انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي
07/04/2021 20:21:16
بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ المحاضرة الثانيةَ عشرةَ – أسلوبُ التَّقديمِ والتَّأخيرِ في النَّظْمِ القرآنيّ الأستاذ الدُّكتور رحيم الشَّرِيفِيّ لامِراءَ أنَّ القرآنَ الكريمَ قد تعدّدتْ أساليبُهُ وبياناتُهُ وتلوَّنتْ أغراضُهُ ونُظُومُهُ ، ومن هذه الأساليب ( أسلوب التَّقديم والتَّأخير) ، إذ يعدُّ ظاهرةً واضحة المعالم جليّة المَظَاهر فيه فلا تخلو صحيفةٌ من صُحُفِهِ المباركةِ منه . وقد درس علماءُ العربيّة هذا الأسلوب خلفًا وسلَفًا ، وألمحوا إليها في كُتُبِهِم فالنَّحويُّونَ والبلاغيُّونَ والمفسِّرونَ وعلماء الإعجاز وممَّنْ كتبَ في عُلُوم القرآن وغيرهم قد أشاروا إليه في مباحثاتهم ومدارساتهم للنَّصّ القُرآنيّ. ومن أجلِ تسييج هذا الأسلوب في النَّظْم القرآنيّ وبيانه بشكل جليّ ، سنحاول أن نقفَ على جملة من المسائل المهمَّة . المسألة الأولى : التعريف ب( التَّقديم والتَّأخير ) 1- التَّقديم والتَّأخير في اللُّغةِ التَّقديم مصدر التَّفْعِيل قّدّمَ يقدِّمُ تقديمًا ، أي : جعله مُقَدَّمًا في كلّ شيء ، من تقديم شيء على آخرَ ، ومُقَدَّمة الجيشِ للجماعة المتقدّمة قال ابن فارسٍ : (( القاف والدَّال والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على سبقٍ ورَعْفٍ ، ثمَّ يفرَّعُ منه ما يُقَارِبُهُ ... ومقدَّمةُ الجيشِ : أوّلُهُ ))0(1) وقال الرَّازيّ : (( والمُقَدَّمُ ضدُّ المُؤخَّر يقال : ضرب مُقَدَّمَ وجهِهِ...وقُدَّام ضدُّ وَرَاء ))(2). وألمح ابنُ منظورٍ إلى دَلالةِ السَّبْق والاستقدام قال : (( القِدمُ والقِدمةُ : السَّابقة في الأمرِ... وقدم واستقدم : تقدَّمَ ))(3). وليس بخافٍ أنَّ دلالة السَّبْق والأوَّليَّة هي الدَّلالة المحوريَّة لمشتقات مادة (قدم) . أمَّا التَّأخير فهو بخلاف التَّقْديم ونقيضِهِ قال ابن فارسٍ : (( أخر الهمزة والخاء والرَّاء أصْلٌ واحدٌ إليه تُرْجَعُ فُرُوعُهُ، وهو خلاف التَّقدّمِ....الآخرُ نقيض المُتقَدّم ))(4). والآخرُ خلافُ الأوَّل ونقيض المتقدّمِ ، وتأخَّرَ وأخَّرَ تأخيرًا استأخرَ(5). 2- التَّقديمُ والتَّأخير في الاستعمالِ القُرْآنيّ في ظلّ معاينةِ الأنْساقِ المفهوميَة لمشتقات مادة (قدم) في الاستعمال القرآنيّ تتجلّى دَلالة السَّبْقِ في الزَّمانِ والمكانِ والرُّتْبةِ والشَّرفِ والقولِ والفعلِ ، كقوله تعالى : (( العُرْجون القديم ))(يس /39) ، بلحاظ الزَّمان وقوله تعالى : (( قدم صدق عند ربِّهم ))(يونس /2) ، بلحاظ الفضيلة والشَّرفيَّة وقوله تعالى : (( لا تُقدِّمُوا بينَ يَدَيِ اللهِ ورسولِهِ ))(الحجرات /1)) بلحاظ السَّبْق بالقول والحكم ، وقوله تعالى : ((ونكتب ما قدَّموا وآثارهم ))(يس/12) بلحاظ الفعل والعمل .(6) ومن أسماء الله تعالى الحُسْنَى المُقَدَّمُ وهو الَّذي يقدّمُ الأشياء ويضعُها في مواضعِهَا ، فمنِ اسْتحقَّ التَّقدّم قدَّمهُ ، والقديم على الإطلاق : الله جلَّ مجدُهُ .(7) امَّا التَّأخير في الاستعمال القرآنيّ ، فهو ضدُّ التَّقْديم ويعبَّرُ بالدَّار الآخرة عن النَّشْأة الثانيةِ كما يعبَّر بالدَّار الدُّنيا عنِ النَّشأة الأولى نحو : (( وإنَّ الدَّار الآخرة لهي الحَيَوان ))(العنكبوت / 64) ، قال الرَّاغبُ )) :والتَّأخير مقابل التَّقديم ، قال تعالى : (( بما قدَّم وأخَّر ))( القيامة /13) ، (( ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر ))(الفتح / 2) ، (( إنَّما يؤخّرُهم ليوم تشخص فيه الأبصار))(إبراهيم / 42) ))(8). 