ندوة حوارية بعنوان ( التفسير الموضوعي وتطبيقاته في القران الكريم )
 التاريخ :  24/12/2017 09:02:59  , تصنيف الخبـر  كلية الدراسات القرآنية
Share |

 كتـب بواسطـة  مصطفى محسن زبيل  
 عدد المشاهدات  689

برعاية السيد عميد كلية الدراسات القرآنية الأستاذ الدكتور عامر عمران الخفاجي المحترم ..
أقيمت ندوة حوارية تعريفية بعنوان (( التفسير الموضوعي في القران الكريم وتطبيقاته )) على قاعة الفرقان في بناية عمادة الكلية يوم الموافق 6/12/2017 ، وحضر مجموعة من التدريسيين والطلبة ، وكانت الندوة بادارة الاستاذ الدكتور ( حكمت عبيد حسين ) المحترم وحضر الندوة جمع من التدريسيين والط
التفسير الموضوعي في
 القرآن الكريم
وتطبيقاته
الدكتور حكمت عبيد الخفاجي

 
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله رسوله وخاتم النبيين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان .
      وبعد....... فإن الإنسان ليقف حائرا بروعة القران الكريم ، الكتاب الذي انزل على اكرم خلق الله ، وأصدقهم الذي تتجلى فيه كل معاني البلاغ والاصطفاء ، والرسالة ، كتاب أعجز بني البشر .
    ومن هذا التحدي وذلك الاعجاز ، ومن الحاجة الى تفسير القرآن الكريم راح علماء المسلمين يغترفون من غديره العذب ليطفؤوا ضمأً تلجلج في صدورهم فكانت في القران الكريم ضالّتهم المنشودة ، فتدارسوه وبحثوا في آياته وسوره ؛ رائدهم القربة الى الله تعالى ، والتوصّل الى فهم مراده.
       ولم يزل القرآن الكريم يلقى العناية نفسها في درسه وتفسيره إذ قيّض الله سبحانه وتعالى له من علمائنا المحدثين الذين ما انفكوا يوصلون الليل بالنهار للغوص في أعماق هذا البحر العظيم لالتقاط بعض لآلئــه وجواهره ؛ لأنه لا تفنى غرائبه  ولا تنقضي عجائبه ، وللدفاع عنه والوقوف بوجه الملاحدة حينا آخر .
       ولطول العهد بعلم التفسير وما نفذ الينا من نتاج تفسيري هائل أفنى في طريقه الجهابذة - من علمائنا- وقتهم ومالهم لا بل حياتهم ، ذلك النتاج المتنوع ، وتناوله لكل جانب من جوانب العلوم ، من نحو وبلاغة ، وكلام وفقه وتصوف التي طبعته بطابعها ، ومن ثَمّ الصيحة العلمية الحديثة التي راحت تتعاطى مع آي التنزيل الكريم ، وتتلمس فيها اثرا لقوانين ونظريات سرعان ما تبطل وتظهر غيرها ، لظهور التخصص العلمي الدقيق بأخذ جزيئة واحدة من احد العلوم ودراستها .
     وكان من نتاج هذا كله ان يجد المسلم عناءً ورهقا في قراءة تفسير من تلك التفاسير برمته ، وكان مما يتعبه او يضيع وقته بحثه عن قضية او موضوع حياتي تناوله القرآن بالمعالجة لصعوبة العثور عليه بين تلك التفاسير لأن الموضوع في الغالب كان يفسّر على حسب تناوله في الاية والسورة .
    فظهر في العصر الحديث من اعلامنا من نادى بالتفسير الموضوعي ، ومن كتب فيه ، فكان موضوع رسالتي ( التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) الذي يعالج جميع الموضوعات القرآنية مناط الدراسة والبحث .
     ومن حسن حظي وسعادة طالعي ان يحبب  الله لي الدراسات القرآنية والخوض في اشرف علم منذ ان ادركت ان لله علي حقوقا وفي ذمتي واجبات وتكاليف ، وجاء اقتراح استاذي الكريم الاستاذ الدكتور" محمد حسين علي الصغير" بدراسة هذا الموضوع في مكانه ليرسخ في التمسّك به والاضطلاع ببحثه.
    وانطلاقا من هذه الرغبة في تأصيل هذا المنهج ، وتأسس قيمه ، وابرازه في بحث علمي له سماته الواضحة ، ليرتفع مجليا ، وليبرز شامخا بين المناهج التفسيرية الاخرى ، وباسم الحقيقة بدانا البحث ، عن اقباس من سبقنا نستجلي ما يمكن ان يتهيأ لنا من أثر في كتابات علمائنا الاعلام لهذا اللون التفسيري الذي طالما ظل جنينا تتمخضه ولادة صعبة وعسيرة .
     واما اهمية هذا الموضوع وقيمته العلمية فلن اتحدث عنها ، فذلك مما ستكشف عنه صفحات هذا البحث .
    واما منهجي في هذه الرسالة ، فقد سلكت فيه البحث العلمي المتجرّد عن التعصب والهوى ، مبرزا ما  للموضوع  من اهمية من دون التجني على المناهج التفسيرية الأخرى التي ما زال الباحثون والدارسون يقبسون منها ، ووقفت منها ذاكرا في ثنايا البحث ما لها وما عليها احيانا .
    فقد اقتضت طبيعة الرسالة ان تقسم على : مقدمة ، وتمهيد ، وخاتمة ، وأربعة فصول .

    اما المقدمة : فقد تناولت فيها سبب اختياري للموضوع وبينت منهجي الذي اختططت فيها.
    وترامى لنا ان الامر تخفيه غلالة من غموض فوطّأنا للخطوة الثانية بتمهيد نستعرض فيه على عجالة المتزود ما قيل في التفسير تعريفا واتجاهات مهمة ، وذكرنا ما استقر تحديد التفسير اصطلاحا بـ( الكشف عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ) ، وما اكتنف التفسير من اتجاهات ذهبت به كل مذهب ، فكان منها التحليلي، والاجمالي، والمقارن انضمت تحت لواء التفسير التسلسلي ، الذي كان وما يزال يملك زمام المبادرة في العملية التفسيرية ، من القرن الثاني الهجري وحتى الان ، ثم تناولنا التفسير الموضوعي ، فبدأنا بأنواعه واستعرضناها نوعا نوعا ، واخترنا منها الثاني مدرجين تحته تعريفات الباحثين المعاصرين ، واخترنا لنا طرائق لتحديده مستنيرين بما حققوه ، وعدلنا الى آرائهم في حداثة التفسير الموضوعي وأداة كل فريق ولكننا انتهجنا طريقا وسطا مما نقلناه وما اضفناه على ما رأينا جديرا بالقبول ، ثمّ عطفنل الى تقويم التفسير الموضوعي ورأينا من المناسب أن نسوق بعض الفروق بينه وبين التفسير التسلسلي ؛ لكي نكون على بيّنة منه ونحدد مكانه وصلته بهذا او ذاك مما تقدّمه زمنا او تأليفا .
    ثم عقدنا الفصل الأول لمعالم التفسير الموضوعي عند القدامى والمحدثين؛ لكي نوضح أبعاده والآماد التي وصل إليها ، وقصدنا بمعالمه ما كتبه الأوائل وصولا إلى المحدثين ، ولأننا ندرس قضية تأريخية ، لا ترتبط بمفسّر دون آخر أو بمعالم دون آخر ، ولم نجد غضاضة في أن نختار أربعة مجالات عند القدامى وهي ( فقه القرآن وأمثال القرآن وجدل القرآن وأقسام القرآن) لدراسة ما كتب فيها ؛ لأنها تمثل موضوعات عالجت قضايا منفردة في القرآن الكريم ، وأما المحدثون فاكتفينا بعرض سريع لبض منهم في الدعوة او التطبيق على حدّ سواء ، وبيّنا أن كثيرا منهم لم تحدد عنده معالم التفسير الموضوعي كي نعطي لبحثنا هذا أكثر موضوعية ودقة أن نشير إلى مؤلفات المستشرقين وما كتبوه في هذا الباب ؛إذ لم نجد جهدهم كله يدخل في التفسير على ما عهدناه عند علمائنا فقد تناولوا البحث في قضايا وقضايا قرآنية اخرى لم يسلم موقفهم من غاية في الاغلب ، وعطفنا بعد ذلك على موضوع له صلة كبرى بالتفسير الموضوعي وهو الفهرسة الموضوعية لآيات الذكر الحكيم ، فكان قدم السبق في هذا الموضوع واضحا للمستشرقين ليس لأحد نكرانه أو إخفاؤه فعقدنا لهم مبحثا وللعرب المحدثين مبحثا آخر.         
      واتسعت صفحات الفصل الثاني لموارد التفسير الموضوعي فكانت تلك الصفحات تقليدية في هذه الرسالة وفي كل الابحاث والرسائل التي تتناول منهجا تفسيريا آخر وأيا كان ذلك المنهج ، فبدأنا بالقرآن الكريم ، ثم السنة النبوية والصحابة والتابعين ، وأخيرا اللغة مصادر التفسير الموضوعي ، الا ان الفارق بين تناول التفسير الموضوعي لهذه المصادر وتناول المناهج الاخرى لها من حيث التفسير القراني للقران ؛ لأن عماد التفسير الموضوعي وقوامه هو تفسير القرآن بالقران ، لا بل من اولويات طرائق البحث في التفسير الموضوعي جمع الايات القرانية التي تخص الموضوع الواحد  ، وعرضها بعضها على بعض لعل هناك اية تفسر اخرى ، فكان هذا الفارق واضحا في ضرب الامثلة عندما تناولنا تلك الموارد جميعا وبهذا تكون هذه المصادر من هذه الزاوية أخصب من ان تجعل للاتجاهات التفسيرية عدا التفسير القرآني .
     إن التفسير الموضوعي قمة للهرم التفسيري الذي بدأ بقاعدته العريضة ، وهي نشأته مع علم الحديث ، ومن ثم انفصاله عنه وانفراده بمدوناته الخاصة ووصوله الى مرحلة النضج التي اكتسبت عمقها من ذلك المد التاريخي فتبلور التفسير الموضوعي وانفرد بخصائص مميزة عن باقي المناهج الاخرى ، خصائص لم يسبقنا – قدر جهد الاطلاع والتتبع – اليها احد ممن كتب عن التفسير الموضوعي ؛ لأنّ المباحث التي تناولته لم تكشف عن تلك الخصائص ،فكان الفصل الثالث تبيانا وتجلية لها .
      وكان منهج الدراسة في الفصل الرابع ، رصد لبعض الموضوعات القرانية التي تمثلت في ( فقه القران وأمثال القران وجدل القران وأقسامه) وتقصيها ، والتمثيل لها بعدد من النماذج توضح طبيعتها و صلتها بالتفسير الموضوعي ، مختارين من مؤلفات القدامى ما يمثل تلك الموضوعات ، ومن ابحاث المحدثين ما يمكن ان يكون خير مثال لتوضيح ذلك ، وغيرها من الموضوعات القرانية المختلفة يقاس عليها في العرض والدراسة والموازنة ؛ لكي تأخذ هذه الرسالة صورتها النهائية ، فتلمسنا ذلك في تطبيقات التفسير الموضوعي .
     وما كان لهذه الرسالة ان تبلغ نهاية مطافها من دون خاتمة موجزة بما توصلت اليه ، وهو ما فعلناه مردفين اياها بذكر مصادر البحث ومراجعه .
        اما مصادري في هذا البحث فهي فضلا عن كتب التفسير المعتمدة عند المسلمين فأغلبها مؤلفات المحدثين التي اشرت الى ما صحّ عندي من افكارها ومباحثها، و ما خالفته منها لأسباب مذكورة في مكانها من البحث ، والى كل ذلك يعود الفضل في ان يكون هذا البحث على هذه الصورة من العرض والنتائج .
      ان هذا البحث يحاول تقصي منهج من مناهج التفسير ، يصنف معالمه ، ويبرز اهم موارده ، ويحدد بعض تطبيقاته ولعله اول محاولة تذهب الى البحث عن تأصيل المنهج الموضوعي ولا سيما منه الذي كان عليه مدار الدراسة في هذه الرسالة.
      وكان لي من الثقة التي منحني إياها استاذي المشرف الاستاذ الدكتور " محمد حسين علي الصغير " ما دفعني الى ان اسعى لأكون عند حسن ظنه ، وظن الاخرين بالبحث وصاحبه.
       وبعد...... فلا ادّعي لجهدي ما ليس فيه ، ولا أنزهه من ان يكون عرضة للنقد واختلاف الرأي غير اني بذلت فيه جهدا صادقا بحدود ما تهيّأ لي ، وحسبي أن أكون ممّن نالته بركة القرآن الكريم وخدمته ليكون لي شفيعا يوم لا ينفع الا العمل الخالص لوجهه الكريم .
                        
التفسير الموضوعي  .

أولا : نظرة عامة في علم التفسير
    علم التفسير من أقدم العلوم التي عرفها المسلمون ، وليس من مهمة البحث التوسّع في الحديث عنه بتفصيل ، ولكن ما يهمنا منه التفسير الموضوعي وهذا اللون منه لا يكتسب بعدا زمنيا يتصل بنشأته الاولى بل هو جزء من التفسير ارتبط بتطور مناهج البحث في العلوم الاسلامية ذات الصلة بالحضارة الاسلامية النابعة من صميم الاسلام والمؤثرة في حضارات الامم فيما بعد .
وفي ضوء ذلك نريد الاحاطة ولو اجماليا بسيرة علم التفسير التي سبقت التفسير الموضوعي من حيث التصنيف.
1-    تعريف التفسير :
- التفسير في اللغة : مأخوذ من الفسر ، وهو البيان ، نقول : فسر الشيء يفسِره بالكسر ، ويفسُره بالضم فسرا ، والفسر : كشف المغطى ، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ، واستفسرته كذا سألته ان يفسّره لي ، والفسر : نظر الطبيب إلى اناء .
- التفسير في الاصطلاح : قد اختلفت أساليب المفسرين في تعريفه ، فجعله بعضهم شاملا لكل علوم القران ، واقتصر فيه البعض الاخر على متعلقات التفسير من قراءات ولغة وعلوم بلاغة وغير ذلك من معرفة الناسخ والمنسوخ ، واسباب النزول ، وجعله فريق ثالث الكشف عن مراد الله تعالى في جملة ما في القران الكريم من احكام وتشريعات وغير ذلك .
وعرفه الزركشي ( ت794هـ) بقوله: (( هو علم نزول الاية وسورتها واقاصيصها والاسباب النازلة فيها ، ثم ترتيب مكيّها ، ومدنيّها ومحكمكها ومتشابهها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصّها وعامّها ، ومطلقها ومقيّدها ، ومجملها ومفسّرها ، وزاد قوم : علم حلالها وحرامها ، ووعدها ووعيدها ، وأمرها ونهيها ، وعبرها وأمثالها ) .
وقد نقل عنه السيوطي (ت911هـ) قوله (( التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم- وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ) .
بيد أن أبا حيان الاندلسي (ت745هـ) ذهب في تعريف التفسير مذهبا آخر فقال (( التفسير علم يبحث فيه عن كيفيّة النطق بألفاظ القران ومدلولاتها ، وأحكامه الافرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات ذلك) .
وللمتأخرين من علمائنا تعريف ثالث للتفسير في الاصطلاح تمخّض عن نظرهم وتفحّصهم لتعريفات القدامى ، حرر صدّّّّّيق حسن خان بقوله : (( علم التفسير معرفة احوال كلام الله من حيث القرانية ومن حيث دلالته على ما يعلم او يظن انه مراد الله تعالى بقدر الطاقة الإنسانية ) .
وقد افاد عبد العظيم الزرقاني من هذا التعريف ، مما جعله يضع تعريفا للتفسير قد يكون هو المعبر عن وجهة نظر المتأخرين ، او مما استقر عندهم ، يقول الزرقاني (( والتفسير في الاصطلاح : علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية)  .
قد عقّب على تلك التعريفات استاذنا الدكتور محمد حسين الصغير ، وفرق بين علوم القران التي تستقطب هذه الموضوعات كافة ، والتفسير الذي يعنى بالكشف عن مراد الله تعالى حسب الجهد البشري فقال (( اما التفسير في الاصطلاح ، فيتوسع به بعضهم فيجعله متناولا لكل علوم القران ، ويقتصر به بعضهم على الدلالة الموضوعية لألفاظ القرآن ومدلولاتها واحكامها ،افرادا وتركيبا ، وقسم ثالث يعود به الى جملة ما في القران من مراد الله تعالى)  .
وثبت لديه ان الزركشي والسيوطي يمثلان الرأي الاول ، وابا حيان الاندلسي يمثل الرأي الثاني ، والرأي الثالث وهو المعبر عن وجهة نظر المتأخرين ويرى انه (( اقرب الى الدلالة الاصطلاحية ، وفيه تحديد لمفهوم المصطلح العلمي للتفسير وحصر ارادته الفنية عليه ، وتقييده بقدر الطاقة البشرية ، لا يخلو من بعد نظر واصابة)  ، ويبدو ان هذا الراي يقارب الاعتدال في تحديد طبيعة التفسير بما يلائم واقع كتب المفسرين .
2-    اتجاهات التفسير :
بعد مسيرة طويلة من جهد العلماء ابتدأت بالرعيل الاول الذي عاصر رسول الله " صلى الله عليه وآله" ، وسمع منه واستمرت حتى عصر تابعي التابعين وما بعده ، برزت اتجاهات ومناهج في علم التفسير استنبطت من خلال النظر والتمحيص ، فتبلورت فيما اودعوه مؤلفاتهم وكتب التفسير ، وكان لتلك الاتجاهات والمناهج بواعثها التي ساعدت على ظهورها بشكل بارز متميّز له خصائصه ، وكلها تتصل اتصالا وثيقا بالنهضة العلمية التي ارست دعائم النهضة الحضارية والتي بدأت مع بواكير عصر التدوين في القرن الثاني الهجري على الرغم من ان بعض الصحابة كانوا قد اثبتوا بعض التفسير في مصاحفهم الخاصة ، التي ظنها بعض المتأخرين من وجوه القرآن التي نزل بها من عند الله تعالى .
والمعروف ان تاريخ علم التفسير اقترن بنشأة علم الحديث في مراحله الاولى لكنه لم يختلط به ، فالحديث الشريف له مدوناته الخاصة به ، وكان اصحاب الرواية والحديث هم اصحاب التفسير في تلك المرحلة ، فقيّض الله سبحانه لهذا العلم من المفسرين من يجعله علما قائما بذاته له ادواته وخصائصه العلمية التي لا يستطيع المرء ان يركب لجّة هذا البحر المتلاطم الامواج في اطرافه الواسعة .
ولدى متابعة ما حققه المفسّرون الاوائل من قيم تفسيرية برزت لي بعض السمات العامة في طريقة التفسير عند علمائنا ، أحاول القاء الضوء عليها فيما يأتي :
1-    لاحظت ان الاسلوب التحليلي لتفسير الايات متغلبا على منهج جملة المفسرين ؛ وذلك ببيان الايات القرانية وعرض جميع نواحيها ، والكشف عن جملة من معانيها ، وكوكبة من مراميها باسلوب تقليدي عند اغلب المفسرين ؛ وذلك بان يمضي المفسّر في شرحهة للقران الكريم مع النظم القراني على ما هو موجود في ترتيب المصحف آية بعد آية ، وسورة بعد سورة ، متتبعا معاني المفردات للالفاظ في شرحها ، ذاكرا ما تتضمنه من المعاني في جملها ، وما ترمي اليه في تراكيبها منقبا عن المناسبات بين فواصلها ، موضحا وجه الربط بين مقاصدها ، مستعينا للوصول الى ما تهدف اليه وتدل عليه بذكر اسباب النزول ، وما نقل عن اللرسول " صلى الله عليه وآله" في ذلك او عن الصحابة أو التابعين وذلك النوع من التفسير يختلف فيه أصحابه بين الإطناب والايجازكما يختلفون في المنهج ويتنوعون في المشارب .
فكان من هؤلاء المفسرين من جعل نفسه مؤرخا ليشبع رغبته فجاء بكل غثّ وسمين ودسّه في تفسيره ، فكانت القصص الخرافية والأساطير القديمة توشح ذلك التفسير مما لا يقبله العقل ولا يستسيغه الوجدان ؛ فانبثت الإسرائيليات المأخوذة عن أهل الكتاب في ثنايا تفسيره التي لفقت الكثير من الزور والبهتان ونسبتها إلى بعض الأنبياء  .

ومن هؤلاء المفسرين المحللين الذين كانوا يضفون على القران ما كانوا يعتقدون به وما كان مؤثرا فيهم مثلما فعل الفخر الرازي ( ت606هـ) في تفسيره ( مفاتيح الغيب) حيث اشبع تفسيره بالمباحث الكلامية والمذاهب الفلسفية ، مستنطقا النصوص القرآنية بما يؤيد فكرته من القران الكريم . وكذلك فعل الشيخ طنطاوي جوهري من المحدثين في تفسيره ( الجواهر) وتصور أن الذي قام به لم يأتِ به الأولون والآخرون ، مدرجا ذلك تحت التفسير العلمي الذي هو احد ألوان التفسير التحليلي .
وسار على هذا النمط سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ) وكان متأثرا بالتصوف ، ومنهم من كتب القضايا البلاغية مثل الزمخشري (ت538هـ) ، ومنهم من استنطق النصوص القرآنية بالنسبة للمسائل الفقهية من كتب الفروع مثل القرطبي (ت671هـ) في تفسيره ( الجامع لأحكام القران) ، ومنهم من نحا في تفسيره للقران الكريم المنحى النحوي مثل أبي حيان الاندلسي(ت745هـ) .
ومن المفسرين المتأخرين من جمع في تفسيره ألوانا متعددة من الثقافات والعلوم كالالوسي (ت1270هـ) في تفسيره ( روح المعاني) ، والجدير بالذكر إن هذه المؤلفات التفسيرية وان كانت تتسم بالطابع الموسوعي العلمي المراد منه إظهار إعجاز القران الكريم ، وإلزام الخصوم بأن القران الكريم مشتمل على جميع العلوم والثقافات إلا أن هذه التفاسير كانت تبتعد عن هدف القران الأسمى ، وهو هداية البشر بدون قصد منها إلى ذلك .
وهذا اللون من التفسير الذي يعتمد على وحدة الآية وتقليبها من عدة وجوه وتحميلها في بعض الأحيان ما لا تحتمله من معنى وان جمع بين مناهج متعددة إلا انه يسمى بالتفسير التحليلي مندرجة تحته ما هو معروف من تفاسير القدماء.
(( وهذا التعدد في مناهج التفسير جعله ينتقل عند المسلمين تبعا لتعدد التخصص لدى كل منهم ، وقد اخذ يلون التفسير بثقافة المفسّر فالمفسّر بمستواه الفكري هو الذي يحدد نوعية تفسيره ، وهو الذي يحدد من صيغه ومفاهيمه ، فقد يجرّ العبارة القرآنية إلى معنى يدور في خلده وهي لا تصور ذلك ، وقد يفسّر النص القرآني بحكم تعلّقه بمبدأ ما ، يحاول الاطمئنان إليه في هذا المجال ، أو يحاول طمأنة الآخرين إليه ، فما أكثر ما نجد الروايات إلى جنب المهارات ........ فالملامح الذاتية للمفسّر تبدو واضحة شاء أو أبى) ، وقد عزى ذلك إلى ظهور التصوف مواكبا للمذهب الفلسفي في العالم الإسلامي ، فأولى الرياضة النفسية والمجاهدة ما أولاها وقدمها على ما سواها من البحث الموضوعي ، فاستخدمت الفلسفة في تفسير النص ، والحكمة في إثبات المراد ، والمسالك الصوفية في تأويل القران .
2-    وفي ضوء ما تقدّم كان لا بدّ أن نشاهد الأسلوب الإجمالي أو الطريقة المختصرة للتفسير وذلك بحسب مناخ المفسر بالمرور على معاني الآيات إجمالا ؛ وذلك بان يأخذ المفسر الآيات القرآنية على وفق ترتيبها في المصحف الكريم فيعمد إلى توضيح مقاصدها ، مستقصيا ما ترمي إليه من غاية ، وما تهدف إليه الجمل من أهداف ، وما تشير إليه الأهداف من دلالات ، ويقصد المفسّر في عرضه لهذه المعاني وضعها في إطار من العبارات التي يصوغها بكلماته ، ويصبها بألفاظ تدنيها من الإفهام وتستوعبها مدارك القراء ، وتكزن تلك العبارات التي يصوغها المفسر على المنهج الإجمالي متصلة ببعضها وان سار على نهج ترتيب القران الكريم ، وهو إذ يفسر بعبارته التي ألفها من ألفاظه يدخل اللفظ القرآني بين تلك  آونة وأخرى ، وبيت حين وآخر ، في سياق تفسيره حتى يؤكّد للقارئ بأنه لم يكن بعيدا في تعبيره عن سياق القران وحتى يبقى مرتبطا بنظم القران من جهة ، ويحقق التفسير من جهة أخرى ، وفي الموضوع إلي يصعب فيه الإتيان بلفظ القران غالبا ما يأتي بلفظ آخر يكون أوضح لدى السامعين ، وأيسر عند القارئين ، وتكون تلك الألفاظ القرآنية التي يأتي بها في معرض تفسيره جلية المعنى ، بيّنة المقصود وبذلك يكون فيما جاء به من ألفاظ مفسّرا للمعاني موضحا لدلالات الآيات الإجمالية .


وهذا النوع من التفسير اقرب ما يكون إلى الترجمة المعنوية التي لا يقيّد المترجم نفسه فيها بالألفاظ والجمل بل يعمد بها إلى توضيح المعنى وبيان المرمى وتجليتها في بيان جملها وتراكيبها ، وقد يلمح بإيجاز في الموضوع إلى ما يحتاجه من ذكر حادثة تاريخية ، أو سبب نزول ، أو حديث شريف أو اثر عن سلف صالح .
على أن هذا النوع منم التفاسير قليل التداول عند القدامى ، فهو من النزرة بمكان ، ومن أمثلته ( تفسير الجلالين) لجلال الدين السيوطي (ت911هـ) الذي فتح باب الاختصار في التفسير ، وهو يريد في هذا المنهج الذي سار على منواله المحدثون ، ومن نماذجه ( التفسير الكبير) للسيد عبد الله شبر (ت 1242هـ) ( و(تفسير القران الكريم) لمحمد فريد وجدي ، و(التفسير الوسيط) الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية.
3-    وقد اتضح مما سبق أن عرض التفسير في شقّيه ، التحليلي والإجمالي يعتمد على التفصيل في التحليل والاختصار في الإجمال ، وقد تبرعم من خلالهما المنهج المقارن عند جملة من الأعلام ، وطائفة من المفسّرين فيوازن بين الاتجاهات المختلفة ، ويعطي كل ذي حقّ حقه فلا يميل إلى جهة ، ولا يتحيّز الى طائفة ليبرز نواحي كل مفسّر في تفسيره ، فيسرد الآراء ويبيّن وجهات النظر المتباينة ، ويحقق القول في الاتجاهات التفسيرية ، فهو يستقري على المفسّر النحوي نحوه ؛ لإكثاره من وجوه الإعراب واختلاف القراءات وإيراد الحجج في ذلك ، ويستوعب ما أورده البياني في بلاغته في مدى إيراده أصول البيان العربي في التشبيه والمجاز والكناية والاستعارة  ، وهو يلاحظ التفسير بالأثر من وجه ، والتفسير من وجه آخر ، ويحقق القول فيما حقّقه كل منهما ، فيكون الباحث المفسّر على هذا اللون في التفسير ناقدا لما لا يقبله بذوق ، معرّجا على ما يرتضيه بنقل ، أو يبديه من رأي قائم على أساس الفكر والاستنباط ، لا على أساس الهوى المنهي عنه في التفسير .
إذن فهذا التفسير قائم على الموازنة والمقارنة بين النصوص القرآنية بعضها مع بعض  .
وبهذا يكون هذا اللون من التفسير قد اخذ يقترب شيئا فشيئا من التفسير الموضوعي ، ويتّجه نحوه آخذا شكلا آخر .
ثانيا : التفسير الموضوعي
    لا بدّ لنا من أن نشيرالى أن الموضوعية شيء ، وما نقصده بالتفسير الموضوعي شيء آخر ، فالموضوعية تعني الآداب المرعية لتفسير القران الكريم وهي (( شرط أساس وليس شرطا احترازيا ، أساسي لتلقي معاني القران كما أرادها الله ، وهو احترازي من النزوع إلى الهوى والتعرّض لشطحات الميول ، فالمتلقي ( للتفسير) يريد معرفة هذا النص على حقيقته ، والغوص إلى أعماقه ، والمفسّر الحق هو الباحث الذي ينفذ هذه الرغبة ، وينهض بهذه المهمة ، متطلعا إلى الأسرار ناصعة أنيقة.
أما التعدي على جمال القران ووحدته الفنية ، بالإيغال في النزاعات التقليدية ، والاصحار بمتاهات الخصومات ، فأمر ترفضه عقلية المثقف العصري وتلفظه روحية البحث الموضوعي) .
إذن فموضوعية التفسير أمر مفروغ منه ، إذ بدونه لا يسمى التفسير تفسيرا أما الذي نحن بصدده فهو يعني : (( أن يقوم جملة من المتخصصين على دراسة شذرات ونجوم من القران ، كل حسب تخصصه ، فيجمع مادة موضوع من مواضيع القران ، ويستقصيها إحصاء لتكون هيكلا مترابطا يشكل وجدة موضوعية متكاملة واحدة ، ثمّ يقوم بتفسيرها بحسب منهجه ، فالمتخصص بالأحكام يبحث آيات الأحكام ، والمتخصص بالعقائد يحصي آيات العقائد وهكذا ....... فالفن القصصي في القران يفرد في مبحث خاص ، والبعد التشبيهي يبحث في كتاب ، والمثل القرآني يصدر في رسالة...)  .
1- أنواع التفسير الموضوعي

ولما كان هذا المنهج يغني الباحث والمتلقي ، فقد جرت عادة المفسرين الابتداء بتفسير القران متسلسلا بدءا من سورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس وهو أسلوب يحافظ على ترتيب المصحف الشريف .
وان التفسير الموضوعي انقسم على ثلاثة أنواع وهي :-
النوع الأول : بالرغم من قيام المفسرين بتفسير القران تسلسليا إلا أن بعضهم نظر إلى السورة نظرة احاطة وشمول مع بيان أغراضها الخاصة والعامة وربط بين الموضوعات بعضها مع بعض مهما تعددت موضوعاتها وتباينت مناسبات نزولها ، وأول من تكلم على هذا وكشف عن بعض أسراره الشيخ الطوسي (ت460هـ) في ( التبيان في تفسير القران) ، وتبعه الطبرسي (ت548هـ) في ( مجمع البيان في تفسير القران) ، وعليه نهج الفخر الرازي ( ت606 هـ) في ( مفاتيح الغيب) ، وتبين ذلك جليا من خلال دراسة منتهج هؤلاء الأعلام في تفاسيرهم ، وقال الشاطبي ( ت790هـ) في هذا الصدد          (( إن السورة الواحدة مهما تعددت قضاياها فهي تكون قضية واحدة تهدف إلى غرض واحد ، أو تسعى لإتمامه اشتملت على عديد من المعاني ) .
وسار على هذا المنوال من المحدثين كل من الشيخ محمد عبده في تفسيره ، والشيخ محمد جواد البلاغي في آلاء الرحمن ، ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار ، ومحمد حسنين مخلوف في تفسير القرآن ، ومحمد حسين الطباطبائي في الميزان.
فعلى سبيل المثال إن سورة ( آل عمران ) تهدف إلى ترسيخ العقيدة وتحديد الشريعة ؛ لأنها من السور المدنية المطوّلة التي اشتملت على إبراز هذين الركنين المهمين من أركان الدين.
-    ركن العقيدة : وفيه إقامة البراهين والأدلة على وحدانية الله تعالى ، واثبات صدق النبوّة ، وصدق القران ، والرد على الشبهات التي يثيرها أهل الكتاب حول الإسلام والقران
-    ركن التشريع : ولا سيما ما يتعلق بالمغازي والجهاد في سبيل الله ، وأمور الربا ، وحكم مانع الزكاة  .
النوع الثاني :
     أما الكلام على جمع الآيات القرآنية التي هي في معنى واحد وجعلها تحت عنوان واحد وتفسيرها تفسيرا منهجيا موضوعيا لم يتعرّض له احد من المفسّرين من القدامى ، ولكن هذا الرأي لا يخلو من تطرّف ، فقد قام علماؤنا الأوائل على سبيل المثال بجمع الآيات المتعلقة بفقه القرآن ، وأطلقوا عليها اسم آيات الأحكام.
(( وقد سبق بعض الأوائل إلى هذا المنهج – ويقصد المنهج الموضوعي – من حيث لا يقصدون ، ولعل من أهم مظاهره هو التفسير التشريعي الذي عني بفقه القران وأحكامه ..... وهذا المنهج قد كشف قدرات اجتهادية في الاستنباط والقياس ووجوه اعتماد  الأحكام ) .
النوع الثالث :
وأما الكلام على استخلاص مضمون القران الكريم في نظرة موضوعية شاملة لاستجلاء ما يتضمنه من أنواع الهداية الإلهية ؛ فإن ذلك لم يحظَ بالعناية عند الاقدمين والمحدثين على السواء .
والنوع الثاني من هذه الأنواع الثلاثة هو الأنسب أن يطلق عليه تسمية التفسير الموضوعي وقد يتصور بعض منا أن المراد من هذا المصطلح ضدّ الذاتية التي هي عيب في البحث العلمي ؛ أي تلك السمة التي (لا بد للباحث من أن يكون موضوعيا وان يسمو بنفسه عن أن تضعف بإزاء هذا الغرض أو ذلك الغرض ؛ لأن الحقيقة اكبر ، وقد جاءت الموضوعية ضدا للذاتية أو حدّا من طغيانها على الأقل) . وهذا مما لا باس فيه وهو أول سمات البحث العلمي الرصين ، لكن اسم التفسير الموضوعي الذي قصده البحث بالاصطلاح مستحدث أطلقه العلماء المحدثون وتعريفه عندهم اخذ أشكالا عدة .


- تعريف التفسير الموضوعي:
لم نجد في حدود ما تتبعنا تعريفا اصطلاحيا للتفسير الموضوعي ، بل هي لا تعدو في أحيان كثيرة عن وصف له أو وضع طريقة لمنهجه ، ومن تلك التعريفات :
- قال أمين الخولي (أن يفسّر القران موضوعا موضوعا ، وان تجمع آية الخاصة بالموضوع الواحد جمعا إحصائيا مستقصيا ، ويعرف ترتيبها الزمني ، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها ثم ينظر فيها بعد ذلك لتفسر وتفهم فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى ، وأوثق في تحديده ، فصواب الرأي - فيما يبدو- أن يفسّر القران موضوعا موضوعا ، لا أن يفسر على أساس ترتيبه في المصحف الكريم سورا وقطعا ) .
- وقال محمود شلتوت:(( أن يعمد المفسر أولا إلى جميع الآيات التي وردت في موضوع واحد ، ثم يضعها أمامه كمواد يحللها ويفقه معانيها ، ويعرف النسبة بين بعضها وبعض يتجلى له الحكم ويتبين المرمى الذي ترمي إليه الآيات الواردة في الموضوع ، وبذلك يضع كل شيء موضعه ، ولا ُيكره آية على معنى لا تريده ، كما لا يغفل عن مزية من مزايا الصوغ الإلهي الحكيم ، وهذه الطريقة في نظرنا هي الطريقة المثلى )  .
- وتابع هذا التعريف محمد محمود حجازي حينما قال (( جمع الآيات التي في موضوع واحد ، وترتيبها حسب النزول ، مع الوقوف على أسباب النزول ، ودراستها دراسة منهجية موضوعية كاملة لتعطينا موضوعا واحدا له وحدة موضوعية متكاملة ومتناسقة لا تتباين فيها و لا اختلاف )  .
- وتابعهم أستاذنا الدكتور محمد حسين علي الصغير، فقال (( أن يقوم جملة من المتخصصين على دراسة شذرات ونجوم من القران كلّ حسب تخصصه ، فيجمع مادة موضوع من مواضيع القران ويستقصيها إحصاء لتكون هيكلا مترابطا يشكل وحدة موضوعية متكاملة واحدة ، ثم يقوم بتفسيرها بحسب منهجه ، فالمتخصص في الأحكام يبحث آيات الأحكام ، والمتخصص بالعقائد يبحث آيات العقائد وهكذا ..... فالفن القصصي في القران يبحث في مبحث خاصّ ، والبعد التشبيهي يبحث في كتاب ، والمثل القرآني يصدر في رسالة وهكذا....) .
ونجد مثل هذا التعريف عند جمع من أعلامنا المحدثين  .
-    وقد ذهب الدكتور محمد البهي الى الموضوعية في قبال الذاتية تارة ، والى هدف القران تارة أخرى في تعليله للتفسير الموضوعي فقال (( والتفسير الموضوعي ليس تفسير جملة من الآيات ، ولا استخلاص مضمونها في وحدة قرآنية واحدة ، وإنما هو استخلاص مضمون الكتاب ككل من نظرة موضوعية شاملة مرة .......... أو استخلاص موضوع محدد لمنهج القران في تطوير المجتمع وموقف القران من المادية مرة ثانية ... أو استخلاص هدف السورة الواحدة ، وما عنيت بإبرازه في إطار الدعوة كلها مرة ثالثة) .
ويلاحظ على هذه التعريفات أنها لم تكن جامعة مانعة بل أكثرها لا يعد أن يكون بيانا للمنهج المتّبع في التفسير الموضوعي وإبراز أهميته ، فمما يبدو لي أن التفسير الموضوعي : هو معرفة أحوال مجموعة من الآيات القرآنية في موضوع محدد ، مرتبة على حسب النزول تارة ، وغير مرتبة تارة أخرى من حيث دلالته على مراد الله تعالى بتيسير فهمه إلى المتلقي في كيان واحد ، وهيأة تركيبية متجانسة ، لا يفصل بينها فاصل ، فيصب ذلك في بحث مستقل يكون موضوعه ما في الآيات من موضوع.


آراء العلماء في حداثة التفسير الموضوعي :
اتجهت اراء العلماء في هذه المسألة اتجاهين هما :
الاتجاه الاول : ويرى اصحاب هذه المسألة ان التفسير الموضوعي منهج جديد يجب الاخذ به ، ويمثل هذا الرأي أمين الخولي ، فهو اول من نادى به في الجامعة المصرية حديثا فقال ( وننظر بين يدي الخطة في مسألة الترتيب لنبني عليه الرأي في كيفية تناول التفسير ، وهل نتبع الخطة التي ساوت حتى اليوم متدرجة على ترتيب سورة وآية في السور أم على غير هذا من ترتيب )  .
نستنتج من تساؤله هذا دليلا هو : ان التفسير التسلسلي ما زال قائما الى اليوم ، وان التفسير الموضوعي حديث النشأة ، واثار في تساؤله مسألة استخدام التفسير الموضوعي منهجا صحيحا لتفسير القران الكريم .
ودليله الاخر على حداثة التفسير الموضوعي تعرضه للتفسير التسلسلي في غير موضع حينما قال ( وليس تفسير القران سورة سورة الا تعرضا مفرقا لموضوعات مختلفة تتضمنها السورة الواحدة )  .
ودليله الاخران التفسير التسلسلي فيه اخلال بوحدة الموضوع في القران الكريم  ، وسار في هذلا الاتجاه جملة من اعلامنا المحدثين ، وعدوا الفسير الموضوعي من الاتجاهات التفسيرية الحديثة .
الاتجاه الثاني :
ويتمثل هذا الاتجاه بالدكتور محمد حسين الذهبي الذي ذهب الى ان التفسير الموضوعي قديم وله مؤلفاته الخاصة به ، وان علماؤنا القدامى افردوا لهذا الاتجاه التفسيري مؤلفات خاصة به ، وذلك من خلال قوله ( فابن القيم – مثلا – افرد كتابا عن اقسام القران سماه التبيان في اقسام القران ، وابو عبيد افرد كتابا للكلام على مجاز القران ، والراغب الاصفهاني أفرد كتابا في مفردات القران ، وابو جعفر النحاس افرد كتابا في الناسخ والمنسوخ ، وابو الحسن الواحدي افرد كتابا في اسباب النزول ، والجصاص افرد كتابا في احكام القران) .
    وللذهبي عدة ملاحظات على التفسير الموضوعي منها :
1-    ان التفسير الموضوعي يضيّق دائرة البحث في التفسير .
2-    يتناول التفسير الموضوعي ناحية واحدة من نواحي التفسير المتعددة والمتشعبة .
3-    جمع ما تفرق من اجزاء الموضوع الواحد وافراده بالدرس والبحث  . 
- الراي المختار:
    ان التفسير الموضوعي لم يكن معروفا عند القدامى بمصطلحه العلمي المعروف اليوم ، ولم تكن مؤلفاتهم خالية منه ، فالذي يساعد على بروز هذا المنهج تلك الارهاصات القديمة التي عنها احتلال التفسير الموضوعي مكانته في العملية التفسيرية التي ارادت ، وما زالت تريد ، تجلية الهداية الالهية للبشرية قاطبة ، وكانت تلك الارهاصات تتمحور على عدة نقاط منها :
1- توجيه الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله) لصحابته من خلال جمعه للايات المتعلقة بالموضوع الواحد وتفسيرها .



3- نزوع الصحابة والتابعين الى تفسير القران بالسنة ونعني بذلك لجوؤهم الى السنة النبوية عند تفسيرهم للموضوع المعالج في القران الكريم .
4- اراء العلماء في مسالة تناسب الايات ، وما اثار هذا الموضوع من جدل علمي بينهم ، واخيرا اجماعهم على توقيفيته مستدلين على ذلك بايات قرانية واحاديث نبوية ، وانواع ذلك التناسب من :
أ- مناسبة فواتح السور وخواتيمها .
ب- مناسبة فاتحة السورة لخاتمة ما قبلها .
ج- اختصاص كل سورة من السور المفتتحة بالحروف المقطعة بما بدأت به.
د- التناسب: بالتنظير والتضاد والاستطراد والتخلص الى الغرض.
5- ظهور فكرة الوحدة الموضوعية ، وهي تنقسم على قسمين :
اولا: المحدة الموضوعية داخل السورة .
ثانيا: الوحدة الموضوعية للموضوعات القرانية ؛ لأن القران الكريم لم يعالج الموضوع الواحد غالبا في السورة الواحدة .
6- اكتمال البحث في التفسير التسلسلي وازدهار مدوناته العلمية مما جعل العلماء يلتفتون الى تفسير القران الكريم على موضوعات.
هذه بعض الارهاصات التي ساعدت على نشوء التفسير الموضوعي وظهور الحاجة في الوقت الحاضر لمثل هذا التفسير .
4- تقويم التفسير الموضوعي
    قد يلاحظ عدم اهتمام القدامى من المفسرين بهذا المنهج ، والحق إن الأمر ليس قصورا ، ولكن لم يتحقق هذا المنهج بدراستهم ؛ لأن التفسير الموضوعي يتجه بمنهجه نحو التخصص والتضييق لدائرة البحث كل على حسب تخصصه و(( لأن مبدأ التخصص لم يكن قديما متجها إليه وان حاجتهم لم تكن ماسّة لدراسة موضوعات القران الكريم على هذا النحو ، فهم حفاظ للقران الكريم ودرايتهم بالثقافة الإسلامية شاملة وعميقة ولهذا فلديهم القدرة على ربط ما تفيد الآية المتعلقة بموضوع معيّن بما يوضحها من معلوماته الخاصة بالموضوع نفسه ) .
    وان من يدقق النظر ويجيل الفكر بهذا اللون من الدراسة القرآنية ، وهي التفسير الموضوعي يرى انه محاولة جادة وحقيقة لمسايرة أفكار الناس وآرائهم ، يقول الشيخ محمود شلتوت (( وبهذا يطمئن الناس بطريقة عملية واضحة إلى أن القران ليس بعيدا عن حياتهم ولا من نواحي تفكيرهم ، ولا عن مشكلاتهم التي تعرض لهم في كل حين ، يطمئنون إلى أن القران ليس كتابا روحيا فقط مهمته أن يشرح طرق القربى إلى الله من غير أن يعنى بشيء من وسائل الحياة) ، وان التفسير الموضوعي يلاحق قضايا العصر التي أصبح جيلنا في حيرة من أمرها ويرى عن كثب رأي الدين في هذه القضايا ، وان (( مشكلات الحياة ليست مجموعة مترابطة يشدّ بعضها البعض الآخر ، وإنما هي مجموعة متناثرة تجدها في كل زاوية من زوايا الهرم الإنساني في الحياة فهناك المشكلة الاقتصادية المتأرجحة بل المتذبذبة بين الرأسمالية والاشتراكية ، وهما أي : الرأسمالية والاشتراكية منقسمان إلى أصناف واعتبارات فأي الرأسمالية انجح وأنجع في الاقتصاد أهي الرأسمالية الليبرالية أم الإمبريالية أم الحرة ، وأي الاشتراكية أولى لتنظيم الحياة أهي الاشتراكية العلمية أم

العربية أم الاشتراكية العامة ، إن التفسير الموضوعي للقران الكريم هو الذي يعطيك الجواب عن هذه التساؤلات ، وهو الذي يتكفل بوضع البرامج الحقة لنظرة القران حول هذه الموضوعات ، وفي النهاية سنجد الحل المناسب للمشكلة الاقتصادية في المكان المناسب من القران الذي يمثل وجهة نظر الإسلام في موضوع خطير كهذا الموضوع وهكذا بقية الموضوعات ) .
أقول: لو قدمت الأبحاث القرآنية بطريقة تتناسب في أسلوبها طرق العصر ومفاهيمه لوجد الناس فيها تسكينا لخواطرهم ، وما يجول بوجدانهم والراحة لأفكارهم من القلق الذي يصيبها من جرّاء التطور في الوقت الحاضر فضلا عن البعد عن الدين والهداية الإلهية ، ويقول الدكتور محمد البهي في هذا الموضوع (( إذا كان المتقدمون من العلماء المسلمين خدموا القران لتجلية معاني كلماته وآياته ... وبيان موقعها في فصاحة العرب في الأسلوب والتراكيب والإعجاز ..... واستخلاص الأحكام الفقهية منها والاستلال بها على بعض الآراء والاتجاهات في العقيدة والمذاهب الكلامية للطوائف المختلفة فان ذلك لم يكن الطرق الأفضل الذي يشير إلى القيمة الذاتية الحقيقية للقران دليلا صادقا على رسالة الرسول( صلى الله عليه وسلم ) وإنما كان أشبه بتوضيح مفكك للهداية الإلهية ، وربما كان التفسير الموضوعي أو استخلاص جوانب هذه الهداية بحيث تحدد أهداف الرسالة ، هو السبيل الأيسر للإيمان بمستواها الرفيع الذي يعجز عنه البشر)  ، وبهذا تتبين أهمية التفسير الموضوعي والمناداة به ؛ لان فيه ردا لشبهات المستشرقين وتلفيق المستغربين من أن القران الكريم تكثير لا داعي له للموضوع الواحد ، وفي تقريبه للشباب المسلم المعاصر الذي صار أرضا خصبة تتقبل أي تيار ثقافي آت من الغرب أو الشرق لبعده عن القران الكريم وتفسيره ؛ لأن التفاسير القديمة في بعض الأحيان لا تفي بالغرض من استجلاء القيمة الحقيقية للهداية الإلهية الحقة ودس في بعضها الآخر الكثير من الموضوعات والإسرائيليات التي لا يتقبلها العقل السليم .
    إن التفسير الموضوعي للقران الكريم يعدّ بحقّ تفسيرا مناسبا لمواكبة تطورات العلم ، وزحمة التخصص العلمي ومسايرة متطلبات الحياة ، وهو التفسير الدقيق الذي يشبع الموضوع الواحد بحثا ، واستقصاء ، وتفسيرا ، فمثلا عندما تريد معرفة موقف القران الكريم من المرأة وما هي نظرتها إليها ؟ وكيف حملها بعض الواجبات وأعطاها حقوقا لم تكن متوافرة عند باقي الأديان ، فانك تجد ذلك في أي تفسير من التفاسير التقليدية التي سادت على المناهج المعروفة على أجزائه ومفرقا بين أنحائه ، فلو درس هذا الموضوع على حدة أي ( المرأة في القران ) ، سيكون عليك من السهل قراءة وتفهّم هذا الموضوع ، وكذلك بالنسبة لباقي الموضوعات من مثل العفو في القران، والاقتصاد في القران ، والتشريع في القران ، وغيرها من الموضوعات المتشعبة والمتعددة.
5- الفرق بيت التفسير التسلسلي والتفسير الموضوعي :
للتفسير الموضوعي فروق عدة مع التفسير التسلسلي نذكر منها :
أ‌-    التفسير التسلسلي يبرز الهداية الإلهية للبشرية وله علاقة بالإعجاز ، بينما التفسير الموضوعي ينظّم قضية واحدة ويناقشها منم جميع جوانبها ، والباحث  يرى أن لا تعارض بين المسألتين ، وسأبين الخصائص التي ترجح الأخذ بالتفسير الموضوعي .      
ب _ يلتزم المفسر بالتفسير التسلسلي بالترتيب التوقيفي للآيات ، والسور كما هو في المصحف ، والتفسير الموضوعي لا يلتزم بذلك الترتيب بل يلتزم بترتيب آيات الموضوع الواحد المزمع دراسته ، بعد تجميعها وانتزاعها من سورها .
ج- في التفسير التسلسلي وبمناهجه المختلفة يصعب على الناظر فيه ان يجد ابحاثا مستقلة في الموضوعات ، وفي التفسير الموضوعي يمكن ان تنظم الموضوعات القرآنية على هيأة أبحاث مستقلة ينفرد بعضها عن بعض بالبحث والدراسة .
د- ان التفسير التسلسلي معروف عند علمائنا القدامى وتزخر به المكتبة القرانية ، والتفسير الموضوعي وان وجدت له في القديم جذور ، الا انه لم يأخذ طابعه النهائي بعد .

هذه بعض الفروق التي استطعنا استخلاصها من نوعي التفسير من تسلسلي وموضوعي .
    وأخيرا فكيف السبيل الى تحقيق كل ما تقدّم ؟ هذا ما تعرضه هذه الدراسة ، وسنحاول في ذلك دراسة التفسير الموضوعي للقران الكريم بما لم يتناول من قبل كما ستلمس ذلك في دراسة معالمه ، وموارده ، وخصائصه ، وغير ذلك مما ستكشف عنه الصفحات الاتية ان شاء الله .