انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دراساتٌ في نحوِ القرآن/ المحاضرةُ العاشرة/ لاكتفاء في الجمل (الجملة المُكتفية) :

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود       24/12/2016 18:36:39
المحاضرة العاشرة/

الاكتفاء في الجمل (الجملة المُكتفية)

د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود

مدخــل: الجملة والكلام:

لقد حظِيت دراسةُ المفرداتِ فـي ميدانِ البحثِ النحويِّ بالسهْمِ الأوفر من جهدِ النحويين ، فغدت كتبُ النحوِ ومصنفاتُه زاخرةً بدراسةِ أحوالِ أواخـرِ المفرداتِ ، وما يتعلَّقُ بـها من عملٍ وعاملٍ دونـما إعطاءِ مثيلٍ لهذا القدْرِ مـن الجهدِ لدراسةِ الجملـةِ والتركيب ، مِما تبيَّن منه (( أنَّ دراسة النحو كانت تحليليةً لا تركيبيةً. أي: أَنـَّها كانت تُعنى بِمكوناتِ التركيبِ ، أي: بالأجزاء التحليلية فيه أكثرَ من عنايتها بالتركيب نفسِه))(1).
ولعلَّه غيرُ خافٍ على مطَّلعٍ أنَّ دراسةَ الجملةِ بدأت بسيطةً على شكلِ إشاراتٍ قليلةٍ ذكرها سيـبويه في (باب المسند إليه) ، ولكنه خصَّصها لدراسةِ الكلمةِ المفردةِ بشكلٍ جليٍّ معتمدًا مسألةَ التلازُم ، أو وجوبَ الذكر ، أو التقدير الذي ذهبَ إلى أنه ( لابدَّ منه) في تشكيلِ الجملةِ في حديثه المدوَّن عن المسند والمسند إليه بقولِه: (( وهما ما لا يستغني واحدٌ منهما عنِ الآخر ، ولا يجدُ المتكلِّمُ منه بدًّا ، فمن ذلك الاسمُ المبتدأُ والمبنيُّ عليه ، وهو قولُك: (عبدُاللهِ أخوكَ)… ومثلُ ذلك قولُك: (يذهبُ زيدٌ) فلابُدَّ للفعْلِ من الاسمِ ، كما لم يكن للاسمِ الأول بُدٌّ من الآخر في الابتداء))(2).
وهي نظرةٌ في دراسةِ الجملةِ قائمةٌ - كما ذكرتُ - على فكرةِ التلازُمِ ، وأنه لابدَّ من وجودِ المسندِ والمسندِ إليه في الجملةِ ، وما يتعلَّقُ بـهذه المسألة من تعليلٍ للحركةِ وبيانٍ للعمل.
ولم يزِدْ من جاء بعد سيبويه في دراسةِ الجملةِ شيئًا حتى جاء الزجاجيُّ فوضع كتابًا عنوانُه: (الجمل) إلاَّ أنه ليس فيه نصيبٌ لدراسةِ الجملةِ سـوى باب (حكاية الجمل) خلص فيـه إلى (( أنَّ الجملةَ تغيِّرُها العواملُ. وهي كلامٌ عمِل بعضُه في بعضٍ ، فهي تُحكَى على ألفاظِها ))(3).
ثم ازداد نشاطُ النحويين في دراسةِ الجملةِ ، ولاسيَّما عند أبي علي الفارسيِّ الذي أشار إلى تأليف الجملِ من الكَلِمِ الثلاث (الاسم والفعل والحرف)(4).
ومن الجدير بالذكر أنَّ دراسةَ الجملةِ (5) - التي بدأت وئيدةً ووسيلةً لا غايةً - قد حظِيت باهتمامٍ كبيرٍ على يد ابن هشام الأنصاري في كتابِه (مغني اللبيب) في جزئِه الثاني بخاصةٍ. فقد تناولـها بصورةٍ مفصَّلةٍ من حيثُ أقسامُها ومحلـها من الإعراب أو عدمُه ، ومن حيثُ مجيؤُها بسيطةً أو مركبةً ، ومن حيثُ ورودُ أجزائِها أو عدمُه ، كما في مذهبِ النحويين (6).
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ الطابعَ الذي انـمازت به المصنفاتُ النحويةُ الأولى والمتأخرةُ في دراستِها للجملةِ أنَّ هذه الدراسةَ لم تُعْنَ - بشكلٍ عامٍّ - بالجملةِ إلاَّ في ضوءِ مَجيئِها في محلِّ المفردِ ودراستِها بطريقِ فكرةِ العملِ فقط ، وما يعتوِرُ مكوِّناتِها وأركانَها من ضوابطَ تُمليها فكرةُ العمَلِ هذه. ولو أنَّ الحركةَ الإعرابيةَ وما يُوجبـها في عرفِ النحويين تَظهرُ على آخرِ الجملةِ ، كما تظهرُ على آخر المفردِ لأُوليَتِ الجملةُ بالدراسةِ عنايةً لا تقلُّ شأنًا عن دراسةِ المفرداتِ ، وما يطرأُ على أواخرها من حركاتٍ تتغيَّرُ تبعًا لتغيُّرِ العوامل ، على عِِلاَّتِ هذه الدراسة.
وفي شأنِ (الجملة) و (الكلام) تباينَ النحويون في نظرتِهم إلى كلٍّ منهما ، فمنهم من ذهب إلى أنَّ الجملةَ تُرادفُ الكلامَ ، إذ يُعبِّرُ كلٌّ منهما عن لفظٍ مستقلٍّ ذي فائدةٍ. فالجملةُ هـي الكلامُ ، والكلامُ هو الجملةُ. وهـذا رأيٌ ذهبَ إلـيه معظمُ النحويين ، ولاسيَّما المتقدمون منهم ، مثل أبي عليٍّ الفارسيِّ إذ عقد في كتابِه (المسائل العسكريات) بابًا سـمَّاه: ((باب ما ائتلف من هذه الألفاظِ الثلاثةِ كان كلامًا مستقلاًّ، وهو الذي يسميه أهلُ العربية الجملَ))(7).
وقدِ التزمَ ابنُ جني هذا الرأيَ فعدَّ (( الكلامَ: كلَّ لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه ، مفيـدٍ لمعناه ، وهو الذي يسمِّيه النحويون (الجمل) ، نـحو: (زيدٌ أخوك) ، و(قام محمدٌ) ، و(ضُرِبَ سعيدٌ)…و(صه) ، و(مه) و(رُويد) ، و(حاء) ، و(عاء) في الأصوات ، و(حس) ، و(لب) ، و(أُف) ، و(أوه). فكلُّ لفـظٍ استقلَّ بنفسِه ، وجُنيت ثمرةُ معناه فهو كلامٌ ))(8).
وبـه قال ابنُ يعيش ، إذ أشار إلى (( أنَّ الكلامَ عند النحويين عبارةٌ عـن لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه مفيدٍ لِمعناه ، ويسمَّى الجملة))(9).
فالجملةُ والكلامُ يلتقيان في أنَّ شرطَ كلٍّ منهما أنْ يكونَ مفيدًا ، إلاَّ أنَّ ثـمة فرقًا بينهما لم يُشِر إليه القدامى صراحةً ، مثل ابن جني وغيره ، لكنه يُستنبطُ من أقوالِهم كقول ابنِ جني المذكور آنفًا، وهو أنَّ (( كلَّ لفظٍ استقلَّ بنفسِه ، وجُنِيت ثـمرةُ معناه فهو كلام)). فهذا الفرقُ يتجلَّى في الإسنادِ ، فما كان فيه إسنادٌ وهو مفيدٌ مستقلٌّ بنفسِه فهو جملةٌ ، أو جملةٌ إسناديةٌ ، وما لم يكن فيه إسنادٌ ، وهو مفيدٌ مستقلٌّ بنفسِه ، ولو قام على كلمةٍ واحدةٍ فهو كلامٌ ، أو هو جملةٌ غير إسناديةٍ ، فالجملةُ أو الجملةُ الإسناديةُ شيءٌ والكلامُ أو الجملةُ غيـرُ الإسناديةِ شيءٌ آخر فـي ضوء هذا الفرق ، إذ يفترقان في الإسناد وعدمِه ، ويلتقيان في تحقق الفائدة من كلٍّ منهما. قال برجستراسر: (( أكثرُ الكلامِ جملٌ… ومن الكلامِ ما ليس بجملةٍ ، بل هو كلماتٌ مفردةٌ ، أو تركيباتٌ وصفيةٌ ، أو إضافيةٌ ، أو عطفيةٌ غير إسناديةٍ. مثالُ ذلك: النداء ، فإنَّ (يا حَسَنُ) ليس بجملةٍ ، ولا قِسْمٍ من جملةٍ ، وهو مع ذلك كلامٌ ، ويُشبهُ الجملةَ في أنه مستقلٌّ بنفسِه ، ولا يحتاجُ إلى غيره مظهَرًا كان أو مقدَّرًا ))(10). ومن الكلام المفيد - على حدِّ توصيف برجستراسر- قولُنا: (بسم الله) ، و(صه) ، و(في الدار) جوابًا عن السؤال: (أين زيدٌ)… وسواها مِما مرَّ ذِكْرُه.
ويُستخلَصُ مِما مرَّ أنَّ السامعَ متى ما أفاد من التعبير سواءٌ أكان قائمًا على جملةٍ كاملةٍ (إسناديةٍ) أم على كلامٍ مفيدٍ ليس بجملة - كما يرى برجستراسر- أو هو جملةٌ مُكتفِيةٌ مقتَصَرَةٌ - كما أراها وأسمِّيها مستعملاً مصطلحًا عرفـه النحويون في مجالٍ محدَّدٍ ، ولـم يُريدُوا به ، عمومًا ، ما اعتمدتُه في دراستي هذه - قائمةٌ على كلمةٍ واحدةٍ ، أو تعبيرٍ وتركيبٍ معيَّنٍ ، فقد تحقق أنَّ هذا المسموعَ المفيدَ هو جملةٌ أو كلامٌ (جملةٌ مكتفيةٌ مقتَصَرةٌ) ، بصرفِ النظر عن التوجيهاتِ والالتزاماتِ المنطقيةِ المزعومةِ في أجزاءِ الجملة.


س1/ ما معنى الاكتفاء ؟ وكيف يُعرَفُ في الجملةِ ؟
س2/ بين (المفرد) ، و(الجملة) في الدرسِ النحويِّ تفاوتٌ في عنايةِ الدارسين من علماءِ اللغةِ العربيةِ. بيِّن ذلك ؟
س3/ ما المائزُ الدقيقُ بين: الجملة ، والكلام ، والعبارة ؟
---------------------------------------------------------------------------
(1) اللغة العربية: معناها ومبناها، د. تمام حسان 16. وينظر: نحو التيسير ، د. أحمد عبدالستار الجواري 46و51.
(2) الكتاب 48:1 (ط/ د. إميل).
(3) الجمل في النحو ، تح: علي توفيق الحمد 323.
(4) الإيضاح العضدي ، تح: د.حسن شاذلي فرهود 9.
(5) ينظر في مراحل دراسة الجملة على سبيل المثال: المسائل العسكريات في النحو العربي ، أبو علي الفارسي تح: د.علي جابر المنصوري 36-40. والجملة الوصفية في النحو العربي ، د. شادن صلاح 11-27.
(6) ينظر: مغني اللبيب 2: 42-74.
(7) الصحيفة 83. وقصدُه بالألفاظ الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.
(8) الخصائص 15:1.
(9) شرح المفصل20:1. وينظر: في النحو العربي: نقد وتوجيه33. ومن أسرار اللغة ، د.ابراهيم أنيس191. وعلم اللغة العام/ الأصوات ، د.كمال محمد بشر251:2. والجملة الوصفية20.
(10) التطور النحوي125. وينظر بالرؤية نفسها: نحو القرآن25-26. وفي أصول النحو العربي ، د.محمد عيد220.

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم