انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود
24/12/2016 18:42:47
المحاضرة الحادية عشرة/
الاكتفاء أو الاقتصار:
د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود
إنَّ الكلامَ فـي وَثاق المتكلِّمِ يُعبِّرُ عنه كيفـما شاء ، وعلى وَفْـقِ ما يقتضيه المعنى وتوجبُه الدلالةُ لا أنه في وَثاقِ الضوابطِ النحويةِ الصارمةِ ، وعلى وَفقِ ما يقتضيه الشكلُ والصورةُ ، كما رُسِمَ هذا الأمرُ بِموجب الدراسةِ النحويةِ المنطقيةِ الجدلية.
وللجملةِ العربية الكاملة (1) دلالتُها الخاصةُ التي سيقت لأجلـها ، في حين أنَّ للجملةِ العربية (المكتفِية) أو (المقتصَرة) وهو ما اخترتُه اسـمًا لـها ، أوِ (الكلام) عند برجستراسر ، دلالتَها الخاصةَ التي تنتظمُ من المعاني الإيحائية والظلاليةِ ما لا يُمكن إدراكُه أو استنباطُه من هذه (الجملة) فيما لو زِيد عليها لفظٌ أو أكثرُ بحجةِ الحذف فيها ، أو إكمالـها في ضوء الرؤية المنطقيةِ للجملة. وقد تناول النحويون في مصنفاتِهم مصطلحَي (الاقتصار) و(الاكتفاء). أما (الاقتصارُ) فكانوا يوردونه قسيمًا للاختصار ، ولاسيما في باب ما يسمَّى بـ(حذف المفعول به) ، إذ دَرَج النحويون على القول: بأنه قد يُحذفُ المفعول به من الجملةِ اختصارًا ، أو اقتصارًا في الجملةِِ الفعليةِ ذات الفعلِ المتعدي. وعندهـم أنَّ المفعولَ المحذوف (اختـصارًا) يُرادُ معنًى وتقديرًا ، والمحذوف (اقتصارًا) فإنه مِما لا يُرادُ ولا يُقدَّر(2)، نحو قولِه تعالى: [ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ] [الزمر/9] ، بِمعنى: هل يستوي من له علْمٌ ومن لا عِلْمَ له ، من غير قصْدٍ إلى شيءٍ معلومٍ بعينِه. ونحو اقتصار الجملةِ على لفظِ الفعلِ الموصوف به فاعلُه ، كقولِه تعالى: [ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا] [النجم/43-44] ، بِمعنى: هو الذي منه الإضحاكُ والإبكاءُ ، والإماتةُ والإحياءُ ، فقط له سبحانه(3). وسوى ذلك من النصوص التي تكونُ مشحونةً بالمعاني والدلالاتِ الإيحائية ، مِما لا يُمكن استيعابُه فيما لو كان النظمُ غير قائمٍ على الاقتصار.
وأما الاكتفاءُ فقد تناوله النحويون وهم يُريدون به الاقتصار على ما يُذكر من كلامٍ دونـما حاجةٍ إلى سواه ، أو بعبارةٍ أخرى: إنَّ الاكتفاء ينفي التقدير ، فـ((كلُّ مقتَصَرٍ عليه كافٍ))(4). ومن مصاديق استعمالِهم (الاكتفاء) بِهذا المعنى قولُ سيبويه: (( تقولُ: (ليت زيدًا وهندًا قائمةٌ). فاكتُفِيَ بخبرِ (هندٍ) الذي هو (قائمةٌ) عن (قائمٌ) ، كما يُكتفَى بخبر الأول عن الثاني في قولِك: (زيدٌ منطلقٌ وعمرٌو) ))(5). وقولُ الفراء في قولِه تعالى: [ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ ] [هود/41]: (( إنْ شئتَ جعلْتَ (بسم الله) ابتداءً مكتفيًا بنفسِه ، كقولِ القائل عند الذبيحة ، أو عند ابتداءِ المأكل وشبهِه: (بسم الله) ))(6). ولعلَّ في قول الفراء: (مكتفيًا بنفسِه) دليلاً قاطعًا على أنَّ (الاكتفاء) ينفي التقديرَ ، أو القولَ بالتقدير. ومن هذه الصور - على سبيل المثال - قولُ ابنُ فارس: (( ومن سَنن العرب الكَفُّ ، وهو أنْ تكُفَّ عن ذِكْرِ الخبر اكتفاءً بـما يدلُّ عليه الكلامُ ، كقولِه(7): إذا قلتُ سيروا نحــوَ ليلـى لعلـها جرى دونَ ليلَى مائلُ القَرْنِ أعضَبُ تَرَكَ خبرَ (لعلـها) ))(8). وقد أشار الدكتور أحمد عبد الستار الجواري إلى أثر (الاكتفاء) في اتساع الدلالة وعدم تضييقها بالتزام القول بـ(الحذف والتقدير) ، بقولِه: (( وكثيرًا ما يجري التعبيرُ القرآنيُّ على صورٍ من الإيجازِ والاكتفاءِ لا تُحيطُ بـها قواعدُ النحو ، مثلُ الاكتفاء من الجملةِ الفعلية أو الاسمية بجارٍّ ومجرورٍ، كقولِه تعالى…: [ إِنْ أَحْسَنتُمْ [ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ ] وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلـها] [الإسراء/7] [ومثلُ الاكتفاءِ من جملةِ جواب الشرط بالحال ، كقولِه تعالى:] [ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا] [البقرة/239] ، فقدِ اكتُفِي من جملةِ الجواب بالحال من دونِ ذِكْرِ الفعل وفاعله ومفعولِه ، لأنـه معلومٌ لا حاجةَ لذكرِه))(9). ومـن هذا الضرب من أساليب التعبير القرآنيِّ (( الاكتفاءُ بالخبر ، حيثُ لا حاجةَ لذكر المبتدأ ، في نحو قولِه تعالى: [ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ] [النساء/81]))(10). فالسياقُ كفيلٌ بسلامةِ (الاكتفاء) من جهةٍ. ولهذا (الاكتفاء) من المعاني الإيحائيةِ والظلالية ، ومن الاتساع والمرونةِ ما ليس لغيره من سُبُل التعبير ، أو بـما يرفضُ القولَ بالتقديرِ في مقابلِ القولِ بالحذف من جهةٍ أُخرى.
إنَّ كلاًّ مـن (الاقتصار) و (الاكتفاء) - بِمعنى قـيام الكلام أو الجملـة على نظْـمٍ لا يُحتاجُ فيه - لدلالتِه الخاصة المقصودة - إلى القول بالحذف ولا إلى تقدير مزعومٍ يُطيحُ بتلك الدلالةِ الخاصة ويَمسخها - يشير إلى أنَّ التركيبَ ، أو العبارة ، أو الكلام ، أو الجملة قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ يُقتَصَرُ عليها مستقلَّةً بنفسِها ، أو غير مستقلَّةٍ بنفسِها ، بل تؤدي فكرةً تامةً يحسُنُ السكوتُ عليها بضميمةِ السياق ، وظرْفِ الكلام فتُسمَّى جملةً اكتفائيةً أو اقتصاريةً ، أو جملةً مكتفيةً أو مقتصَرَةً مستقلةً بنفسِها أو سياقيةً ، لا تحتاجُ إلى القول بـ(الحذف والتقدير) القائمَين على أسسٍ منطقيةٍ مؤصَدةٍ تَعْدِلُ بالمعنى المُراد ، أو المُتوَخَّى بالنظْم وصورتِه إلى ما يُخالفُه ويُقيِّدُه. لقد صرَّح جماعةٌ من اللغويين والنحويين بأنَّ الجملةَ العربيةَ قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ ، وهو قولٌ جديرٌ بالالتزامِ - وسيأتي مصداقُه ، إن شاء الله ، في قابل الفصل- ينأى بنا عن التمسُّكِ بالقول بـ(الحذف والتقدير) ، فثـمة استعمالاتٌ لغويةٌ تقتضي أنْ يقومَ الكلامُ ، أو الجملةُ على جزءٍ (كلمةٍ) في استعمالٍ بعينِه ، وعلى أكثرَ من (كلمةٍ) في استعمالٍ آخر بعينِه أيضًا ، على أنْ يكونَ السياقُ وظروفُ المقالِ كفيلين بـهذا الاكتفاء في معظم صوره. فالجملـةُ التي قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ فقط - وهي من الغلبة بـمكان قد ضمَّت الكلامَ والتركيب - مثلُ: (صَه) ، و (تعال) ، و (الصدْقَ) ، والتي قد تقوم على أكثرَ من كلمةٍ ، ولكنها في عداد الكلمة الواحدة ، نحوُ: (بسم الله) ، و (أهلاً وسهلاً) ، و (ضرْبًا المسيءَ) ، قد أدَّت فكرةً تامةً كاملةً حَسُن السكوتُ عليها ، وبالتالي فهي قدِ اكتفت بـما هي عليه ، ولم تحتَجْ إلى تقديرٍ لكلماتٍ مزعومةٍ تَحُطُّ بروعةِ النظم.
والجملةُ المكتفيةُ التي تقومُ على كلمةٍ أو أكثر ، ولكنها لا تستقلُّ بنفسِها ، أي: لا تؤدِّي فكرةً تامةً يحسُنُ السكوتُ عليها ، وهـي بِمعزل عن سياقِها وسوابقِها ولواحقِها ، وظروفِ القول التي وردت فيها ، تكونُ لغوًا من القول فيما لو قُطِعت عن سياقِها وبُتِرت عن سوابقِها ولواحقِها ، نحوُ (رسولُه) في قولِه تعالى: [ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ] [التوبة/3] ، ونحوُ: (خيرًا) في قولِه تعالى:[ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا] [النحل/30]. فكلٌّ من (رسولُه) و (خيرًا) جملةٌ مكتفيةٌ - وسيأتي بيانُ ذلك ، إن شاء الله ، في قابل هذا الفصل- فيها من المعاني والدلالات الإيحائية الباطنية ما لا يُمكن تحققُه وإفادتُه فيما لو كان كلٌّ منهما على صورة الجملة (غير المكتفية) ، أو على الصورة المتخيلةِ التي زعمها القائلون بـالحذف والتقدير ، (( فكلمةُ (خيرًا) هي في الحقيقةِ جملةٌ في سياقِها ، لأنـها تُشيرُ إلى معنًى يحسُنُ السكوتُ عليه))(11). وسيأتي بيانُ ذلك. إلاَّ أنَّ كلاًّ منهما ، أي: (رسولُه) و (خيرًا) وما شابـههما من الجمل المكتفية السياقية لا يستقلُّ بنفسِه ليكونَ كلامًا تامًّا ذا فائدةٍ يحسُنُ السكوتُ عليه ، فلا معنى لـ(رسولُه) ، ولا لـ(خيرًا) ، أي: أَنـَّهما بلا معنى إنْ كانا مستقلَّين ، وأَنـَّهما لفي غير ما سيقا لأجله فيما لو قُدِّرَ معهما (مَحذوفٌ مزعومٌ). واللهُ أعلم.
س/ عرِّف بالاكتفاءِ النحويِّ ، في ضوءِ ما درستَ. ومثِّلْ لذلك بما ورد في النصِّ القرآنيِّ ؟ ---------------------------------------------------------------------
(1) أعني بـها: ما تضمنت إسنادًا واستوفت رُكنَي الإسناد. لا أنَّ الذي يُقابلـها يسمى: (الجملة الناقصة). (2) ينظر: المفصل في علم العربية ، الزمخشري53-54. والمقرَّب114:1. وحاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك ، محمد بن علي الصبان34:2. وحاشية الخضري على ابن عقيل ، محمد الخضري162:1. (3) ينظر: في البنية والدلالة127-128. (4) شرح نهج البلاغة361:19. وينظر: غرر الحكم ودرر الكلم ، عبدالواحد بن محمد التميمي398. (5) الكتاب284:1 (ط/ د.عبدالسلام هارون). (6) معاني القرآن14:2. (7) البيت مجهول القائل. (8) المزهر338:1. وينظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، ابن رشيق القيرواني ، تح: محمد محيي الدين عبدالحميد250:1. ونحو المعاني ، د.أحمد عبدالستار الجواري67. (9) نحو القرآن48. (10) نحو المعاني67. (11) في نحو اللغة وتراكيبـها141.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|