انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة 10- بلاغة القرآن

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي       07/04/2021 20:15:09
بسم الله الرَّحمنِ الرَّحيم
المحاضرة العاشرة / بلاغة أسلوب النِّداء في النَّصّ القرآنيّ
الأستاذ الدُّكتور رحيم الشَّرِيفِيّ
في هاتهِ المحاضرة سنتحدّثُ عن بلاغة أسلوب النِّداء في النَّصِّ القرآنيّ ، وهو الأسلوب الرابع من أساليب الإنشاء الطَّلبيّ ، بعد أساليب الأمر والنَّهْي والاستفهام ؛ إذ أدخله البلاغيُّون في الإنشاء الطَّلبيّ .(1)
وقبل الغور في مسارب هذا الموضوع وتبيان معالمه ومظاهره علينا أن نتبيّنَ دلالة النِّداء في ثلاثة محاورَ :
المحور الأوَّل : النِّداء لغةً
النِّداء والنُّداء لغتانِ من ندى أو ندو ، قال ابن فارس (395ه) : (( النُّون والدَّال والحرف المعتلّ يدلُّ تجمّعٍ ، وقد يدلُّ على بلل في الشَّيء ، فالأوّل : النَّادي والنَّديّ المجلسُ يَنْدُو القومُ حواليه ، وإذا تفرَّقوا فليس بنديٍّ ، ومنه دار النَّدوة بمكّةَ ؛ لأنَّهم كانوا يندُونَ فيها ، أي يجتمعونَ ، وناديته : جالسته في النَّديِّ..... والأصل الآخر : النَّدى منَ البَللِ ..... ومن الباب : ندى الصَّوت : بُعْدُ مذهبهِ ، وهو أندى صوتًا ))(2).
ويرى ابنُ منظور(711ه) أنَّ النِّداءَ والنُّداءَ : ((الصَّوتُ مثل الدُّعاء والرُّغاء ، وقد ناداه ونادى به وناداه مناداةً ونِداءً أي : صاح به))(3).
ويرى الفيُّوميّ أنَّ ((النِّداء الدُّعاء وكسر النُّون أكثرُ من ضمِّها والمدُّ فيهما أكثرُ من القصْرِ ، وناديتُه مناداةً ونِداءً من باب قاتَلَ إذا دَعَوتُهُ )) (4).
في ظلّ ما تقدَّم فإنَّ الدَّلالة المحوريَّة ل( النِّداء ) الاجْتماع وبعد الصّوت ؛ فالنِّداء يتطلّبُ الاجتماع والتَّحاور والدُّعاء والصَّوت بين الجالسينَ.
المحور الثاني : النِّداء في الاستعمال القُرْآنيّ
في ضوء متابعة النَّسق المفهوميّ لمشتقات مادة ( ن د و) أشار الرَّاغبُ الأصفهانيّ إلى جملة من الدَّلالات المحتملة (5) ، ل ( النِّداء ) في النّصّ القرآنيّ منها : رفع الصّوت وظهورُهُ قال تعالى (( ومثل الذين كفروا كمثلِ الَّذي ينعِقُ بما لايسمع إلَّا دعآءً وندآءً ))(البقرة / 171) ، وقوله تعالى : (( وإذْ نادى ربُّكَ مُوْسى ))(الشّعرآء/ 10) ، وكذا التَّنبيه على البعد عنِ الحقِّ في قوله تعالى : (( واستمعْ يوم يُنادِ المُنَادِ من مكان قريبٍ )) ( ق /41) ، وقوله تعالى : (( وناديناه من جانب الطُّور الأيمن ))(مريم / 52) ، وعُبِّرَ عن المجالسة بالنِّداء حتَّى قيل للجليس ، قال تعالى : (( فلْيدعُ ناديَهُ )) ( العلق / 17) ، والخفيُّ من الصَّوت ويتجلَّى في نداء زكريا ( عليه السَّلام ) ربَّه ؛ لأنَّه تصوَّر نفسه بعيدًا منه بذنوبه وأحواله السَّيِّئة كما يكون حال مَنْ يخافُ عذابه قال تعالى : (( إذ نادى ربَّه ندآءً خفيًّا )) ( مريم / 3) .
المحور الثالث : النِّداء في اصطلاح البلاغيِّينَ
لا يكاد يفترق المصطلح البلاغيّ ل ( النِّداء) عن دلالته اللُّغويّة وكذا دلالته في الاستعمال القرآنيّ ، فالدعوة وطلب الإقْبال والتَّنبيه حاضرة في التَّعريف الاصطلاحيّ ، فهو : التَّصويت بالمنادي ليقبلَ ، أو هو طلب إقْبال المدعوّ إلى الدَّاعي .(6)
ومن التعاريف التي وقفنا عليها عند المتأخرينَ والمحدَثينَ :
1- عرّف الخطيب القَزوينيّ النداء : ((طلب إقبال المخاطَب ، أو هو دعوة المخاطَب بحرفٍ من حروف النِّداء يحلّ محلّ الفعل المضارع : أُنادي ))(7).
2- عرَّف محمد بن عليّ الجرجانيّ الحلّيّ النِّداء : (( هو إنشاء نسبة النِّداء بحرفٍ يقوم مقامها ليُقبِلَ المخاطَب به إلى المتكلّم به بقلبه ، وليس مقصودًا بذاته وإنَّما ينادَى ؛ ليُبْدأ بكلام بعده ، أو ليعلمَ حضوره أو غيبته ، أو لنسبة صفة إليه فيكتفى بإطلاق مشتقِّ منها عليه ، يا فاسقُ ، ليعيِّره به ، أو يا مظلومُ ، لتغريه على التَّظلّم ))(8).
3- عرّف عليُّ بن حمزةَ العلويّ النِّداء بأنَّه : (( هو التَّصويت بالمنادَى ؛ لإقْباله عليك ، هذا هو الأصل في النِّداء ، وقد تخرجُ صيغة النِّداء إلى أن يكونَ المرادُ منها غير الإقْبال ، بل يُرادُ منها : التَّخصيص ، كقولك : أمَّا أنا فأفعلُ كذا أيُّها الرَّجلُ ، ونحنُ نفعلُ كذا أيُّها القومُ ، واللَّهمَّ اغفرْ لنا أيَّتُها العصابةُ ، ولم يعنُو بالرَّجلوالقوم إلَّا أنفسهم ))(9).
4- عرَّف أحمد مصطفى المراغي النِّداء بأنَّه (( دعوة المخاطَب بحرفٍ نائب مناب فعلٍ ك( أدْعُو ) ونحوه ))(10)
5- عرَّفه عبد العزيز عتيق بأنَّه (( طلب إقْبال المدعو على الدَّاعي بأحد حروف مخصوصةٍ ينوبُ كلُّ حرفٍ منها مناب الفعلِ أدْعُو ))(11).
6- وعرَّفه الدكتور بسيوني عبد الفتَّاح بأنَّه (( طلب الإقْبال بحرف نائب مناب (أدْعُو ) ؛ ليصغي المدعو إلى أمر ذي بالٍ ))(12).
وفي ظلّ ما تقدّم من تعاريف نبصُرُ أنَ الدَّلالة المصطلحيّة ل ( النِّداء ) هي طلب إقْبال المُنَادَى وتنبيهه وإيقاظه لأمر مهمّ يستدعي الانتباه والإيقاظ والتَّأمُّل والتَّفكّر والتَّدبّر ، فهو رسالة موجَّهة من منتج الخطاب المتكلّم إلى المتلقّي ؛ من أجل إيقاع فعل التَّنبيه والإيقاظ والإدراك والتَّفكر ، فهو يمثّلُ قوة إنجازيَّة تأثيريَّة في مستقبل الخطاب ( المخاطَب ) (13)
وفطن الدكتور عمر إسماعيل البرزنجيّ لأثر هذا الأسلوب في التَّواصُل الاجتماعيّ ، فهو وسيلة نافعة ومثمرة في التَّواصُل بين النَّاس ودليلٌ لاجتماعيَّة اللُّغة وبعدها التَّداوليّ الثَّابت .(14)
معالم أسلوب النِداء في النَّصّ القرآنيّ ومظاهرُهُ
في هذه الفِقْرة سيكون الحديث عن أهمّ المعالم التي تجلّت في النَّصّ القرآنيّ ، وهي :
حرف النّداء (يا) ظاهرًا ومضمرًا
لم يرد من حروف النِّداء في النَّظْم القرآنيّ سوى (يا) خاصَّة ، إذ (( الغاية منَ النِّداء القرآنيّ أن ينتبه المنادي فيصغي إلى ما يلقى إليه ؛ لأنَّ كلَّ ما نادى الله له عباده من أوامرَ ونواهٍ وعظات وزواجر ووعد ووعيد ونحو ذلك ممَّا أنْطَقَ به كتابه أمور عظام ومعانٍ ينبغي أن يتيقّظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها ))(15).
من ذلك قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )) (المائدة /1) ، وقوله تعالى : (( يا أيُّها المدّثر قمِ اللَّيل ))(المثر /1) ، وقوله تعالى : (( يا أيَّتُها النَّفسُ المطمئنَّةُ ارجعي إلى ربِّك ))(الفجر/27-28) ، وقوله تعالى : (( قالوا لئن لم تنتهِ يا نوحُ لتكُوننَّ من المَرْجومينَ ))(الشعراء / 116).
وسكت عن حرف النِّداء في النَّصّ القرآنيّ في مواضعَ عدّةٍ ؛ بدَلالة الاكتفاء وقصديَّة قرب المُنادى وخضوع الدَّاعي إلى الخالق العظيم وشعوره الآكد بقربه منه (جلَّ جلاله) ، ومن ذلك قوله تعالى على لسان الأنبياء ( موسى وإبراهيم ونوح ولوط )عليهمُ السَّلام ، قال تعالى : (( قال ربِّ إنِّي أخاف أن يُكذِّبون ))(الشعراء /12) ، وقوله تعالى : (( رَبِّ هبْ لي حكمًا وألْحقْني بالصَّالحينَ))(الشعراء 83) ، وقوله تعالى ((قال ربِّ إنَّ قومي كذَّبون ))(الشُّعراء / 117) ، وقوله تعالى : (( رَبِّ نجِّني وأهلي ممَّا يعملونَ ))( الشعراء /169) ؛ إذ ((نجد حذف حرف النداء (يا) في كلّ هذه الآياتى التي تأتي للقريب والمتوسِّط والبعيد ، واستعمل الأنبياء هذا الأسلوب بصيغة الدُّعاء في حالة شكواهمىأو نجاتهم من قومهم ))(16).
وتتجلَّى دلالة الاكتفاء باضمار حرف النِّداء (يا) في أسلوب ( اللَّهمَّ) الذي ورد في النَّصّ القرآنيّ ؛ من أجل استظهار دلالة القرب الإلهيّ من المنادَى وهو الخالق العظيم ، وشدّة الاتِّصال والالتصاق به (جلَّ جلاله ) ، قال تعالى : (( قل اللَّهمَّ مالك المُلك تؤتي الملك مَن تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزُّ منْ تشآء وتذلُّ من تشاء ))(آل عمران / 26) ، وقوله تعالى : (( قال عيسى ابنُ مريمَ اللَّهمَّ ربَّنا أنزلْ علينا مآئدة منَ السَّماء تكون لنا عيدًا لأوَّلِنا وآخرنا وآية منك ))(المائدة /114).
تنوّع المنادَى في النَّصِّ القرآنيّ
من المعالم الإعجازيّة في النَّظْم القرآنيّ تلوّن المنادَى وتنوّعه ؛ إذ لم يقف النِّداء في القرآن الكريم عند نداء الحيّ العاقل ، بل تجاوزه فنوديت الطُّيور والحيوانات والجمادات ومشاهد الّبيعة وأحوال النَّفس ، نوديت الإبل والأرض والسّماء والجبال والنّمْل والطَّير ، إذ أنزلها اللهُ العليّ العظيم منزلة العاقل فأمرها ونهاها فهي مسخّرةٌ ومطيعةٌ لله (عزَّ وجلَّ ) من ذلك قوله تعالى : (( ولقد آتينا داوُد منَّا فضلًا يا جبالُ أوِّبي معه والطَّيرَ ))(سبأ / 10) ، وقوله تعالى : (( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ))( هود /44) ، ونلمح نداء ليت والنفس وويلتي وحسرتي والبشرى وإنزالها منزلة الشَّاعرة بالآلام والتَّحسُّر والفرح والسّ{ور وغيرها من عوارض النَّفس الإنسانيّة على وَفْق معاينة السِّياق وقرائن الحال ، قال تعالى : (( ويوم يَعَضُّ الظَّالم على يديه يقول يا ليتني اتَّخذْتُ مع الرَّسول سبيلًا يا ويلتَى ليتني لم أتَّخذْ فلانًا خليلًا ))(الفرقان / 27-28) ، وقوله تعالى : (( أن تقولَ نفسٌ يا حسرَتَى على ما فرَّطْتُ في جنب الله ))(الزُّمُر / 56) ، إذ لايخفى الشعور بالنَّدم والحسرة والأسى في أعلى الدرجات ؛ كأنَّ الويل والحسرة تسمع وتشعر وترى .
ونلمح مناداة البشرى في سورة يوسف للدَّلالة على شدّة الفرح والغبطة والسُّرور ، قال تعالى : (( وجاءت سيَّارةٌ فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ))( يوسف / 19) ؛ (( وكأنَّه يريدُ : يا بشرى أقْبلي فهذا أوان حضورِكِ ، إنَّ نداء البشرى في الآة الكريمة يدلُّ على فرْطِ السُّرورِ وغاية الاستبشار بالغلامِ الَّذي عُثِرَ عليه ))(17).
مصاحبة النِّداء الأمر والنَّهْي
من المعالم والمظاهر التي نرصدها في النَّصّ القرآنيّ أن يصحبَ النِّداءَ أمرٌ أو نهيٌ ، وهو ما نطلقه عليه ب ( التَّلاحق أو التوالي أو التَّعاقب الإنشائيّ الطَّلبيّ ) ، وهذا التَّلاحق يعطي قوة إنجازيّة وتأثيريّة في النّصّ وهو ضربٌ من التَّراكم الدَّلاليّ في النّصِ ؛ إذ تتوشج دلالات الإقْبال والتَّنبيه والإيقاظ والطَّلب والمنع في النّصّ وكلُّها أماراتٌ على عظم الخطاب وكونه يتحدّث عن قضيَّةٍ جليلة ، قال تعالى : (( يا أيُّها الناسُ اعبدوا ربَّكم ))(البقرة / 21) ، وقوله تعالى : (( يا أيُّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ))(الحجرات / 1) .
وقد يلحق النّداء استفهام فتتحقّق دلالتان التنبيه والإيقاظ والاستخبار ، قال تعالى : (( يا أبتِ لِمَ تعبدُ ما لايسمعُ ولا يبصرُ ))( مريم /42).
خروج النِّداء إلى سياقات توليديّة وإنتاجيّة
يخرج النّداء في القرآن الكريم إلى سياقات توليديّة وإنتاجيَّة ( معانٍ مجازيَة) ، بحس السِّياق وقرآئن الأحوال ومن هاته السِّياقات :
1- التَّحبُّب والتّودُّد كقوله تعالى : (( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بُنيَّ اركبْ معنا ولا تكن مع الكافرينَ ))(هود /42) .
2- النّصيحة والإرشاد كقوله تعالى : (( يا بنيَّ أقمِ الصَّلاة وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك ))(لقمان / 18).
3- التَّحسّر والتّيْئيس كوله تعالى : (( ويقول الكافر يا ليتني كنتُ تُرابًا ))(النَّبأ /40).
4- التَّعيين والاختصاص كقوله تعالى : (( وتوبوا إلى الله جميعًا أيُهَ المؤمنون لعلَّكم تُفْلِحونَ))(النُّور / 31).
5- الدَّهشة والتَّعجُّب كقوله تعالى : (( يا حسرةً على العبادِ ما يأتيهم من رسولٍ إلاَّ كانوا به يستهزءُونَ ))(يس /30).
6- الترك والمنع كقوله تعالى : (( يا إبراهيمُ أعْرَضْ عنْ هذا إنَّه قد جاء أمرُ ربِّكَ ))( هود/76).
7- الغبطة والفرح والسرور كقوله تعالى : (( قيل يا نوحُ اهْبطْ بسلامٍ منَّا وبركاتٍ عليك وعلى أُممٍ ممَّنْ معكَ ))(هود / 48).
8- الإغراء والتَّحذير وقد اجتمعتا في قوله تعالى: (( ناقةَ اللهِ وسقياها)) ( الشمس/13) إذ سكت عن حرف النداء (الياء) بدلالة الاكتفاء وسرعة الخِطاب وتوكيده(18).



وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلَّى الله على محمدٍ وآله الطَّاهرينَ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم