انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة 4 - البلاغة القرآنية

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي       07/04/2021 19:49:44
بسم الله الرّحمن الرَّحيم
المحاضرة الرَّابعة في البلاغة القرآنيّة / الدَّواعي والمؤثّرات الَّتي دعت العرب إلى التَّأليف في البلاغة القرآنيَّة
أ.د. رحيم كريم عليّ الشَّريفيّ

في هذا المطلب سنحاول الحديث عن أهمّ الدواعي والأسباب والأهداف التي دعت العلماء العرب إلى التأليف في البلاغة العربيّة بشكل عام والبلاغة القرآنيّة بشكل خاصّ والخوض في الكتابة القرآنيّة ، ثمَّ الوقوف على أهمّ المؤثّرات التي كان لها أثرٌ في التأليف في البلاغة القرآنيّة .
ويبدو لنا أنَّ ثمة دواعيَ اقتضت هذه الممارسة في التأليف والتدوين في البلاغة القرآنيّة
الأوّل: خدمة كتاب الله تعالى وتبيان أسراره البلاغيّة
لايختلف اثنان أنَّ علوم العربية كلّها إن صوتًا وإن صرفًا وإن نحوًا وإن دلالة وإن فقهًا وإن علم كلام وغيرها كان هدفها خدمة القرآن الكريم وتبيان إعجازه وحقائقه وأسراره ومكنوناته ، ويبدو أنَّ هاته الوظيفة في رعاية القرآن الكريم وخدمته وتدبّر آياته قد أشار إليها القرآن الكريم في مواضع عدّة منها ، قوله تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكّر أولواْ الألباب ) ( سورة ص / 29)، وقوله تعالى :( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها)( سورة محمد /24) .
ويبدو لنا أنَّ هذه الخدمة قد تجلّت في مسائلَ مهمّة تتعلّق بالقرآن الكريم قد خامرت عقول المتدبّرين بها ، فقد وجّه سؤال إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى ( ت 209ه) عن التَّشبيه في قوله تعالى : ( طلعها كأنَّه رءُوس الشَّياطينَ) (سورة الصَّافات / 65) إذ رأى السَّائل أنَّ في الآية إشكالًا تمثّل في مخالفة المعهود من مقرّي التَّشبيه وهو الشرح والتبيين والتوضيح ذلك أن التشبيه في ذهن السامع حين يقاس الغائب على الحاضر أو المجهول على المعلوم أو غير المشاهد على المشاهد حتَّى تظهر الصورة وتتضح وتتبين والطرفانِ مجهولانِ ، فلا أحد رأى هاته الشَّجرة وكذلك الشيطان حتى تنعقد المشابهة ، فأجاب بما يفيد أنّ الله تعالى قد أجرى خطابه للعرب على حدّ ما يتعارفونه ممّا تنطق به ألسنتهم ويشيع في كلامهم ، فصورة المشبّه به معروفة بالتنفير والتقبيح والتخويف والتفزيع (1).
وقد أشار أبو هلال العسكريّ ( ى395ه) إلى هذا الهدف السّامي فقال : (( اعلمْ - علّمك الله الخير ودلّك عليه وقيّضه لك وجعلك من أهله – أنّ أحقّ العلوم بالتّعلم وأولاها بالتّحفظ بعد المعرفة بالله تعالى جلّ ثناؤه علم البلاغة والفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى الناطق بالحقّ الهادي إلى سبيل الرّشد ، المدلول به على صدق الرسالة وصحّة النّبوّة التي رفعت أعلام الحقّ وأقامت منار الدِّين...وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أغفل علم العربيّة وأخلَّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ماخصّه الله به من حسن التأليف وبراعة التّركيب وما شحنه من الإيجاز البديع والاختصار اللّطيف وضمّنه من الحلاوة وجلّله من رونق الطلاوة مع سهولة كَلِمه وجزالتها وعذوبتها وسلاستها إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلقُ عنها وتحيّرت عقولها فيها ))(2).
الثاني : تعلّم المسائل البلاغيّة والمباحث البيانيّة القرآنيّة
من الدواعي والأهداف التي دعت المشتغلين في التأليف في البلاغة القرآنيّة الهدف التّعليميّ القائم على تعلّم المسائل البلاغيّة وتذوقها فضلًا عن الوقوف على المباحث البيانيّة القرآنيّة .
ولايخفى أن الابتعاد عن البلاغة وتذوقها ولاسيّما بعد أن شاع الفساد اللُّغويّ وكثرة اللَّحْن أن ظهرت الحاجة وتجلّت الرَّغبة في فهم القرآن الكريم في ظلّ الغوص في بيانيّته المعجزة والوقوف على نَظْمه المعْجِز والنظر الباصر في ألفاظه المختارة المعجزة وانتظامها في نسقٍ عجيب من الاتساق والانسجام والترتيب ؛ لأنَّها السبيل المستقيم والمنهج السديد في التعبير الجيّد واصطفاء الألفاظ الفصحى وممارسة النَّظم الرائق وإنشاء الكلام البليغ فكلّها تمتح من الأسلوب القرآنيّ المعجز والنَّظم البيانيّ المعجز.
وقد فطن الدكتور عبد المحسن القيسيّ لهذا الهدف السامي قال : (( وما أن تأسست هذه العلوم حتّى استقلّت وتغيّرت وظيفتها وأصبحت مسألة فهم عموم القرآن الكريم تحظى باهتمام ثانويّ، فقد انتقل النحو مثلًا من مهمة ضوابط يسيرة يقيم بها المعربون ألسنتهم بعد أن ضاعت السَّليقة العربيّة إلى علم دقيق معقّد ومتطوّر يدرس لذاته فلم يعدّ يقتصر على كونه أداة لصون العربيّة من اللّحْن والزلل ، بينما انتقلت البلاغة لدراسة الفصاحة ...وهي مهمة كانت محصّلتها صيانة العربيّة لصيانة التَّواصُل مع القرآن الكريم وفَهْمه )) (3).
الثالث : الممارسة النقديّة الإعجازيّة
من الأهداف والدّواعي التي حدت بالمشتغلين في التأليف في الحقل البلاغيّ القرآنيّ هي الممارسة النقديّة الإعجازيّة ، وهو ما يصطلح عليه بالهدف النقديّ الإعجازيّ ، فقد مارس علماء الإعجاز هاته الحركة الإعجازية النقديّة للنصّ القرآنيّ ؛ من أجل تبيان إعجازيّة القرآن الكريم وتفوّق نَظْمه المعجز على سائر النُّظوم ، وتكشيف جماليته الإعجازيّة وتمييز نسقه المعجز بإزاء بقية الأنساق والنظوم والتأليفات الأخرى.
وهذا ماتلمسناه في أكثر المدونات البلاغيّة القرآنيّة ، إذ نجد أنَّ مؤلفيها يعقدون الموازنات والمقارنات في بياناتهم التحليليّة البلاغيّة عند النَّظر في النصوص القرآنيّة مع غيرها من النصوص البيانية البشريّة إن شعريةً وإن نثريةً، - وبغض النظر عن صحة تلك المقارنات وممارستها – رغبةً منهم في إجراء ممارسة نقدية دقيقة باصرة لتبيان إعجازيَّة النصّ القرآنيّ وسمّوه وعلوه إن ألفاظًا وإن نَظْمًا وإن بناءً وإن تصويرًا على غيره من النّصوص ، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه ب ( المنهج الاستبداليّ في الدَّرس البلاغيّ الإعجازيّ ) ، وهو أن يقوم المؤلِّف في الإعجاز القرآنيّ بتخيّل لفظة تحلّ محل لفظة قرآنيّة أو تخيّل جملة تحلّ جملة قرآنيّة أو آية متخيّلة محلّ آية قرآنيّة ، فيتسأل في ضوء المناظرة المتخيلة : ما الذي يحدث لو حصل هذا الاستبدال ؟ فيجيب من فوره أنه مداعاة إلى ذهاب الرّونق وسقوط البلاغة ، ومن هاته الممارسات النقديّة الإعجازيّة ما رصدناه من قول الخطَّابيّ قال : (( ثم اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجتمع لها هذه الصّفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه : إما تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام وإمّا ذهاب الرّونق الذي يكون معه سقوط البلاغة )) ( 1).
وقال الرمّانيّ (ت386ه) في معرض حديثه عن قوله تعالى : (( ولكم في القصاص حياة )) (سورة البقرة / 179) : (( وهذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم : القتل أنفى للقتل ، وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز وذلك يظهر من أربعة أوجه : إنه أكثر في الفائدة وأوجز في العبارة وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة وأحسن تأليفًا بالحروف المتلائمة )) ( 2) .
وقال عبد القاهر الجرجانيّ ( 471ه) في تحليل قوله تعالى : (( وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بعدًا للقوم الظَّالمينَ )) ( سورة هود / 44) : (( هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت ، لأدّت من الفصاحة ما تؤدّيه وهي في مكانها من الآية ؟ )) ( 3) .
المؤثّرات التي أثّرت في التّدوين في البلاغة القرآنيّ
في هذا المطلب سنجلي الكلام عن أهمّ المؤثّرات التي كان لها أثر في التَّدوين في البلاغة القرآنيّة ، ومنها:
الأوّل : القرآن الكريم
لاجَرَمَ أنّ نزول القرآن الكريم أهمّ حدث في تاريخ الشعوب العربيّة والعربيّة الإسلاميّة فيما بعد ، فقد غدا (( القرآن قطب الرّحى الذي تدور حوله مختلف المجهودات الفكريّة والعقائديّة للمسلمينَ ....فستقوم حول القرآن ومنه حركة نشيطة تتصل بجملة المشاكل التي طرحها قبل مجيئه في ذلك الوقت المبكر ، وسيكون الأصل في تبلور العديد من العلوم الإسلاميّة التي نعرفها اليوم )) ( 4).
من هنا فإنّ القرآن الكريم كان ذا أثر عظيم في البلاغة ن وقد شغل الناس به وأخذوا يتدارسونه ويوضحون معانيه ويتحدثون عن ألفاظه وتراكيبه وما فيه من فنون وقف العرب أمامها مبهورين وكانت البلاغة من العلوم التي أولوها عناية كبيرة وجعلوها (( أحق العلوم بالتعلّم ,وأولاها بالتّحفظ – بعد معرفة الله جلّ ثناؤه - ؛ لأنّ الإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخلَّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصَّه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب وما شحنه من الإيجاز البديع )) ( 5).
ويرى ابن خلدون ( ت808ه) أنَّ ثمرة علم البلاغة هي في فهم الإعجاز من القرآن ؛ لأنَّ إعجازه في وفاء الدَّلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة ن وهي أعلى مراتب الكلام مع الكمال فيما يختصّ بالألفاظ في انتقائها وجودة رصفها ، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه )) (6 ).
وممّا يتصل بالقرآن الكريم نشوء ممارسات بيانيّة لها صلة وثقى ورابطة مسيسة بالدراسات البلاغيّة ككتب إعجاز القرآن الكريم وكتب معاني القرآن وكتب غريب القرآن وكتب مجاز القرآن وكتب تأويل القرآن وكتب مشكل القرآن وكتب علوم القرآن وغيرها ، وهي تمثّل مداخل معرفيّة وتشابكًا بينيًّا ؛ من أجل تبيان بيانيّة النص القرآنيّ المعجزة والكشف عن بلاغته المعجزة .
ومن أهمّ كتب إعجاز القرآن ( النُّكت في إعجاز القرآن ) للرمَّانيّ ( ت 386ه ) و( البيان في إعجاز القرآن ) للخطّابيّ ( ت388ه ) ، و( إعجاز القرآن ) للباقلانيّ (ت 403ه ) و( دلائل الإعجاز في علم المعاني ) لعبد القاهر
الجرجانيّ ( 471ه) ، و( إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة) لمصطفى صادق الرافعيّ و ( النّبأ العظيم ) لمحمد عبد الله ادراز .
ومن كتب معاني القرآن كتاب ( معاني القرآن ) للفرّاء ( ت207ه ) ، و( معاني القرآن ) للأخفش الأوسط ( ت 210ه) و( معاني القرآن وإعرابه ) للزَّجّاج ( ت315ه)، ومن كتب تأويل مشكل القرآن كتاب ( تأويل مشكل القرآن ) لابن قتيبة الدَّينوريّ ( 286ه) ، ومن كتب مجاز القرآن كتاب ( مجاز القرآن ) لابي عبيدة بن معمر التيميّ ( 209ه) و كتاب ( تلخيص البيان في مجازات القرآن ) للشريف الرضيّ (ت 406ه) .
ومن كتب غريب القرآن كتاب ( مفردات ألفاظ القرآن ) للراغب الأصفهانيّ ( ت502ه) ، و( ألفية العراقيّ في شرح غريب القرآن ) لزين الدّين العراقيّ(ت 806ه) .
وغيرها من الكتب حول القرآن الكريم ونظمه وسوره وأسلوبه والوجوه الكثيرة التي تدلّ على ربّانيّة مصدره وعظمة إعجازه .



والحَمدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم