انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم علوم القرآن
المرحلة 2
أستاذ المادة رحيم كريم علي حمزة الشريفي
07/04/2021 20:01:32
بسم الله الرَّحمن الَّرحيم المحاضرة السَّابعة علاقة علم المعاني بنظرية النَّظم القُرآنيّ الأستاذ الدُّكتور رحيم الشَّريفيّ في هاته الفِقْرة سنقف على أهمِّ تجلِّيات هذا العلم ( علم المعاني ) وهي ( نظرية النَّظم )، وقلنا من قبل : إنَّ علم المعاني في أيسر تعريفاته هو : (( علمٌ يهدف إلى الوقوف على الأسرار التي يرتفع بها شأن الكلام ويفضُلُ بعضه بعضًا ومعرفة إعجاز القرآن من جهة ما خصَّه الله ثمَّ من حسن الرَّصف ولطف الإيجاز وجودة السَّبْك وبراعة التَّركيب وجزالة الكلمات وعذوبة الألفاظ ومحاسن الكلام والوقوف على بديع القول وأسرار البلاغة وأسباب الفصاحة وغير ذلك)) (1). النَّظم في اللّغة النَّظم مصدرٌ على وزن ( الفَعْل ) وباب فعله ( فعَل يفْعِل ) ضرَب يضْرِبُ بمعنى الربط والتَّأليف و التَّنظيم والاتِّساق ، يقال : نظم اللّؤلؤ ينظِمُه نَظْمًا ألّفه وجمه في سلك واحد ونسق مرتّب ، قال ابن فارس : (( النون والظَاء والرَّاء أصلٌ يدلّ على تأليف شيءٍ وتكثيفه . نظمتُ الخرزَ نَظْمًا ، ونظمت الشِّعْرَ وغيره ))(2). وقال ابن منظور : (( النَّظم التَّأليف نظَمه ينظِمُهُ نَظْمًا ونِظامًا ونظَّمه فانتظم وتنظَّم ....والتَّظيم مثله ...والنِّظام : ما نظمت فيه الشيء من خيط وغيره ....ونظام كلُّ شيء مِلاكه والجمع أنْظِمة وأناظيم ونُظُم ... والأنتظام الاتِّساق ...وتناظمت الصُّخور تلاصقت ))(3). النَّظْم في الاصطلاح قبل أنْ نبرقَ بتعريف عبد القاهِر الجُرْجانيّ للنَّظم بوصفه مصطلحًا قارًّا في الدَّرْس البلاغيّ لابد أن نذكر ما جاء في كتب المصطلحات عنه وقد اصطفينا تعريفينِ ، الأول لأبي البقاء الكفويّ ( ت1094ه) إذ أشار إلى التَّأليف بأنَّه (( جمع الأشياء المتناسبة من الألفة ... والتَّنْظيم من نّظْم الجواهر وفيه جودة التَّركيب ، والتَّأليف بالنسبة إلى الحروف لتصير كلماتٍ والتَّنْظيم بالنسبة إلى الكلمات لتصيرجُمَلًا ، والتَّرْكيْب : ضمّ الأشياء مؤتلفة كانت أو لا ملرتبة الوضع أو لا ، فالمركّب أعمُّ من المؤلّف والمرتَّب مطلقًا ، والتَّرتيب : أعمّ مطلقًا منَ التَّنْضيد ؛ لأنَّ التَّرتيب عبارة عن وقوع بعض الأجسام فوق بعضٍ ، والتَّنْضيد : عبارة عن وقوع بعضها فوق بعضٍ على سبيل التماس اللَّازم ؛ لعدم الخلاء ، ومراتب تأليف الكلام خمسٌ : الأولى : ضمُ الحروف المبسوطة بعضها إلى بعضٍ ؛ لتحصيل الكلمات الثَّلاث : الاسم والفعل والحرف . والثانية : تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعضٍ ؛ لتحصيل الجمل المفيدة ، ويقال له : المنثور من الكلام . والثَّالثة : ضمّ بعض ذلك إلى بعضٍ ضمًّا له مبادٍ ومقاطع ومداخل ومخارج ، ويقال له : المنظوم ))(4) . ولم نذكر الرَّابعة والخامسة لكونهما بعيدتينِ عن المراد .? وذكر التَّهانويّ ( ت 1158ه) أربعة تعاريف للنَّظْم ما يتعلّق بالمراد ثلاثة منها ، قال : (( النَّظْم ...