انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

شكل القرآن 3

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة محمد عباس نعمان الجبوري       6/23/2011 2:04:45 PM
شكل القرآن وبقي الرسم العثماني للمصحف هو الأساس في خط المصحف الكريم قديما وحديثا ، فحينما تطورت عملية الكتابة ، وتبلور فن الخط ، لم يفقد ذلك الأساس أهميته على الإطلاق ، إذ ظل المنار الهادي لدى أغلب خطاطي مختلف العصور ، نظرا لاكتمال الصورة الأولى للمصحف ، وإن انتقل الشكل في العموم من الخط الكوفي إلى الخط النسخي المعروف . « وتوجد الآن في مكتبات العالم مجموعة كبيرة من المصاحف المخطوطة القديمة أو قطع منها ، بعضها مكتوب على الرق ، وبالخط الكوفي القديم ، مجردة من النقط والشكل ، ومن كثير مما ألحق بالمصاحف من أسماء السور وعدد آياتها وغير ذلك بحيث تبدو أقرب إلى الصورة التي كانت عليه المصاحف الأولى » (1) . وقد شاهدت كثيرا من هذه الآثار المصحفية في المتحف البريطاني في لندن ، مصونة ومحافظا عليها ، بعناية أثارية فائقة ، وبحواجز زجاجية محكمة ، لا تصل إليها يد الناظر ، وقد أشير ببعضها إلى تواريخ قديمة قد يرجع قسم منها إلى القرون الأولى ، ولا نعلم مدى توثيقها . أما الرسم المصحفي الأول للقرآن ، أعني كتابته على الكتبة الأولى ، فقد جاء دور الحديث عنه ، وأول ما نفجأ به ، هو الهالة الكبرى من التقديس لهذا الرسم مما يضفي شيئا كثيرا من المغالاة التي لا مسوغ إليها في أغلب الأحيان ، وإنا وإن كنا لا نعارض تبجيله والاعتداد به ، ولكننا نعارض الغلو في شأنه ، ويبدو أن هذا الغلو والتقديس ، وما صاحب ذلك من هالات ، ما هو إلا تعبير عملي عن احترام جيل الصحابة الذين كتبوا المصحف عند توحيد القراءة ، وإن كانت تلك الكتابة مخالفة لأصول الإملاء ، وقواعد الخط ، إذ الكتابة تصوير لنطق اللفظ ، والعبرة بنطق ذلك اللفظ ، لا بتصويره ، والتطرف في إضفاء صفة التقديس على الكتبة الاولى ، لا يعضده دليل نصي على الإطلاق ، وما قيل هنا وهناك من توقيف كتابة المصحف ؛ لا يستند إلى أساس من نقل أو عقل أو كتاب ، وليس فيه ما هو مرفوع إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إجماعا ، بل كان منسجما مع طبيعة ما يحسن الكتبة ، سواء أكان جنس ما يحسنون ممتازا ، أم هو ما تعارفوا عليه ، مما يؤدي إلى النطق الصحيح بالكلمات والآيات ، وهو أمر يرجع إلى مدى الجهد الذي بذله القدامى إملائيا وهجائيا في ضبط الرسم ، وما من شك أن يحصل الاختلاف بين الكتبة بقدر تفاوت الضبط فيما بينهم ، أو على نحو من اختلاف القبائل فيما تكتب ، مما طبع أثره على الاختلاف في الخطوط . حينما جمع القرآن على لغة قريش ، ووحدت القراءات على حرف معين ، حصل جزء من هذا الاختلاف ، فقد قال الزهري : « واختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه فقال : النفر القرشيون : التابوت ، وقال زيد : التابوه ، فرفع اختلافهم إلى عثمان ، فقال : اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش » (1) . وفي رواية مماثلة : « فإنما أنزل القرآن على لسان قريش » (2) . وأما ما ادعاه ابن المبارك في نقله عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال : « ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة ، وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة : بزيادة الألف ونقصانها ، لأسرار لا تهتدي إليها العقول ، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية ، وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز ، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في « مائة » دون « فئة » وإلى سر زيادة الياء في « بأييد » و« بأييكم » أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الأف في « سعوا » بالحج ، ونقصانها من « سعو » بسبأ ؟ وإلى سر زيادتها في « آمنوا » وإسقاطها من « باؤ ، جاؤ ، تبوؤ ، فاؤ » بالبقرة ؟ وإلى سر زيارتها في « يعفوا الذي » ونقصانها من « يعفو عنهم » في النساء ؟ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض ، كحذف الألف من « قرءنا » بيوسف والزخرف ، وإثباتها في سائر المواضع ، وإثبات الألف بعد واو « سموات » في فصلت وحذفها في غيرها ، وإثبات الألف في « الميعاد » مطلقا ، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال ، وإثبات الألف في « سراجا » حيثما وقع ، وحذفه من موضع الفرقان ؟ وكيف نتوصل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض ؟ ؟ فكل ذلك لأسرار إلهية ، وأغراض نبوية ، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني ، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة في أوائل السور ، فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة ، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها ، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف » (1) . فهو كلام طويل عريض يشتمل على ادعاءات وافتراضات لا نوافقه عليها من عدة وجوه : الأول : أن الرسم المصحفي لم يرد فيه ولا حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يكون توقيفيا ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتهجى ، فكيف يتم هذا الغلو بشأنه ، بادعاء أن ما كتبوه كان بأمره ، وهو تجاوز على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر بما يخطأ فيه ويصاب ، هجاء وإملاء مما نعتبره دون أدنى ريب خارجا عن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيفه ، لأنه لا يحسن منه شيئا ؛ وأما ما ورد بالزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قال لأحد كتبة الوحي : « الق الدواة ، وحرف القلم ، وأنصب الباء ، وفرق السين ولا تعور الميم ، وحسن الله ، ومد الرحمن ، وجود الرحيم ، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك » (2) . فموضوع لا أصل له ، ويدل على وضعه ونحله كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميا ، فما أدراه بأصول الخط ؟ وما هي معرفته بالحروف ومميزات كتابتها وهو فاقد لأصل الصنعة ، وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون ، وليس في ذلك انتقاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا غض من منزلته ، ولكن الحقيقة التي نطق بها القرآن في أكثر من موضع بأنه أمي ، وهذه الحقيقة صاحبت حياته كلها ، وهي ليست نقصا في شأنه ، بل اقتضتها الحكمة الإلهية ، لدرء تخرصات المشركين وارتياب المبطلين ، فهي كرامة لا منقصة ، وتشريف لا تضعيف ، وتكريم لا توهين . لقد أوتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جوامع الكلم ، وفصل الخطاب ، والنص المتقدم لا ينسجم مع بلاغة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القولية ، ولا يتفق مع فصاحته المتناهية ، فالصنعة بادية على النص ، والتكلف بين السمات عليه ، وعدم ارتباطه فنيا يبعده عن كلام أفصح من نطق بالضاد ، ثم ما هي علاقة الكتابة بوضع القلم على الأذن اليسرى ؟ وهل يصدق أن يكون هذا الهراء من كلام الرسول ؟ وأين هي المعاني الجامعة في هذا النص الهزيل ؟ وما هو وجه النظم بين فقراته التائهة ، وما هو المراد منها ؟ الثاني : لو كان رسم المصحف توقيفيا ، لكانت خطوط كتاب الوحي واحدة ، وليس الأمر كذلك ، فقد أشير كثيرا إلى اختلاف المرسوم منها في جملة من الروايات . الثالث : ليس في كتابة أي نص سر من الأسرار كما يدعى ، وأنى توصل لذلك ؟ وكيف يطلق الكلام جزافا ؟ وهل هنالك من له أدنى مسكة من عقل ، أو إثارة من علم فيدعى أن رسم المصحف معجز كنظم القرآن ، والقرآن معجزة بتحديه ونظمه وحسن تأليفه ، وتفوقه باستعاراته ومجازاته وكناياته ، وارتباط كل ذلك بالكشف عن الغيب ، والتحدث عن المجهول ، واستقراء الأحداث ، واشتماله على الإعجاز التشريعي ـ مضافا إلى الإعجاز البلاغي ـ الذي لا يناسب البيئة التي نزل بها القرآن ، وتمكنه بأسراره العلمية ونظرياته الثابتة ، القرآن معجز بصورته الفنية التي اعتبرت اللفظ حقيقة ، والمعنى حقيقة أخرى ، والعلاقة القائمة بينهما حقيقة ثالثة ، وهل يقاس هذا بالخط والإملاء ؟ وما إعجاز الخط وما هي أسرار الإملاء ؟ حتى لا تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في جملة من الكلمات ، وحذفها من كلمات أخرى ، نعم السر واضح ، وهو بكل بساطة وكل تواضع وكل موضوعية : خطأ الكاتبين ، ولا علاقة لخطئهم بالنص ، فالنص القرآني متعبد بتلاوته لا برسمه ، ولا يطالب الأوائل بأكثر من هذا الجهد في ضبط النص القرآني بعد أن ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله : « نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » . فكتابة المصحف إذن كانت في ضوء ما ألفوه من الهجاء ، واعتادوه من الرسم ، وذلك قصارى جهدهم ، وما ورد فيها من منافيات أصول الخط ، لا يتعارض مع أصول المعاني ومداليل الألفاظ ، فالإملاء لا يغير نطقاً ، ولا يحرف معنى . الرابع : ليس من المنطق العلمي ولا من المنهج الموضوعي ان نقارن ـ ولو بوجه ضئيل ـ بين الرسم المصحفي الذي كتبه بشر ، وبين أوائل السور القرآنية ذات الحروف المقطعة التي قام الإجماع والتواتر على أنها من الوحي الإلهي والنص القرآني ، وللعلماء فيها آراء واجتهادات ، وفي مضامينها روايات وأخبار ، وفي عرضها رموز وإشارات ، وليس هذا موضع بحثها فلسنا بصددها ، إلا أنها من القرآن المعجز ، وليس الرسم المصحفي من الإعجاز في شيء وإنما هو يخضع لمدى ما يحسن الكاتب ، وأين التحدي من السماء بالإعجاز إلى الصنعة الأرضية التي تتفاوت جودة وضعفا وإتقانا . وقد حقق عبد الرحمن بن خلدون ( ت : 808 هـ ) في قضية الرسم القرآني ، وألقى مزيدا من الأضواء الكاشفة ، على فكرة التعصب للرسم العثماني ، وانتهى من فلسفة القول في الخط عند العرب بعامة فقال : « وكان خط العرب لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الأحكام والإتقان والإجادة ، ولا إلى التوسط ، لمكان العرب من البداوة والتوحش ، وبعدهم عن الصنائع . انظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف ، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم ، وكانت غير محكمة الإجادة ، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم الصناعة الخط عند أهلها . ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخير الخلق من بعده ، المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه ، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا . وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه ، فاتبع ذلك وأثبت رسما ، ونبه علماء الرسم على مواضعه . ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط ، وأن ما يتخيل من مخالفته خطوطهم لأصول الرسم كما يتخيل ، بل لكلها وجه ، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة رضوان الله عليهم ، عن توهم النقص في قلة إجادة الخط ، وحسبوا أن الخط كمال ، فنزهوهم عن قصه ، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته ، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة عن رسمه وليس ذلك بصحيح . واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم ، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية ، والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق ، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ، ولا في الخلال . وإنما يعود على أسباب
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم