انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الفتاح محيي فرهود
24/12/2016 18:24:42
المحاضرة التاسعة/ هل ( ما يُرى أنه حذفٌ) من المجاز ؟ د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود
فيما مرَّ بيانُ مفهومِ الحذف ، ومنهجُ القولِ به ، إذ هو زَعْمُ جزءٍ ساقطٍ في الكلام ، فهل يعني رفْضُ هـذا المفهومِ والتناولِ في القرآن الكريم بخاصَّةٍ رفضًا للمجاز ، وإنكارًا له ؟ قبل الإجابةِ عن هذا التساؤل ، لابدَّ لي من التعريفِ بالمجاز - بإيجاز - وبيانِ المقصودِ به على وجهِ الدقة. أما المجازُ فهو: (( عبارةٌ عن تَجَوُّزِ الحقيقةِ. فإنَّ المرادَ منه أنْ يأتيَ المتكلمُ بكلمةٍ يستعملُها في غير ما وَضِعَت له في الحقيقة ، بحيثُ يأتي المتكلمُ إلى اسمٍ موضوعٍ لمعنى فيخصُّه إما أنْ يجعلَه مفردًا بعد أنْ كان مركبًا ، أو غيرَ ذلك من وجـهِ الاختصاص. والمجازُ جنسٌ يشتمِلُ على أنواعٍ كثيرةٍ ، كالاستعارةِ والمبالغةِ ، والإردافِ ، والتمثيل ، والتشبيهِ ، وغير ذلك مـما عُدِلَ فيه عن الحقيقةِ الموضوعةِ للمعنى المراد))(1). ومَيْزًا بين الحقيقةِ والمجاز قال ابنُ الأثير: (( الحقيقةُ… هي اللفظُ الدالُّ على موضوعِه الأصليِّ. وأما المجازُ فهو ما أُريدَ به غيرُ المعنى الموضوع له في أصلِ اللغة))(2). نخلُصُ مـما مرَّ إلى أنَّ المجازَ هو استعمالُ اللفظِ في غير معناه الحقيقي ، أو إضافةُ معنى آخرَ غيرِ حقيقيٍّ على اللفظِ بوساطة السياقِ الذي يرِدُ فيه ذلك اللفظُ. وهذا المعنى للمجازِ بعيدٌ تمامًا عمَّا يُرادُ بـما يُعرَف بـ(الحذف) ، فأينَ الطرْحُ أو عدَمُ الذِّكْرِ من الذِّكْرِ بمعنى آخرَ غيرِ حقيقيٍّ للفظ(3). ففي قولِه تعالى: [ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ] [يوسف/82] - مثلاً- ذهَبَ الكثيرون إلى أنَّ في النصِّ الكريم محذوفًا ، والتقديرُ - عندهم - : ( واسألْ أهْلَ القَرْيةِ )(4) ، بحجَّةِ أنَّ القريةَ لا تُسألُ ، وعَدُّوا هذا الحذفَ والتقديرَ من المجاز. والأرجـحُ أنَّ في النصِّ الكريم مجازًا ، ولكنه ليس بالمعنـى الذي ذهبَ إليه هؤلاءِ المقدِّرون. فالمجازُ يـمكن أنْ يكونَ في لفظِ الطلَب (واسألْ) ، فـي ضوءِ حدِّ المجاز المارِّ ذكرُه فيما سبق ، وبُعْدِ (الحذف) - كما عُرِفَ - عن التفرُّعِ عنه ، إذ لا يـمكن - واللهُ أعلم - أنْ يرادَ - هنا - السؤالُ الحقيقيُّ الذي يستدعي جوابًا من المسؤول ، أي: السؤالُ اللفظيُّ الذي يستدعي جوابًا لفظيًّا ، فالمرادُ بالطلب (اسأل) - مجازًا ، واللهُ أعلم – هو التحرِّي والاطلاعُ شخصيًّا من قِِبَلِ النبيِّ يعقوبَ (عليه السلامُ) - وهو الموجَّهُ إليه الطلبُ (اسأل) - على أحوالِ القريةِ التي أتى منها أبناؤُه ، وأنـَّها تموجُ بحركةٍ غير طبيعيةٍ بسببِ دأبِ أهلِها وهم يـبحثون عن صُواع المَلِكِ الذي فُقِد أو سُرِق ، حتى عُرِضَت جائزةٌ قيِّمةٌ - لمن يأتي به ، بقولِ أصحابِ الشأنِ في البلاط: [ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ] [يوسف/72]- من المؤونة والطعامِ ، وهي غايةُ كلِّ فرد في مصر - آنذاك - لشدَّةِ القحط وألمَِ الجدْبِ والفاقَةِ ، حتى صارت هذه الجائزةُ باعثًا ومحفزًا كبيرًا للبحث عن هذا الصواعِ. فلما وُجِدَ في رحْل أخي النبـيِّ يوسف (عليه السلامُ) وهو (بنيامين) حجـزه النبيُّ يوسف (عليه السلامُ) عنده، وقال لإخوته: [ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بـما عَلِمْنَا…] [يوسف/81] وهي وسيلةٌ - بـمشيئةٍ إلهية - قرَّبَ بِها النبيُّ يوسف (عليه السلامُ) أخاه وأبلَغَ بِها - بصورة غير مباشرةٍ - أباه بوجودِه وعلُوِّ شأنه. ولعلَّ أدلَّ دليلٍ على أنَّ هذا السؤالَ مجازيٌّ لا يُراد به جوابٌ ملفوظٌ كي يوجَّهَ إلى العُقلاء (أهل القرية) ، قولُهُم بعد ذلك للنبيِّ يعقوب (عليه السلامُ) : [ وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا] [يوسف/82] إشارةً إلى قافلةِ الدَّوابِ التي تحملُ ما جاؤوا به ، وأنـَّهم كانوا في مصرَ عند من كُلِّفَ توزيعَ المؤَنِ ، بدليل قولِه تعالـى: [ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُون َ] [يوسف/70]. فلو كان المرادُ - واللهُ أعلم - (أهلَ العير) كما قيل: إنَّ المرادَ (أهلَ القرية) لما كان من الصواب أنْ يقولوا: (واسأل أهلَ العير) ، لأنَّ المتكلم الذي قال: (واسأل) هو مِمَّن أقبلَ في العِير. فلو كان السؤالُ مـما يَطلُبُ جوابًا - كي يُقدَّر في النصِّ: (أهل) - لكان الأولى بـهذا المتكلم إبانةَ الأمرِ لفظيًّا بنفسِه ، لا أنْ يطلبَ من غيرِه تبيينَه أو الحديثَ عليه ، فهو يعلمُ بِمُجريات الحدث ويعرفُها ، والله أعلم. قال ابنُ جني فـي مجازِ هذا النصِّ الكريم ، ودلالتِه: (( والحقيقةُ ما أُقِرَّ في الاستعمال على أصلِ وضعِه فـي اللغة. والمجازُ: ما كـان بضدِّ ذلك. وإنـَّما يقع المجازُ ويُعدَل إليه عن الحقيقةِ لمعانٍ ثلاثةٍ وهي: الاتساعُ ، والتوكيدُ ، والتشبيهُ. فإنْ عَـدِمَ هذه الأوصاف كانت الحقيقةُ البتة… وقولُه سبحانه: [ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ] [يوسف/82] فيه المعاني الثلاثةُ ، أما الاتساعُ فلأنه استعمَلَ لفظَ السؤال مع ما لا يصِحُّ في الحقيقةِ سؤالُه … وأما التشبيهُ فلأنـَّها شُـبِّهت بِمن يصِحُّ سؤالُه لـما كان بِها ومؤلِفًا لها ، وأما التوكيدُ فلأنه في ظاهر اللفظِ إحالةٌ بالسؤال على مَن ليس من عادتِه الإجابةُ فكأنـَّهم تضمَّنوا لأبيهم (عليه السلامُ) أنه إنْ سأل الجماداتِ والجبالَ أنبأته بصحَّةِ قولِهم. وهذا تناهٍ في تصحيح الخبر ، أي: لو سألتَها لأنطقَها اللهُ بصدقِنا. فكيف لو سألتَ مَنْ مِنْ عادتِه الجوابُ ))(5). وقد ذهب السيد جعفرُ الحسينيُّ هذا المذهبَ حينَ قال: (( هذا التعبيرَ [ أي: واسأل القرية] يُشيرُ إلى قوةِ الاحتجاج بتلك القريةِ ، لكأنَّ القريةَ كلَّها ستُجِيبُ عن السؤالِ ، وسيَتَحدَّثُ أهلُها وتشهَدُ بيوتُها وشوارعُها ، وتنطِقُ أرضُها ويؤمِنُ هواؤُها … فإذا القريةُ كلُّها تُسألُ ، وإذا القريةُ كلًُّها تُجيبُ. فهو … أسلوبٌ بلاغيٌّ رائعٌ في لوحةٍ مصورةٍ))(6). ومـما تجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ الطلبَ (اسأل) قد ورد على الحقيقةِ ، لا على المجازِ في (10) عشرةِ مواضعَ في القرآنِ الكريم ، أي: مـما يستدعي ويطلبُ جوابًا من شخصٍ ، أو من أشخاص مقصودين محدَّدين. ودلالتُه هذه جليةٌ في تلك المواضعِ ، ومنها - مثلاً - قولُه تعالى: [ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ] [الأعراف/163] ، وقولُه تعالى: [ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مـما أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ] [يونس/94] ، وقولُه تعالى: [ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ] [يوسف/50] ، وقولُه تعالى: [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ] [النحل/43] ، وقولُه تعالى: [ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ ] [المؤمنون/113] (7). والفرقُ واضحٌ بجلاءٍ بين دلالةِ الطلب فـي قولِه تعالى: [ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ] [يوسف/82] ، فهو علـى المجاز ، لا علـى الحقيقةِ ، لأنه لا يستدعي ولا يطلبُ جوابًا ، ولو كان الأمرُ كما زَعم المقدِّرون لقيلَ: (واسألِ أهلَ القريةِ) ، شأنه - لو كان للسؤال حقيقةً ، لا مَجازًا - شأنُ المواضع الأخرى المذكورة ، واللهُ أعلم بـمراده.
س1/ المجازُ له حدودُ ، والحذفُ له حدودُه. ناقش هذا المفهوم ؟ س2/ كيف نفهَمُ المجازَ في القرآنِ الكريمِ ، وهو خلافُ الحقيقةِ ؟ س3/ هل يجبُ علينا أن نقرأ الكلماتِ القرآنيةَ على حقيقةِ دلالاتِها ؟ فإذا كان معناها يتعارضُ وصحةَ الدلالةِ ؛ كيف أقرأُ دلالةَ تلكَ الكلماتِ على خلافِ حقيقتِها ؟ ------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1) خزانة الأدب ، عبدالقادر البغدادي 440:2. وينظر: مسائل خلافية في النحو ، أبو البقاء العكبري ، تح: محمد خير الحلواني 39-43. (2) المثل السائر 74:1. وينظر: المزهر 281:1. (3) ينظر في عدم عدِّ (الحذف) - عند بعض القائلين به- من المجاز: البرهان 103:3. والإتقان 124:3. (4) ينظر: الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه ، تح: د. عبد العال سالم مكرم 135:1. ومشكل إعراب القرآن 705:2. والأمالي الشجرية 1: 51-52. والجامع الصغير في النحو ، ابن هشام ، تح: محمود أحمد الهرميل 146-147. والجامع لأحكام القرآن 189:6. ولسان العرب327:6 (فرش). والتبيان في تفسير غريب القرآن408:1. والحدود الأنيقة ، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري ، تح: د. مازن المبارك79. (5) الخصائص 2: 442 و447. وينظر: أسرار البلاغة ، عبدالقاهر الجرجاني ، تح: هـ .ريتر 367. والمزهر 336:1. والبلاغة والأسلوبية ، د.محمد عبد المطلب البكاء 235-236. (6) أساليب البيان في القرآن 438-439. (7) أما المواضع الأخرى فهي: [الإسراء/101] ، و[الأنبياء/63] ، و[الفرقان/59] ، و[الزخرف/45].
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|