دلالة الإيماء
تعريفها : وهي دلالة عقلية التزامية للنص على أن حكمه معلول بعلة يدور معها وجوداً وعدماً ، أي إذا وجدت العلة يوجد الحكم ، وإذا انتفت العلة فينتفي الحكم .
فسبب الحكم وعلته أمران مختلفان في الحقيقة والماهية ، لكنهما مرتبطان إلى حد التلازم ، فكل منهما يكمل الآخر في الاهتمام بالحكم تشريعاً وتطبيقاً وتنفيذاً .
ومن الأمثلة التطبيقية على دلالة الإيماء ما يأتي :
1- قوله تعالى : ? يوصيكم الله في أولادكـم للذكر مثل حظ الأنثيين ?
[ النساء:11] ، فالآية تدل بمنطوقها الصريح على أن نصيب الذكر من البنين عند الاجتماع مع البنات والأخوة مع الأخوات (لغير الأم) ضعف ما للأنثى من التركة ، ويدل دلالة إيماء على أن علة هذا التمييز في الميراث هي حماية الحقوق ، ورعاية النسب الطردية بين حقوق الشخص والتزاماته ، فيستحق زيادة الحقوق كلما زادت التزاماته بنفس النسبة ، وإلا اختل ميزان العدالة . وإذا كانت الدساتير الوضعية لدول العالم المتحضر تسعى إلى رعاية التوازن بين حقوق والتزامات المواطنين ، فإن الدستور الإلهي أولى بهذه الرعاية ، وقــد قــال القرآن الكريم :
? وكل شيء عنده بمقدار ? [ الرعد:8] ، فكل ذكر بالغ عاقل يجب عليه الجهاد في حالة تعرض دينه أو عرضه أو ماله للاعتداء بنص الآية الكريمة:? فمن اعتدى عليكـم فاعتدوا عليـه بمثل ما اعتدى عليكم ?
[ البقرة:194] ، والأنثى غير مسؤولة عن هذا الواجب بحكم تكوينها الذاتي الذي لا يتحمل مشقة القتال وعلى الزوج دون الزوجة نفقة الزوجة والأولاد ، وعليه تكاليف ونفقات الزواج ، وغير ذلك من الالتزامات التي لم يكلف بها جنس الأنثى لا شرعاً ولا قانوناً .
2- ومن ذلك قــــول الرسـول صلى الله عليــه وآلــه وسلم : « لا يقضي القاضي وهو غضبان » فهذا الحديث الشريف يدل على أن النهي عن حكم القاضي وهو غضبان ، علته التشويش الفكري والتوتر العصبي لدى القاضي ، بحيث لا يستطيع في حالة الغضب أن يستوعب أبعاد القضية وملابساتها ليحكم بالعدالة ويعطي كل ذي حق حقه .
3- ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا يرث القاتل » فهذا الحديث يدل بمنطوقه الصريح على أن من قتل مورثه يحرم من تركته فلا يرث شيئاً ، ويدل دلالة إيماء على أن علة الحرمان من الميراث حماية أرواح الأبرياء ، لأن الوارث إذا علم أن قتله لمورثه يحرمه من تركته لا يقدم على ارتكاب هذه الجريمة غالباً .
4- ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من غشّ فليس مني » يدل بمنطوقه على تحريم الغش والتدليس ، ويدل دلالة إيماء على أن علة تحريم الغش هي حماية حقـوق المستهلكين ومنع أكل أموال الناس بالباطل .
ثانياً : مفهوم النص :
قسّم علماء الأصول دلالة المفهوم إلى قسمين :
1- دلالة مفهوم الموافقة .
2- دلالة مفهوم المخالفة .
ولتميز كل منهما بعناصر وأحكام خاصة إضافة إلى مالهما من الأهمية للفقهاء والمفسرين والقضاة وشُرّاح القانون نشير إلى كل منهما بشيء من التفصيل :
1- دلالة مفهوم الموافقة : من الأمور البديهية التي لا تقبل النقاش ، إنّ النصوص سواء كانت شرعية أم قانونية غير مقصودة لذاتها ، وإنما الغاية من تشريعها ما يحققه تطبيقها وتنفيذ أحكامها من المصالح التي تتمثل في تنظيم حياة الإنسان لجلب نفع له أو دفع ضرر عنه ، وأن هذه الغاية لا تتأتى دائماً من التمسك بحرفية النص ، بل رب التقيّد بهذه الحرفية قد يحدث الخلل في الحقوق والالتزامات التي يرتبها النص على التصرفات والوقائع ، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ترجيح إحدى كفتي ميزان العدل على الأخرى لمصلحة أحد الأطراف من ذوي العلاقة على حساب غيره ، وهذا مما يأباه الدستور الإلهي الذي ربط في كثير من آياته بين النص والحكم والعدل والميزان والحق ، ومنها :
قوله تعالى :? وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ?[النساء:58]
وقوله تعالى:? فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين?[المائدة:42]
وقوله تعالى:? فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى?[سورة ص:26]
وقوله تعالى:? الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ?[الشورى:17]
إلى غير ذلك من الآيات الأخرى التي تؤكد وجوب رعاية الفقيه أو القاضي أو الحاكم إحقاق الحق وتحقيق العدالة قبل أن يراعي حرفية النص والتمسك بمعناه الموضوع له . وعليه أن يزن كل حكم بميزان العدل قبل أن ينطق به حتى يتحقق التوازن بين حقوق والتزامات كل من المحكوم عليه والمحكوم له .
وينبني على ما ذكرنا أن الفقيه أو القاضي كما يأخذ الحكم من عبارات وألفاظ النصوص ، وهذا ما يسمى « منطوق النص» كذلك قد يستنبطه من روح النص ومغزاه ، ومـن العلة الموجبة لتشريعه ، ويسمى عندئذ « مفهوم النص » .