انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي
07/04/2021 20:09:58
المحاضرة التَّاسعةُ – الإنشاءُ غير الطَّلبيّ والطَّلبيّ في النَّظْمِ القُرْآنيّ
أ.د. رحيم كريم عليّ الشَّريفيّ
? بسمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ
الإنْشاء مقاربةٌ تأصيليَّةٌ بعد أن انتهينا من الكلام عن الخبر في النَّظْم القرآنيّ وما يتصل به حان الحينُ أن نتحدَّثَ عنِ الإنشاء والجملة الإنْشائيَّة وقسمي الإنشاء غير الطَّلبيّ والطَّلبيّ ثمَّ الحديث عن مباحثَ كلِّ قسمٍ منهما . الإنشاء لغة قال ابنُ فارسٍ : (( النُّونُ والشّين والهمزة أصْلٌ صحيحٌ يدلُّ على ارتفاع ٍ في شيء وسمُوٍّ ... وأنْشَأ فلانٌ حديثًا ، وأنشأ ينْشِدُ ويقولُ))(1).وقال الرَّازيّ : (( أنشأه الله خلقه ...وأنشأ يفعلُ كذا أي : ابتدأ ))(2). من هنا فإنَّ الإنشاء لغة الخلق والإبداع والإيجاد . الإنشاء في الاستعمال القُرْآنيّ في ظلِّ معاينة بياناتِ الرَّاغب الأصفهانيّ في الأنساق المفهوميَّة لمشتقات مادة (نشأ) في النَّظْم القرآنيّ تحصَّل لدينا ما يأتي : 1- إحداث الشَّيء وتربيته ، قال تعالى : (( ولقد علمتم النَّشْأة الأولى ))(الواقعة 62). 2- القيام بالشَّيء والانتصاب له وتأديته ، قال تعالى : (( إنَّ ناشئة اللَّيل هي أشدُّ وطأً ))(المزَّمِّل 6) . 3- الإيجاد والابداع والاختراع ، قال تعالى : (( قلْ هو الَّذي أنشأكم وجعل لكم السَّمع والأبصار ))(الملك 23) ، وقوله تعالى : (( هو أعلم بكم إذ أنشأكم منَ الأرضِ ))(النَّجْم 32) ، وقال تعالى : (( ثمَّ أنشأناه خلقًا آخرَ ))(المؤمنون 14) ، وقوله جلَّ مجده : (( ينشيء النَّشأة الآخرة))( العنكبوت 20) ، وقوله جلَّ جلالُهُ : (( أفرأيتم النَّار الَّتي تُورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحنُ المُنْشِئونَ ))( الواقعة 71-72) ، فهذه الشَّواهد القرآنيَّة كلّها في الإيجاد المختصّ بالله جلَّ وعزَّ .(3) الإنشاء في اصطلاح البلاغيّينَ يكاد يتفق البلاغيونَ أَّنَّ الإنشاء كلّ كلام لايحتمل الصِّدْق والكذب لذاته (4) ؛ بمعنى أنَّ الإنشاء لايدلُّ على حصول أمرٍ ، بل من حقيقة الطَّلب أن لا يكون مطلوبًا مع كونه معدومًا في حال طلبه ؛ ليتحقَّقَ الطَّلبُ في حقِّهِ ، فإذن ماهيتَ استدعاء أمرٍ غير حاصلٍ ليحصُلَ .(5) فهو نوعٌ منَ الكلامِ يُنْشِئهُ صاحبه بدءًا ، دون أن تكون له حقيقة خارجيَّة أو نسبة خارجيَّة تطابقه أو لا تطابقه ، توافقه أو لا توافقه ؛ من هنا فإنَّه بهذا اللِّحاظ لا يتَّصف بالكذب ولا بالكذب ، فالجملة الإنشائيَّة موضوعة للدَّلالة عن تعبير أمْرٍ نفسيّ غير قصْد الحكاية ، ولم توضع لإيجاد المعنى في الخارج .(6)
قسما الإنْشاء ينقسمُ الإنشاء إلى نوعينِ : إنشاء طلبيّ ، وإنشاء غير طلبيّ ، وسنقدّم الإنشاء غير الطَّلبيّ استعراضًا لقلّة ورود شواهد أقسامه في النَّظْم القرآنيّ بالقياس إلى شواهد أقسام الإنشاء الطَّلبيّ التي تتطلب عرضًا وبيانًا وتكشيفًا ؛ لاهتمام البلاغيّينَ به بسبب تنوّع أساليبه والتَّفنُّنِ في التَّعابير المجازيَّة عن المعاني والدَّلالات المختلفة . ويرى الدكتور أحمد مطلوب إخراج الإنشاء غير الطَّلبيّ منَ الدَّرْس البلاغيّ وإدخاله في الدَّرْس النَّحْوِيّ ؛ لكون أساليبه خبريَّة في الأصْل ، ولا يراد بها الخبر أيضًا ؛ لأنَّها لاتحتمل الصِّدْق ولا الكَذِب ، ولذلك لم توضعْ في الخبر ، ولايهتمُّ البلاغيونَ بهذه الأساليب الإنشائيَّة ؛ لقلَّة الأغراض المتَّصلة بها ولأنَّ معظمها أخبارٌ نقلت من معانيها الأصليَّة . (7) من هنا فإنَّ لا نميل إلى هذا الزَّعْم ولا يمكن قَبوله ألبتةَ وهو ما ذهب إليه الدكتور بن عيسى بطاهر (( نظرًا لحاجةِ البليغِ إلى الكثير من أساليب الإنشاء غير الطَّلبيّ في نَظْمِ الكلامِ ، والتَّعبير عنِ المعاني الَّتي تجولُ بالنَّفْسِ ، فمثلًا : كيف يمكنُ الاستغناء عن أُسلوبِ التَّعجُّبِ في الكلام البليغِ ، وهو أُسلوب لا غِنى عنه في كلامنا ))(8). القسم الأوّل : الإنشاء غير الطَّلبيّ وهو ما لا يستدعي مطلوبًا غير حاصلٍ وقت الطَّلب (9) ، بمعنى : أنَّ تحقُّقَ وجودُ معناه في الوقت الَّذي يتحقَّقُ فيه وجود لفظهِ ، فإذا قال شخصٌ لآخرَ : أبايعُكَ على السَّمْع والطَّاعةِ ، فإنَّ معناه يتحقَّقُ وقتَ التَّلفُّظِ بكلمة : أبايعُكَ .(10) وينقسم الإنْشاء غير الطَّلبيّ إلى خمسة أساليبَ ، هي 1- أسلوب المدح والذَّمّ ويؤدَّى المدحُ بمجموعة من الألفاظ المدحيَّة نحو : نِعْمَ ، حَسُنَ ، حبَّذا ، طاب ، جاد ، فاق وغيرها قال تعالى : (( ولدار الآخرة خيرٌ ولنعم دارُ المتَّقينَ ))(النَّحْل 30) ، وقوله جلَّ جلاله : (( نعم العبد إنَّه أوَّابٌ ))( ، وكقوله تعالى (( وحَسُنَ أولئك رفيقًا ))(النِّساء 69). أمَّا الذّمُّ فيؤدَّى بمجموعة منَ الألفاظ الذَّميَّة نحو : بِئْسَ ، سآءَ ، لاحبَّذا ، خَبُثَ وغيرها ، قال عزَّ وجلَّ : (( حهنَّم يصلونها وبئس القرار ))(إبراهيم 30) ، ونلمح التَّلاحُق الذّمّيّ في قوله جلَّ مجدُهُ : (( يدعوا لَمن ضرّه أقرب من نفعه لَبِئْسَ المولى ولَبِئْسَ العَشيرُ ))(الحجّ 13) ، وقوله تعالى : (( خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حِمْلًا ))( طه 101) ، وقوله تعالى : (( والبلد الطّيب يخرج نباته بإذن ربّه والَّذي خَبُثّ لايخرجُ إلَّا نَكِدًا ))(الأعراف 58). وليس بخافٍ أنَّ هذا الأسلوب يمثِّل سبائك وقوالب قرآنيَّة معجزة تدلُّ على قوّة المدح ووصوله إلى الذُّرْوة في سياق المدح والإطراء ، وقوَّة الذَّمِّ ووصوله إلى أعلى درجات الإيلام ومراقي التَّحقير والتَّخسيس ، وتتجلّى هاته السَّبيكة من كون هذا الأسلوب يتألَّفُ من فعل المدح أو فعل الدح ثمَّ الفاعل ثمَّ المخصوص بالمدح أوِ المخصوص بالذَّمِ (11). 2- أُسْلُوبُ التَّعجُّبِ التَّعجّب هو (( الدَّهْشُ منَ الشَّيْءالخارج عن نظائره المجهول سببُهُ ، وقد قيل إذا ظهر السَّببُ بطُلَ العجبُ واللَّفظ الموضوع له بحقِّ الأصْل ( ما أفعلَهُ) ، فأمَّا ( أفعلْ به) فمعدول به عن أصْلِهِ ))(12).وذكر الرَّاغب الأصفهانيّ أنَّ العَجَبَ والتَّعجُّبَ : حالةٌ تعرض للإنسان عند الجهلِ بسبب الشَّيء .(13) جاءت صيغة ( ما أفعلَهُ ) في النَّظْم القرآنيّ مرَّتينِ ، قال تعالى : (( أولئك الّذين اشتروا الضَّلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النَّار))(البقرة 172) ، فالغرض منَ الآية المباركة أنْ يدلَّنا على أنَّ الكفَّار حلُّوا محلَّ منْ يُتعجَّبُ منه ، فهو تعجيبٌ لنا منهم ، وحبسوا أنفسهم على عمل أهل النَّار بدوامهم عليه .(14)والموضع الآخر قوله تعالى : (( قُتِلَ الإنسان ما أكفرَهُ ))( عبس 17)، فثمَّة تعجيب من مبالغة الإنسان في الكفر وستر الحقِّ الصَّريح وهو مدبّرٌ بتدبير الله لايملك شيئًا من تدبير أمره غيره تعالى .(15) ووردت صيغة ( أفعلْ به) في النَّظْم القرآنيّ مرَّتينِ ، قوله تعالى : (( له غيب السماوات والأرض أبْصِرْ به وأسْمِعْ ما لهم من دونه من وليّ ولا يشرك في حكمه أحدًا ))(الكهف 26) ، في ظلال هاته الآية المباركة وردت صيغة ( أفعلْ به ) ؛ لتدلَّ على التَّعجُّبِ من إدراكه سبحانه وتعالى المسموعات والمبصرات ، أي : كمال بصره وسمعه ؛ لتتميم التَّعليلِ. والموضع الآخرُ قوله جلَّ مجدُهُ : (( أسْمِعْ بهم وأبْصِرْ يوم يأتوننا لكن الظَّالمون اليوم في ضلال مبينٍ ))( مريم 38)، فالمراد أنَّ أسماعهم وأبصارهم يومئذٍ جديرةٌ بأن يتعجَّبَ منهما بعد ما كانوا صُمًّا وعُمْيًا في الدُّنيا ، وقيل : معناه التَّهديد بما سيسمعون ويبصرون ممَّا يسوء بصرهم ويصدّع قلوبهم .(16). وقد ورد التَّعجُّب في النَّظْم القرآنيّ بغير هاتينِ الصِّغتينِ ، من ذلك قوله تعالى : (( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ))(البقرة 28) ، وهو من باب خروج الاستفهام عن غرضه المحوريّ ( طلب الفَهْمِ) إلى التَّعجُّب والدَّهْشَة ، ومنه قوله تعالى : (( سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ))(الإسراء 43) ، وقوله تعالى (( سبحانَ الله عمَّا يصفونَ ))(الصَّافات 159) . وقد يتعجَّبُ في النَّظْم القرآنيّ بمشتقات مادة ( عجب) قال جلَّ جلالُهُ : (( وإنْ تعجبْ فعجبٌ قولُهم أإذا كنَّا ترابًا أإنَّا لفي خلق جديد ))(الرَّعْد 5) ، وقوله عزَّ وجلَّ : (( وإذا رأيتهم تُعجبكَ أجسامُهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ))( المنافقون 4) . دَلالةُ التَّعجُّبِ والانْدهاشِ في ساحته وحقِّه جلَّ جلالُهُ ثمَّة مسألةٌ نودُّ الإشارة إليها أنّ التَّعجُّبَ في النَّظْم القُرْآنيّ بلحاظ صفاتيَّة الخالق العظيم جلَّ جلالُهُ أيقع منه التَّعجُّب أم لا يقع ؟ ، وقع انقسم الأصوليُّون والمفسِّرون والمتكلِّمونَ فضلًا عما زاده النحويُّون والبلاغيُّونَ من بيانات ومناقشات فريقينِ ، الأوَّل : يقول بالجواز ، والثَّاني : يردُّ هذا الرَّأي بتفسير أن التَّعجُّبَ استعظام يصْحَبُه الجهلَ ( خفي سببُهُ ) والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك ، ولذلك استحسنوا واستلطفوا صنيع الزَّمَخْشَريّ ، إذ عبَّر عنه بـ ( التَّعجيب ) ؛ بمعنى : أنَّ التَّعجُّبَ مصروفٌ إلى المخاطَبِ ، وقد أخذ المفسِّرون والأصوليُّونَ بمصطلح التَّعجيب إذا كانت ألفاظ التَّعجُّب صادرةٌ من اللهِ تعالى .(17) ولهذا اسْتَبْعدَ الفخرُ الرَّازيُّ (ت 606هـ) نسبةَ التَّعجُّبِ إلى اللهِ سبحانه وتعالى ، فذكر أنَّه وردت في القرآن ألفاظٌ دالَّةٌ على صفاتِ لا يمكنُ إثباتُها في حقِّ الله تعالى ، وعدَّد صورًا منها ، هي : الاستهزاء ، المكر ، الغضب ، الحياء ، التَّكبُّر .(18). 3- أُسْلُوبُ القَسَمِ منَ الأساليب الإنشائيَّة غيرِ الطَّلبيَّةِ أسلوب القسم ويؤدَّى بصيغٍ كثيرة منها : أقسمُ بالله فعلتُ ، أحلِفُ باللهِ لأفعلنَّ ، أُشْهِدُ اللهَ لأفعلَنَّ ، يمين اللهِ لأقومَنَّ ، أيمُ الله لأُدافعنَّ وغيرها .(19)كقوله تعالى : (( لَعمرُكَ إنَّهم لفي سكرتهم يعمهونَ ))(الحِجْرُ 72) ويؤدَّى بالأدوات ( الواو والتَّاء والباء ) قال تعالى : (( والضُّحى واللَّيل إذا سجى ))(الضُّحى 1-2) ، وقوله جلَّ جلالُهُ : (( قالوا تاللهِ إنَّك لَفي ضلالك القديم ))( يوسف 95) . وقد يؤدَّى القسم بمشتقات مادة ( قسم ) ومشتقات مادة ( حلف) في النَّظْم القرآنيّ من ذلك اجْتماع الفعل ( أقْسَمُوا) وحرف القسم ( الباء) في أربعة مواضعَ (20) ، منها قوله تعالى : (( وأقسموا باللهِ جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنَّ بها ))(الأنعام 109) . 4- أُسْلُوبُ التَّرجِّي ( الرَّجاء) التَّرجِّي من الأصْل الثُّلاثيّ (رجو) يدلُّ في أحد معانيه على الأملِ ، ومنه الرَّجاء ، يقال : رجوتُ الأمر أرجوه رجاءً ، ثمَّ يتَّسع في ذلك فربَّما عبِّر عن الخوف بالرَّجاء ، قال تعالى : (( ما لكم لا ترجون لله وَقَارًا ))(نوح 13) .(19)، وقال الفيُّوميّ : (( رجوته أرجوه رُجوًّا على فُعُول أمّلْتُه أو أردْتُه ، قال تعالى : (( لايرجون نكاحًا ))(النُّور 6) ))(21) . ونبصُرُ تعريفًا اصطلاحيًّا معجِبًا عند الرَّاغب وهو يعاين النَّسق المفهوميّ لتصريفات مادة ( رجو) في الاستعمال القُرْآنيّ ، قالى (( والرَّجاء ظنٌّ يقتضي حصولَ ما فيه مَسَرَّةٌ ))(22)، ويرى أيضًا أنَّ الرَّجاء والخوف يتلازمانِ ، واستشهد بقوله تعالى : (( وترجون من الله ما لا يرجون ))(النِّساء 104) ، وقوله جلَّ مجْدُهُ : (( وآخرونَ مُرْجَوْنَ لأمر الله ))(التَّوبة 106) . التَّرَجِّي في اصطلاح البلاغيِّينَ هو طلبُ حصولِ أمر محبوب قريب الوقوع (23)، وهو بِلا شكٍّ قريب من تعريف الرَّاغب المتقدِّم ذكره ، والحرف المحوريّ الموضوع له ( لَعَلَّ) ، قال تعالى : (( يا أيُّها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلَّكم تتقون ))(البقرة 21) ، وقوله تعالى : (( فلعلَّك تارك بعض ما يُوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا انزل عليه كنز أو جاء معه ملك ))(هود 12) . ويؤدَّى التّرجِّي بأفعال الرَّجاء من نحو : عَسَى ، حَرَى ، اخْلَوْلَقَ ، قال جلَّ جلالُهُ : (( فعَسَى اللهُ أنْ يأتيَ بالفتحِ أو أمْر من عنده ))(المائدة 52) . ويؤدَّى أيضًا بتصريفات مادة ( رجو) في النَّظْمِ القرْآنيّ ، قال جلَّ مجدُهُ : (( وترجون من الله ما لايرجون وكان الله عليمًا حكيمًا ))(النِّساء 104) ، وقوله تعالى (( وآخرون مُرْجَوْن لأمر الله إمَّا يتوب عليهم واله عليم حكيم ))(التَّوبة 106). دَلالةُ التَّرجِّي والرَّجاء في ساحة اللهِ تعالى وحقِّه من المسائل المهمة التي استعرضها المتكلِّمونَ والأصوليُّونَ وكذلك البلاغيُّونَ والمفسِّرونَ هل يقع التَّرجِّي في حقِّه جلَّ جلالُهُ أم لا ؟ والَّذي يظهر أنَّ التَّرجّي يجبُ حمله على المجاز من جهة المخاطَب أو صدور هذا الوصف منه جلَّ جلاله من باب التمثيل ، وهذا ما أبانَ عنه يحي بن حمزةَ العلويّ قال : (( لمَّا كان التَّرجِّي في حقِّ مَنْ هة عالمٌ بالكلِّيَّات والجزئيَّات مستحيلًا ، وجب حملها أي : ( لعلَّ) على المجاز ، إمَّا من جهة الاستعارة وهو أنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلق الخلقَ ومكَّنهم من فعل الخير والشَّرِّ ولطُفَ لهم بأنواع الألطاف الخفيّة وقرَّبهم إلى التَّقْوى كانوا من أجل ذلك كمَنْ يُرْجَى منه حصولُ التَّقْوى ، وكمَنْ يُتصوَّرُ منه معقول صورتها ، وإمَّا من جهة التَّمثيل وهو أنَّ الله تعالى – لمكان رحمته ورأفته بخلقه – نزَّل نفسَهُ على جهة الملاطفة منزلة مَنْ هو غيرُ عالم بحقيقة الحالِ ؛ ليستدرجَهم إلى إيجاد التَّقْوَى ، فكان لفرط الملاطفة مثَّلَ أنفسهم ؛ لأنَّهم غير عالِمِينَ بحقيقة العاقبة ))(24). 5- أساليبُ العُقُودِ وهي الأساليبُ المستعملةُ في إنشاء عقود البيع وعقود النِّكاح والطَّلاقِ والعهود والمكاتبات وأوامر الرِّق والتَّعيين والإقالة والخلع والرَّفض ، فضلًا عن عبارات البيعة والتَّولِّي . من هنا تنوَّعت الصيغ والعقود ، نذكر منها : (25) بعتُك ، اشتريتُ ، زوَّجتك ، طلَّقْتُ ، وهبْتُ ، أعْتَقْتُ ، عبدى حرٌّ لوجه اللهِ ، بايعتُ الإمام الحقِّ ، فسخْتُ العقدَ ، خُلِع فلانٌ ، أوفى فلانٌ بالعَهْدِ ، قَبِلْتُ بحكمِ الرَّشيد ، وغيرها . ويمكنُ استشراف شواهد قرآنيَّة تدلُّ على هاته الأساليب ،إذ نلمحُ فيها أفعالًا كلاميَّة تؤدِّي قوة إنجازيَّة وتأثيريَّة في الخطاب القرآنيّ ، قوله تعالى : (( براءة من الله ورسوله إلى الَّذين عاهدْتم منَ المشركينَ ))( التَّوبة 1) ، وقوله جلَّ جلاله : (( إلَّا الذين عاهدتم من المشركين ))(التَّوبة 4) ، وقوله تعالى : (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشَّجرة ))( الفتح 18) ، وقوله تعالى : (( إنَّ الذين يبايعونك إنَّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ))( الفتح 10) ، وقوله تعالى : (( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان ))( 89) ، وغيرها . القسمُ الثَّاني : الإنشاءُ الطَّلبيُّ حان الحينُ أن نتحدَّثَ عنِ القسمِ الثَّاني منِ الإنشاء وهو الإنشاءُ الطَّلبيُّ ، وقد ألمحنا من قبلُ أنَّ هذا القسم هو الأكثرُ ورودًا وحضورًا في الخطابات الكلاميَّة المتنوِّعة ، ولاسيَّما الخطابُ القرآنيّ ، ويبدو أنَّ تلَّون مباحثه القيِّمة وأنواعه الجليلة وما يتصل بها من لوازمَ ولواحقَ من جهة تعدد الصِّيغ والأدوات والمعاني فضلًا عن كثرة الشَّواهد والأدلَّة في الخطابات وخصوصًا في كتاب اللهِ العزيز . وقد أبان العلويُّ عمَّا تختصُّ مباحث هذا القسم ( الأمر والنَّهْي والاستفهام والنِّداء والتَّمنِّي ) من الحقائق المعنويّة ، وما يتعلَّق بها منَ الخصائص القرآنيَّةِ ، الَّتي منْ أنعم فيها نظرَهُ وفِكْرَهُ ، واسْتَجْمَع في تقريرها خاطرَهُ أطلعتْهُ على حقائق محجوبة تحت أسْتار ، وكشفت له عن وجوه الإعْجَازِ....فإنَّ ملاك الأمر في ذلك له مؤسَّسٌ على علم المعاني وعلم البيان ))(25). ويرى الدُّكتور بن عيسى بطاهر أنَّ اهتمام البلاغيِّينَ بالإنشاء الطَّلبيّ راجعٌ إلى تنوِّع الأساليبِ ، وتفُّنُّنٍ في التَّعابير المجازيَّة المتحصَّلةِ عنِ المعاني المختلفةِ .(26) التَّعريف بـ ( الإنشاء الطَّلبيّ ) يتفق البلاغيُّونَ أنَّ الإنشاء الطَّلبيّ هو ما: (( اسْتَدْعى مطلوبًا غيرَ حاصلٍ وقت الطَّلبِ ))(27). ويرى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ (ت 792هـ) أنَّ الإنشاء الطَّلبيّ وإنِ اسْتَدْعى مطلوبًا إلَّا أنَّ ثمَّة امتناعًا في طلب الحاصِل في الحال والآنِ من هنا فإنَّ إجراء المعنى الحقيقيِّ غيرُ متحصَّلٍ ، ويتولَّدُ بحسب القرائن وأحوال الكلام (28). وتنحصرُ أساليبُ هذا القسم في خمسةَ مباحثَ أو ضروبٍ أو أساليبَ، وهي الأمْرُ و النَّهْيُ والاسْتِفْهامُ والنِّداء والتَّمنِّي المبحثُ الأوَّلُ : بلاغةُ أُسْلُوبِ الأمْر في النَّظْمِ القُرْآنيِّ الأمْر (( طلب فعلٍ غير كفٍّ على جهة الاستعلاء ))(29) ، وتوسَّع العلويُّ في تعريفه مفصِّلًا القول في تبيان قيود التَّعريف ، قال : (( هو صيغة تستدعي الفعلَ ، أوقولُ ينْبىءُ عنِ اسْتدعاء الفعلِ من جهة الغير على جهة الاستعلاء ، فقولنا : صيغة تستدعي أم قول ينبىء ، ولم نقلْ ( افْعَلْ ) ، ( ولتَفْعَلْ ) كما يقوله المتكلِّمونَ والأصوليُّونَ لتدخُلَ جميعُ الأقوالِ الدَّالَّةِ على استدعاء الفعلِ ))(30) . ويتجلَّى في ضوء التَّعريفينِ المتقدِّمينِ أنَّ ثمَّةَ قيدينِ مقترنينِ بهما ، وهما : الأوَّل : دَلالة الوجوب في طلب الفعلِ ، الآخرُ : مراعاة الرُّتبة في تحقُّق حصول الطَّلب فمرتبة المخاطِب ( المتكلِّم) تكون أعلى من رتبة المخاطَب (المتلقِّي) كي يتحقَّقَ فعلُ الوجوبيَّة والطَّلب على سبيل الحتْمِ والإلزامِ . صيغُ الأمر في النَّظْمِ القُرْآنيِّ ثمَّة صيغٌ أربع للأمْر في النَّظْمِ القُرْآنِيّ ، وهي : 1- فعل الأمْر الصَّريح : كقوله تعالى : (( قُل هو الله أحدٌ ))( الإخلاص 1) ، وقوله تعالى (( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ))( البقرة 60) ، وقوله تعالى : (( وأقيموا الصّلاة وآتوا الزَّكاة وأطيعوا الرَّسولَ ))( النُّور 56) . 2- الفعلُ المضارعُ المقرون بـ (لام الأمر الجازمة ) : كقوله تعالى : (( لينفق ذو سَعَة من سعته ))( الطَّلاق 7) ، وقوله تعالى : (( فليكتب وليملل الَّذي عليه الحقَّ وليتَّق الله ربَّه ))(البقرة 282) . 3- اسم فعل الأمر : كقوله تعالى : (( عليكم أنفسكم لا يَضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم ))(المائدة 105) ، وقوله تعالى : (( قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشهدون أنَّ الله حرَّم هذا ))(الأنعام 150) . 4- المصدرُ النَّائبُ عن الفعلِ : كقوله تعالى : (( وبالوالدينِ إحسانًا ))( البقرة 83)، وقوله تعالى : (( فإذا لقيتم الَّذين كفروا فضَرْبَ الرِّقابِ ))( محمد 4). وقد يؤدَّى الأمر بغير هاته الصيغ الأربع ، من خلال تصريفات مادة ( أمر) ، كقوله تعالى (( والَّذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصَّلاة وأمرهم شورى ))(الشُّورى 38) ، وقوله تعالى : (( إنَّ اللهَ يأمركم أن تأدُّوا الأمانات إلى أهلها ))(النِّساء 58) . وظهور الجملة الخبريَّة في الأمر ، قال ابن جنِّيّ (ت 392هـ) : (( ووقع أيضًا لفظُ الخبر في معنى الأمْرِ ، نحو قوله سبحانَه : (( لا تضارَّ والدة بولدها ))(31) ، وقوله تعالى : (( والمطلَّقات يتربَّصْنَ بأنفسهنَّ ثلاثةَ قروء ))( البقرة 228) ، وقوله تعالى (( والوالداتُ يرضعن أولادهنَّ حولينِ كاملينِ ))( البقرة 233) ، وقوله تعالى : (( غفرانَكَ ربَّنا ))( البقرة 285) ، أي : اغفرْ لنا سواء قدَّر الكلام ( اغفر غفرانك ) أو نسألُكَ غفرانَكَ .( 32) خروج الأمْر من الدَّلالة المحوريَّة ( الحقيقيَّة ) إلى الدَّلالة المجازيَّة قد يخرج الأمر من دلالته المركزيّة ( الحقيقيّة ) المحوريّة إلى الدّلالة المجازيَّة ( السياقات التَّوليديَّة الإنتاجيّة ) ؛ بمعاينة السِّياق وقرائن الأحوال والكلام ، وتوسَّع ابنُ فارسٍ والسَّكّاكيّ والخطيب القَزوينيّ والتَّفتازانيّ وغيرهم في سرْد المعاني المجازيَّة التي يخرج إليها الخبرُ (33)، وسنذكر قسمًا منها: 1- الدُّعاء : وهو الطَّلب تضَرُّعًا لله تعالى وتتحقَّقُ هاته الدَّلالة إذا كان الأمر صادرًا من الأدنى رتبةً إلى الأعلى رتبة ، قال تعالى : (( ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصّالحين ))( النَّمل 19) ، وقوله تعالى : (( اهدنا الصراط المستقيم ))( الفاتحة 6) . 2- النُّصْحُ والإرشاد : قال تعالى : (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلينَ ))(الأعراف 199). 3- الإباحة والنَّدْب : أي : التَّردُّد بين الإتيان بالعمل أو تركه ، كقوله تعالى : (( وإذا حللتم فاصطادوا ))( المائدة 2) ، وقوله تعالى : (( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ))( الجمعة 10). 4- التَّعْجِيزُ والتَّيئيسُ : أي إظهار عجز السَّامع وإشعاره باليأسِ مطلقًا ، قال تعالى : (( وإن كنتم في ريب ممَّا نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقينَ ))( البقرة 23). 5- التَّهديد والوعيد : (( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ))(فصِّلَت 40). 6- الإهانة والتَّحقير : قالى تعالى : (( قل كونوا حجارة أو حديدًا ))( الإسراء 50). 7- التَّسوية : أي : أنَّ الأمر سواءٌ أكان هذا أم ذاك ، فهما سواءٌ في الصفات والتَّعامل ، قال تعالى : (( اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ))(الطُّور 16). 8- الامتنان وإظهار الشُّكر قال تعالى : (( فكلوا مما رزقكم اللهُ ))( النَّحْل 114) ، ويرى الدكتور أحمد مطلوب أنّه منَ الإباحة لكن معه شكرٌ وامتنانٌ .(34). المبحثُ الثَّاني : بلاغة أسلوب النَّهْي في النَّظْمِ القرآنِيِّ النَّهْيُ المنعُ والتَّرْكُ قال ابنُ فارسٍ : (( طلبَ الحاجة حتَّى نَهِيَ عنها : تركها ، ظَفِرَ بها أمْ لمْ يَظْفِرْ ، كأنَّه نَهَى نفسَهُ عن طَلَبِهَا ))(35). وأضاف الفيُّوميُّ دَلالة الانتهاء والغاية في بلوغ المنع والتَّرْك ، قال ((نهيته عنِ الشَّيء أنهاه نهيًا فانتهى عنه ، ونهوته نَهْوًا ، ونهى اللهُ تعالى أي حرَّمَ ... ونهاية الشَّيء أقْصاه وآخِرُهُ ...وانتهى الأمْرُ بلغ النِّهايةَ ))(36) . وتوسَّع الرَّاغب في استعراض دَلالات مشتقَّات مادة (نهى) بحس النَّسق المفهوميّ لها في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ(37) ، منها : • الزَّجْرُ عنِ الشّيء قال تعالى : (( إرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى ))(العلق 9-10). • المنع في القول والفعل، إذ لا فرقَ بين أن يكون بالقول أو بغيره ، نحو قوله تعالى : (( ولا تقربا هذه الشَّجرة ))( البقرة 35) . • المنع والتَّرْك يكون تارةً باليد وتارة باللِّسانِ وتارة بالقلبِ ، قال تعالى : (( أتنهانا أن نعبدَ ما يعبدُ آباؤنا ))(هود 62) . • بلوغ الغاية في الطَّلبِ ومنه العقل النَّاهي عن المفاسدِ والقبائحِ ، قوله تعالى : (( إنَّ في ذلك لآياتٍ لأولي النُّهى ))(طه 54) . النَّهْيُ في اصطلاح البلاغيِّينَ هو عبارةٌ عن قولٍ يُنْبِىءُ عنِ المَنْعِ من تحقُّقِ الفعلِ على جهةِ الاسْتِعْلاء ، كقولك : لَا تَفْعَلْ ، ولا تَخْرُجْ .(38) أو هو طلبُ الكفِّ عنِ الفعْلِ استعلاءً ، وله حرفٌ واحدٌ وهو ( لَا الجازمة الطَّلبيَّة ) في نحو : لا تأْخُذْ ، وفي عرف النَّحْوِيِّينَ تسمَّى الصيغةَ نفسَها نهْيًا في أي معنى استعمل كما يسمَّى ( افْعَلْ ) أمْرًا .(39) وقد يؤدَّى النَّهْيُ بغير الصِّيغةِ الرئيسة ( لَا الجازمة الطَّلبيَّة ) مع الفعلِ المُضارِعِ ، بلحاظِ مشتقَّات الأصْلِ ( نهي) ، ( حرم) ، وقد وردت مشتقات هذينِ الأصْلينِ في الكتاب العزيز ، من ذلك قوله تعالى : (( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ))( النَّحْل 90) ، وقوله تعالى : (( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ))( الممتحنة 9) ، وقوله تعالى : (( حرمت عليكم الميتة والدَّم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ))( المائدة 3) ، وقوله تعالى : (( وحرمنا عليه المراضع من قبل ))( القصص 12). خروجُ دَلالة النَهْيِ الحقيقيَّة ( المحوريَّة ) إلى الدَّلالة المجازيَّة تخرجُ دَلالة النَّهْي الحقيقيَّة المحوريَّة ( المنع والتَّرْك والحظْر والتَّحريم ) على سبيل الحَتْمِ والإلزامِ إلى دَلالاتٍ وأغراضٍ مجازيَّة ثانويَّة ( سياقات توليديَّة إنتاجيّةٍ ) تظهرُ بمعاينة سِيَاقِ الكلامِ وقرائن الأحوالِ ، وسنذكر قسمًا من هاته الدَّلالات المجازيّة .(40) 1- الدُّعاء : التَّضرُّع إلى الخالق العظيم ، وتظهر هاته الدَّلالة وتتحقَّق إذا كان الخطابُ صادرًا من الأدنى إلى الأعلى ، كقوله تعالى : (( ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ))( آل عمران 8) ، وقوله تعالى : (( ربنا ولا تحمل علينا إصْرا كما حملته على الذين من قبلنا ))( البقرة 286) . 2- الإرشاد والنُّصْح : قال تعالى : (( يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ))( المائدة 101) ، وقوله جلَّ مجدُهُ : (( ولا يأب كاتبٌ أن يكتب كما علَّمه اللهُ ))( البقرة 282). 3- العطْفُ والالتماس : ويكون بين صادرًا من متكلِّم مساوٍ فيي الرُّتبة مع السَّامع ، أو بين أخٍ وأخيه ، كقوله تعالى : (( قال يابنؤمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ))(طه 94) . 4- التَّعْجِيزُ والتَّيْئِيسُ : كقوله تعالى : (( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )) (التَّوبة 66) . 5- بيانُ العاقبةِ والمآلِ : قوله تعالى : (( ولا تحسبنَّ الله غافلًا عمَّا يعمل الظَّالمونَ ))(آل عمرانَ169) . 6- التَّأنيسُ والأطمئنانُ : قال تعالى : (( لا تحزنْ إنَّ اللهَ معنا ))( التَّوبة 40) . المبحث الثالث : بَلَاغَةُ أُسْلُوبِ الاسْتِفْهَامِ في النَّظْمِ القُرآنيّ الاستفهامُ هو : (( طلبُ الفَهْمِ ))(41) . وعرَّفه العلوِيُّ كاشفًا الفرقَ بيته وبين الأمر فالاستفهام : (( طلبُ المرادِ منَ الغيرِ على جهة الاستعلام ، فقولنا : طلب المراد عام فيه وفي الأمر . وقولنا : على جهة الاستعلام يخرجُ منَ الأمْرِ ، فإنَّهُ طلبُ المرارعلى جهة التَّحْصِيلِ والإيجادِ ))(42) .وأبان سعدُ الدِّينِ التَّفْتازانيُّ (ت 792هـ) عن دَلالتي التَّصْديق والتَّصوِّر في تعريف الاستفهامِ ، قال : (( طلبُ حصول صورة الشَّيء في الذِّهْنِ فإن كانت تلكَ الصُّورةُ وقوعَ النِّسْبَةِ بينَ الشَّيْئينِ أو لا وقوعها فحصولها هو التَّصْديق وإلَّا فهو التَّصوِّرُ ))(43) . وأدوات الاستفهامِ اثنتا عشْرَةَ ، قال أبو البركاتِ الأنْباريِّ (ت 577هـ) : (( إن قال قائلٌ : كَمْ حروفُ الاستفهامِ ؟ قيل : ثلاثةُ حروفٍ ( الهمزة ، و أمْ ، و هَلْ ) وما عدا هذه الثَّلاثة فأسماءٌ وظروفٌ أُقِيمَتْ مَقَامَها ، فالأسماءُ ( مَنْ ، ما ،كَمْ ، كَيْفَ ) والظُّروفُ ( أينَ ، و أنَّى ، ومَتَى ، وأيُّ ، وأيَّانَ ))(44) . دَلالةُ الاستفهام في النَّظْمِ القرآنيّ لاجَرَمَ أنَّ الدَّلالةَ المركزيَّة المحوريَّة الحقيقيَّةَ لـ (الاستفهام ) – بحسب ما تقدَّمَ ذكره - هي : طلب الفَهْمِ والاستعلام ( نيل الجواب ) عن شيْء مجهول غير معروفٍ ، قال عليٌّ بنُ سليمانَ الحَيْدرة ( ت 599هـ ) : (( إنَّ حكم هذه الأدوات في نفسها أنَّها تقعُ كلُّها سؤالًا عن شيء مجهولٍ إذا كانت استفهامًا ، وتقع تَقْرِيعًا وتوقيفًا وتقريرًا منَ اللهِ تعالى ))(45) . من هنا فإنَّ أكثرَ استفهاماتِ الخطابِ القرْآنيِّ لا تحتاجُ إلى جوابٍ ، قال أبو حيَّانِ الأندلُسيُّ ( ت 745هـ ) في استعراضِ تفسير قوله تعالى : (( فكيف إذا جمعناهم ليومٍ لا ريب فيه ))(آل عمران 25) : (( هذا الاستفهامُ لا يحتاجُ إلى جوابٍ ، وكذلكَ أكْثَرُ استفهاماتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ؛ لأنَّها من عالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ ، وإنَّما استفهامُهُ تَقْرِيعٌ ))(46) . نخلصُ من هذا المتقدِّم أنَّ أكثرَ الاستفهام في النَّظْمِ القرآنيّ ليس حقيقيَّا ؛ لأنَّ الصَّادرَ منه الخِطَاب عالمٌ خبيرٌ لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السَّماء ، فهو استفهام مجازيّ خرج من طلب الفَهْمِ الأصليِّ إلى طلب فَهْمٍ ثانوي ، وهو ماعُبِّرَ عنه بالمعاني أو بالأغراض المجازيَّة الثَّانويَّة أو ما نسمّيها بـ ( السِّياقات التَّوليديَّةِ الإنتاجيَّةِ ) ، وهاته الأغراضُ تفهم وتتحصَّل في ظلِّ السِّياق وقرائن الأحوالِ ، وسنعرضُ قِسْمًا من هاته المعاني أوِ الأغراض المجازيَّة التي عرضها البلاغيُّونَ في القُرْآنِ العَزِيزِ . 1- الاسْتِنكارُ : تعريف السَّامعِ أنَّ ذلكَ المُدَّعَى ممتنِعٌ عليه ، وليس من قُدْرَتِهِ (47) ، قال تعالى : (( قل منْ حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطَّيِّبات منَ الرِّزْق )) ( الأعراف 32) ، ويتجلَّى الإنكارُ التَّوبيخيّ في كون عمل المُخَاطَبِ ( السَّامع ) قبيحًا مذمومًا ، قال تعالى : (( قل أ تعبدون من دون اللهِ ما لا يملكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا واللهُ هو السَّميع ُ العليمُ ))( المائدة 76) . 2- التّعجُّبُ والدَّهْشَةُ : وهو انفعالٌ يَعرِضُ للنَّفْسِ عند الشُّعور بأمرٍ يُخْفَى سببُهُ ))(48) . قال تعالى : (( إذا زُلزِلتِ الأرضُ زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها ))( الزَّلزلةُ 1-3) .وقوله تعالى : (( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ))( البقرة 28) . 3- التَّهْويلُ والتَّخويفُ والتَّفخيمُ : ينقل الاستفهامُ للسّامعِ معنًى فيه الخوف والرَّهْبة والارْتِياعُ ، قال تعالى : (( القارعة ما القارعةُ وما أدراك ما القارعة ))( القارعة 1-3) . وقوله تعالى : (( الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ))( الحاقة 1-3) . 4- التَّقْريرُ والتَّسْليم بالأمْرِ : قال تعالى : (( ألم تر كيف فعل ربُّكَ بأصحاب الفيل )) ( الفيل 1) ، وقوله تعالى (( ألم نشرحْ لك صدرَكَ ))(الشَّرْحُ 1) . 5- الاستئناسُ والتَّشويق والوعد الطَّيِّب : قال تعالى : (( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ))( الصَّف 10). 6- الأمرُ والطَّلبُ : قال تعالى : (( فهل أنتم منتهون ))(المائدة 91)، أي : انتهوا . 7- الوعيد وسوء العاقبة : قوله تعالى : (( الم تر كيف فعل ربُّك بعادٍ ))( الفجر 6). 8- النَّفْيُ والجَحْدُ : قال تعالى : ((هل جزاء الإحْسانِ إلَّا الإحسانُ ))الرَّحمن 60) ، أي : ما جزاء الإحسانِ إلَّا الإحْسانُ . 9- التَّمنِّي : وهو طلب حصول أمر ممتنعٌ حصولَهَ ، قال تعالى : (( فاعترفنا بذنوبنا فَهَلْ إلى خروجٍ مِنْ سبيلٍ )) (غافر 11) .
والحمدُ لله ربِّ العَالَمِينَ وصلَّى اللهُ على محمَّدٍ وآله الطَّاهرِينَ
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|