3- التَّقْديمُ والتَّأخير في اصطلاح البلاغيّين هو جعل ُ اللَّفظِ في رُتْبةٍ قبلَ رُتْبَتِهِ الأصليَّةِ أو بعدها ؛ لعارضِ اختصاصٍ أو أهميّةٍ أو ضرورةٍ أو عنايةٍ أو إرادةِ قصدٍ (9). وهو أيضًا (( تقديم جزء منَ الكلام بمقتضى البلاغة حقَّه أن يتأخَّر في التَّرتيب بمقتضى الأصل العامّ في القواعدِ ))(10). وعرّف بأنَّه (( تغيير لبنية التَّراكيب الأساسيَّة أو هو عدول عنِ الأصلِ يكسبُها حرّيَّة ورقَّةً ولكن هذه الحرّيّة غير مطلقة))(11). وبتقريب التَّصوّرات لهذه التعاريف نقول : إنَّ النِّظام الكلاميّ في لغتنا العربية المؤلَّف من جملة اسميّة وجملة فعليّة يتضمّنُ ركنينِ أساسيّينِ لايستغني أحدهما عنِ الآخر هما : المسند والمسند إليه ، ففي الجملة الاسميَّة يكون المبتدأ هو المسند إليه والخبر هو المسند ، فالنِّظام التَّأليفيّ للجملة الاسميّة يتكوّن من (مسند إليه ومسند) ، وفي الجملة الفعليَّة يكون الفعل هو المسند والفاعل هو المسند إليه ، فالنِّظام التَّأليفيّ للجملة الفعليّة يتكوَّنُ من ( مسند ومسند إليه ). فأيّ خروجٍ عن هذا التَّأليف يندرج ضمن أسلوب التّقديم والتّأخير ؛ بمعنى حدوث انزياح عن النِّظام التأليفيّ ،وتبادل مواقع الكلام وهذا الخروج يكون لعللٍ وأسبابٍ ذكرها علماء العربيّة ولا سيَّما البلاغيونَ . ويمكن تبيان هذا الأمر في الفرق بين النَّظمينِ القرآنيَّين ، قوله تعالى : (( الحمدُ لله ربِّ العالمين ))( الفاتحة / 2) ، وقوله تعالى : (( فللهِ الحمد ربِّ السَّموات وربِّ الأرض ربِّ العالمينَ ))(الجاثية /36) ، فتقديم المبتدأ في النَّظم الأوّل يفيد الإخبار ، وأمَّا تقديم الخبرِ في النَّظْم الآخر فيفيد القصر والتَّخصيص والاهتمام بالمقدَّم. وقد أبان ابن الأثير عن العلّة والهدف من التَّقديمِ والتَّأخيرفي بعضٍ من آياتِ القرآن الكريم منها التَّفنُّن في القول ومراعاة نَظْم الكلام وفواصل الآيات ، ففي تقديم المفعول به ( إيَّاك ) على الفعل والفاعل (نعبدُ) ,و (نستعينُ) ليس للتخصيص والاهتمام بالمتقدّم فحسب ؛ وإنَّما لتأليف الكلام ، فلو قال : نعبدك ونستعينك لم يكن له منَ الحُسْنِ ما لقوله : ((إيَّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعينُ)).(12)
معالم أسلوب التَّقديم والتَّأخير في النَّظْم القرآنيّ الأوَّل : إعجازيّة هذا الأسلوب في النَّظْم القرآنيّ أبان َ عبد القاهر الجرجانيّ عن إعجازيّة هذا الأسلوب في مباحثاته البيانيَة والبلاغيَّة في كتابه ( دَلائل الإعجاز في علم المعاني ) قال في القول في التَّقديم والتَّأخير : (( هو باب كثير الفوائد ، جمُّ المحاسنِ ، واسع التَّصرّف ، بعيد الغاية ، لايزال يَفتَرُّ لك عن بديعةٍ ويفضي بك إلى لطيفةٍ )) (13). وتتجلَّى الإعجازيَّة في هذا الأسلوب في ضوء النّصوص القرآنيَّة المباركة التي وقف عندها أرباب البيان وصنَّاع الكلام ، ففي قوله تعالى : (( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربِّها ناظرة ))( القيامة / 22-23)، تجد أنَّ تقديم الجار والمجرور في هذا أفاد التَّخصيص ، وأن النَّظر لايكون إلَّا لنور الله وحده مع جودة الصِّياغة وتناسق السَّجْعِ . ونبصر زيادة المعنى والتَّخصيص بالمُتقدِّم في قوله تعالى : (( بلِ اللهَ فاعبدْ وكنْ منَ الشَّاكرينَ ))(الزُّمر / 66) ، فتقديم المفعول في هذا لتخصيصه بالعبادة دون سواه ، ولو أخِّر لم يُفِدِ الكلامُ ذلكَ .(14) وتتجلَّى علَّة التَّخصيص للمتقدِّم في قوله تعالى : (( لكم دينكم ولي دينِ))( الكافرونَ/ 6) ، (( لله مُلْكُ السَّموات والأرْضِ ))(الشُّورى /49) ، (( لا فيها غولٌ))(الصَّافات / 188). وتظهر علّة رعاية الفاصلة القرآنيَّة والنَّسق الكلاميّ في سورة الضُّحى قوله تعالى : (( فامَّا اليتيمَ فلا تقْهرْ وأمَّا السائل فلا تنْهَرْ ))( الضحى / 9-10) وتظهر علّة التَّشويق للمُتَأخّر كتقديم المسند ( الخبر ) شبه الجملة على الاسم كقوله تعالى : (( إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنَّهار لآياتٍ لأولي الألباب ))( البقرة /164). ونختم هذا المعلمَ بمباحثة بيانية لعبد القاهر الجرجانيّ أبان فيها عن إعجازية هذا الأسلوب ففي قوله تعالى : (( فقالوا أبشرًا منَّا واحدًا نتَّبِعْهُ إنَّا إذًا لفي ضلال وسعر))(القمر / 24) ، قال (( وذلك لأنَّهم بنَوا كفرهم على أنَّ مَنْ كان مثلهم بشرًا ، لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاعَ وينتهي إلى ما يأمر ويصدق أنَّه مبعوث من الله تعالى وأنَّهم مأمورون بطاعته ))(15). فنظم الآية كشف نفسية هؤلاء الكفرة وتقديم المفعول به زهو : بشر بيَّن ما عليه نفوسهم من الكبر والغرور ، إذ كيف يتفوّق عليهم بشرٌ ، وتكون النبوة ويكون الاصطفاء متلبس بالنَّبيّ محمد صلى الله عليه وآله.(16). الثاني : التقديم بحسب دلالات الألفاظ والمقام والسّياق في النَّظم القرآنيّ في هذا القسم من التقديم سيكون النَّظر إلى دلالات الألفاظ من جهة شرافتها ورتبتها وقدمها وذاتيّتها ،وهي لا ترجع إلى المسند والمسند إليه وإلى متعلّقات الفعل وإنّما إلى أمور كثيرة أوصلها بدر الدِّين الزَّرْكشيّ على خمسة وعشرينَ أمرًا (17)، منها : 1- السَّبْقُ الزَّمنيّ : كقوله تعالى : (( ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ))(الأحزاب / 7) ، فقدَّم نوحًا على إبراهيم وإبراهيم على موسى وموسى على عيسى على وَفْق السَّبْق الزَّمني.. 2- العدد بحسب التَّسلسل : كقوله تعالى : (( ما يكون من نجوى ثلاثة إلَّا هو رابعهم ولا خمسة إلَّا هو سادسهم ))(المجادلة / 7). 3- العلّة والسَّببيَّة : كقوله تعالى : (( إيَّاك نعبدُ وإيَّاكَ نستعينُ ))( الفاتحة /5)، فقدّم العبادة ؛ لأهميتها ولكونخا سببًا في حصول العونِ منَ الله جلَّ جلالُهُ. 4- التَّعظيم : كقوله تعالى : (( ومنْ يُطعِ اللهَ والرَّسولَ ))(النساء / 69) . 5- اعتبار الكَثْرة : كقوله تعالى : (( ثمَّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنافمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ))(فاطر / 32)، فقدَّم الظالمَ لكثرته ثمَّ المقتصد ثم السابق بالخيرات وهو أقلَّهم . 6- التَّحقير والتَّبئيس : كقوله تعالى : (( صراط الَّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّينَ ))( الفاتحة / 7) ، فقدّم اليهود ( المغضوب عليهم ) ؛ لأنَّهم كانوا أسبق منَ النَّصارى ولأنَّهم كانوا أقربَ إلى المؤمنين بالمجاورة . 7- لحاظ التّرتيب الفعليّ : كقوله تعالى : (( يا أيُّها الَّذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ))(المائدة/ 6) ، فقدّم الوجوه على الأيدي ؛ لإفادة التَرتيب
والحمد للَّهِ ربِّ العالمينَ وصلَّى اللَّه على محمد وآله الأطهار
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|