انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الأولى - مقدِّمة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي       07/04/2021 19:25:15


مُحَاضَراتٌ في البَلاغَةِ القُرآنيّة ِ
عَرْضٌ وبَيانٌ وتَطْبِيقٌ

الأُستاذ الدُّكتور رحيم كريم عليّ الشَّرِيفِيّ
أُستاذ الدِّراسات اللُّغَويَّة والقُرآنيّة
بسمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
المُقدِّمَةُ
الحمدُ لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكلّ شيءٍ وهدًى ورحمةً وشفاءً للعالمينَ ، وصلّى الله تعالى على رسوله الكريم محمّدٍ الخيرِ والبركةِ والاصطفاءِ والمخاطَب بالكتاب العزيز، وعلى آله رُمُوز البَيان وحَمَلة القُرآن وبَيَنَة الأحكام .
هَاتِهِ محاضراتٌ في البلاغة القرآنيّة وَدِدتُ أن تكون خيرَ مُعين ودَليل لطلبة قسم عُلُوم القُرآن رغبةً في تعريفهم ببلاغة الكتاب العزيز ، هذا الكتاب الذي حاز على الذُّروة في الفصاحة والبلاغة وحصل على المَزِيّة العليا في البيان والنَّظْم والتأليف وأعجز البيانيينَ أجمع على أن يأتوا بمثله؛ فكان قمّةً في كلِّ شيء ولاسيَّما بلاغُتُه التي ستكون مَوْئِلَ دراستِنا ومحطّ عنايتنا في عرض أهمِّ الفُنُونِ البلاغيّة في النَّظْم المُعْجِز وتِبْيانِ دَلالاتها وجمالياتها بتَرسُّم النصوص القرآنيّة التي انطوت على هذه الفنون .
لايخفى أن علماء العربية بمختلف تخصّصاتهم وثقافاتهم قد عُنُوا بكتاب الله العزيز فمنهم مَنْ وقف على المباحث الصوتيَّة القرآنيّة ومنهم مَنْ عنى بالمباحث الصَّرفيَّة القرآنيَّة ومنهم مَن ِ اهتم بالمباحث النَّحويّة القرآنيّة ومنهم مَنْ عنى بمعاني القرآن وتأويله وبلاغته وغريبه ومشكله ،ومنهم مَنِ اشْتغل على تفسيره والوقوف على تأريخه وعلومه ومناهجه ، وغيرها من الاهتمامات والنَّظرات العلميّة والمعرفيّة في كتاب الله العزيز ، ويبدو لنا في ظلّ معاينة التُّراث العربيّ المجيد أن التَّداخل المعرفيّ والتَّشابُك العُلومِيّ والاختلاط البينيّ كان السمة الغالبة في التفكير المعرفيّ لعلمائنا الأفذاذ ؛ وهذا ما يتجلّى في مدوناتهم المتنوّعة والمتلوّنة إذ نَبْصُرُ بالتَّشابُك المعرفيّ بين العلوم المختلفة وهو أمر بَدَهِيّ يدلّ على عقليّة البيانيّ العربيّ المشغوفة بحبّ الاطّلاع والتزوّد المعرفيّ المتلوّن .
من هنا انطلقت فكرة هذا الكتاب للحديث عن البلاغة القرآنيّة بوصفها تمثّل وجهًا إعجازيًّا أساسيًّا في المنظومة البحثيّة الإعجازيّة فكلّ مَنْ تحدَّث عن الإعجاز القرآنيّ وتناول الوجوه الإعجازيّة المتصوّرة والمنظورة في الدَّرس القرآنيّ لايغيب عنه وجه البلاغة الإعجازيّ ؛ كون القرآن الكريم معجزًا ببلاغته ونَظْمه وبيانه ، لذلك عقدنا العزم على إعداد محاضرات في البلاغة القرآنيّة عرضًا وبيانًا وتطبيقاتٍ ؛ لتكون مُقارَباتٍ ومُوجّهات للطَّلبة في قسم عُلُوم القُرآن لتعرُّف البلاغة في النُّظوم القُرآنيّة وتِبْيان السِّمات الجماليّة فيها وتجميع نصوص قرآنيّة مختارة ؛ بقصد ترسيخ الفنّ البلاغيّ المدروس تعريفًا وتِبْيانًا .
وسنحاولُ – بقَدر الوُسْعِ والمُكْنَةِ – استشارةَ الكتب البلاغيّة القديمة والحديثة وكتب إعجاز القرآن وكتب التَّفسير وغيرها التي أشارت إلى مباحثَ بلاغيّة ؛ بغيةَ الإفادةِ ورصد الفنون البلاغيّة القرآنيّة المدروسة ، واسترفاد الرؤى التحليليّة والأنظار البيانيّة من تلكم الكتب ؛ علّنا نستطيع أن نقدّمَ مادة بلاغيّة قرآنيّة يفيد الطالبُ منها بحول الله تعالى وقوّته
وتبدَّى لنا أن تكون خطّة الكتاب بحسب مسارات المحاضرات والمفردات المطلوبة في تمهيد وأربعة أفصل وخاتمة ،سنستعرض في التمهيد ( البلاغة القرآنيّة مُقَارَبات تأصيليّة ) التعريف بالبلاغة القرآنيّة بوصفها مركّبًا وصفيًّا مؤلّفًا من ركنينِ البلاغة والقرآنيّة ، نعرّف كلّ واحد منها لغة واصطلاحًا ثم نبيّن التعريف الاصطلاحيّ لهذا المركّب .
وانعقد الفصل الأوّل بعنوان ( البلاغة القرآنيّة الجُذورُ والمؤثّراتُ والمَظَاهِرُ) ، جاء في ثلاثة مباحثَ الأوّل : تكلمنا فيه على الجذور الأولى للبلاغة القرآنيّة ، والثاني : المؤثّرات التي أثّرت في التأليف في البلاغة القرآنيّة ، والثالث : مَظَاهِرُ البلاغة القرآنيّة .
وانعقد الفصل الثاني بعنوان ( علم المعاني في بلاغة النَّظم القُرآنيّ تعريفٌ وتطبيقٌ ) ، تشكّل في ستة مباحثَ ، الأوّل : الجملة القرآنيّة الخبريّة ، الثاني : الجملة القرآنيّة الإنشائيّة ، الثالث : التَّقديم والتَّأخير ، الرابع : الفَصْل والوَصْل ، الخامس : القَصْرُ في النَّظْم القُرآنيّ ، السادس :الإيجازُ والمُساواةُ والإطنابُ .
وانعقد الفصل الثالث بعنوان ( علم البَيَان في بلاغة النَّظْم القُرآنيّ عرضٌ وتطبيقٌ) تشكّل في أربعة مباحثَ هي ، الأول : تَشْبيهات النَّظم القُرآنيّ ، الثاني : الحقيقةُ والمَجازُ في النَّظْم القُرآنيّ ، الثالث : اسْتِعاراتُ النَّظْم القُرآنيّ ، الرابع : الكِنَايات في النَّظْم القُرآنيّ .
وجاء الفصلُ الرابعُ بعنوان ( علم البَديع في بلاغة النَّظْم القُرآنيّ عرضٌ وتطبيقٌ ) ، تهيكل في مبحثينِ ، الأوّل : المُحسَّنات المعنويّة في النَّظْم القُرآنيّ ، الثاني : المُحسَّنات اللَّفظيّة في النَّظْم القُرآنيّ .
ولابدّ منَ القولِ : إنّنا في هذا الكتاب قدِ اتّخذنا المنهجينِ الوصفيّ والتحليليّ في تناوُشِ المسائل البلاغيَّة في الكتاب كلّه أي : وصف المسألة البلاغيَّة والتَّعريف بها وتِبْيان لوازمِها وأقسامِها ثمَّ تحليلِها وتفسيرِها في النَّظم القُرآنيّ ؛ قصدَ ترسيخِها في عقليَّة الدَّارس والظَّفر بجماليتِها في هذا النَّظْم المُعْجِز .
وفي الخِتامِ يَطِيْبُ لنا أن نحمدَ اللهَ ( جلَّ جلالُهُ ) على أن هدانا للنَّظر في كتابه الكريم ؛لنَغْتَرِف من نَمِير بلاغته وعَذْب بَيَانِه وحَلاوة نَظْمِه ما تَسْعدُ نفوسُنا وتُروَى عقولُنا ؛ لنكونَ مِصْداقَ قولِه الحكيمِ وخِطابِه الشَّريف : ( وإنَّه لذكر لك ولقومك ) ، وقوله المبارك : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
والحمدُ للهِ رب ّ العالمينَ وصلَّى اللهُ تعالى على نبيّنا محمِّد وعلى آله الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ
المحاضرة الأُولى
البلاغة القرآنية مقاربات تأصيليّة
في هذا التمهيد الذي نجد له أهمية في تبيان دلالة هذا المركب الوصفيّ المؤلف من ركنينِ رئيسينِ هما : البلاغة والقرآنية وحرصًا منا على تقريب هذا المركب دلاليًّا ، لأن المداخل والتمهيدات آصبح لها أثر كبير في تجلية الموضوع وتقريبه فبها يتمكن الدارس من الإحاطة بمسارات العنوان ودروبه من جهة وتعرف المراد منه.
البلاغة تعريفًا
من أجل تسييج هذا المفهوم والإحاطة به بدا لنا أن نكشف اللّثام عنه لغة واصطلاحًا وستكون البيانات اللغوية في المعجمات العربية والاستعمالات القرآنية في كتب ألفاظ القرآن ومصطلحاته فضلًا عن الوقوف على البلاغة في كتب المصطلحات .
البلاغة في المعجمات العربيّة
في ظلّ العود إلى المعجمات اللغويّة نرى أن البلاغة مصدر ( الفَعَالة ) من الأصل الثلاثيّ ( بلغ) قال الخليل ( ت 175ه) : (( رجل بلغ : بليغ وقد بلغ بلاغة وبلغ الشيء يبلغ بُلوغًا وأبلغته إبلاغًا ، وبلّغته تبليغًا )).(1)
ويرى ابن فارس ( ت 395ه ) أن الأصل الثلاثي ( بلغ) واحد بمعنى : الوصول إلى الشيء وهذا ما تلمّسه في السياقات التداولية التي ساقها قال: (( الباء واللام والغين أصل واحد وهو الوصول إلى الشيء ، تقول : بلغتُ المكان إذا وصلت إليه ، وقد تسمّى المشارفة بُلوغًا بحقّ المقاربة .... والبُلغة مايتبل به من عيش ، كأنه يراد أنه يبلغ رتبة المُكثر إذا رَضِي وقَنِع ، وكذلك البلاغة التي يمدح بها الفصيح اللّسان ، لأنه يبلغ بها مايريده )).(2)
ونبصُرُ التوسّع في السياقات التداوُليّة عند ابن منظور ( ت711ه) إذا تتجلى دَلالة الوصول والانتهاء والظفر بالمطلوب والمراد قال : (( بلَغ الشيء يبلغ بُلوغًا وبَلاغًا وصل وانتهى ... وتبلّغ بالشيء وصل إلى مراده ...والبلاغ : مايتبلغ به ويتوصّل إلى الشيء المطلوب .... والبلاغ الكفاية .... والإبلاغ الإيصال ... وبلغ الغلام : احتلم كأنه بلغ وقت الكتاب عليه والتكليف .......وبلغت المكان بُلوغًا : وصلت إليه وكذلك إذا شارفت عليه ...وبلغ النبت : انتهى وتبالغ الدّباغ في الجلد : انتهى فيه .....والبلاغة الفصاحة والبَلغ والبِلغ : البليغ من الرّجال ، ورجل بليغ وبِلْغ : حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كُنْه مافي قلبه .... وفي الحديث : أن عائشة قالت لأمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) حين أخذت يوم الجمل : قد بلغتَ منّا البُلغين ، معناه أن الحرب قد جَهدتنا وبلغت منّا كلّ مَبْلَغ يروى بكسر الباء وضمها مع فتح اللام وهو مثل ، معناه : بلغت منّا كلّ مَبلَغ ))(3).
نخلص في ضوء ماتقدّم من بيانات لغويّة أن الدَّلالة المحوريّة لمشتقات مادة (بلغ ) وتصريفاتها هي الوصول والانتهاء والظفر بالمراد ونيل الغاية .
البلاغة في الاستعمال القرآنيّ
في ضوء النظر في مشتقات مادة ( بلغ) وتصريفاتها في السياقات القرآنيّة المتنوعة وجدنا أنها بلغت ( 80) ثمانين مرّة والمشتقات الواردة هي : بلغ وبلغا وبلغت وبلغنَ وبلغنا وبلغني وبلغوا وأبلغ وتبلغ ولتبلغوا ويبلغ ويبلغا ويبلغن ويبلغوا وبلغت وأبلغكم ويبلغون وبلّغْ وأبلغتكم وأبلغوا وأبلغه وبالغ و ببالغه و بالغوا وبالغيه وبالغة وبليغا و بلاغ وبلاغا ومبلغهم .(4)
وقد أبان الراغب الأصفهانيّ ( ت502ه) عن دلالات مشتقات مادة ( بلغ) في السياقات القرآنيّة والاستعمال القرآنيّ مبينًا تلكم السياقات والدلالات المتحصلة منها ، قال : (( البلوغ والبلاغ : الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانًا كان أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدّرة وربما يعبّر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه ، فمن الانتهاء :( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) الأحقاف /15، وقوله عز وجل :( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) البقرة /232، و(مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) غافر /56، (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) (الصافات /102)، (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)القلم /39،أي : منتهية في التوكيد ، والبلاغ : التبليغ ، نحو قوله عز وجل :( هَ?ذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ) إبراهيم / 52، وقوله عزّ وجلّ :( لاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ)الأحقاف /35......والبلاغ : الكفاية ، نحو قوله عز وجل :( إِنَّ فِي هَ?ذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) الأنبياء /106، وقوله عزّ وجلّ :( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)المائدة /67، أي : إن لم تبلّغ هذا أو شيئا ممّا حمّلت تكن في حكم مَن لم يبلّغ شيئًا من رسالته )).(5)
ويبدو أن الراغب قد وعى الدائرة التواصلية المتحققة من البلاغة فأشار إلى أركان هاته الدائرة البلاغية بلحاظ المتكّلم ( منتج الخطاب المخاطِب بكسر الطّاء) والرسالة الأدبية (الخطاب ) ، والمتلقّي ( المخاطَب) بفتح الطاء ،وهو تفكير لسانيّ واعٍ وباصرٌ ومُعْجبٌ يدلّ على عقليّة الراغب الجبارة في النظر إلى الممارسة الإبلاغيّة والتواصليّة والتراسليّة في المنظومة اللّسانيّة العامّة، قال: ( والبلاغة تقال على وجهينِ : أحدهما، أن يكون بذاته بليغًا ، وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف : صوابًا في موضوع لغته وطبقا للمعنى المقصود به وصدقا في نفسه ومتى اختتم وصف من ذلك كان ناقصًا في البلاغة ، والثاني : أن يكون بليغًا باعتبار القائل والمقول له ، وهو أن يقصد القائل أمرًا فيورده على وجه حقيق أن يقبله المقول له ، وقوله :( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (النساء/63).(6)
ويمكن تبيان هاته الدائرة التّواصليّة بالمثلث البلاغيّ التواصُليّ التي ندّت من بيان الرَّاغب في ظلّ الرَّسْمة الآتية?

وفي ضوء الرَّصد الدلاليّ والتحقيق البيانيّ للسياقات القرآنيّة لمشتقات مادة ( بلغ) عند حسن مصطفويّ نلمح الظفر الدّلالي الواعي والتفريق اللغويّ بين البلوغ والوصول وكيف أن الاستعمال القرآنيّ قد جاء في أروع اختيار وأسمى بيان وأعلى اختيار في كون البلوغ زمانًا ومكانًا وأمرًا وقصدًا قال : ( إن حقيقة معنى هذه المادّة : هو الوصول إلى الحدّ الأعلى والمرتبة المنتهى وهذا هو الفرق بينها وبين مادّة الوصول ، فلا يقال: وصلت الثّمار ،ولا وصل الصبيّ ، ولا وصل أشدّه ، وبهذا يظهر اللّطف في اختيار هذه المادّة في جميع موارد استعمالاتها ، فإنّ هذا القيد منظور ومحفوظ في كلّ واحد منها ، ( ولمّا بلغ أشده )، ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم )، ( فلما بلغ معه السّعي)، ( وبلغ أربعين سنة )،( وبلغت القلوب الحناجر )، ( فبلغن أجلهن)، ( إذا بلغوا النكاح )، ( لن تبلغ الجبال)، ( هديًا بالغ الكعبة ،( فله الحجّة البالغة ))(7).
وقال :( فبلوغ كل شيء بحسبه ، فيقال في السير والوصول إلى منتهى المقصد ( بلغ مطلع الشمس)، ( بلغ بين السدين )، ( بلغا مجمع بينهما)، ( بلغ مغرب الشمس)، وفي الوصول إلى منتهى المقصد زمانًا : (فبلغن أجلهن )، ( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا )... فالمراد بلوغهم إلى منتهى المقدارمن الزمان المعيّن .....وفي الوصول إلى منتهى أمر : ( وقد بلغت من لدني عذرا )، ( وبلغت القلوب الحناجر )، ( إذا بلغت الحلقوم )، ( أبلغ الأسباب)........وفي الإيصال إلى منتهى مقصد :( أبلغتكم رسالة ربي)، وفي مقام الإشارة إلى وقوع البلاغ فيهم :( أبلغكم رسالات ربي)).(8)
البلاغة اصطلاحًا
سنحاول في هاته الفقرة أن نستجلي أهمّ التعريفات المصطلحيّة للبلاغة في ضوء مراعاة التطوّر المفهويميّ لها ومراحل النظر المعرفيّ والتفكيريّ في تاريخ التدوين في البلاغة العربيّة .
والذي يبدو لنا في ظلّ الوقوف على التعريفات التي سنسوقها بعدًا أنَّها متضمنة دلالة الوصول والانتهاء في الخطاب زمانًا ومكانًا ومقصدًا ، فالبليغ حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه حقيقة الأمر ما في قلبه .
أولًا : قال الجاحظ ( ت255ه) : (( لايكون الكلام يستحقّ اسم البلاغة حتّى يسابق معناه لفظة ولفظه معناه فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك )).(9)
ثانيًا : قال أبو العباس المبرِّد (ت 286ه): ( إن حقَّ البلاغة إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام وحسن النَّظم حتى تكون الكلمة مقارنة أختها ومعاضدة شكلها وأن يقرب بها البعيد ويحذف منها الفضول ))(10).
ثالثًا : قال أبو عيسى الرُّمّانيّ ( ت386ه) : (( البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ ))(11).
ويرى أن أعلى طبقة من طبقات البلاغة في الحسن (( بلاغة القرآن ))(12) .
رابعًا : قال أبو هلال العسكريّ (ت 400ه) : (( البلاغة من قولهم : بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلغتها غيري ومبلغ الشيء منتهاه ، والمبالغة في الشيء الانتهاء إلى غايته فسميت البلاغة بلاغة ؛ لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه )) (13).
خامسًا : أشار ابن سنان الخفاجيّ (ت464ه) إلى البلاغة ولم يعرّفها تعريفًا دقيقًا ((واكتفى بالإشارة إلى اضطراب القوم في حدّها وفرّق بينها وبين الفصاحة ))0(14) قال (( والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لاتكون وصفًا للألفاظ مع المعاني ))(15).
سادسًا : عرّفها الرازيّ ( ت 604ه) : (( بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز المخلّ والإظالة المملة ))(16).
سابعًا : ويرى ابن الأثير الجزريّ أن البلاغة هي فنّ الخطاب ومدارها (( كلّها على استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم ؛ لأنّه لا انتفاع بإيراد الأفكار المليحة الرائقة ولا المعاني اللّطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها ))(17).
ويرى أن البلاغة شاملة للألفاظ والمعاني وهي أخصّ من الفصاحة .(18)
ثامنًا : عرف أبو يعقوب السَّكّاكيّ ( ت623ه) البلاغة تعريفًا دقيقًا ، قال : (( هي بلوغ المتكلّم في تأدية المعاني حدًّا له اختصاص بتوفية خواصّ التَّراكيب حقّها وإيراد التّشبيه والمجاز والكناية على وجهها )) (19).
والذي يظهر في تعريف السّكّاكيّ أنّه أشار إلى علم المعاني في إشارته إلى تأدية المعاني وتوفية خواصّ التراكيب وإشارته إلى علم البيان في ظلّ ذكر ثلاثة فنون منه التَّشبيه والمجاز والكناية ، ولم نلحظ إشارة إلى علم البديع بوصفها أنها من مظاهر تحسين الكلام وتزينه .
تاسعًا : نلحظ التوسّع في تعريف البلاغة وتبيان طبقاتها وأقسامها فضلًا عن تكشيف مراتب مقامات الأحوال عند الخطيب القَزوينيّ(ت 723ه) قال: (( وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ))(20).
ويرى أنَّ المقامات – كما قلنا – متفاوتة فمقام التنكير يُبايُن مقام التَّعريف ، ومقام الاطلاق يُبايُن مقام التَّقييد ، ومقام التقديم يُبايُن مقام التَّأخير ، ومقام الذكر يُباين مقام الحذف ، ومقام الفصل يُباين مقام الوصل ، ومقام القصر يُباين مقام خلافه ، ومقام الإيجاز يُباين مقام الإطناب والمساواة ، ومقام الذَّكيّ يُباين مقام الغبيّ وغيرها من المقامات المتباينة التي تدلّ على مطابقة الكلام لمقتضى الحال .(21)



ويرى أنَّ بلاغة المتكلّم هي (( مَلَكَة يُقْتدرُ بها على تأليف كلام بليغ ))(22) ،ويعدّ القزوينيّ أوَّل من قسم البلاغة تقسيمًا ثلاثيًّا رغبة منه في تسييج هذا العلم وضبطه على ثلاثة علوم هي : علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع ، فالأول :يحترز به عن الخطأ في تأدية المعاني في الأداء التركيبيّ ، والثاني: مايحترز به عن التعقيد المعنوي وكذلك الرغبة في التوسّع في ذكر المعاني وتنوّعها ، والثالث : ما يفاد منه في تحسين الكلام وتجويده .(23)
الأستاذ الدُّكتور رحيم كريم الشَّريفيّ
والحمد لله ربّ العالمينَ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم