انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثالثة

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة باسم جاسم يحيى الفتلاوي       19/11/2018 05:32:44
ثانياً : حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية
كان الإنسان محوراً وغايةً لجميع الشرائع السماوية ، التي جاءت لتأمين مصالح الإنسان بجلب النفع له ودرء المضار عنه وبما يحقق السعادة له في الدنيا والآخرة ، فقد جاءت بدعوتها لتوحيد الله عزَّ وجلَّ وتحرير العقول والقلوب من الشرك والأوهام والزيغ والضلال لتحقيق إنسانية الإنسان لكي يتبوأ مكانته الرفيعة ويصبح أهلاً للخلافة في الأرض .
فقد كان أروع ما في الشرائع السماوية أنَّها جاءت لتُعَظِّم مِنْ شأنِ الإنسان ولا تتركه في هذا الوجود نهباً للتشتت والضياع وفقدان الأمل . وقد وصلت الشريعة الإسلامية السمحاء إلى الذروة في إظهار هذه الرابطة بين القوة الخالقة المدبرة لهذا الكون وبين الإنسان ، فليس الإنسان في حقيقته إلّا مظهر القوة الإلهية في هذا الوجود ودليل مشيئتها على الأرض . فقد كرَّم ديننا الإسلامي الحنيف الإنسانَ وفضَّله على سائر المخلوقات ، وقد وردت المئات من الآيات القرآنية الكريمة ، والأحاديث النبوية الشريفة ، وأقوال أئمة أهل البيت عليه السلام لتُبيِّن وبوضوح ما يجب أن يتمتع به الإنسان من حقوق جوهرية مهمة .
ويمكن القول بأنَّ الشريعة الإسلامية كانت أسبق من الشرائع الوضعية-( كالمواثيق الدولية والأقليمية والدساتير والقوانين والمدونات وغير ذلك )- في تقرير حقوق الإنسان وحرياته ، فشريعتنا الإسلامية مثَّلت أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان . مما دفع إلى القول بأنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ( 1948) لا يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية إلّا في حالات نادرة وأنَّه ما يزال أدنى من مستوى الصورة التي رسمتها الشريعة الإسلامية لنظام الحقوق والحريات الإنسانية .
فالإسلام دين ودولة ، عقيدة وشريعة ، وقد عبَّر الإسلام عن العقيدة ( بالإيمان ) وعن الشريعة ( بالعمل الصالح ) ، وقد أوجد نُظُماً متكاملة لمعالجة شؤون الدين والدنيا . وبما إنَّ أحكام الشريعة الإسلامية تخص البشرية جمعاء وليست حكراً على المسلمين فإنَّ بإمكان كل مجتمع أنْ يَستعين بها ويُطبّقها وفقاً للظروف السائدة فيه .
وحيث أنَّ الإنسان هو غاية كل الرسالات السماوية فقد فضَّله الله تعالى على سائر مخلوقاته وكرَّمه وجعله خليفته في الأرض ، ودليل ذلك قوله تعالى : " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بني آدَمَ وَحَمَلْنَـ?هُمْ فِي ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَرَزَقْنَـ?هُمْ مِّنَ ?لطَّيّبَـ?تِ وَفَضَّلْنَـ?هُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: آية 70) .وقوله تعالى " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـ?ئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ?لأرْضِ خَلِيفَةً...} (البقرة: آية 30).
وقد حرص الإسلام على كفالة حقوق الإنسان وحرياته عن طريق إقراره للمبادئ الآتية:-
1- مبدأ الحق في الحياة :- فقد أحاطت الشريعة الإسلامية النفسَ البشرية بحصنٍ منيعٍ يحميها مِن الإعتداء على حياتها ، حيث حرَّمت قتل النفس قال تعالى :" ... مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ?لأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا ?لنَّاسَ جَمِيعًا ? .( المائدة : آية 32) .وكذلك حرَّم الله تعالى الإنتحار بقوله جلَّ في علاه " ... وَلا تَقْتلُو?اْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ?للهَ كانَ بِكمُ ْرَحيِما ? .( النساء : آية 29) .
ويُعَدُّ الحق في الحياة مِن بين أهم الحقوق الجوهرية للإنسان بل يفوقها جميعاً من حيث الأهمية فهو أساس كل الحقوق وعليه تُبنى جميعها ، فهو حق مقدَّس ولا يجوز لأحد أن يتعدى عليه كونه هبة من الله تعالى وليس للإنسان فضل في إيجاده . وقد أكد على هذا المبدأ رسولنا الكريم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في خطبة الوداع بقوله " ... إنَّ دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ..." .
2- مبدأ الحق في حرية العقيدة :- فقد ميَّز الله تعالى الإنسان عن مخلوقات كثيرة بملكة العقل والإدراك ، لذلك دعت الشريعة الإسلامية الإنسان إلى التفكير الحر والإستدلال على الحقائق بوساطة العقل وإعتماد المنطق السليم ، وهناك آيات كثيرة أكدت ذلك كقوله تعالى " ... قَدْ فَصَّلْنَا ?لآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ " ( الإنعام :آية 98) . وقوله تعالى " ...نُفَصِّل ُ?لآيَاتِ لِقوَمٍ يتَفَكَّروُنَ " ( يونس :آية24) . وقد جعلت الشريعة الإسلامية الإنسانَ حراً في إختيار العقيدة التي يشاء فقد قال تعالى " لَا? إِكْراهَ فِي ?لدِّينِ قَد ْتَبَيَّنَ ?لرُّشْد ُمِنَ ?لغيِّ ..." ( البقرة : آية 256) . وقد دعت الشريعة إلى إعتماد أسلوب الحوار و الإقناع مع أصحاب العقائد الأخرى كقوله تعالى " ?دْع ُإِلَى? سَبيِل ِرَبِّك َب?لحِكْمَةِ وَ?لمَوْعِظَةِ ?لحَسَنَة ِوَجادِلْهُم بِ?لَّتيِ هِيَ أَحْسَنُ..." ( النحل : آية 125) .
3- مبدأ الحق في حرية الرأي : دعت الشريعة الإسلامية إلى حرية إبداء الرأي ، وقد جعلته واجباً على الفرد لا حقاً له فحسب وقد وردت نصوص قرآنية عديدة بهذا الخصوص كقوله تعالى : " وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّة ٌ يَدْعُونَ إلىَ ?لخَيْر ِوَ يَأْمُرُونَ بِ?لمَْعْروُفِ وَيَنْهَونَ عَنِ ?لمْنْكَر ِوَ أُوْلئ??ِكَ هُم ُ ?لمُفْلِحُونَ " ( آل عمران : آية 104). وحرية الرأي تتباين من حيث الموضوع فإذا كان موضوع إبداء الرأي مسألة دنيوية فللفرد حرية إبداء الرأي ولكن دون أن يتعدى على حقوق الآخرين ،أمّا إذا كان موضوع إبداء الرأي مسألة دينية أو شرعية فلكل مجتهد أن يجتهد برأيه في حدود أصول الدين الكلية .
4- مبدأ الحق في المساواة : أقرَّت الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين جميع الناس ، فهم متساوون في القيمة الإنسانية المشتركة ، وخَلَقهم الله تعالى من نفسٍ واحدةٍ ، الأصل واحد والأب واحد . ويُقصَد بهذا المبدأ المساواة أمام الشرع والقانون من ناحية الحقوق والواجبات والمشاركة في الإمتيازات والحماية دونما تفضيل لعرقٍ أو جنسٍ أو صفةٍ أو لونٍ أو نسبٍ أو طبقةٍ أو دينٍ أو مال . قال تعالى " ? يـ?ا أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّّّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُو?اْ إِنََّّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ?لله أَتْقَاكُمْ إِنَّ ?لله َعَليِمٌ خبير ُ? ( الحجرات : آية13).وقد أكَّد نبينا المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)على هذا المبدأ في خطبة الوداع بقوله : " يا أيها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ،إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم...".
5- مبدأ الحق في الملكية : أقرَّت شريعتنا السمحاء حق الملكية وكفلته ، إذ يسَّرت للإنسان سُبُل التملُّك والحصول على المال ، وفسحت له مجال المنافسة والعمل والتفوق في ذلك ، وقد إرتبط إقرار الإسلام للملكية بإعترافه بحق الإرث فقد وضع له أحكاماً ونظَّمه ، وقد أباح الإسلام الطرق المشروعة كافة لإكتساب المال وحرَّم الطرق غير المشروعة للكسب كالغش والربا والإحتكار .
وحق الملكية في الإسلام غير مطلق ، ويُعدُّ بمثابة وظيفةٍ إجتماعيةٍ ، إذ إنَّ على المالك أن يستعمل حقه في الملكية من دون تعسف ، أي لا يلحق ضرراً بغيره وأن يراعي مصلحة المجتمع ، وقد أقر الإسلام بعض القيود على ملكية الأموال فحرَّم التبذير والتقتير ، وأقرَّ الزكاة وجعلها ركناً من أركانه وهي حق لمستحقيها وليست مِنَّةٌ ممن وجبت عليه ، قال تعالى " ? وَ?لَّذيِنَ فِي أَمْو?لهِِمْ حَقٌ مَعْلوُمٌ ? لّلس?ائِلِ وَ?لمحَروُمِ ??" ( المعارج : آية 24،25) .
6- مبدأ الحق في التعليم : لقد أفردت الشريعة الإسلامية مكانة خاصة للعلم والعلماء ، وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تؤكد ذلك المبدأ ، وقد وردت في أول سورة منه كلمة " ?قرأ " في قوله تعالى " ? ?قْرَأ ْبِ?سْمِ رَبِّكَ ?لذي خَلقََ ? خَلَقَ ?لإنِسانَ مِنْ عَلَق ٍ? ?قرأ وََربُكَ ?لأكرَْم ُ? ?لَّذِي عَلَّمَ ب?لقَلَم ِ?عَلَّمَ ?لإنِسانَ مَا لم يَعْلمَ ? ?" ( العلق : آية 1-5). وقد ورد عن النبي المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنَّه قال " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " وقوله " لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنَّ أنَّه علم فقد جهل " .
وقد جعلت شريعتنا الإسلامية للعلم والعلماء مكانةً رفيعةً تتضح من خلال قوله تعالى "? ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ?لَّذيِنَ يعْلَمُونَ وَ?لِّذيِنَ لاَيَعلمَونَ ... ?? (الزمر : آية 9) ، وقوله عزَّ وجلَّ " ? ... وَما يَعْلَم ُتَأويِلَه ُ إلَّا ?لله وَالرَّاسِخُونَ فِي ?لعِلْم ِ...?? ( آل عمران : آية 7) .
7- مبدأ الحق في الخصوصية : لقد كفلت الشريعة الإسلامية للإنسان الحق في الأمن على النفس والأسرار والعورات والبيوت ، وقد تقرر ذلك في قوله تعالى ? ... وَلاَ تَجََسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضَا ...? ( الحجرات : آية 12) ، ولمَّا كانت البيوت موضع الأسرار ومحل الحياة الخاصة للإنسان فلا يجوز لأحد دخول المسكن بغير إذن وإستئناس فقد قال تعالى ? يَا أَيُّهَا ?لَّذيِنَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتكُم حَتَّى? تَسْتَأنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى?? أَهلِها ذلَكِم خيرٌ لكُم لَّعَلكمُ تَذكَّروُنَ ? فَإِنْ لم َتجَدُِوا فِيها? أَحداً فلَاَ تَدخُلوُها حَتَّى يُؤذَن َ لَكُم وَإِنْ قيِلَ لكَُم ?رجِعُوا ف?ِرجِعُوا هو أزكَى لَكُم و?للهُ بِما تَعملَوُنَ عَليِم ٌ?? ( النور : آية 27-28 ) .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ مدرسة أئمة أهل البيت عليهم السلام زاخرةٌ بالأقوال والوصايا التي تُعنى? بحقوق الإنسان والتي تعكس مدى إهتمام الفكر الإسلامي بها ، ولعلَّ مِن أروع ما تركته لنا مِن تراثٍ فكريٍّ بهذا الشأن هي رسالة الإمام زين العابدين الإمام السجاد علي ?بن الحسين ?بن أبي طالب ( عليهم السلام )، والتي تتضمن توصيةً بخمسين حقاً على الإنسان، بدءً من حقوق الله تعالى إلى حق نفسه ومحيطه ومجتمعه ودولته ، وحقوق أهل الأديان الأُخَر ، لذا نهيب بطلبتنا الأعزاء الإطلاع على مضامينها والإستفادة منها لتهذيب النفس وتنمية الفكر .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم