وسوريا والمغرب والجزائر وتونس وغيرها . وفي ضوء جميع ما تقدم نجد أن شكل القرآن قد استقر الآن على ما استقر عليه بالتحسينات والإيضاحات والأناقة الطباعية ، مما نقطع معه إن لم يقدر لأي أثر ديني أن يحتفي بهذا القدر من الاحتفاء كما قدر للقرآن الكريم ، كتابة ، وشكلا ورسما ، وحفظا ، وطباعة ، وانتشارا .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم