انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

العلاقة بين ظاهرتي الاستشـراق والتنصير

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 7
أستاذ المادة محمد طالب مدلول الحسيني       08/03/2019 10:37:01
العلاقة بين ظاهرتي الاستشـراق والتنصير

المدخل:
اعتنت الدراسات العربية حول الاستشراق والمستشرقين بالبحث عن البواعث أو الأهداف التي حـدت بهم إلى دراسة علوم المسلمين ، لا سيما التراث الإسلامي مع انطلاقة الاستشراق ، ثم المجتمع المسلم الحديث الذي شهد تطورات وتغييرات دعت إلى دراسته والتركيز عليه .
ويقرر كثير من الباحثين الذين درسوا أهداف الاستشراق أن الهدف الديني يقف على قمة هذه البواعث ، ذلك أن العلاقة بين الغرب والإسلام قائمة على " صراع " ديني ظهر واضحا أثناء الحروب الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان من سنة 489 - 691 هـ ، 1095 - 1291 م ، هذا مع الأخذ في الحسبان الرأي القائل أن هذه الحروب لما تنته ، ولن تنتهي مصداقا لقول الباري ? { ????? ???????? ????? ??????????? ???? ???????•???? ?????? ???????? ?????????? ? ???? ???? ????? ???? ???? ?????????? ? ???????? ??????•??? ????????????? ?????? ??????? ???????? ???? ?????????? ? ??? ???? ???? ???? ??? ??????? ???? ??????? ????? } ( ) .
والمعلوم أن المستشرقين ليسوا جميعا ممن ينتمون إلى النصرانية دينا ، ففيهم المستشرقون اليهود الذين خدموا اليهودية من خلال دراساتهم الاستشراقية ، كما أن فيهم الملحـدين الذين خدموا الإلحاد من خلال اهتمامهم بالمنطقة العربية والإسلامية ، ومحاولاتهم نشر الإلحاد في هذه البقاع بديلا عن الإسلام .
ويمكن أن يدخل هؤلاء جميعا تحت الهدف الديني ، إذا ما توسعنا في هذا المصطلح . ثم العلمانية التي تعد كذلك دينا أو اعتقادا إذا أردنا الدقة . وهناك انتساب واضح إلى العلمانية عند فئة من المستشرقين ، ( ) كما أن هناك انتسابا صريحا للصهيونية عند فئة أخرى من المستشرقين ، ( ) مما يعني أن هناك انتسابا صريحا للتنصير عند فئة ثالثة من المستشرقين . وهذا يؤيد أن النظرة إلى الاستشراق التنصيري لا تحتاج إلى شيء من التعسف أو تلمس البراهين لتأييد وجود منصرين مستشرقين، ذلك أن فئة منهم لم تتورع عن قبول اللقب الديني، أو الرتبة الدينية "الأب" أو "الأسقف" أو "البطريرك" أو "المطران" سابقا للاسم الأصلي، كما سيتبين عند سرد نماذج من المستشرقين المنصرين .
ومن الأهداف الفرعية للهدف الديني الرئيسي للاستشراق الهدف التنصيري ( ) إذ وجد جمع من المستشرقين هدفوا من دراستهم للشرق إلى تعميق فكرة التنصير في هذا المجتمع ، وحاولوا بطريقتهم العلمية تحقيق مفهوم التنصير ، مع ما تعرض له هذا المفهوم من تحوير ، لا سيما عندما يكون موجها لمجتمع متدين كالمجتمع المسلم ، وبما يحمله المفهوم من حماية النصارى من الإسلام ، والحد من انتشاره بين النصارى وفي مواطنهم ، ومن ثم الحد من انتشاره بين غير النصارى في مواطنهم أيضا . يمكن أن يكون من الأهداف الدينية التنصيرية السعي إلى توحيد الكنيستين الشرقية والغربية ، الأمر الذي يستدعي وجـود الاستشراق والإفادة منه في هذا الشأن ( ) .