في الاصطلاح يطلق على معانٍ : أحدها : بحسب اللَّفْظ مفردًا كان أو مركّبًا كما في تقسيم نظْم القرآن إلى الظَّاهر والنَّصّ وغيرهما . والثاني : تركيب الألفاظ على وَفْقِ ترتيب يقْتَضيه إجراء أصْل المعنى ... والثَّالث : ترتيب الألفاظ متناسبة المعاني ، متناسقة الدَّلالات على وَفْق ما يقتضيه العقل أوِ الألفاظ المترتبة بهذا الاعتبار ، فالنَّظْم بهذا شامِلٌ لرعاية ما يقتضيه علم المعاني والبيان بخلاف النَّظْم بالمعنى الثاني ‘ فهو اعمُّ منه ومنه ( نَظْمُ القُرْآن) ))(5). نخلصُ ممَّا تقدَّم أنَّ النَّظْمَ هو ترتيب الكلام وتعليقه وتنسيقه وتنظيمه وتأليفه وتنضيده على وَفْق نظام يراعى فيه تطبيق الكلام على وَفْق مطابقة الكلام لمُقْتَضى الكلام ، فالنَّظْم تطبيقٌ وظيفيّ لعلم المعاني ويتجلَّى النَّظْم في جودة الكلام وسبكه وتأليفه على وَفْق حدود وأنْظِمة تُراعِي قواعد العربيّة وسَمْتِ كلام العرب . نظرية النَّظْم عند عبد القاهِر الجُرْجَانيّ عُرِف هذا التَّعليق والتَّرتيب والتَّأليف والتّرتيب فيما بعدُ ب(نظريّة النَّظْم ) ، وتأثير ( نظريّة النَّظْم ) في البلاغة العربيّة وفي مسار التَّأليف فيها وفي النَّقْد وفي تفسير القرآن معروفٌ مشْتَهر ، كما أنَّ الاهتمام بها والعناية بدراستها قديمًا وحديثًا معلوم منتشر . ويبدو أنَّ سيبويهِ أوَّل مَن وقف على نَظْم الكلام وتحدَّث عن العلاقة بين المسند والمسند إليه كونهما لايستغني أحدهما عن الآخر فهما متلازمان ، قال : (( هذا باب المسند والمسند إليه وهو ما لا يستغني واحد منهما عن الآخر ، ولايجد المتكلّم منه بدًّ )) (6) . وعلَّق السِّيرافيّ ( ت368ه) على نصّ سيبويهِ فقال : ((هذا باب المسند إلى الشَّيء ، والمسند ذلك الشَّيء إليه .... والفعل والفاعل وكلّ واحدٍ منهما محتاجٌ إلى صاحبه ، إذ لايتمُّ إلَّا به ....أن يكون المسند هو الثاني في التَّرتيب على كلّ حال والمسند إليه هو الأوَّل فإذا كان فعلًا وفاعلًا ن فالمسند هو الفاعل والمسند إليه هو الفعل وإن كان مبتدأ وخبرًا فالمسند هو الخبر والمسند إليه هو المبتدأ ، ويكون بمنزلة المبني والمبني عليه )) (7). وقد أشار الجاحظ في صدر كتابه في ( خلق القرآن ) إلى الاحتجاج بنظم القرآن (8) ، وذكر النَّظْم صراحة في كتابه ( الحيوان ) بعبارة (( كتابي في الاحتجاج لنظْم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه ))(9). ونلمح ذكرًا لنظْم القرآن عند الخطَّابيّ في رسالته ( البيان في إعجاز القرآن ) عند حديثه عن كون بلاغة القرآن معجزة لأنَّه جاء (( بأفصح الألفاظ في أحسن نُظُوم التَّأليف مضمّنًا أصحَّ المعاني )) (10). تعريف النَّظْم عند عبد القاهر عرَّف عبد القاهر الجرجانيّ النَّظْم بأنَّه (( تعليق الكَلِم بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسببٍ من بعضٍ والكلم ثلاثٌ : اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ وللتَّعليق فيما بينها طُرُقٌ معلومةٌ ، وهو لايعدو ثلاثة أقسام : تعلُق اسم باسم ، وتعلّق اسم بفعل ، وتعلُّق حرفٍ بهما ))(11). وقد سمَّى الجرجانيّ موضوعات التَّقديم والتَّأخير والذِّكْر والحذف والقصْر والفصْل والوصْل والتَّعْريف والتَّنْكير : معاني النَّحْو أو النَّظْم ، قال : (( واعلم أنَّ ليس النَّظْمَ إلَّا أنْ تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النَّحْو وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرّسوم التي رُسِمت لك فلا تخلّ بشيْء منها ، وذلك أنَّا لا نعلم شيئًا يبتغيه النَّاظم بنَظْهِ غير أن ينظر في وجوه كلّ باب وفروقه ، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك : زيد منطلق و زيد ينطلق ، وينطلق زيد ، ومنطلق زيد ، وزيد المطلق ، والمنطلق زيد ، وزيد هو المنطلق وزيد هو منطلق ))(12). ويرى الجرجانيّ أنَّه ينبغي أن ينظرَ إلى الكلمة قبل دخولها في التَّأليف ، وقبل أن تصيرَ إلى الصُّورة التي بها يكون الكَلم إخبارًا وأمْرًا ونهْيًا واستخبارًا وتعجُّبًا ، وتؤدّي في الجملة معنًى منَ المعاني التي لاسبيل إلى إفادتها إلَّا بضمِّ كلمة إلى كلمة ، وبناء لفظة على لفظة ....وهل تجد أحدًا يقول : هذه اللَّفْظة فصيحة إلَّا وهو يعتبر مكانها منَ النَّظْم ، وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها ، وفضل مؤانستها لأخواتها ؟ وهل قالوا : لفظة متمكنة ومقبولة وفي خلافه قلقة نابية ومستكرهة ، إلَّا وغرضهم أن يعبِّروا بالتَّمكُّن عن حسن الاتِّفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما ، وبالقلق والنُّبُوِّ عن سوء التَّلاؤم ، وأنَّ الأولى لم تلقَ بالثَّانية في معناها ، وأنَّ السَّابقة لم تصلح أن تكون لِفْقًا للتَّالية في مؤادَّها ؟))(13) . ونلمح التَّأكيد على حسن التلاؤم والتَّرتيب والتَّأليف والاتِّساق بين الكلمات عند عبد القاهِر الجرجانيّ إذ إنَّ معاني الألفاظ تتفاضَل لما بينها منَ الاتِّساق العَجيب والنَّسق الباهر والتَّأليف المُعْجِب قال : (( أم كلُّ ذلك لما بين معاني الألفاظ منَ الاتِّساق العَجيب ، فقد اتَّضحَ إذن اتِّضاحًا لايدع للشَّكّ مجالًأ أنَّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرَّدة ، ولا من حيث هي كَلِم مفردة ، وأنَّ الفضيلة وخِلافها في ملائمة معنى اللَّفْظة لمعنى التي تليها ... وممَّا يشهد لذلك أنَّك ترى الكلمة تروقك وتؤنِسُكَ في موضع ، ثمَّ تراها بعينها تَثْقُل عليك وتُوحِشُك في موضعٍ آخرَ ))(14). وعودٌ على ماسبق ، فإنَّ النَّاظر في تاريخ البلاغة العربية ومتابعة مراحل تطورها تفكيرًا وتصنيفًا لها ولفنونها يجد أنَّ هاته النَّظرية قد تُنُولت تناوُلًا كبيرًا وعريضًا ، فقد تأثَّر علماء البلاغة بمنهج عبد القاهر الجرجانيّ في البلاغة عامّة ، وبنظريّة النَّظْم خصوصًا (( وقد تنوَّعت أشكال هذا التَّأثُّر وتعدّدت صوره بين العلماء ، فمنهم مَنْ قصد إلى استخراج لطائف الكتاب العزيز الحاصلة ؛ بسبب النَّظْم وبناء تفسيره على علمي المعاني والبيان ، ومنهم مَنْ عَمِدَ إلى ما رأى أنَّه خلاصة نظرية النَّظْم فجعله قسمًا من أقْسام علم البلاغة ، ومنهم مَنْ أراد جمع المقاصد في هذا الفنِّ وضبط القواعد فاختصر كتابي الشَّيخ أو اختصر على اختصار (الدَّلائل ) منهما ، ومنهم مَنِ اكْتفى بنقل النُّصوص منَ الدَّلائل إذ كانت معجبة لديه وموافقة لما عنده ))(15). قراءة تحليليّة في تبيان النَّظْم القرآنيّ عند عبد القاهر الجرجانيّ يتجلَّى التَّحليل البلاغيّ الباصر والرُّوية الكشفيّة الدَّقيقة عند عبد القاهر الجرجانيّ وهو يمارس الوظيفة البيانيّة في كشف أسرار الخطاب القرآنيّ بلاغيًّا ، وتِبيان حقائقه الدَّالّة على سرِّ إعجازيّته في ضوء نَظْمه العجيب واتِّساقه الفريد ، وتركيبه العظيم ، واتِّساقه المُعْجِز ، ومن أجل تبصرة القارىء بهذا التحليل العميق والدَّقيق الذي مارسه الجرجانيّ انتقينا نصًّا قرآنيًّا مباركًا وهو من انتخاب الجرجانيّ قال : (( وهلْ تشكُّ إذا فكّرت في قوله تعالى : ((وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )) ( سورة هود / 44) ، فتجلَّى لك منها الإعجاز ، وبهرك الذي ترى وتسمع ، أنَّك لم تجد ما وجدْتَ منَ المَزِيّة الظَّاهرة والفضيلة القاهرة ؛ إلَّا لأمرٍ يرجِعُ إلى ارتباط هذه الكَلِم بعضِها ببعضٍ ، وأن لم يعرض لها الحُسْن والشَّرف إلَّا من حيث لاقت الأُولى بالثَّانية ، والثَّالثة بالرَّابعة ، وهكذا إلى أن تَسْتَقْرِيها إلى آخرها ، وأنَّ الفضل تناتج ما بينها ، وحصل من مجموعها ؟ ، إن شككْتَ فتأمّلْ : هلْ ترى لفظة منها بحيثُ لو أُخِذت من بين أخواتها وأُفْردت ، لأدَّت منَ الفصاحة ما تؤدِّيه وهي في مكانِها منَ الآية ؟ قل : ( ابْلَعِي ) واعتبرها وحدَها من غير أنْ تنظرَ إلى ما قبلها وما بعدها ، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها ، وكيف بالشَّكِّ في ذلكَ ، ومعلوم أنَّ مبدأ العظمةِ في أنْ نُوْدِيتْ الأرْضُ ثمَّ أُمِرَتْ ، ثمَّ في أن كان النِّداء ب(يا) دون ( أيّ) ، نحو : يا أيّتُها الأرْضُ ، ثمَّ إضافة الماء إلى الكاف ، دون أن يقال : ابلعي الماء ، ثمَّ أن أتبع نداء الأرْض وأمرها بما هو من شأنها ، نداء السَّماء وأمرها كذلك بما يخصّها ، ثمَّ أن قيل : وغيض الماء ، فجاء الفعل على صيغة ( فُعِلَ) الدَّالة على أنَّه لم يَغِضْ إلَّا بأمر آمِرٍ وقُدْرة قادر ، ثمَّ تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى : ( وقضي الأمْرُ)، ثمَّ ذكر ما هو فائدة هذه الأمور ، وهو : (( استوت على الجوديّ ))، ثمَّ اضمار ( السَّفينة ) قبل الذِّكْر ، كما هو شرط الفخامة والدَّلالة على عِظَم الشَّأن ، ثمَّ مقابلة (قيل) في الخاتمة ب( قيل ) في الفاتحة ؟ أفترى لشيْء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعةً ، وتحضرك عند تصوِّرها هيبةً تحيط بالنفس من أقطارِها تعلُّقًا باللَّفْظ من حيث هو صوتٌ مسموعٌ وحروفٌ تتوالى في النُّطْقِ ، أمْ كلُّ ذلكَ لِما بينَ معاني الألفاظِ منَ الاتِّساقِ العَجِيبِ ))(16). ويمكن تلخيص ما قرَّره الجرجانيّ في تحليل الآية تحليلًا بلاغيًّا في ظلِّ نظرية النَّظْم ، إذ أبان الجرجانيّ عن سرِّ عظمة النَّصِّ القرآنيّ ، وكيف أنَّ معاني النَّحْو والعلاقات النَّحويَّة والبِنى التَّركيبيّة قد أعانت وساعدت في تجلية تبيان إعجازيَّة النَّصّ المبارك ، فكل كلمةٍ وقعت في مكانها وحيّزها فلو قامت أخرى محلَّها لفسد المعنى وسقطت البلاغة ، وفي هذا إشارة إلى المنهج الاستبداليّ الذي مارسه علماء الإعجاز ولاسيَّما عبد القاهر الجرجانيّ في مدونته ( دَلائل الإعجاز في علم المعاني ) ، وتتجلَّى عظمتُهُ في المحاور الآتية : • الأوَّل : نداء الأرْض وأمْرِها ونداء السَّماء وأمرها . • الثاني : اختصاص النِّداء بحرف النِّداء ( يا ) دون ( أيّ) . • الثالث : إضافة الماء إلى الكاف : (( ابلعي ماءك )) ، دونَ أن يقول : ابلعي الماء . • الرابع : استعمال بنية المبني للمسكوت عنه في الأفعال : قِيْلَ ، غِيْضَ ، قُضِيَ ، قِيْلَ ، وهو استعمال مقصود ومراد غايته تبيان عظمة المسكوت عنه وشهرته وخالقيَّته المعجزة ، فضلًا عن التَّوكيد والتَّعجُّب وسرعة الإنجاز ( الاقتصاد اللُّغويّ ) المتحصّل من هاته البنية المتكرّرة : قيل يا أرْض ، غِيْضَ الماءُ ، قُضِيَ الأمْر ، قِيْلَ بُعْدًا . • الخامس : التَّوكيد والتَّقْرير في جملة : وقُضِيَ الأمْر . • السَّادس : السكوت عن السَّفينة وإضمارها دون ذكرها في قوله تعالى )):واستوت على الجوديّ )) ، مع ما في الإضمار من عظمة وفخامة ، وبيان لنهاية الرّحلة . • السَّابع : عود الخواتيم على الاستهلالات ، ولاسيَّما مقابلة قيل في الفاتحة ب( قيل) في الخاتمة . وقد أبان الدكتور محمد محمد أبو موسى عن جماليَّة الخطاب القرآنيّ في النَّصّ المعاين ، إذ تتحدّث الآية المباركة عن موقف عصيب حين انهمرت السَّماء بأمطارها وتفجَّرت عيون الأرض بمياهها والتقى ماء السَّماء بماء الأرض على أمرٍ قد قدَّره الرَّحمنُ وقضاه ترى الماء يُضيِّع كلّ شيء يُغيّب الدُّور ويبتلع الشَّجر يجرف السدود ويتخطَّى الحواجز ويتعدَّى الحدود ، حتَّى لم يبقَ ظاهرٌ لم يغطّه ، فاكتسح قوى الشَّرّ والعصيان والتَّمرّد والبغي من العصاة المنحرفينَ الضَّالينَ ؛ لتنجو الجماعة المؤمنة ، ولتستقرّ سفينة نوح ومَنْ آمن معه على شاطىء النَّجاة وبر الأمان والسَّلامة بعد هلاك الظَّالمينَ بالغرق والهلاك والقضاء الحتميّ ، إذ نلمح السرعة والخلاص الفوريّ ، ومن أجل هذا كلّه نادى الأرض والسماء ثمَّ أمرهما مع النِّداء بحرف النداء ( يا) بلا ( أيّ ) : يا أيّتها الأرض ، ويا أيّتها السماء ، لأنَّ في هاتينِ الصّغتينِ احتشادًأ واحتفاءً غير موجود في : يا أرضُ ، ويا سماء مع التَّنكير في كلمتي أرض و سماء فضلًا عن الأفعال المبنيَّة للمسكوتات عنه للتعجّب والسُّرعة والتَّوكيد وضغط العبارة ، فالإعجاز في نفوذ الأمر في المأمور .(17) ونبصُرُ التَّحليل البياني المعجب لهذا الخطاب القرآنيّ عن مفسِّر بيانيّ وهو الزَّمخشريّ ، الذي رزق قدرات عبد القاهر الجرجانيّ في صدق النَّظرة التحليليّة وبراعة الحسِّ ، وهو كما أبرقنا من قبلُ : أنَّ الجرجانيّ هو أوَّل من أطلق على النَّظم (علم المعاني ) ، وهذا ما وقفنا عليه في مقدّمة تفسيره ( الكشَّاف عن حقائق غوامض التَّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التَّأويل ) ، فقد أفاد الزَّمخشريّ كثيرًا من بيانات الجرجانيّ إلَّا أنَّ عبد القاهر (( قد رزق موهبة في التَّعبير واسترسالًا في التَّوجيه ، واطِّرادًا في النَّسق ، وصفاءً في الذَّوق ، وحركة في الذّهن فهو حين يتعرَّضُ للآية الكريمة يبسُطها بسْطًا متماسكًا واضحًا في نفس أدبيّ طويل إلى أبعد حدٍّ وأقْصاهُ كما رأينا في سورة هود ))(18). وسنوجز عبارة الزَّمخشريّ في تفسير هاته الآية ، إذ إنَّ نداء الأرض والسَّماء جاء بما ينادَى العاقل المميَّز على لفظ التَّخصيص والتَّعيين ، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ، ثمّ أمرهما بما يؤمر العاقل المميَّز ، فهي منقادة لأوامره وتكوينه ؛ عارفةً بعظمته وقدرته وملكوته ، واستعمل الفعل ( ابلعي ) بمعنى النَّشْف ، والفعل ( أقلعي) بمعنى الإمساك والقطع والتَّوقُّف الحتميّ ، ومجيء الأفعال مبنيَّة للمعلوم ؛ للدَّلالة على الجلال والكبرياء والعظمة ، وقوله : (( وقيل بُعْدًا )) ، إذا أراد البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك ، ويقفل الزَّمخشريّ بياناته التفسيريّة البلاغيّة لهذا النَّصّ بالإشارة إلى احتشاد الفنون البلاغيّة فيه وأنَّ علماء البيان قدِ استفصحوا هذه الآية ورقصّوا لها رؤوسهم ففيها من المحاسن التي هي اللُّبّ وما عداها القشور . (19). وقد تعجّب واستغربَ عبد العظيم ابن أبي الإصبع المصريّ ( ت654ه) من وجود فضاءات بيانيَّة وبديعيّة في هذه الآية المباركة قال : (( وما رأيتُ في جميع ما استقريتُ منَ الكلام المنثور والشِّعْر الموزون كآيةٍ كريمةٍ من كتاب اللَّه ، استخرجْتُ منها أحدًا وعشرينَ ضرْبًا منَ المحاسنِ ))(20). وقال أيضًا )) فهذه آيةٌ عدّة ألفاظها سبعَ عشرةَ لفظةً تتضمَّنُ أحدًا وعشرينَ ضرْبًا منَ البديع غير ما يتعدّدُ من ضروبِها ))(21). ويرى الدكتور محمد بازي أنَّ (( التَّفاعل العجيب بين مكونات النَّصّ القرآنيّ وكيف أنَّ جزْءًا هامًّا من تحقيق كلّيّة المعنى تُرِكت للمفسّر أو القارىء العادي ؛ ليُحرّك طاقته التَّأويليّة والتَّركيبيّة عبر تجميع الأخبار المتفرّقة في بقيّة السُّور عن قِصّة نوح وقصص الأنبياء الآخرينَ )).(22) وقد التفت الدكتور سعود حامد الصَّاعديّ في كتابه القيّم ( البلاغة الكونيّة منَ الإعجاز إلى الإنجاز) إلى اشتمال الآية المباركة على فضاء كونيّ خارجيّ لحظة نهاية الطُّوفان وبدء حياة جديدة بعد الغرق ، وهو نظرٌ جديد في الرُّؤية البلاغيَّة الكونيَّة ، وتتَّضح هاته الرُّؤية في وجود الطِّباق بين السّماء والأرْض وهما الفضاء الكونيّ الذي يظهر فيه مشهد الطُّوفان ثمَّ جلاؤه لاحقًا بين عالم علويّ وعالم سفْليّ فتلتقي السَّماء بالأرْضِ ، ويتجلَّى التقابل الأرْضيّ : وقيل يا أرْضُ ابلعي ، مع التَّقابل السّماويّ : و يا سماءُ أقْلِعي ، والتَّوافق الصَّوتيّ بين الفعلينِ : ابلعي وأقلعي ، إذ يظهر التجنيس غير التَّام ، وما تقتضيه طبيعة الأصوات في الفعلين من قوّة الحدث وكثافة صوت الطُّوفان . إنَّ نداء الأرْض والسَّماء وأمرهما أمارة باصرة على كونيّة هذينِ المخلوقينِ العظيمينِ ، وإنزالهما منزلة الإنسان الكونيّ الإئتمانيّ (23).
والحمْد للّه ربِّ العالَمِينَ وصلَّى الله على محمّد وآله الطَّاهرينَ
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|