انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي
07/04/2021 19:52:53
المحاضرة الخامسة في البلاغة القرآنيّة / المؤثرات التي أثرت في تدوين البلاغة القرآنيّة الأستاذ الدُّكتور / رحيم كريم عليّ الشَّريفيّ الثاني : المفسّرُون وعلماء الإعجاز من المؤثِّرات التي أثّرتْ في تدوين البلاغة القرآنيّة المفسِّرون وعلماء الإعجاز ، فهؤلاء من البيانيّين الذين كانت لديهم قدم راسخة في ذكر مباحث بلاغيّة متنوعة في ممارساتهم البيانيّة المتصلة بشرح ألفاظ كتاب الله ( عزّ وجلّ ) واستجلاء دلالات النظم القرآنيّ وكيفيّة أداء الفاظه وجمله ، فضلًا عن ذكر مايتعلق بعلومه المتنوعة والمتعددة ، (( ولكي يستطيع المفسّر أن يقوم بهذا كلّه لابدّ من أن يطّلع على علوم اللغة العربيّة ؛ لينفذ إلى أسرار القول ويغوص على معانيه ، والبلاغة إحدى الوسائل المهمة التي تكشف أسرار الإعجاز وتوجّه الآيات التي لايمكن حملها على الظاهر ، وقد شعر المفسّرون بهذا العمل العظيم فأخذوا يضعون لدراساتهم القرآنيّة مقدّمات بلاغيّة أو يخوضون في مباحثها حينما يتحدّثون عن الآيات وبلاغتها )) (2)، ومن أشهر التفاسير التي عنيت بالمباحث البلاغيّة التفسيريّة تفسير الزّمخشريّ المسمى ب( الكشّاف عن حقائق غوامض التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التَّأويل ) هذا التفسير الذي سلك فيه الزَّمخشريّ مسلكًا دقيقًا أبان فيه عن وجوه إعجاز القرآن الكريم في ظلّ استعراض الأساليب البلاغيّة التي نبّه عليها في ممارسته التفسيريّة لآيات الكتاب العزيز ، فكشف وجوهًا من روائع البيان المعجز وعجيب النظم الرائق المعجزكشفًا يدلّ على ذائقة بلاغيّة معجبة من لدن مفسّر بلاغيّ ضليع بالأدب والبلاغة والبيان يتذوق بلاغة القرآن وأفانين أسلوبه البيانيّ المعجز (3).قال في مقدمة تفسيره مبيّنًا أهمية البلاغة في الدرس التفسيريّ لكتاب الله ( عزَّ وجلَّ) : (( ولايغوص على شيء من تلك الحقائق إلَّا رجلٌ قد برع في علمينِ مختصينِ ، وهما : علم المعاني وعلم البيان ، وتمهّل في ارتيادهما آونةً وتعب في التنقير عنهما أزمنة وبعثته على تتبّع مظانهما همّة في معرفة لطائف حجة الله ن وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظٍّ ، جامعًا بين أمرينِ تحقيق وحفظ كثير المطالعات طويل المراجعات ))(4) . ويرى الطَّاهر ابن عاشور وهو بصدد تبيان استظهار الحقائق البلاغية لدى المفسّر في ممارسته التفسيريّة لآي الكتاب العزيز قال : (( إنَّ مفسِّر القرآن لايعدُّ تفسيره لمعاني القرآن بالغًا حدَّ الكمال في غرضه مالم يكن مشتملًا على بيان دقائق من وجوه البلاغة في آيه المفسَّرة بمقدار ما تسمح إليه الهمّة من تطويل واختصار ، فالمفسِّر بحاجة إلى بيان ما في آي القرآن من طرق الاستعمال العربيّ وخصائص بلاغته ))(5). وقدِ انتقد السكّاكيّ ( ت623ه) المفسّرين الذين لاحظَّ لهم في تعرّف المباحث البلاغيّة ومفتقرفي الإلمام بمباحثها ولاسيَما علما المعاني والبيان ، قال : (( الوقف على تمام مراد الحكيم – تعالى وتقدَّس – من كلامه مفتقر إلى هذين العلمينِ – المعاني والبيان – كلَّ الافتقار ، فالويل كلّ الويل لمَنْ يتعاطى التفسير وهو فيهما راجلٌ )) (6) . أما علماء الإعجاز فهم الذين مارسوا حركة نقديّة في كتاب الله ( عزَّ وجلَّ) ؛ من أجل تبيان إعجازيّته ومزيته وتفوقه على سائر النظوم البيانيّة البشريّة ، فوقفوا على وجوه إعجازيّة كثيرة أوصلها السيوطيّ إلى ثمانين وجهًا ، وهاته الوجوه لايمكن حصرها وعدَها فهي في تزايد وتكوثر ؛ لأنَّ الأصل إلهيّ متجدّد معجِز لايحدُّه وجهٌ ولايُقيُّده اتجاهٌ إذِ الفروع تتبع الأصول ، فكلما كان الأصل عظيمًا حيًّا نشرًا عبيرًا نورًا برهانًا ضياءً تبصرةً ميزانًا مهيمنًا ذكرى حقًّا ذكرًا والأسماء والأوصاف تترى (7)، تعدّدت وجوه الإعجاز وتنوّعت وتلوّنت فتكون مصداقًا لقول الإمام عليّ ( عليه السلام ) : (( وإنَّ القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لاتفنى عجائبه ولاتنقضي غرائبه ، ولاتكشف الظلمات إلَّا به )) (8) ، ومصداقًا لقول الإمام الرضا (عليه السَّلام ) : (( هو حبل الله المتين وعروته الوُثقى وطريقته المثلى المؤدّي إلى الجنَّة والمنجي من النار ، لايُخْلَق على الأزمنة ولايغُثُّ على الألسنة ؛ لأنّه لم يجعل لزمان دون زمان ، بل جعل دليل البرهان والحجة على كلّ لسان : (( لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم خبير )) ( فصلت / 42) (9). والذي يخصُّنا من هاته الوجوه الإعجازيّة ما يتّصل بالوجه الإعجازيّ البلاغيّ الذي يرى أنَّ القرآن معجزٌ ببلاغته فصاحة ألافيظه ودلالاته وبلاغة جمله ونظمه فضلًا عن قدرة نَظْمه على التواصُل المعجز والتراسُل البيانيّ الخالد فهو خطاب بلاغيّ معجز ومنجزومؤثِّر، من هنا تنوّع النظر البيانيّ البلاغيّ المعجز في كتاب الله ( عزَّ وعلا) ، فكانت الدراسات الإعجازيّة علامةً مضيئةً وأمارة منيرة في الدرس القرآنيّ ؛ لما لها من أثر في تجلِّيات التفكير البلاغيّ في كتاب الله العزيز ، فظهرت في منظومتنا التراثيّة القرآنية دراسات في الإعجاز القرآنيّ تعدّ قمة الدراسات في تكشيف الإعجاز القرآنيّ ولاسيما الإعجاز البلاغيّ ، والباصر في تلكم الدراسات الإعجازيّة القرآنيّة أنها لم تغادر الوجه الإعجازيّ البلاغيّ بمصافّ الوجوه الإعجازيّة الأخرى ، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن جلّها جعلت الوجه الإعجازيّ البيانيّ البلاغيّ الأولى والأسمى ، ودونك كتب الإعجاز التي وصلتنا من نحو : بيان إعجاز القرآن لأبي سليمان الخطَّابيّ (ت 388ه)، والنُّكت في إعجاز القرآن لأبي الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانيّ(ت 386ه)، وإعجاز القرآن لأبي بكر محمد بن الطّيّب الباقلانيّ (ت 403ه)، والمغني في أبواب التَّوحيد والعدل لأبي الحسن عبد الجبَّار المعتزليّ الذي خصَّ الجزء السادس عشر من كتابه خاصًّا بإعجاز القرآن الكريم ، وقد ذهب إلى أنَّ القرآن معجِزٌ بنظمه وبلاغته ، والرسالة الشَّافية لأبي بكر عبد القاهِر الجُرجانيّ (ت471ه)، ودلائل الإعجاز في علم المعاني – الذي يختزل اسمه ظلمًا وحيفًا- دلائل الإعجاز ، وكتاب أسرار البلاغة في علم البيان – الذي يختزل اسمه ظلمًا وحيفًا – أسرار البلاغة ، وهما لأبي بكر عبد القاهر الجُرجانيّ أيضًا ، وكتاب نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز لمحمد فخر الدين ابن الخطيب الرازيّ صاحب تفسير ( مفاتيح الغيب ) (ت 604ه) ، والطِّراز المتضمِّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ليَحْيَى بن حمزةَ العلويّ (ت 749ه) وغيرها . ومن القمين بالذّكر أننا أرجأنا الكلام عن النظرالبيانيّ الباصر والتحليل البلاغيّ الباهر عند عبد القاهر الجرجانيّ لأهميّة المطلب وسعته ممَّا يتطلب وقفة تستحقّ التَّأمّل رغبة في تلمّس حقائق بلاغية إعجازيَّة عند الجرجانيّ الذي قدَّم مشروعًا تحليليًّا في الدَّرس الإعجازيّ القرآنيّ فقد كان قمة في النَّظر ومرقاةً في التَّحليل في كتبه البلاغية والإعجازيّة القرآنيّة الذي برهن بأدلّة ساطعة وأمارات عالية أنَّ وقوع الإعجاز في نَظْم القرآن وأنَّ الإعجاز يتعلّق بفعالياته وتعالقات الكَلِم فيما بينها على مستوى مقاصد المعاني وصور الكلام ، (( ولبيان إعجاز القرآن العظيم وجب النَّظر في مسائل التَّقديم والتَأخير والفصل والوصل والاستعارة والكناية والتَّشبيهات وغيرها من أبواب البلاغة ))(9) . وتبدَّى لنا من أجل استيضاح منار البرهان للإعجاز البلاغيّ في هاته الكتب أن ننقل نصّينِ منها ؛ رغبة في الظفر بالحقائق والإمساك بالأسرار فبعد أن عرض الرّمّانيّ وجوه إعجاز القرآن الكريم التي تظهر من سبع جهات اصطفى الوجه البلاغيّ ليكون محطّ القول ومنار الدَّرس قال : (( وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات : ترك المعارضة مع توفّر الدواعي وشدة الحاجة والتَّحدّي للكافة والصرفة والبلاغة والأخبار الصَّادقة عن الأمور المستقبليَّة ونقض العادة وقياسه بكلّ معجزة ، فأمَّا البلاغة ، فهي على ثلاث طبقات : منها ماهو أعلى طبقة ، ومنها ماهو في أدنى طبقة ، ومنها ماهو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة ، فما كان في أعلى طبقة فهو معجِزٌ، وهو بلاغة القرآن ، وما كان دون ذلك فهو ممكّن كبلاغة البلغاء من النَّاس ....وإنَّما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللَّفظ ن فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن ، وأعلى طبقات البلاغة معجِزٌ للعرب والعجم كإعجاز الشعر المفحم ....والبلاغة على عشرة أقسام : الإيجاز والتَّشبيه والاستعارة والتَّلاؤم والفواصل والتَّجانس والتَّصريف والمبالغة وحسن البيان )) ( 10) وقد تناوش الرمانيّ الأقسام العشرة شرحًا وتفسيرًا وانتخابًا لنصوص قرآنيّة من أجل بيان إعجازيَّة النصوص القرآنيّة بلاغيًّا ، فكتب عن بلاغة القرآن ببلاغة تستقي بيانها من النَّظر في الخصائص الأسلوبيّة والتدبر في التعابير القرآنيّة في كتاب الله المنير وفي هذا تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( ت 1419ه ) (( إنَّ الرُّمَّانيّ قدَّم في النكت محاولة جليلة منَ المحاولات الرائدة في التَّصنيف البلاغيّ وتنسيق أبواب ومصطلحات فيه )) (11) ،وسنذكر أمثلة من تلكم النصوص القرآنيّة التي أشار إليها الرّمانيّ في فصول الكتاب القابلة والمتعلّقة بعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع . أمّا النَّصُّ الثاني المتصل باستيضاح الوجه الإعجازيّ البلاغيّ فهو للعلويّ في طرازه ، قال: ((الحمد لله الذي أنطق لسان الإنسان فأفصح بعجيب البلاغة وسحر البيان .....أمَّأ بعد فإنَّ العلوم العربيَّة ، وإن عظُم في الشَّرف شأنها ,وعلا على أوج الشَّمس قدرها ومكانتها ، خلا أنَّ علم البيان أمير جندِها وواسطة عُقُودِها فلكُها المحيط الدائر وقمرها السَّامر الزَّاهر ... وكيف لا وهو المُطْلَعُ على أسرار الإعجاز والمستولي على حقائق علم المجاز ، فهو من العلوم بمنزلة الإنسان من السَّواد والمهيمن عليها عند السَّبْر والحكِّ والانتقاد ...ثمَّ إنَّ الباعثَ على تأليف هذا الكتاب هو أنَّ جماعةً منَ الإخوان شرعوا في قراءة كتاب ( الكشَّاف ) تفسير العالم المحقّق أستاذ المفسِّرين محمود بن عُمَرالزَّمخشريّ ، فإنَّه أسَّسه على قواعد هذا العلم ، فاتَّضح عند ذلك وجهُ الإعجاز من التَّنزيل ... وتحقّقوا أنَّه لاسبيل إلى الاطِّلاع على حقائق إعجاز القرآن إلَّا بإدراكه والوقوف على أسراره وأغواره ، ومن أجل هذا الوجه كان متميِّزًا عن سائر التفاسير ؛ لأنّني لم أعلم تفسيرًا مؤسّسًا على علمي المعاني والبيان سواه ))(11). وخلاصة ما تقدَّم أنَّ الدَّرسينِ التفسيريّ والإعجازيّ قد اعتمدا في بنائهما على أسس لغويّة تبدأ من الحرف إلى الكلمة والتركيب النَّظم ، وهذا ماكان يصنعه علماء النَّحو واللِّغويُّون في تفسيرهم للقرآن الكريم والشِّعْر ، وفي رجوعهم للشِّعْر ليبيّنوا تفوّق القرآن الكريم ، فضلًا عن الانتقال إلى البيان القرآنيّ ، فتشهد المعايير النقديّة على تفوّق القرآن بدرجات لاتعدّ ولا تحصى ، (( وإنَّ المطالع لما كتب في إعجاز القرآن الكريم من دراسات ليشعرَ بأنَّ كلام العلماء في الشِّعْر أصبح ضرورة يقتضيها الكلام في إعجاز القرآن ))(12)، وفي هذا السِّياق يقول الدكتور محمد مشبال : (( إنَّ القراءة البلاغية التي تعتمد الشِّعْر حجة لإثبات شرعيَّة الأسلوب القرآنيّ فتقيس الشَّاهد على الغائب منطلقة من قيمة هذا الغائب وسلطانه على المتلقّينَ ، وإن كانت تتوخَّى الدِّفاع عن النَّصّ الجديد وإظهار خصائصه التَّعبيريَّة ))(13). الثالث : علماء القرآن يتجلَّى التَّشابك المعرفيّ والتداخُل البينيّ في العلوم في ظلّ عناية كثير من الكتب بمعارف علميّة متعددة ومتنوعة ، فمن الكتب التي عنيت بمباحث البلاغة العربيّة كتب علوم القرآن ، فقد كانت لها إسهامة طيّبة في استعراض مباحث بلاغيّة ؛ لأنَّها نظرت في بنية النص القرآنيّ وصميمه وروحه رغبة في استجلاء علومه وفهمه واستنباط مقاصده وتأويلاته يقول الدكتور بو عافية محمد : (( وإذا رجعنا إلى مباحث بلاغة النَّصّ أو علم النّصّ فإنَّ البلاغة العربيّة وعلوم القرآن وعلم الأصول تواجه وحدة لغويَّة أكبر من الجملة رغم تفاوتها في استحضار مقتضيات التَّواصُل أثناء مواجهة الخطاب ))(14). ومن كتب علوم القرآن التي عنيت بالمباحث البلاغيّة كتاب فنون الأفنان في عيون علوم القرآن لابن الجوزيّ( ت597ه) ، والبرهان في علوم القرآن لبدر الدِّين الزَّرْكَشِيّ (794ه) ، ومواقع العلوم في مواقع النُّجوم لسراج الدِّين البَلْقِينيّ (ت 824ه) ، والإتقان في علوم القرآن لجلال الدّين السّيوطيّ (ت 911ه) وغيرها من الكتب . ولنا حاجةٌ أن نستعرضَ أهمَّ علوم القرآن التي ذكرها الزَّرْكشِيّ التي تعدُّ من المباحث البلاغيّة ، قال : (( ولمَّا كانت علوم القرآن لاتنحصر ومعانيه لاتستسقى وجبت العناية بالقدر الممكن ...فاستخرتُ الله تعالى – وله الحمدُ – في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلّم الناسُ في فُنُونه وخاضوا في نكته وعيونه ))(15)، ومن علوم القرآن المتصلة بالبلاغة القرآنيّة التي ذكرها الزَّرْكشِيّ معرفة المناسبات بين الآيات ، ومعرفة الفواصل ، وفي أسرار الفواتح ، وفي خواتم السور ، ومعرفة كون اللّفظ أو التركيب أحسن وأفصح ، ومعرفة الأمثال الكائنة فيه ، ومعرفة وجوه المخاطبات ، وبيان حقيقته ومجازه ، وفي الكناية والتَّعْريض ، وفي ذكر ماتيسّر من أساليب القرآن ، وفي معرفة الأدوات . الرابع : اللُّغويُّون والنحويُّون من المؤثّرات التي أثَّرت في نشأة البلاغة القرآنيَّة وتطوّرها والتَّأليف فيها ما انتجه اللُّغويُّون والنحويُّون من بيانات لغويّة ونحويّة ؛ إذ كانت لهم وقفات محمودة والتفاتات بارعة دخلت كتب البلاغة فيما بعدُ ، ومن أقدم الذين اهتمّوا باللّغة وشواردها والنَّظر في الشّعر واستخلاص قواعده معمر بن المثنَّى (208ه) المعروف بأبي عُبيدة ، وفي كتابه مجاز القرآن كثير من الإشارات إلى فنون البلاغة وأساليب التَّعبير ... وأبو العبّاس المبرِّد (289ه) الذي ذكر كثيرًا من البلاغة في كتابه الكامل في اللُّغة والأدب ، وكان كلامه على التَّشبيه من أوسع ماعرف في عهدِهِ ، وقد صار عمدة البلاغيِّين حينما درسوا هذا الفنّ وقسّموه ومثَّلُوا له .... وأبو الحسين أحمد بن فارس ( ت395ه) في كتابه ( الصَّاحبيّ في فقه اللّغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامِها ) الذي عرض لموضوعات البلاغة ولاسيَّما الخبر والإنشاء ، فقد قسَّم الكلام إلى خبر واستخبار وأمر ونهي ودعاء وطلب وعرض وتحضيض وتمنٍّ وتعجُّب ، فضلًا عن موضوعات بلاغيّة أخرى كالتَّقديم والتَّأخير والحقيقة والمجاز والذكر والحذف والاختصار والزِّيادة والتَّكْرار والاعتراض والإيماء والتَّهكّم والكناية والإفراط والاستطراد والتأكيد وغيرها (17). ويرى الدكتور حمَّادي صمّود أنَّ البحث البلاغيّ المنظم والنَّظر في الأساليب لايتأتَّى إلَّا بعد معرفة دقيقة بقواعد اللُّغة والضَّوابط التي تتحكَّمُ في ما يقوم بين أقسامها من عَلاقات ووصف لتلك الأقسام وفًا تتجلّى به خصائصها .(18) والحقيقة تشهد أنَّ البلاغة عامّة ووالنَّظر في البلاغة القرآنيّة خاصَّة نشأت في أحضان علوم اللِّسان من لدن سيبويه ( 180ه)، ولاسيَّما في كتابه المشهور ( الكتاب ) ، فالنَّاظر في كتابه يجدْ فيه مسائل بلاغيَّة جليّة خاصَّة مايتعلّق بمباحث علم المعاني ومقاصد الكلام ، فضلًا عن استعراضه لبعض الخصائص الأسلوبيَّة والتَّعبيريَّة التي عني بها فيما بعدُ علم المعاني من مثل أحوال الجملة العربية المسند والمسند إليه والتقديم والتّأخير والذكر والحذف والتّعريف والتَّنكير ، زِدْ على ذلك عنايته بالمتكلّم والسّامع وأحوال المقام ومسائل تتعلق بدلالات الحروف وغيرها من القضايا التي تنظر في النظم القرآني خاصّة والنظم البشريّ عامّة . ونبصُر النَّظر البلاغيّ في مدونة الفراء التفسيريّة النحويّة ( 207ه) معاني القرآن الذي ضمَّنها مباحث بلاغيّة قرآنيَّة واضحة الهدف منها رصد ضوابط يسير عليها الكلام العربيّ في تراكيبه مع عنايته بالتَّحليل البلاغيّ الفذّ الذي يدلّ على أصالة في التشريع البلاغيّ والتجديد الأسلوبيّ في النظر في كلام الله تعالى ففي قوله تعالى : (( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينْعِق بما لايسمعُ إلَّا دعاءونداء صمّ بكم عمي فهم لايعقلون ))( سورة البقرة / 171) ، قال الفراء : (( أضاف المثل إلى الّذين كفروا ثمَّ شبّههم بالرَّاعي ولم يقل : كالغنم والمعنى – والله أعلم – مثل الَّذين كفروا كمثل البهائم التي لاتفقه ما يقول الرَّاعي أكثر منَ الصَّوت ، فلو قال لها : ارعي واشربي لم تدرِ مايقول لها ، فكذلك مثل الَّذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن وإنذار الرَّسول فأضيف التَّشبيه إلى الرَّاعي ، والمعنى – والله أعلم – في المرعِي ))(19). وقد كانت كتب هؤلاءِ النحويّينَ أثر في البلاغة ؛ لأنَّها عنيت بالأساليب البلاغيّة العربيّة وذكر كثيرًا منَ المصطلحات التي انسربت في كتب البلاغة وأصبحت مصطلحاتٍ علميّة (20). وكذلك نلمح المسائل البلاغيّة في الكتب النحويّة ولاسيَّما الكتب التي عنت بالتَّحليل النَّحويّ ومارست نقد العبارة في النَّحو العربيّ بآليِّة تقدير الإعراب وتفسير المعنى .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|