ويقول " إدوارد سعيد " : " ولقد أظهر مؤرخون عديدون أن أقدم الباحثين الأوربيين في شؤون الإسلام كـانوا من أهل الجـدل في القرون الوسطى ، ممن كتبوا لتبديد تهديد الحشود الإسلامية وتهديد الارتداد ، وبطريقة أو بأخرى تواصل هذا المزيج من الفزع والعداء حتى يومنا هذا في الانتباه البحثي وغير البحثي المنصب على إسلام يرى منتميا إلى جزء من العالم (هو الشرق) يوضع موقع النقيض ضد أوروبا والغرب على الصعيد التخييلي والجغرافي والتاريخي " ( ) .
مؤيدات هذا الهدف:
والذي يؤيد وجود هذا الهدف عدة عوامل مهمة ، ومن أبرزها :
- أن أساس العلاقة بين الشرق والغرب قد قامت على العداء الديني ، ورفض الإسلام بديلا للنصرانية في الشرق وغيره ، بما في ذلك حماية النصارى الشرقيين من الإسلام ، والتأثير على الأرثوذوكس في الشرق واستقطابهم للكنيسة الكاثوليكية في الغرب ( ) .
- وأن هذا الشعور قد " ولد " شعورا بالاستعلاء والفوقية الغربية على بقية أمم الأرض ، بما فيها المسلمون ، وأن هذا الشعور بالفوقية قد انطلق من الكنيسة الغربية باحتقار كل ما هو غير بابوي النحلة والهوى ، وقد تسرب هذا الشعور " رويدا بتأثير وعاظ الكنائس والقسس والرهبان ، فخلق فيهم حالة نفسية استعلائية ، صبغت العقلية الغربية والفكر الغربـي في القرون الوسطى " ( ) . وقد صدق المستشرقون هذه النظرة " ولم يكلفوا أنفسهم تبديلها مع عيشهم الطويل بين المسلمين أو من زياراتهم المتكررة واطلاعهم على القرآن الكريم والحديث الشريف " ( ) . فاستمر شعورهم العميق بتفوق ما لديهم ، إن حقا وإن باطلا ، في الوقت الذي رأوا فيه بطلان ما لدى غيرهم لعدم اتفاقه مع ما لديهم من دين وثقافة وفكر .
- أن طلائع المستشرقين من النصارى كانوا ذوي مناصب دينية ، وأنهم قد انطلقوا من الكنائس والأديرة ، ويعود هذا إلى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، القرن العاشر الميلادي ، ( ) مع أن التبادل الثقافي والعلمي بين المسلمين ونصارى أوربا قد بدأ قبل ذلك بكثير ، لا سيما في عهد الخليفة العباسي " هارون الرشيد " (ت 182 هـ) ، و " المأمون : (ت 230 هـ) ( ) .
- وأن كثيرا من المستشرقين قد بدأوا حياتهم العلمية بدراسة اللاهوت قبل التفرغ لميدان الدراسات الاستشراقية ( ) وكان همهم إرساء نهضة الكنيسة وتعاليمها ، لا سيما في العصور الوسطى ( ) أي أن هدفهم كان تنصيريا واضحا ، فكأن الاستشراق إنما قام ليغذي التنصير بالمعلومة المنقولة بلغة المنصر ، رغم محاولات تعميم اللاتينية لغة للتنصير ( ) .
- وأن أوائل المطبوعات الغربية باللغة العربية قد ركزت على الكتب الدينية النصرانية ، وأن أول ما طبعته لايدن من الكتب كان الإنجـيل (1569 - 1573 م) ويذكر " العقيقي " أن أول كتاب عربي طبع في هولندا كان الحروف الأبجدية والمرموز الخمسين تجربة لها (1595 م) ( ) .
- وأن التنصير قد اتكأ كثيرا على الاستشراق في الحصول على المعلومات عن المجتمعات المستهدفة ، لا سيما الإسلامية في موضوعنا هذا ، وخاصة عندما اكتسب مفهوم التنصير معنى أوسع من مجرد الإدخال في النصرانية إلى تشويه الإسلام والتشكيك في الكتاب والسنة والسيرة وغيرها ( ) فكان فرسان في هذا التطور في المفهوم هم المستشرقين ( ) .
- وأن من مقاصد الاستشراق الرئيسة ، التي انطلق منها ، التعرف على مصادر النصرانية من اللغة العبرية ، وقد ساقتهم دراسة اللغة العبرية إلى تعلم اللغة العربية ، وتعلم اللغة العربية قاد إلى الاستشراق ، فاللغة العربية هي لغة دين وثقافة وفكر جاء ليحل محل الدين النصراني والثقافة والفكر المنبثقين عن الدين النصراني ، فأوجد هذا نزعة التعصب التي قادت إلى استخدام اللغة العربية والعبرية في هذا المنحى " الاستشراقي الذي اتجه إلى الإسلام والعربية ، وقد قيل : إنك لا تكاد تجد مستشـرقا إلا أجـاد اللـغة العبرية والعربية معا " ( ) .
- وأن البداية . " الرسمية " للاستشراق قد انطلقت من مجمع فينا الكنسي سنة 712 هـ 1312 م ، الذي نعرف الآن أنه قد أوصى بإنشاء عدة كراسي للغات ، ومنها اللغة العربية ، ولا سيما التشريع الحادي عشر الذي قضى فيه البابا " إكليمنس الخامس " بتأسيس كراسي لتدريس العبرية واليونانية والعربية والكلدانية (السريانية ، الآرامية) في الجامعات الرئيسية ( ) وكانت هذه التوصية قائمة على دعوة " ريموند لول " ( ) لإنشاء كراسي للغة العربية في أماكن مختلفة . وينقل عبد اللطيف الطيباوي عن " رادشل " في كتاب له عنوانه : الجامعات في أوربا في القرون الوسطى أن " الغرض من هذا القرار كان تنصيريا صرفا وكنسيا لا علميا " ( ) .
- وأن الاستشراق قد استشرى ونال رعاية الكنيسة ومباركتها عندما ثبت فشل الحروب العسكرية من خلال انحسار المد الغربي الصليبي بعد جهود قرنين من الزمان ، فاتجهت الكنيسة الغربية إلى التنصير من خلال الفكر والثقافة والعلم ، فكان التوجه إلى ما نسميه اليوم بالغزو الفكري في تحقيق ما فشل فيه سلاح الغزو الحربي ( ) . هذا الغزو الذي اتخذ من الاستشراق منطلقا له ، سعى من خلاله إلى تشويه الإسلام بطرق شتى ، لا تتعدى كونها جملة من الإسقاطات التي نالت حظا طيبا من النقاش والرد ، في زمان إطلاقها وبعده ، من كثير من المسلمين ( ) .
وكان الهدف من هذه الدعوة هو أن تؤتي محاولات التنصير ثمارها بنجاح من خلال تعلم لغات المسلمين ( ) وقد عبر عن هذه الثمار في دعوة " لول " بارتداد العرب إلى النصرانية من الإسلام ، كما كـان " غريغوري العاشر " يأمل في ارتداد المغول إلى النصرانيـة ، وقبله كـان " الإخـوة الفرنسيسكان " قد توغلوا في أعماق آسيا يدفعهم حماسهم التنصيري ، ومع أن آمالهم لم تتحقق في وقتهـا إلا أن الروح التنصـيرية قد تنـامت منذئذ ( ) .
وهذا يعني بتعبير أوضح " إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام ، واجتذابهم إلى الدين النصراني " ( ) وهذا مما أدى إلى الاستنتاج أن التنصير هو الأصل الحقيقي للاستشراق ، " وليس العكس صحيحا كما يذهب أغلب الباحثين " ( ) .
ومن هذا المنطلق يفهم التوجه إلى تعريف المستشرقين بأنهم " الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين ، ويقدمون الدراسات اللازمة للمبشرين ، بغية تحقيق أهداف التبشير ، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار " ( ) .
وقد انتظم الاستشراق في الفاتيكان وانتشر واستمر على أيدي البابوات والأساقفة والرهبان ، فكان رجال الدين النصراني " - ومجمعهم الفاتيكان يومئذ - يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا ، ولا سبيل إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية ، فتعلموا العربية ، ثم اليونانية ، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه . . . " ( ) وكذلك لمقارعة فقهاء المسلمين واليهود والرد عليهم ، وتدريب أدلاء يتخاطبون بالعربية للقيـام على خـدمة مرتادي بيت المقـدس من النصارى ، ويطلق عليهم " الحجاج " ، فأسس البابا جمعية الجوالين سنة 648 هـ - 1250 م ، وطبعت بعد ذلك أدلة الحج ، وفيها الأبجـدية العربية وطريقة النطق بها ، وخريطة لمدينة القدس ، ورسوم للزي العربي ، لا سيما اللبناني ، يقول نجيب العقيقي في هذا : " فكان أول ما عرفت أوربا من الطباعة العربية " ( ) .
وقد أضحـى هذا المنحى في الرؤية إلى نشأة الاستشراق مما يتفق عليه معظم الباحثين المسلمين في ظاهرة الاستشراق ( ) لا سيما أولئك الذين لا يسعون إلى الاعتذار للمستشرقين بخـاصة ، وللغرب بعامة ، وقد عد الاستشراق أقرب الطرق وأسهلها للتنصير ( ) .
على أني لحظت أن هناك من يرى التداخل بين التنصير والاستعمار في الإفادة من الاستشراق ، بحيث يقال إن الهدف من الاستشراق هو " التمهيد للاستعمار الزاحف . . . حتى يمكن للمستعمرين التعامل مع الشعوب المغلوبة المنهوبة على ضوء ما عرفوه عنها " ( ) وفي هذا شيء من الاقتصار على هدف من أهداف الاستشراق يخـدم مجال الباحث في بحثه دون النظر إلى الأهداف الأخـرى ، ويؤدي هذا إلى قـصـر الأهداف على الهـدف الديني التنصيري ، الأمر الذي ينبغي ألا يكون .
ومن المهم هنا النظرة إلى التداخل في الأهداف مع القدرة على التمييز بينها ، وأن هذه الأهداف إنما تسعى إلى الإفادة من بعضها في تحقيق غاياتها ، فالهدف الديني ، ومنه التنصير ، للاستشراق يتداخل مع الأهداف الأخرى كالاستعمار والهدف السياسي ، بل والهدف الاقتصادي والتجاري ، ثم الهدف العلمي ، وذلك لتعذر التخلي عن الخلفية الثقافية القائمة على الدين في النظر إلى الثقافات الأخرى . وهذا ما جعل بعض المستشرقين ينظر إلى الشرق نظرة فوقية مدعيا أن علو الغرب إنما يعود إلى الديانة النصرانية ، بينما يعود تخلف الشرق وبالتالي دونيته لتمسكه بالإسلام .
وقد استمرت هذه النظرة الفوقية المنبعثة من الدين ، وغذتها كذلك النظرة العرقية ، إلى وقتنا الحاضر ، ويذكر " خير الله سعيد " أن " جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية ، ثم إن هذا الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق قد عمق هذا التمييز ، بل أعطاه صلابة وثباتا " ( ) .
وربما كان هذا الشعور أحد مسوغات الاستعمار الذي جثم على الدول المستعمرة ردحا من الزمن ، بحجة عدم قدرة الشعوب الشرقية على حكم نفسها ، فاحتاجت إلى الوصاية الغربية عليها ، وهذا ما يشير إليه تقرير " سكاربرو " ( ) كما يشير إليه " هاملتون جب " في الاتجاهات الحديثة في الإسلام ( ) .



المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم