انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة حامد بدر عبد الحسين الخيكاني
06/06/2018 13:34:40
استعمال الفعل و الاسم في بعض المواطن (المحاضرة مستلة من كتاب التعبير القرآني للسامرائي) ومثل ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]. فقد جاء في صدر الآية بالفعل: (ليعذبهم) وجاء بعده بالاسم: (مُعَذِّبهم) وذلك أنه جعل الاستغفار مانعاً ثابتاً من العذاب بخلاف بقاء الرسول بينهم فإنه - أي العذاب - موقوتٌ ببقائه بينهم. فذكر الحالة الثابتة بالصيغة الاسمية والحالة الموقوتة بالصيغة الفعلية وهو نظير قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] فالظلم من الأسباب الثابتة في إهلاك الأمم فجاء بالصيغة الاسمية للدلالة على الثبات، ثم انظر كيف جاءنا بالظلم بالصيغة الاسمية أيضاً دون الفعلية فقال: (وأهلها ظالمون) ولم يقل: (يظلمون) وذلك معناه أن الظلم كان وصفاً ثابتاً لهم مستقراً فيهم غير طارئ عليهم فاستحقوا الهلاك بهذا الوصف السيئ. فانظر كيف ذكر أنه يرفع العذاب عنهم باستغفارهم، ولو لم يكن وصفاً ثابتاً فيهم، وأنه لا يهلكهم إلا إذا كان الظلم وصفاً ثابتاً فيهم، فإنه جاء بالاستغفار بالصيغة الفعلية (يستغفرون) وجاء بالظلم بالصيغة الاسمية (ظالمون). فانظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه. ومن ذلك قوله تعالى في وصف المنافقين: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]. "فقد فَرَّقَ بين قولهم للمؤمنين وقولهم لأصحابهم فقد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث (آمنا)، وخاطبوا جماعتهم بالجملة الاسمية المؤكدة الدالة على الثبوت والدوام (إنّا معكم) ولم يسوِّ بينهما فلم يقولوا: (إنا مؤمنون) كما قالوا: (إنا معكم) وذلك إمّا لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعثٌ ومُحَرِّكٌ، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق ورغبة واعتقاد... وإما مخاطبة إخوانهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للمتكلم به وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم فكان مظنّة للتحقيق وَمِئنَّةً للتوكيد". ومن لطيف الاستعمال الفني للفعل والاسم قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} [غافر: 61]. فاستعمل مع الليل الفعلَ (لستكنوا فيه) ومع النهار الاسم (مبصراً) ولم يسوِّ بينهما فلم يقل: ساكناً ومبصراً ولا لتسكنوا فيه، ولتبصروا فيه مع أن الاستعمال الحقيقي هو: (لتبصروا فيه). وذلك أنه جمع الحقيقة والمجاز في تعبير واحد ولو جعلهما بصورة تعبيرية واحدة لفاتت هذه المزية الفنية فإنه ذكر نعمة الله علينا في الليل فقال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67].ولو قال: "هو الذي جعل لكم الليل ساكناً" لم يكن فيه دلالة نعمة على الخلق من ناحية ولكانت (لكم) هنا زائدة ليس لها فائدة، فهو جاء بـ (لكم) وبالصيغة الفعلية للدلالة على قصد النعمة والتفضل علينا. وعلاوة على ذلك فإنه لو قال: (ساكناً) لم يكن التعبير مجازياً لأن الليل يصح أن يوصف بالسكون فيقال: ليل ساكن وليل ساجٍ، فتحويله إلى الصيغة الاسمية ليس فيه فائدة معنوية ولا فنية، ولَمَّا تقررت دلالة النعمة في صدر الآية كان العدول إلى التعبير المجازي بعد ذلك كسباً فنياً. فعدل من الفعل إلى الاسم ومن الحقيقة إلى المجاز العقلي فقال: {وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} [غافر: 61] وذلك أن النهار لا يبصر بل يبصر من فيه: فجمع بين التعبير الحقيقي والمجازي ودلّ على المقصد الأول من الآية وهو الدلالة على النعمة بأقرب طريق فكسب المعنى والفن معاً. ولو قال: "لتسكنوا فيه ولتبصروا فيه" لفات التعبير الفني الجميل تعبير المجاز. ولو قال: "ساكناً ومبصراً" لفاتت الدلالة على النعمة التي هي المقصد الأول من هذه الآية. ولو قال: "ساكناً ولتبصروا فيه" لفات المجاز في التعبيرين ولكان التعبير سمجاً لا معنى تحته كما أوضحنا قبل قليل. فانظر كيف دل على المعنى بأسلوب فني جميل من أخصر طريق وأيسره. فأنت ترى أنه لو وضع الكلام بأية صورة غير الصورة التي عبر بها القرآن ما أدى هذا المؤدى. هذا علاوة على ما في جعلِ النهار مبصراً من جمالٍ وزيادة في المعنى فقد أفاد هذا العدول إلى الاسمية معنيين: الأول: أننا نبصر فيه كما قيل: ليل نائم والمقصود: نائم أهله. والمعنى الآخر: أنه جعله مبصراً أيضاً يبصر أعمالنا ويكون شاهداً علينا بالخير والشر فكأن له عينين تُبصران. فنحن نبصر فيه وهو يبصر أيضاً. فانظر إلى جمال هذا التعبير ودقته وروعته. جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لِمَ قرن الليل بالمفعول له والنهار بالحال؟ وهَلاَّ كانا حالين أو مفعولاً لهما فيراعى حق المقابلة؟ قلت: هما متقابلان من حيث المعنى لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، ولأنه لو قيل: "لتبصروا فيه" فاتتِ الفصاحةُ التي في الإسناد المجازي. ولو قيل: ساكناً، والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه، لم تتميز الحقيقة من المجاز". ومن جميل التعبير بالفعل والاسم ما جاء في سورة (الكافرون) وهو قوله تعالى: {قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1-6]. فأنت ترى أن الرسول نفى عبادة الأصنام عن نفسه بالصيغتين: الفعلية والاسمية (لا أعبد ما تعبدون) و(ولا أنا عابد ما عبدتم) وبالفعلين: المضارع والماضي (تعبدون) و(عبدتم). ونفى عن الكافرين العبادة الحقة بصيغة واحدة مرتين هي الصيغة الاسمية: (ولا أنتم عابدون ما أعبد). ومعنى ذلك أنه نفى عبادة الأصنام عن نفسه في الحالتين الثابتة والمتجددة في جميع الأزمنة وهذا غاية الكمال. إذ لو اقتصر على الفعل لقيل: إن هذا أمر حادث قد يزول. ولو اقتصر على الاسم لقيل: صحيح أن هذه صفة ثابتة ولكن ليس معناه أنه مستمر على هذا الوصف لا يفارقه، فإن الوصف قد يفارق صاحبه أحياناً، بل معناه أن هذا وَصْفُه في غالبِ أحواله، فالحليم قد يغضب ويعاقب، والجواد قد يأتيه وقت لا يجود فيه إذ هو ليس في حالة جُودٍ مستمر لا ينقطع، والرحيم قد يأتيه وقت يغضب فلا يرحم. ولئلا يُظَنَّ ذاك في الرسول أعلن براءته من معبوداتهم بالصغتين الفعلية والاسمية: الصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والصيغة الاسمية الدالة على الثبات ليعلم براءته منها في كل حالة. ثم إنه استغرق الزمن الماضي والحال والاستقبال باستعماله الفعل الماضي والمضارع، في حين نفاه عنهم بالصيغة الاسمية فقط. فإصراره هو على طريقه أقوى من إصرارهم، وحاله أكمل من حالهم والنفي عنه أَدومُ وأبقى من النفي عنهم: ثم انظر كيف أنه لما خاطبهم بالصورة الاسمية قائلاً: (قل يا أيها الكافرون) نفى عنهم العبادة الحقة بالصورة الاسمية أيضاً فقال: (ولا أنتم عابدون ما أعبد). فإنهم لما اتصفوا بكفرهم على وجه الثبات نفى عنهم عبادة الله على وجه الثبات أيضاً. وهو تناظر جميل. ومن جميل استعمال القرآن للفعل والاسم أنه يستعملهما استعمالاً مناسباً مع وقوع الحدث في الحياة فإذا كان مما يتكرر حدوثه ويتجدد استعمله بالصورة الفعلية وإذا لم يكن كذلك استعمله بالصورة الاسمية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|