دلالة الاقتضاء
تعريفها : هي دلالة عقلية التزامية على أن هناك كلمة أو عبارة يجب على المجتهد أو الفقيه أو القاضي أن يضيفها إلى هذا النص ليدل على المعنى المقصود ، لأن النص في دلالته على المعنى المراد يقتضي ضم ضميمة إليه ، فقد يترك الشارع أو (المشرع) كلمة أو عبارة في نص تقتضي دلالته على المعنى المراد رعايتها واعتبارها جزءاً مـن هذا النص ، ورعايتها تكون بمثابة الشرط لتطبيق منصوص النص .
والسر في عدم ذكر هذه الكلمة أو العبارة رغم أهميتها يعود إما إلى وضوحها وإمكان إدراكها بأدنى تأمل ، أو إلى إبقاء النص على عمومه بالنسبة لهذا المحذوف حتى يكون أمام القضـاء مجـال واسع لتقديـر ما يتناسب مع خصوصية كل قضية وظروفها .
كما يجوز أن يكون الترك لأسباب أخرى بالنسبة لمن كلف بإعداد مشروع القانون الوضعي كالجهل بأهمية القيد المحذوف ، أو النسيان ، أو الخطأ أو غير ذلك .
وأياً كان سبب عدم الذكر فإن عبء إدراكه واعتباره حين استنباط الحكم من النص يقع على المجتهد أو المفسر أو القاضي أو كل من يهمه فهم المراد من هذا النص .
ومن الأمثلة التطبيقية على دلالة الاقتضاء ما يأتي :
1- قولـه تعالـى : ? حُرِّمَتْ عليكم أمهـاتكم وبنـاتكم وأخـواتكم ? [ النساء:23] ، فمن المعلوم أن التحريم ليس منصباً علــى ذات الأمهات ، ولا على ذات البنات والأخوات ، وإنما التحريم منصباً أو متعلقاً بأفعال وتصرفات الإنسان ذات الصلة بالأعيان ، فكانت دلالة الكلام على هذا المسكوت يتوقف على تقديره لاستقامة المعنى المقصود وهو : حُرِّمَ عليكم التزوج بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، وغيرهن من محرمات الزواج تحريماً مؤبداً ، فالتزوج الذي هو فعل الإنسان هو أمر اقتضاه النص ليستقيم المعنى .
2- قوله تعالى : ? حُرِّمَـتْ عليكـم الميتةُ والدم ولحـم الخنزير ...? [ المائدة:3] ، أي حُرِّّمَ عليكم الانتفاع بالميتة ، وتعاطي الدم ، وأكل لحم الخنزير ، لأن التحريم متعلق بهذه الأفعال والتصرفات لا بذات الميتة أو الدم أو لحم الخنزير . فالأكل الذي لم يذكر وكذلك الانتفاع هو أمر اقتضاه النص لاستقامة المعنى .
3- ومن ذلك قوله تعالى : ? وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ? [ المائدة:5] ، أي أكل طعام أهل الكتاب حل لكم وأكلهم لطعامكم حل لهم ، فالمراد حلية أكل طعام أهل الكتاب لا حلية ذاته .
4- قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » فالحديث يفيد بظاهره على رفع ذات الخطأ والنسيان نفسه وفعل الإكراه ، ومن الواضح أن كل إنسان معرض للخطأ والنسيان وللإكراه ، فكل من هذه الأمور الثلاثة لم ترفع ، ولذلك وجب تقدير ما هو مناسب في هذا المقام ، فقـال البعض : تقديـر الكلام : رفع العقاب ، أو الإثم أو المؤاخذة ، أي رفع عقاب الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . أو رفع إثم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . أو رفعت المؤاخذة على الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . أي أن الخطأ والنسيان لم يرفعا عن أمته ، بدليل وقوعهما من عامــة الأمة ، وعلى هذا فلا بد من تقدير مسكوت عنه لينطبق الكلام على الواقع ولا يخالفه ، على أساس أن هذه الأعذار من موانع المسؤولية الجنائية ، فالإنسان إذا ارتكب جريمة في حالة النسيان أو الخطأ أو تحت ضغط الإكراه لا يتوافر لديه القصد الجنائي ، وبالتالي لايسأل جنائياً ، ولكن يسأل مدنياً عن تعويض ضرر مادي ناتج عن تصرفه غير المشروع ، لأن الشريعة الإسلامية تبني التعويض على أساس وجود الضرر .
أقسام دلالة الاقتضاء :
قسم علماء الأصول « المقتضى المقدر » لدلالة الاقتضاء إلى ثلاثة أقسام :
الأول:ما وجب تقديره لضرورة صدق انطباق الكلام شرعاً على الواقع.
ومثاله : قـــول الرسـول صلى الله عليـــه وآلــه وسـلم : « لا صيام لمن لا يبيت النية » أي لا يقع الصيام صحيحاً لمن لا يبيت النية ، فلا بد من تقدير مسكوت عنه لاستقامة المعنى ، والتقدير هو كلمة ( صحة ) ليصدق الكلام ، إذ أنه لا يمكن أن يصدق الكلام إلا بذلك .
ومن ذلك قـول الرسول صلى اللـه عليــه وآلـــه وســلم : « لا نكاح إلا بولي » ومن البديهي أن النكاح بلا ولي قد وقع ويقع مرات لا حصر لها ، وبناءً على ذلك من يرى أن إذن الولي شرط في صحة الزواج قَدََّر في هذا الحديث كلمة (صحة) فالمعنى يكون : لا صحة لزواج لم يتم بإذن الولي الخاص أو العام ( كالقاضي ) . ومن ذهب إلى صحة الزواج ولو بدون إذن الولي قدر لفظ (كمال) أي لا كمال لزواج لم ينشأ بإذن الولي .
الثاني : ما وجب تقديره لصحة الكلام عقلاً .
ومثاله قول الله تعالى : ? فليدعُ ناديه ? [ العلق:17] ، فالنادي هو مكان اللقاء ، والمكان لا يدعى عقلاً ، بل يدعى من كان فيه وهم أهله ، ومن هنا اقتضى النص تقدير اللازم المسكوت عنه بكلمة ( أهل ) ليصبح المعنى : ( فليدعُ أهل ناديه ) .
ومثله قوله تعالى : ? واسأل القرية التي كنا فيها ? [ يوسف:82] ، فالقرية لا تسأل عقلاً ، فكان الاقتضاء أن يقدّر محذوف سُكت عنه ، والتقدير هو كلمة ( أهل ) فيكون المعنى : واسأل أهل القرية .
الثالث : ما وجب تقديره لضرورة صحة الكلام شرعاً .
ومثاله قوله تعالى في كفارة قتل الخطأ : ? فتحرير رقبــة مؤمنة ?
[ النساء:92] ، الذي يتضمن الأمر في كفارة الخطأ ، أي : ( فحرروا رقبة ) فكان ملك الرقبة مقتضٍ للملك ، لأن من لم يملك الرقبة لا يقدر على تحريرها ، فكان ملك الرقبة لتحريرها ثابت باقتضاء النص ، بحيث يصبح التقدير : ( فتحرير رقبة مملوكة ) .