انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة 8 - بلاغة القرآن

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي       07/04/2021 20:03:46
بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المحاضرة الثامنة : الخبرُ وأضربُهُ ومؤكّداتُهُ في النَّظْمِ القُرْآنيّ
الأستاذ الدُّكتور رحيم الشَّريفِيّ
الخبرُ مصدرٌ على وزن فَعَل بمعنى العِلْم والإعلان والذِّيوع ، قال ابنُ فارسٍ : (( الخاء والباء والرَّاء أصلانِ : الأوَّل العِلْمُ ، والثَّاني يدلُّ على لينٍ ورَخاوةٍ وغُزْرٍ ))(1).ويرى الرَّازيّ أنَّ الخبرَ واحد الأخْبار ، والاستخبار السُّوال عنِ الخبر ، وخبَرَ الأمر علِمه والاسم الخُبْر بالضّمّ وهو العلم بالشَّيء.(2)
والخبر في الاستعمال القرآنيّ هو العلمُ بالأشياء المعلومة من جهة الخبرِ ، وأخبرتُ : أعلمتُ بما حصل لي من الخبرِ ، وقيل : الخبرة المعرفة ببواطن الأمور ، وقوله تعالى : (( واللهُ خبيرٌ بما تعلمونَ ))( آل عمران 153)، أي :عالم بأخبار أعمالكم ، وقيل : أي عالم ببواطن أموركم ، وقيل : خبير بمعنى مخبرٍ كقوله : (( فينبِّئكم بما كنتم تعملونَ ))(المائدة 105).(3)
نخلص ممَّا تقدَّمَ أنَّ الخبر بمعنى العلم و الإلمام والدراية والإحاطة.
الخبر عند البلاغيِّينَ
تكاد تعاريف البلاغيّين تتظافر على أنَّ الخبر هو : (( قولٌ يحتملُ الصِّدْقَ والكذبَ ، ويصحُّ أن يقالَ لقائله : إنَّه صادقٌ أو كاذبٌ والمقصود بالصِّدْقِ : مطابقتهُ للواقع ، والمقصود بالكذب : عدم مطابقتهِ للواقعِ ))(4).
وليس بخافٍ أنَّ المراد بالواقع النسبة الخارجيّة المتحقٌّقة أو غير المتحقّقة فإذا قلنا : تفسير الكشَّاف للطَّبرسيّ ، فإنَّ هذا الخبر يحكم عليه بالكذب ؛ لأنَّ الواقع يشهد أنَّه للزَّمخشريّ ، وإذا قيل : إنَّه للزمخشريّ ، فإنَّ الخبر صادقٌ ؛ لأنَّ الواقع يحكم أنَّه للزَّمَخْشَرِيّ .
وأضاف الأصوليِّين قيدًا آخرَ مع مطابقة الواقع أو نفي مطابقته وهو أنّ موضوع الخبر دَلالته على قصد الحكاية والإخبار عنِ الثّبوت أوِ النَّفْي في الواقع ؛ بخلاف الإنْشاء الَّذي هو تعبير عن أمْرٍ نفسيّ آنيّ غير قصْدِ الحكاية والقِصَّة .(5)
وأضافَ أحمد الهاشميّ كلمة ( لذاته) للتعريف المشهور ، قال : (( الخبرُ : هو ما يحتملُ الصِّدْقَ والكَذِبَ لذاتهِ ))(6). أي لذات الخبر عينه فلا يلتفت إلى قائله وإن كان صادقًا ، واستثني من ذلك أخبار القرآن وكلام الرُّسل والأنبياء والأئمة ( عليهمُ السَّلامُ) ، والبدهيَّات المشهورة فإنَّها منَ الأخبار الصَّادقة .
الجملة الخبريّة
لاجَرَمَ أنَّ الجملة هي المكون الرئيس للربط في سير الأحْداث لكلِّ عبارة أدبيّة ضمن التَّراكيب اللُّغويَّة ، والجملة على نوعينِ الإسميَّة والفعليَّة من جهة دلالتي الثُّبوت والحدوث ، فنسق الاسم ونمطه معبِّرٌ عنِ استقرارِ المعنى وثبوته ودوامه وحدوثه خارجٌ عن إطار الزَّمان ، وأمَّا نمط الفعل فيعبر عن نفي الاستقرار والثُّبوت والدَّوام .(7)
ونبصر بالدَّلالتينِ في تركيب الجملتينِ الإسميَّة والفعليَّة في قِصَّة موسى (عليه السَّلامُ)قوله تعالى : (( فألقى عصاه فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ ونزعَ يدهُ فإذا هِيَ بيضآءُ للنَّاظرينَ ))(الشعراء 32-33) ، إذ بدأت الآيتانِ بالجملة الفعليَّة ( فألقى عصاهُ) ، وجاءت بعدها جملة إسميَّة (هي ثعبان ) ، والجملة الفعليَّة ( ونزع يده) جاءت بعدها الجملة الإسميَّة ( هي بيضآء) ، فإنَّ الإلقاء والنَّزْعَ متحرِّكانِ وغيرُ ثابتينِ إذ يمكن القيام بهما بصورة أخْرى ، أمَّا الجملتانِ الإسميَّتانِ ( هي ثعبان مبين ) ، ( هي بيضاء للنَّاظرينَ) ، فهما حالتانِ ثابتتانِ في الأحوال كلِّها في كلِّ زمان ومكان ، فتحوّل العصا إلى ثعبان ثابتٌ لم يتحوَّل إلى دابّة مثلًا ، وبياض اليد ثابتٌ أيضًا .(8)
ويبدع عبدُ القاهر الجرجانيّ في تلمُّس الفرق دلاليًّا بين الخطاب القرآنيّ الإسميّ والخطاب القرْآنيّ الفعليّ ، قال : (( في الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل ، وأنَّ الفعلَ يدلُّ على التَّجدُّد والحُدُوثِ والاسمُ على الاستقرار والثُّبوت ، ولايَحْسُنُ وضع أحدُهما موضع الآخر، فمنه قوله تعالى : (( وكلبهم باسطٌ ذِراعيه بالوَصيد )) ، لو قيل : ( يبسطُ) لم يؤدِّ الغرضَ ؛ لأنَّه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط وأنَّه يتجدَّد له بشيء بعد شيءٍ ، ف ( باسطٌ) أشعرُ بثبوت الصِّفة ، وقوله : (( هل منْ خالِقٍ غيرُ اللهِ يرزقُكم ))، لو قيل ( رازقكم ) لفات ما أفاده الفعلُ من تجدُّد الرِّزْقِ شيئًا بعد شيءٍ ؛ ولهذا جاءتِ الحالُ في صورة المضارع معَ أنَّ العاملَ الذي يفيدُه ماضٍ ؛ كقولكِ : جاء زيدٌ يضربُ ، وفي التَّنزيل : (( وجاءؤا أباهم عِشاءً يبكونَ )) ، إذِ المراد أن يريدَ صورة ما هم عليهم وقت المجيء وأنَّهم آخذون في البكاء يجدّدونَهُ شيْئًا بعد شيءٍ ))(9).
ونبصُرُ بالتحليل البلاغيّ الحاضرفي تبيان دلالتي الجملتينِ الإسميّة والفعليَّة عند الدكتور عمر البرزنجيّ في معرض تحليله قوله تعالى : ((واغفرْ لأبي إنَّه كان منَ الضَّالِّينَ )) (الشعراء 86) ، في دعاءٍ لأبيه بصيغة الأمر والدُّعاء في الجملة الفعليَّة ( واغفرْ) أمام الخالق العظيم الرَّحيم القدير ، وجاء (الغفران) بصيغة الفعل ( اغفر) المؤدَّى بصيغة الأمر الصَّريحة للدُّعاء إذ خرج الأمْرُ من دلالته المحوريَّة الطلب الوجوبيّ إلى سياق إنتاجيّ توليديّ ( الدعاء) ؛ للدَّلالة على التَّجدُّد لأنَّ المغفرةَ غير ثابتة ومستمرة من بدْ الخلق إلى يوم القيامة ، وليس حِكْرًا على قومٍ دونَ آخرَ ، بلْ يشملُ جميعَ المخلوقينَ ، والإتيانُ بالجملةِ الإسميَّة مباشرةً بقوله : (( إنَّهُ كان منَ الضَّالّينَ )) ، أي : من الكافرينَ المشركينَ ، واستعمال التوكيد ب(إنَّ) والفعل الناقص (كان) مع الجملة الإسميَّة يدلُّ على ثبوت ضلالة أبيه ورسوخها ودوامها ، وليس بخافٍ أنَّ استعمال إبراهيمُ (عليه السَّلامُ) هذا الأسلوبَ بصفة الأب والابن عطفًا وتأسُّفًا وشفقةً عليه .(10)
أضْرُبُ الخبرِ
للجملة الخبريَّة معنًى يحدّده السِّياق القوليّ والمقاليّ ، فينبغي على صاحبِ الخبرِ ( منتج الخطاب ) أنْ يأخذَ في إنتاجه الخطاب وإلقائه الخبر حالة المتلقِّي ( المخاطَب) ؛ وذلك بأنْ ينقلَه إليه في صورة من التّعبير والكلام تلائم وتناسب الحالة التي عليه المتلقِّي من غير زيادة أو نقصان ، وقد وعى البيانيون العرب القدامى هذا الانطباق البيانيّ المُعْجِب فقد روى عبد القاهر الجرجانيّ المحاورة البيانيّة القيّمة بين الفيلسوف الكنديّ (ت 256ه) وأبي العبَّاس المُبَرِّد (ت 286ه) ، إذ سأل الكنديُّ المُبرِّدَ وقال له : (( إنِّي لأجدُ في كلامِ العرب حَشْوًا ، فقال له أبو العبَّاس : في أيِّ موضعٍ وجدْتَ ذلك ؟ فقال : أجدُ العربَ يقولون : عبدُ اللهِ قائمٌ ، ثمَّ يقولونَ : إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ ، ثمَّ يقولونَ : إنَّ عبدَ اللهِ لَقائمٌ ن فالألفاظُ متكرّرةٌ والمعنى واحدٌ ، فقال أبو العبَّاس : بلِ المعاني مختلفةٌ لاختلاف الألفاظ . فقولهم : إنَّ عبد الله قائمٌ إخبارٌ عن قيامه ، وقولهم : إنَّ عبد الله لقائمٌ جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ ، وقولهم : إنَّ عبدَ اللهِ لَقائمٌ جوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ قيامهُ فقد تكرَّرتِ الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني . قال : فما أحارَ المتفلسِفُ جوابًا ))(11).
من هنا تنوَّعت أضْرُبُ الخبرِ بلحاظ حال المتلقِّي ( المخاطَبِ ) إلى ثلاثةِ ، هي :
1- الخبرُ الابتدائيّ
وهو إذا كان المخاطَبُ خاليَ الذِّهْنِ ( أي جاهلًا بالخبر) والحكم الذي تضمَّنه ، فيحسن بالبليغ إلقاء الخبرِ من دون توكيد ، ويسمَّى هذا النَّوعُ : الخبرَ الابتدائيَّ ، كقوله تعالى : (( اللهُ نور السَّموات والأرضِ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ))( النور 35) ، وكقوله تعالى : (( قال بل فعله كبيرهم هذا ))(الأنبياء 63) .
2- الخبرُ الابتدائيُّ
وهو إذا كان المخاطَبُ يعرِفُ الخبرَ ولكنَّه يشكُّ فيه ، أو هو متردّد بين ردِّه أو قبوله فيحسنُ للبليغ توكيد هذا الخبر بمؤكّد واحدٍ ؛ من أجْلِ إزالة تلك الشُّكوك ، ويسمى هذا النَّوع : الخبرَ الطَّلْبيّ ، قال السَّكَّاكيّ : (( وإذا ألقاها إلى طالبٍ لها متحيّر طرفاها عنده دون الاستناد فهو منه بينَ بينَ لينقذَهُ عن ورطة الحَيْرةِ استحسنَ تقوية المنقِذ بإدْخالِ اللَّام في الجملةِ أو (إنَّ) ))(12). ومن ذلك قوله تعالى : (( إذ قالوا ليوسُفُ وأخوه أحبُّ إلى أبينا منّا))( يوسف 8) ، وقوله تعالى : ((فلمَّا وضعتها أنثى قالت ربِّي إنِّي وضعتها انثى))( آل عمران 36) .
3- الخبر الإنْكاريّ ( الاسْتنكاريّ)
وهوالخبر الذي يكون المخاطَبُ عالمًا به ، ولكنَّه يُنْكِرُهُ ويردُّهُ إنْكارًا قاطعًا وردًّا حاسمًا ، فيلقى الخبر عليه من لدن البليغ زاخرًا بالمؤكِّدات باستعمال وسائل التَّوكيد المتنوّعة بلحاظ قوة الإنكار وضعفه رغبةً في إقراره وإذعانه ، ويسمَّى هذا النَّوعُ ( الخبرَ الإنْكاريَّ) أوِ الخبرَ الاسْتنكاريّ ، وفي النَّظْم القُرْآنيّ آيات كثيرة تُرْشِدُ إلى هذا الخبرِ ، وخير ما استدلَّ به البيانيُّونَ قوله تعالى : (( واضْرب لهم مثلًا أصْحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعزَّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلَّا بشرٌ مثلنا وما أنزل الرحمن من شيءٍ إن أنتم إلَّا تكذبونَ قالوا ربُّنا يعلمُ إنَّا إليكم لمرسلونَ)(يس 13-16)، ويتجلَّى الشَّاهدُ القرآنيّ في هذا النَّظْم المُعْجِز في أنَّ مخاطبة أهل القرية كان من دون توكيد ثمَّ حصل التردُّد والشَّكُ والتَّكذيبُ بعد ذلك فاقتضى المقامُ إلقاء الخطاب مؤكَّدًا بمؤكِّد واحدٍ فقال تعالى : (( إنَّا إليكم مرسلونَ)) ، وحينما علا الإنكار وزاد الإصرار تعنُّتًا ومبالغة اقتضى المقام مخاطبتهم بخطاب مشتمل على وسائل توكيديَّة أخرى ؛ رغبة في إزالة الشَّكّ ودَفْعِ الإنْكار ، فقال تعالى : (( ربُّنا يعلمُ إنَّا إليكم لَمرسلونَ)) ، فجاء النَّظْمُ القرآنيّ محمَّلًا بالوسائل التَّوكيديّة : القسم ، إنَّ ، الضمير المتصل نا ، اللَّام المزحلقة للتَّوكيد ، الجملة الإسمية .
ومنه قوله تعالى : (( إنَّكم لذائقوا العذاب الأليم ))(الصافات 38) .
من مؤكّدات الخبر في النَّظْم القُرْآنيّ
في النَّظم القُرْآنيّ مؤكِّداتٌ كثيرةٌ لابدَّ من الإشارة إليها من أجل التنبيه على النَّظْم القرآنيّ الذي يلقى بلحاظ الحال العام وحال المخاطَب من جهة أنَّ الخطاب يتطلب إلقاءه بِلا توكيد أو إلقاءه بمؤكِّد واحد أو إلقاءه بأكثر من مؤكِّد ؛ ولاسيما كذلك أنَّ التَّوكيد أسلوب مهمٌّ وكثير الورود في النَّظْم القرآنيّ خاصَّة واللُّغة العربيَّة عامة إذ نبصُرُ بالمؤكّدات المختلفة والمتنوعة والمتلونة في هاته النُّظُوم ، فضلًا عن تلاحقها وتتابعها وتواليها في النَّظْم الواحد ، ومن هاته الأدوات :
1- إنَّ وأنَّ : وهما الأصْل في التّوكيد ، قال تعالى : (( إنَّ الإنْسانَ في خسر))(العصر 2) ، وقال تعالى : (( وأنَّ هذه صراطي مستقيمًا ))(الأنعام 153).
2- لام الابتداء وتسمى ( اللَّام المزحلقة ) وتفيد توكيد مضمون الجملة ، ولهذا زحلقوها في باب (إنَّ) عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام بمؤكدينِ (12) ، قال تعالى : ((إنَّ ربِّي لسميعُ الدُّعآء))(إبراهيم 39).
3- القسم : وهو عند النَّحويّينَ جملة يؤكَّد بها الخبرُ كقوله تعالى : (( وتالله لأكيدَنَّ أصْنامكم بعد أن تُوَلُّا مدبرين ))(الأنبياء 57).
4- ضمير الفصْل : وهو من مؤكّدات الجملة ، وقد نصَّ سيبويه(ت180ه) على أنَّه يفيد التَّوكيد (13)، كقوله تعالى : (( وأولئك هم المفلحون))(البقرة 5)، وقوله تعالى : ((إن ترنِ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا ))(الكهف 39).
5- قَدْ : وهي حرف تحقيق وتقرير قال تعالى : (( قد أفلح المؤمنونَ الذين هم في صلاتهم خاشعونَ ))( المؤمنون 1-2) ، وكقوله جلَّ مجْدُهُ : (( قد أفلح منْ تزكَّى ))(الأعلى 14).
6- السِّين وسوف : وهما حرفانِ يختصانِ بالدُّخول على الفعل المضارع ويخلصاه للاسْتقبال ، قال تعالى: (( أولئك سيرحمهمُ اللهُ ))(التوبة 71) ، وقوله جلَّ مجْدُهُ : (( وأبصرهم فسوف يبصرون))(الصَّافات 175) ، وقد جمعتا في قول عبدِ المطلب رضي اللهُ عنه جدِّ النَّبيّ ( صلّى اللهُ عليه وآله ) : (( سأسمِّيه محمَّدًا ، وسوفَ يكونُ له شأنٌ عظيمٌ ))(14).
7- نونا التوكيد : وهما مقطعانِ صرفيَّان يلحقانِ بفعلي المضارع والأمر للتوكيد وهما : الخفيفة اوِ السَّاكنة (نْ) ، والثَّقيلة المشدِّدة (نَّ) ، وقد وردتا في قوله تعالى : (( قالت فذالكنَّ الذي لمتنَّني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما أمره ليسجننَّ وليكونًا من الصَّاغرين))(يوسف 32)، وقوله تعالى : (( لنسفعًا بالنَّاصية))(العلق 15).
8- لَنْ : وهي لتوكيد النفي توكيدًا تأبيديًّا ، أي : استمرار النَّفي للابدِ قال تعالى : (( ولن ترضى عنك اليَّهود ولا النَّصارى حتَّى تتبع ملَّتهم ))( البقرة 120)، وقوله جلَّ مجْدُهُ : (( ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال ربِّ أرني أنظرُ إليك قال لَنْ تراني ))(الأعراف 143).
9- إنَّما : وهي من أدوات التَّوكيد ويأتي أسلوب التّوكيد والقصر بها ,وهو من الأساليب القويَّة في تأدية القصْر ويكون المقصور عليه في نهاية النَّظْم بها قال تعالى: (( إنَّما المؤمنون إخوة))(الحجرات 10) ، وقوله تعالى : (( إنَّما يريد الله ليذهب عنكمُ الرِّجْس أهل البيت ويُطهركم تطهيرًا))( الأحزاب 33).
10- الحروف المؤكّدة والَّتي تسمَّى ب ( الحروف الزَّئدة) غلطًا ، وهي : (مِنْ) ، (الباء) ، (إنْ) ، (أنْ) ، كقوله تعالى : (( ما جاءنا منْ بشيرٍ ولا نذير))(المائدة 19)، وقوله تعالى : (( وما أنت بمسمعٍ من في القُبورِ ))(فاطر 22) ، وقوله تعالى : (( وما أنا بظلَّام للعبيد ))( ق 29) .
11- التَّكرار كقوله تعالى : (( فإنَّ مع العسر يسرًا إنَّ مع العسر يسرًا ))(الشَّرْح 5-6) .
12- تقديم ما حقُّه التَّأخير كقوله تعالى : (( فلِلَّه الحمد رب السَّموات وربِّ الأرض ربِّ العالمينَ))( الجاثية 36) .
أغراضُ الخبرِ في النَّظْمِ القرآنيّ
يلقى الخبر لغرضينِ رئيسينِ محوريينِ أصليينِ ، هما :
الأوَّل : فائدة الخبر
ومعناه إفادة المخاطِب ( المتكلِّم) منتج الخطاب السّامعَ ( المتلقِّي) الحكمَ الَّذي تضمَّنته الجملةُ أوِ الكلام ، وهذا هو الأصلُ في كلِّ خبر ؛ لأنَّ فائدتَهُ تقديم المعرفة أوِ العلم على الآخرينَ ، كقولنا : اللغةُ العربيّة لغة اشتقاقيّة . وكقوله تعالى : (( ألم ذلك الكتاب لاريب فيه هدًى للمثتَّقينَ ))( البقرة1-2 ) ، وقوله تعالى : ((تبارك الَّذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمينَ نذيرًا الذي له ملك السَّموات والأرضِ ))( الفرقان 1-2).
الثاني : لازم الفائدة
وهذا الغرض لايقدّمُ فائدة للمخاطَب ؛ لأنَّ المخاطَبَ عالمٌ بالخبر عارفٌ بحُكْمِهِ ، غاية الخطاب إعلام المخاطَب أنَّ المتكلِّم عالم بالخبر وحكمهِ ، كقولنا لطالب تخرّج في قسم علوم القرآنِ : أنت خريج قسم عُلُومِ القرآنِ . وكقوله تعالى : (( فأصبح في المدينة خائفًا يترقَّبُ فإذا الَّذي استنصره بالأمس يستصرِخُهُ ))( القصص 18) ، وكقوله تعالى : (( أتريدُ أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمْسِ ))(القصص 19).
وقد يخرج الخبرُ إلى أغراضٍ مجازيّةٍ خلاف مقتضى الظَّاهر ( فائدة الخبر) أو ( لازم الفائدة) تفهم من السياق وقرآئن الحال ، قال السَّكَّاكيّ : (( هذا ثمَّ إنَّك ترى المُفْلِقينَ السَّحَرةَ في هذا الفنِّ ينفقونَ الكلامَ لا على مُقْتَضَى الظَّاهرِ كثيرًا ))(15)((وتكون من طريق الذَّوْقِ والتَّأمُّلِ في سِياقِ الكلامِ )) (16) ، وتسمى ب ( الأغراض المجازيَّة ) أو ما نسميها ب ( السياقات التوليديَّة الإنتاجيَّة) ، ومن هاته الأغراض المجازيَّة أوِ الأسيقة التَّوليديَّة الإنتاجيَّة :
1- إظهار الضَّعْفِ ، ومنه قوله تعالى : (( قال ربّي إنِّي وهن العظْمُ منِّي واشتعل الرَّأس شيبًا)) (مريم 4).
2- الاسترحام والاستعطاف : قال جلَّ مجْدُهُ : (( قال ربِّي إنِّي ظلمتُ نفسي ))(القصص 16).
3- تحريك الهمّة والتَّحفيز إلى العمل : قال تعالى : (( لا يستوي القاعدون منَ المؤمنينَ غير أولي الضَّرر والمجاهدونَ في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ))(النِّساء 95) ، وقوله تعالى : (( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ))(يونس 26).
4- الوعظ والإرشاد والنُّصْحُ ، قال تعالى : (( كلُّ نفس ذائقة الموت ثمَّ إلينا ترجعونَ ))( العنكبوت 57).
5- الأمر ، إذ يخرج الخبر إلى الأمر فيكون أقوى من الأمر نفسه تارة (17) ، كقوله تعالى : (( والوالدات يرضعن أولادهنَّ حولينِ كاملين لمنْ أراد الرَّضاعة ))( البقرة 233) ، أي : أرضِعْنَ وقوله تعالى : (( والمطلقات يتربَّصْنَ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ))( البقرة 228) ، أي : تربَّصْن من الانتظار والتمهُّل ، وكقوله تعالى : (( غفرانك ربَّنا )) ( البقرة 285)، أي : اغْفِرْ لنا سواء أقدِّر الكلامُ : اغفر غفرانكَ أمْ نسألُكَ غفرانَكَ .(18)
6- الدُّعاء كقوله تعالى : (( إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعينُ ))( الفاتحة 5) .
7- الوعد والبشارة : كقوله تعالى : (( أولئك على هدًى من ربِّهم وأولئك هم المفلحونَ ))( البقرة 5) ، وقوله تعالى : (( إنَّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا ))( الإنسان 5) .
8- الوعيد والتَّحذير كقوله تعالى : (( وسيعلم الَّذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون ))( الشعراء 227) ، وقوله جلَّ جلالُهُ : ((والذين كذّبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيثُ لا يعلمونَ ))( الأعراف 182).
9- التَّعظيم والتَّهويل كقوله تعالى : (( سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ))( الإسراء 43) ، وقوله تعالى : (( إنَّا كاشفوا العذاب قليلًا إنَّكم عائدون ))( الدخان 15) .

وثمَّةَ أغراضٌ مجازيّةٌ وسياقات توليديَّة إنتاجيَّة أخرى ذكرها ابن فارس في كتابه ( الصَّاحبي في فقه اللُّغة وسنن العرب في كلامها )(19) ، وبدر الدِّين الزَّرْكَشيّ في كتابه ( البرهان في علوم القرآن ) (20) .
والحمد لله ربِّ العالمينَ وصلَّى الله على محمد وآله الطَّاهرينَ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم