انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة 2 -البلاغة القرآنيّة مقاربات تأصيليَّة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي       07/04/2021 19:33:36
المحاضرة الثانية
البلاغة القرآنيّة مقاربات تأصيليَّة
الأُستاذ الدُّكتور رحيم كريم الشَّريفيّ

المطلب الثَّاني: القرآنيّة و البلاغة القرآنيَّة
أولًا : القرآنيَّة
في هذا المطلب سنميط اللّثام عن الجزء الثاني من المركّب الوصفيّ ( البلاغة القرآنيّة) وهو الموصوف ( القرآنيّة) ، وكما أجرينا كشفًا عن الجزء الأول البلاغة في محاور ثلاثة في المعجمات اللغوية والاستعمال القرآنيّ وفي كتب المصطلحات ، فإنّنا سنقوم بالإجراء نفسه .
القرآنيّة في المعجمات العربية
القرآنيّة مصدر صناعيّ بإلحاق لاحقة صرفيّة مورفيم صرفيّ مقيّد ( يّة) بالكلمة (القرآن)، ومن هنا فإنّنا سنبيّن دلالة القرآن وأصل اشتقاقه من أجل تعريف الدارس بدلالته وأصل اشتقاقه .
يرى الخليل ( ت 175ه) أن القرآن من قرأ المهموز قال : (( وقرأت القرآن عن ظهر قلب أو نظرت فيه ، هكذا يقال ولايقال : قرأت إلّا مانظرت فيه من شعر أو حديث ، وقرأ فلان قِراءة حسنة فالقرآن مقروء وأنا قارئ )).(1)
وتوسّع ابنُ منظورٍ في مسألة تبِيان أصل اشتقاق القرآن مع المراد من دلالته وهي بيانات معجبة وباصرة قال :(( القرآن : التنزيل العزيز ، وإنّما قُدّم على ماهو أبسط منه لشرفه ، قرأه يقرَؤه ويقرُؤه الأخيرة عن الزجاج قرءًا وقِراءة وقُرآنًا ، الأولى عن اللَّحيانيّ فهو مقروء...ومعنى القرآن معنى الجمع ، وسمّيَ قُرآنًا ؛ لأنّه يجمع السُّور فيضُمُّها وقوله تعالى:(( إن علينا جمعه وقرآنه ))، أي : جمعه وقِراءته ، فإذا قرأناه فاتَّبع قرآنه ، أي قراءته .....وقرأت الشيء قُرآنًا : جمعته وضممتُ بعضه إلى بعض........ومعنى قرأت القرآن : لفظت به مجموعًا أي ألقيته ، وروي عن الشَّافعيّ رضي الله عنه أنه قرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين ، وكان يقول : القرآن اسم وليس بمهموز ، ولم يؤخذ من قرأ ، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل …وقرأت الكتاب قراءة وقرآنًا ومنه سمّي القرآن وأقرأ القرآ ن فهو مُقْريء …وسمّي لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض))(2).
والذي نستخلصه من قول ابن منظور أن من العلماء مَنْ قال : إن لفظة القرآن من الفعل المهموز ( قرأ) وهو قول الزجاج ( ت316ه) وقول اللّحيانيّ أيضًا فهو بمعنى : تلا وقرأ ، وهو ما نرجّحهُ ونشجّعُه بدليل قوله تعالى :(( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه )) سورة القيامة /17-18.
وأن منهم مَنْ قال : إنّه من القرآئن جمع قرينة ؛ لأنّ آياته يضمّ بعضها إلى بعض ويقرن بعضُها بعضًا وهو قول الفراء(ت207ه) (3).
وذهب الشافعيّ ( ت204ه) إلى أن القرآن اسم علم مُرْتَجل وضع علمًا على كلام الله تعالى المنزَل على المخاطَب به النبيّ محمد صلى الله عليه وآله كالتوراة والإنجيل فهو ليس مشتقًّ ولامهموزًا .(4)
ويرى الفيروز آباديّ ( ت 817ه ) أن القرآن التّنزيل قرأه كنصره ومنعه قرءًا وقراءة وقرآنًا فهو قارىء (5).
القرآن في الاستعمال القرآنيّ
في ظلّ الرجوع إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بدا أن مصطلح ( القرآ ن) ورد ( 67) سبعًا وستين مرّة .(6)
ذكر الراغب الأصفهانيّ أن القرآن في الأصل مصدر نحو : كُفْران ورُجْحان ، قال تعالى :( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه )( القيامة /17-18).
وقد خصّ بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وآله فصار كالعلم كما أن التوراة لما أنزل على موسى والإنجيل على عيسى ( صلى الله عليه وآله ) ، قال بعض العلماء :( تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله لكونه جامعًا لثمرة كتبه بل لجمعه ثمرة جميع العلوم كما أشار تعالى : ( وتفصيل كل شيء ) يوسف /111، وقوله تعالى : ( تبيانًا لكل شيء)( النحل /89)، (قرآنًا عربيا غير ذي عوج )(الزمر /28)، و( قرآنًا فرقناه لتقرأه)( الإسراء/106)، و( في هذا القرآن )( الروم / 58)، و( وقرآن الفجر)الإسراء /78، أي : قرأته ، و( لقرآن كريم )(الواقعة /77)،وأقرأت فلانًا كذا قال :( سنقرئك فلا تنسى)(الأعلى /6)، وتقرّأ تفهمت ،قارأت: دارسْتُهُ ))(7).
وتوسّع حسن مصطفويّ في استعراض دَلالات المصطلح القرآنيّ ( القرآن ) ، والسياقات القرآنيّة التي ورد فيها قال:( والقرآن مصدر جعل اسمًا للكتاب المنزل للنبيّ صلى الله عليه وآله وهذه التسمية بلحاظ أنه يقرأه الله ويقرأه الرسول ويقرأ الناس وليس شيء عنده يكون له هذه الخصوصيات الثلاثة ، أما قراءة الله عز وجل فيقول تعالى :( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ، ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، فالقرآن في هذه المرتبة في لوح محفوظ عند الله تعالى وهو اللوح الظاهر فيه مايقضي ويقدر من الأحكام والحقايق وهو لوحة من علم الله المحيط يفسرها القرآن وتتجلّى فيه …وأما قراءة النبي الأكرم فيقول تعالى :(وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ )،...و(وقرآنا فرقناه لتقرأ على الناس على مكث )، فهذا القرآن المحيط قد أوحي ونزل على قلب النبيّ الأكرم وشاهده مشاهدة حضور ثم يؤمر بتلاوته وقرأته على الناس ،…وأما قرأة الناس فيقول تعالى :( فاقرؤوا ماتيسر من القرآن)، فإن القرآن قد نزل لهداية الناس إلى السعادة والكمال والبرّ والخير في الحياة الدنيا والآخرة فواجب لهم أن يقرؤوه ويتعلموا منه مايرشدهم إلى خلاصهم وصلاحهم ))(7).
وقد ذكر مصطفوي جملة من المطالب تتحصّل من بيانات القرآن منها: أن كلمة القرآن مأخوذة من مادة القراءة لا من القرى ولاشيء غيره ، وإن القرآن نازل من جانب الله تعالى فإنه يقضي ويقدر من جانب الله ويثبت في اللّوح الرّوحانيّ الإلهيّ ثم ينزل منه بالوحي إلى قلب النبيّ صلى الله عليه وآله فيساعده في قلبه بالعلم الحضوريّ ثم يقرأ الرسول صلى الله عليه وآله الناس فيضبطونه في الألواح ، وأن القرآن بجميع خصوصياته لفظًا ومعنًى وحكمًا وبجزئيات مفاهيمه نازل من الله تعالى في هذا اللوح الحفاظ على طبق حكمته وتقديره قال تعالى :( إنا أنزلناه في ليلة القدر )، و( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )،و( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه )، ولما كان القرآن بألفاظه وبمعانيه نازلًا من جانب الله تعالى فالمسلم المعتقد المقتدي به أن يجتهد في تحقيق تلك الألفاظ حق التحقيق كما يجب له التحقيق في معانيه فهو ميزان الحقّ والحقيقة بألفاظه ومعانيه وهو مظهر الحق ومبينه :( تلك آيات القرآن وكتاب مبين ).(8)
ويتجلى المنهج الاستبداليّ في ضوء أن كلّ لفظة قد انتخبت من بين متردافاتها وأشباهها بمعانيها الحقيقيّة على المطلوب مع خصوصياتها فيها ولايصحّ وضع كلمة أخرى مكانها فإنه يفوّت لطف خصوصيته المنظورة فيه ؛ لأن كل كلمة من المترادفات لها خصوصية وامتياز مخصوص ليس في غيرها ، وهكذا انتخاب كل صفة مخصوصة من بين الصيغ المختلفة وتقديم كل كلمة وتأخيرها وسائر الخصوصيات المذكورة في علوم البلاغة ،قال تعالى :( لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ).
وخلاصة ماتقدم : نرى أن القرآن هو مصدر الفُعْلَان كالرجحان والغفران مصدر القراءة ويطلق على الكلام الإلهيّ المنزّل بلفظه ومعناه على مصطفاه ورسوله الكريم صلّى الله عليه وآله فالله تعالى يقرؤه والنبيّ يقرؤه والناس تقرؤه فكل آية قرآنًا فيطلق على كل آية أو سورة أنها قرآن وهكذا على مجموع السور أو الآيات المدوّنة ،قال تعالى :( تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ).
وقبل أن نختم هذا المطلب لابدّ من الاشارة الى أسماء القران ،منها ( الفرقان ) ، قال تعالى : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ) ( الفرقان /1)،ومنها الذكر :(وهذا ذكر مبارك أنزلنا)(الانبياء/10)وهو عربي خالص ومعناه :الشرف ومنها التنزيل :( وإنه لتنزيل رب العالمين ) ( الشعراء/192)،وهو عربي خالص كذلك يشعر بأنه وحي يوحى وينزل على قلب الرسول الكريم .
وهذه الأسماء هي الشائعة المشهورة غير أن بعضهم بالغ في تَعداد ألقاب القرآن حتى ذكر منها الزركشيّ (ت794ه) خمسة وخمسين نقلًا عن القاضي شيذلة قال الدكتور صبحي الصالح :( ولاريب أنه خلط فيها بين بين التسمية والوصف فمن أسماء القرآن مثلًا ( العليّ) لقوله تعالى : ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم )الزخرف /4، ومنها (المجيد)لقوله تعالى :( بل هو قرآن مجيد)(البروج /21)،ومنها ( العزيز) لقوله :( وإنه لكتاب عزيز) فصلت/41، ومنها العربي لقوله تعالى :( قرآنا عربيا)(الامر /28))(10).
القرآن في الاصطلاح
كثُرت تعاريف القرآن وتنوّعت ولاسيّما عند علماء القرآن ممّن كتبوا في علوم القرآن وتاريخه ويبدو لنا في ظلّ التعريفات التي وقفنا عليها أنها لاتخرج عن ذكر المصدر الإلهيّ المطلق وأنه مكتوب في المصاحف متعبّد بتلاوته منقول بالتواتر منزّل على المخاطَب به النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله .
من هنا فإن هاته البيانات لتبيان حقيقة القرآن الكريم متفق عليهابين الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية .
ومن أجل الالتزام بمنهجية البحث سنحاول أن نبرق بجملة من هاته التعريفات حتى نتبيّن الحقيقة وقد توسّع محمد عبد العظيم الزُّرقانيّ في سرد تعاريف القرآن الكريم عند المتكلّمين وعند الأصوليّين والفقهاء وعلماء العربية ، فيرى أن القرآن كلام الله تعالى وأنه غير كلام البشر فقط يطلق ويراد به الكلام النفسيّ وقد يطلق ويراد به الكلام اللّفظيّ فالذين يريدون أنه الكلام النفسيّ هم المتكلّمون ؛ لأنهم المتحدّثون عن صفات الله تعالى النفسية أما الذين يطلقونه إطلاق الكلام اللّفظيّ فالأصوليون والفقهاء وعلماء العربية .(11).
ومن هاته التعريفات التي ساقها : اللفظ المنزّل على النبيّ صلى الله عليه وآله من أول الفاتحة إلى آخر الناس .
الكلام المعجز المنزل على النبيّ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته ، إذ جمع بين الإعجاز والتنزيل على النبي والكتابة في المصاحف والنقل بالتواتر والتعبد بالتلاوة وهي الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن العظيم .(12)
ويرى الدكتور عبد المجيد محمود مطلوب أن القرآن يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص فيكون تعريفه حدًّا حقيقيًّا وأن العلماءذكروا تعريفًا له يقرب معناه ويميزه عن غيره فيعرفونه بأنه :(كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وآله باللفظ العربيّ المتعبّد بتلاوته )(13).
وعرفه الدكتور صبحي الصّالح بأنه :( الكلام المعجز المنزل على النبيّ صلى الله عليه وآله المكتوب في المصاحف المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته )(14).
ومن أجل إحداث التعادل الوصفيّ وصفت البلاغة ب( القرآنيّة) بإضافة اللّاصقة (يّة) فالقرآنية هي وصف للبلاغة أي إن المراد من البلاغة المدروسة هي البلاغة المتعلقة بكلام الله تعالى حتمًا المطلق المنزل من الله تعالى إلى نبيه الأعظم محمد صلّى الله عليه وآله المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المكتوب في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة النّاس .
ثانيًا : البلاغة القرآنيّة
بعد أن حّرّرنا أقوال العلماء في ذكر تعريفات الجزء الأول والجزء الثاني من المركب الوصفيّ ( البلاغة القرآنيّة )آن الأوان أن نبرق بتعريف له في ضوء المعطيات التي سقيت من قبلُ .
فهي مطابقة الخطاب القرآنيّ لمقتضى الحال مطابقة كلّيّة إذ جاءت الكلمات بأعلى درجات الفصاحة والنَّظْم ومراعاة الحال وانطباق النَّظم مع الحال انطباقًا كلّيًّا ، فهي نمط خطابيّ عالٍ في تخيّر الألفاظ واصطفائها حسنًا وبراعة وانتقاءًواصطفاءً سبكت في أعجز نَظْم وأكمل نسْجٍ وأبرع تأليفٍ وأحسن رصْفٍ مراعاةً للمخاطَب ( المتلقّي) ،ومقامات الأحوال .
من هنا تجلّت إعجازيّة بلاغة النَّص القرآنيّ لتوافر عناصر المثلث البلاغيّ المعجز فيه ألفاظ فصيحة معجزة ، نَظْم بليغ معجِزٌ، مطابقة معجِزة للحال والمقامات والعناية بالمتلقّيين في أروع مطابقة معجزة وأنسب تطابق إعجازيّ.

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطَّاهرينَ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم